«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

اتهامات لتشكيلات مسلّحة بـ«الاتجار» في المحروقات

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)

عاد ملف تهريب الوقود إلى واجهة المشهد الليبي، بعد أن تزايد حديث السلطات في غرب البلاد عن «حلول وآليات جديدة» للحد من هذه الأزمة المزمنة التي تواجه الدولة منذ أكثر من عقد، في ظل انقسام سياسي وعسكري مستمر.

وأشارت مصادر رسمية (سابقة) ومحللون سياسيون لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تهريب الوقود في ليبيا لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل يتداخل مع مصالح سياسية، وشبكات مسلحة ميليشياوية معقدة، ما يزيد صعوبة وضع حلول فعالة.

«اللواء 444» التابع لحكومة «الوحدة» يعلن ضبط شاحنات مهربة عبر مسار جبلي بغرب ليبيا (اللواء)

وتجددت التساؤلات حول أزمة تهريب الوقود على وقع حديث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأربعاء، عن «أهمية تفعيل آليات متابعة ورقابة مشتركة، ووضع إجراءات واضحة، لضمان وصول الوقود إلى مستحقيه».

وليس هذا الحديث الحكومي الأول من نوعه، إذ كان تهريب المحروقات محور مناقشات لجنة فنية شكلها رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، في أغسطس (آب) 2025، للتدقيق في عقود قطاعي النفط والكهرباء خلال السنوات الخمس الماضية، وفق ما صرح مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط».

وأشار المصدر ذاته، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إلى أن «قضية تهريب المحروقات لم تحقق أي تقدم حتى الآن، لكون اللجنة فنية، ومحدودة التحرك ميدانياً، فضلاً عن تأخر بعض الجهات في إتاحة المعلومات المطلوبة».

وينظر مراقبون إلى تهريب المحروقات باعتباره أحد المنغصات في الأزمة الليبية منذ 2011، إذ سجل تقرير سابق لخبراء الأمم المتحدة زيادة ملحوظة في عائدات الميليشيات المسلحة من الديزل، «مستفيدة من نفوذها» على مرافق حكومية رئيسة.

وكان النائب العام، الصديق الصور، أكثر وضوحاً في هذا الشأن، عادّاً أن «عمليات التهريب تموّل بعض المجموعات المسلحة»، وفق تصريحات تلفزيونية الأربعاء.

وفي هذا السياق، شكك وزير النفط والغاز السابق، محمد عون، في قدرة حكومة «الوحدة» على الحد من الظاهرة، مشيراً إلى أن «غياب السيطرة الأمنية الفعلية على كامل الأراضي الليبية، إلى جانب سنوات من العبث والفساد، يقوض أي آلية حكومية».

ويذهب عون إلى الاعتقاد، بحسب تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، بأن «جذور الأزمة تكمن في تدخلات سياسية مباشرة في قطاع النفط، ومخالفة صريحة للتشريعات، وأن الجهود لم تفلح رغم إصداري خلال فترة تولي الوزارة مذكرات متعددة لمؤسسة النفط والجهات الرقابية».

ولم يتوقف الحديث عن «هيمنة» المجموعات المسلحة على ملف تهريب الوقود في ليبيا عند التقارير الأممية، إذ سبق أن تحدثت دراسة لمنظمة «ذا سنتري» الأميركية غير الربحية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن «تورط قيادات عسكرية» محسوبة على «الجيش الوطني» وأسماء مرتبطة بحكومة «الوحدة»، دون أي رد رسمي من الأطراف المعنية.

ويعتقد المحلل السياسي حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تهريب الوقود هو «جزء من منظومة مصالح مسلحة وسياسية تشكّلت خلال سنوات الانقسام، والفوضى». وأضاف أن هذه الشبكات «تدار، أو تحمى من قبل مجموعات مسلحة محددة، وتستفيد من غطاء سياسي، وأمني، ما يتيح لها تحقيق أرباح تُقدّر بمئات الملايين سنوياً»، مشيراً إلى أن نشاطها «يمتد داخلياً وخارجياً، ليصبح جزءاً من اقتصاد غير مشروع عابر للحدود».

وتُعدّ مدينة الزاوية غرب ليبيا من أبرز مراكز تهريب الوقود المدعوم خارج البلاد، حيث كشف النائب العام عن ضبط 42 ألف لتر ديزل معدّة للتهريب في منطقة المطرد بالزاوية، مصحوبة بمواجهات محدودة مع المهربين في أغسطس الماضي.

ويبرز الحل الأمني كأحد الخيارات التي لا يستبعد مراقبون أن تلجأ إليها حكومة الدبيبة، لمواجهة التشكيلات المسلحة، وعصابات التهريب، خاصة بعد إطلاق عملية عسكرية في الزاوية العام الماضي، واستخدام طائرات مسيّرة لمكافحة أوكار المهربين.

ويقر فنيش بأن «المسيّرات توفر قدرة أكبر على مراقبة الطرق الصحراوية، والسواحل، وخطوط النقل الطويلة، بتكلفة سياسية وعسكرية أقل من المواجهة المباشرة»، لكنه يرى أن مجمل الحلول الأمنية والعسكرية «تبقى أدوات مؤقتة ما لم تُدمج ضمن استراتيجية شاملة، إذ يظل غياب القرار السياسي الموحد، والقدرة التنفيذية الفعلية عائقين أمام تفكيك الشبكات».

ويشير إلى أن جوهر المشكلة يكمن في جوانب فنية واقتصادية تشمل «اختلالات في منظومة الدعم، والتسعير، وآليات التوزيع، وضعف الرقابة المالية».

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتبلغ خسائر ليبيا من تهريب المحروقات نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، بالنظر إلى اعتماد البلاد على أسلوب «مبادلة النفط بالمحروقات»، بحسب تقديرات النائب العام، فيما كشفت بيانات ديوان المحاسبة الأخيرة عن إنفاق نحو 45 مليار دينار خارج سجلات وزارة المالية لدعم الوقود، دون إدراج المحروقات ضمن بند الدعم في الترتيبات المالية للدولة للعام الماضي، ما يعكس هشاشة الرقابة، وانهيار أجهزة الدولة، بحسب مراقبين. و(الدولار) يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و9.09 دينار في السوق الموازية.

وكان صندوق النقد الدولي اقترح إصلاحات اقتصادية برفع سعر البنزين في ليبيا إلى 3.3 دينار للتر، وذلك على مراحل تمتد لثلاث سنوات، مع تقديم دعم نقدي شهري يصل إلى 509 دنانير لكل مواطن، ما يفتح الباب لاحتمالية رفع الدعم بشكل تدريجي. ويبلغ سعر لتر البنزين 0.150 دينار، وهو أحد أدنى الأسعار عالمياً، ما يجعل تهريبه نشاطاً بالغ الربحية.

ويرى الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود، لـ«الشرق الأوسط»، أن حديث الدبيبة عن «أسعار مقبولة للبنزين» قد يكون إعلاناً ضمنياً عن هذا «المسار الإصلاحي».


مقالات ذات صلة

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

تجويع وتعذيب ينتهي بقتل... وقائع مأساة جديدة تكشفها مديرية أمن أجدابيا في (شرق ليبيا) يتعرض لها مهاجرون غير نظاميين على يد عصابات الاتجار بالبشر.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مستقبلاً بالقاسم حفتر مساء الأحد (مجلس الوزراء المصري)

مصر تعزز حضورها في مشاريع «إعادة إعمار» ليبيا

بحث مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، بالقاسم حفتر، في القاهرة «سبل الاستفادة من الخبرات والشركات المصرية في تنفيذ مشروعات الإسكان والطرق والمرافق في بلاده».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

تتدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين على شواطئ ليبيا بقصد الهجرة إلى دول أوروبية، وسط تساؤلات عن أسباب إخفاق الأجهزة الأمنية في مواجهة «مافيا الاتجار بالبشر».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا توقيع اتفاق عودة السيادة على مصفاة رأس لانوف (المؤسسة الوطنية للنفط)

ليبيا تستعيد «سيادتها الكاملة» على إدارة مصفاة رأس لانوف النفطية

بارك عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عودة مصفاة رأس لانوف إلى «السيادة والإدارة الليبية الكاملة» بعد سنوات من النزاعات القضائية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

تمسّك الدبيبة بـ«الدستور أولاً» يعيد الجدل في ليبيا

أثار حديث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» بليبيا، حول ضرورة اعتماد الدستور أولاً حالة من الجدل، لا سيما أن حكومته تشارك في اجتماعات لجنة «4+4».

جاكلين زاهر (القاهرة)

الجزائر تستنفر لمواجهة «فيروس هانتا» بإجراءات استباقية

سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
TT

الجزائر تستنفر لمواجهة «فيروس هانتا» بإجراءات استباقية

سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)

سارعت الجزائر على سبيل الاحتراز لاتخاذ أول إجراءاتها الوقائية لمواجهة فيروس «هانتا»، وذلك عقب رصد حالات إصابة على متن سفينة الرحلات البحرية (MV Hondius).

وتأتي هذه التحركات الاستباقية بعد تسجيل إصابة مؤكدة في فرنسا لراكب من بين خمسة تم إجلاؤهم، بالإضافة إلى رصد إصابة أخرى في إسبانيا لراكب لم تظهر عليه أي أعراض. ورغم أن منظمة الصحة العالمية استبعدت خطر تحول الفيروس إلى وباء عالمي، فإن الجزائر آثرت أخذ زمام المبادرة بتفعيل مخططات الترصد واليقظة الصحية لضمان أقصى درجات الحماية.

ملصق للهلال الأحمر الجزائري حول سبل مواجهة فيروس «هانتا»

وفي مذكرة موجهة إلى الهياكل الاستشفائية والولاة، أوضحت وزارة الصحة التنظيم الخاص بالتحضير والإنذار لمرض فيروس «هانتا أنديز»، وغيره من الأمراض الحيوانية المنشأ التي تنقلها القوارض، حسبما نشره الموقع الإخباري الفرنكفوني «كل شيء عن الجزائر»، الثلاثاء.

تحسب لفيروس «هانتا»

وحددت وزارة الصحة ثلاثة أهداف رئيسية، وفق ما تضمنته المذكرة. يتمثل الهدف الأول في عرض أهم المعطيات المتعلقة بهذا المرض، وتقييم مستوى الخطر في الجزائر، والتي «يجب تعميمها على نطاق واسع بين مستخدمي قطاع الصحة».

أما الهدف الثاني فهو توضيح كيفية التكفل بـ«حالة مشتبه فيها بفيروس (هانتا) منذ اكتشافها إلى غاية تحويلها إلى مكان التكفل بها». فيما يتمثل الهدف الثالث في التذكير بـ«الإجراءات المتعلقة بتعزيز الوقاية، ومكافحة الأمراض الحيوانية المنشأ التي تنقلها القوارض».

وطمأنت وزارة الصحة المواطنين، مؤكدة أن الخطر بالنسبة للجزائر «يُعد ضعيفاً»؛ لأنه «لم يتم تحديد أي رابط وبائي مباشر، كما أن انتقال فيروس (أنديز) بين البشر يبقى نادراً، ويتطلب احتكاكاً وثيقاً ومطولاً». ومع ذلك، أكدت الوزارة أن هناك حاجة إلى «تعزيز اليقظة بسبب التنقل الدولي، وفترة الحضانة التي قد تصل إلى ستة أسابيع، مما يترك احتمال اكتشاف حالات مستوردة في وقت متأخر».

وزارة الصحة الجزائرية تطلق إجراءات احترازية لمواجهة فيروس «هانتا»

وحددت الوزارة الحالة المشتبه فيها بأنها «كل شخص شارك، أو استعمل وسيلة نقل تم فيها تسجيل حالة مؤكدة، أو محتملة للإصابة بفيروس هانتا (ANDV)، وظهرت عليه أعراض حادة حالية أو سابقة تتوافق مع الإصابة بهذا الفيروس».

ومن بين هذه الأعراض الحمى (أكثر من 38 درجة مئوية)، وآلام العضلات، والقشعريرة، وأعراض هضمية حادة مثل الغثيان، والتقيؤ، الإسهال، وآلام البطن، أو أعراض تنفسية حادة، مثل السعال، وضيق التنفس، وألم الصدر، وصعوبة التنفس.

إجراءات على الحدود

بخصوص الإجراءات على مستوى الحدود (الموانئ، المطارات والمعابر البرية)، طلبت وزارة الصحة، التأكد من توفر معدات الحماية الفردية، والمحاليل الكحولية، وأجهزة المراقبة مثل مقاييس الحرارة الأمامية أو عن بُعد، وتخصيص فضاء يسمح بالعزل المؤقت لأي مسافر تظهر عليه الأعراض، وإعداد قائمة بمعلومات المستشفى المرجعي والأشخاص المسؤولين، الذين يجب الاتصال بهم لتحويل أي حالة مشتبه فيها وفق تعريف منظمة الصحة العالمية، وتحديد الشخص المسؤول عن عملية نقل الحالة المشتبه فيها، وتسجيل بيانات المسؤول على مستوى مديرية الصحة والسكان. كما طلبت إعلام وتحسيس جميع العاملين في نقاط الدخول بالإجراءات الخاصة بالكشف والتبليغ.

وعلى مستوى المستشفيات، تم تحديد أربع إجراءات أساسية: التأكد من إمكانية إعادة تفعيل نظام استقبال والتكفل بالحالات، الذي تم اعتماده خلال التهديدات الصحية السابقة، وأن يكون جاهزاً للعمل في أي وقت، وإدراج سؤال منهجي في أثناء الفرز الأولي حول السفر، والاتصالات، والتعرض لعوامل الخطر خلال الـ42 يوماً السابقة لظهور الأعراض، ومراقبة توفر معدات الحماية الفردية، وأجهزة قياس الحرارة، والمحاليل الكحولية.

كما طلبت الوزارة التأكد من تطبيق بروتوكولات العزل والعلاج المناسبة للحالات المشتبه فيها بفيروس «هانتا».

مكافحة القوارض

وفي تعليماتها، ذكّرت وزارة الصحة بالأمراض الأخرى التي تنقلها القوارض، وأصدرت توجيهات لمكافحتها، من بينها: توعية ميدانية من خلال برامج الإعلام والتثقيف، والاتصال حول طرق الوقاية من الأمراض التي تنقلها القوارض، واحترام قواعد النظافة الجماعية. وتكثيف حملات القضاء على الجرذان والقوارض، وإنشاء تنسيق بين مختلف القطاعات المعنية (الصحة، البيئة، الجماعات المحلية)، علاوة على إدراج هذه الإجراءات ضمن «استراتيجية شاملة للوقاية من الأمراض الحيوانية المنشأ».

ملصق تحسيسي ضد فيروس «هانتا»

وتحولت رحلة استكشافية انطلقت من الأرجنتين إلى أزمة صحية عالمية، بعد تفشي فيروس «هانتا» على متن السفينة MV Hondius. وتعود جذور القصة إلى مطلع أبريل (نيسان) الماضي، حين أبحرت السفينة من مدينة «أوشوايا» في رحلة عبر المحيط الأطلسي باتجاه السواحل الأفريقية، قبل أن تتحول إلى بؤرة عائمة للفيروس وتستنفر السلطات الصحية في عدة دول.


بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
TT

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

كشف العثور على ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة قريبة من مدينة أجدابيا، الواقعة شرق ليبيا، مأساة جديدة يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين، تتمثل في احتجازهم داخل أوكار، وإخضاعهم للتعذيب والتجويع قبيل تهريبهم إلى أوروبا عبر البحر، أو «التخلص منهم».

قارب خشبي قيد التجهيز داخل مصنع عثر عليه في أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

وبدأت القصة بحسب رواية مديرية أمن أجدابيا، مساء الاثنين، بتلقي بلاغ من «اللواء 166 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني»، حول وجود ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة بشر القريبة من أجدابيا، بجوار قارب قذفه البحر على الشاطئ. وقالت المديرية إن اللواء امبارك بوحرارة، مدير المديرية، كلّف قوة أمنية انتقلت إلى مكان الواقعة، «ليعثروا بالفعل على ثلاث جثث لأشخاص فارقوا الحياة في ظروف مأساوية، إضافة إلى قارب مرمي على الشاطئ؛ وبتفتيشه عُثر بداخله على 9 جوازات سفر، أربعة منها تعود لأشخاص من بنغلاديش، وخمسة لمواطنين مصريين».

وأمام هذه المعلومات، كلّفت مديرية الأمن قسم التحريات العامة بها بتسلم ملف القضية، والتعاون مع مركز شرطة منطقة بشر لكشف ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤولين عن «هذه الجريمة البشعة».

احتجاز وتعذيب

تقول المديرية إنه مع بداية عمليات التحري وتفعيل الدوريات الأمنية، «تم الاشتباه في شخص يتجول بمنطقة بشر، وقد بدا مرهقاً، فتم توقيفه واقتياده إلى مقر المركز، وبالاستدلال معه تبين أنه مصري الجنسية، تمكن من الهروب من أحد أوكار احتجاز المهاجرين غير الشرعيين بمنطقة بشر».

وذهبت المديرية إلى أن المواطن المصري «أدلى بإفادات صادمة»، تبين منها أنه «كان محتجزاً مع عدد من المصريين، وآخرين من جنسيات أخرى مختلفة داخل وكر يُستخدم لتعذيب المهاجرين وابتزاز ذويهم من أجل الحصول على الأموال».

وعادة ما يتعرض المهاجرون الراغبون في الهجرة إلى أوروبا للخطف في ليبيا، والتعذيب على يد عصابات الاتجار بالبشر، ومساومة أسرهم على الأموال مقابل إطلاق سراحهم، أو القتل في حال عدم حصولهم على «الفدية» المطلوبة.

ورصدت الأمم المتحدة في تقرير نشرته في 17 فبراير (شباط) الماضي، إخضاع المهاجرين واللاجئين، وطالبي اللجوء في ليبيا «لانتهاكات وتجاوزات ممنهجة وقاسية لحقوق الإنسان، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر».

ثلاث جثث

بعض ما رصدته الأمم المتحدة تجسّد في الأوكار التي كُشف عنها في أجدابيا؛ حيث قالت المديرية إن المواطن المصري نجح في التعرف على هوية الجثث الثلاث، مؤكداً أن «اثنين منهم من الجنسية البنغلاديشية والثالث مصري»، وأنهم كانوا ضمن المجموعة ذاتها المحتجزة داخل الوكر الإجرامي، كما تعرف أيضاً على جوازات السفر التي عُثر عليها في القارب.

16 مصرياً بينهم طفل قبيل ترحيلهم من شرق طرابلس اليوم الثلاثاء (جهاز مكافحة الهجرة)

وقال مصدر أمني في شرق ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من مافيا الاتجار بالبشر تتخلص من ضحاياها، بعد تعذيبهم وتجويعهم إذا لم تحصل على الأموال المطلوبة من أسرهم»، مشيراً إلى أن «عديداً من التشكيلات الإجرامية سبق وتطورت في جرائم من هذه النوعية».

وكانت الأجهزة الأمنية قد فككت، العام الماضي، لغز العثور على 19 جثة كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر، وتبين حينها أن المزرعة كانت تستعملها شبكة للاتجار بالبشر.

وعلى إثر فاجعة أجدابيا، قالت المديرية إنه تم تشكيل فريق عمل للتحري وجمع المعلومات حول هذه الواقعة، والأماكن المستخدمة في احتجاز المهاجرين غير النظاميين، مشيرة إلى أن «التحريات كشفت عن وجود تشكيل عصابي إجرامي خطير، يضم عناصر من ذوي السوابق في قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر».

«تحرير 120 مهاجراً»

وأوضحت المديرية أنه بعد عمل متواصل استمر قرابة أسبوعين، تمكنت الفرق الأمنية من «تحرير 120 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة، رجالاً ونساءً، كانوا محتجزين في أماكن ومواقع مختلفة». كما تم «تحديد مواقع عدة تُستخدم كأوكار لإيواء وتعذيب المهاجرين؛ إلى جانب مواقع لتصنيع القوارب المستخدمة في عمليات التهريب»، منوهة إلى أنها ضبطت 6 قوارب تستخدم في تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط، منها 3 تحت التصنيع. كما لفتت إلى أن المداهمات «كشفت عن وجود مصنع متكامل داخل وكر إجرامي في مدينة أجدابيا، يُستخدم في تصنيع قوارب التهريب، مجهز بآلات النجارة والمعدات والمواد الخام اللازمة لبناء القوارب محلية الصنع».

جوازات سفر لمواطنين من مصر وبنغلاديش تم العثور عليها في قارب قذفته الأمواج إلى الشاطئ قرب أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

ويعتبر التقرير الأممي أن المهاجرين «يتعرضون لانتهاكات وتجاوزات مروعة بشكل روتيني في ليبيا؛ بما في ذلك الاستعباد والتعذيب والتشغيل القسري، والإجبار على ممارسة الدعارة، وغيرها من أشكال العنف الجنسي، والابتزاز مقابل فدية. فضلاً عن مصادرة ممتلكاتهم ووثائقهم الثبوتية وإعادة بيعها».

وأمام هذه الجرائم التي توصّلت إليها مديرية أمن أجدابيا، أصدرت أوامر ضبط وإحضار بحق عناصر التشكيل العصابي الفارين، وترحيل من تم ضبطهم، وعرض الجثث على الطبيب الشرعي.

لكن بين محطات رحلة الهروب إلى ليبيا بهدف الوصول إلى أوروبا يسقط أشخاص في قبضة عصابات، ويفلت آخرون، بينما يظل هناك مفقودون بالمئات، تظل أسرهم تبحث عنهم ويقعون هم الآخرين ضحايا عمليات ابتزاز من «أطراف مجهولة».

وجرائم خطف المهاجرين وتعذيبهم وطلب «الفدية» لا تختلف في غرب ليبيا عن شرقها، فقد قال جهاز المباحث الجنائية إنه «فكك شبكة إجرامية لتهريب المهاجرين عبر البحر، والاتجار بالبشر في العاصمة الليبية طرابلس».

وأوضح الجهاز، مساء الاثنين، أنه «تمكن عقب تنفيذ عملية أمنية دقيقة استهدفت أوكار عناصر الشبكة داخل نطاق مدينة طرابلس»، لافتاً إلى أن ذلك يأتي في إطار التعاون الأمني المشترك، والتنسيق المستمر بين الإدارة العامة للدعم المركزي ومديرية أمن طرابلس.

وتعمل ليبيا على التوسع في ترحيل المهاجرين غير النظاميين عبر برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة. وفي هذا الإطار، قال جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بشرق طرابلس، الثلاثاء، إنه رحّل 16 مهاجراً من الجنسية المصرية، كانوا من ضمن نزلاء مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس، وذلك عبر مطار معيتيقة الدولي.


موريتانيا: تصعيد سياسي منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني

وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
TT

موريتانيا: تصعيد سياسي منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني

وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)

في موجة جديدة من التصعيد السياسي الذي تعيشه موريتانيا، منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار بين المعارضة والسلطة، في أبريل (نيسان) الماضي، علَّق البرلمان، الاثنين، جلسة علنية كان يحضرها وزير الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية، وذلك على أثر مشادات كلامية بين الوزير وأحد نواب المعارضة.

كان وزير الصيد، المختار أحمد بوسيف، يعرض أمام البرلمان مشروعيْ قانونين يتعلقان بتعزيز الإطار القانوني البحري في موريتانيا، وذلك من خلال الانضمام إلى اتفاقيتين دوليتين في مجال النقل والملاحة البحرية، لكن أثناء عرضه دخل في مشادات مع النائب يحيى ولد أبو بكر، رئيس الفريق البرلماني لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» المعارِض.

واندلعت المشادات بين الوزير والنائب حين قال الوزير إن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شيَّد منذ وصوله إلى الحكم في عام 2019 أكثر من 3700 كيلومتر من الطرق المعبَّدة، وهو ما اعترض عليه النائب البرلماني الذي عَدَّ أن الأرقام غير دقيقة.

واحتجّ الوزير على مقاطعة النائب إياه مشيراً إلى أنها المرة الثالثة التي قاطعه فيها، وقال: «أنا لا أتلقى منك الدروس، ولا تعلمني ما يجب أن أقول، لا تقاطعني. أنجزت في هذا البلد 3700 كيلومتر من الطرق، ولا يمكن أن يمحوها وقوفك أمام القمامة وما تقوم به من شعبوية»، مضيفاً: «نحن نحترمكم كنواب، لكن عليكم أيضاً أن تنتبهوا للغة التي تتكلمون بها معنا».

وأثارت طريقة حديث الوزير غضب نواب المعارضة، في حين رد عليه النائب ولد أبو بكر: «وقوفي بين النفايات لنقل معاناة المواطنين أشرف من وقوفك وزيراً متبجحاً أمام البرلمان»، قبل أن يتهم نوابُ المعارضة الوزير باستخدام ألفاظ مُهينة للنائب، وطلبوا منه سحبها والاعتذار عنها، لكنه رفض بشدة وقال: «لن أسحب أي كلمة».

وأمام تصاعد التوتر بين الوزير ونواب المعارضة، قرر رئيس الجلسة رفعها لحين التوصل إلى حل. وبعد ساعات من التفاوض وراء الكواليس، استؤنفت الجلسة، بعد أن قدَّم الوزير اعتذاراً للبرلمان عمّا قد يُفهَم من تصريحاته، مؤكداً أن مهمة النواب لا تشمل مقاطعة أعضاء الحكومة أثناء مداخلاتهم.

من جانبه قال النائب البرلماني إن مقاطعته مداخلة الوزير جاءت في إطار واجبه بصفته نائباً في البرلمان، بهدف تصحيح ما قال إنها «معلومة مغلوطة» قدَّمها الوزير للشعب الموريتاني، على حد تعبيره.

وتعيش موريتانيا حالة من التصعيد بين المعارضة والسلطة، وذلك منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد إعادة انتخابه رئيساً للبلاد في عام 2024، لكن هذا الحوار يواجه عقبات منعت انطلاقه بعد أكثر من عام من التحضير له.

وخرجت المعارضة إلى الشارع، الأحد الماضي، وندَّدت بسياسات الحكومة التي قالت المعارضة إنها تقوم على رفع الأسعار وزيادة الضرائب وتكميم الأفواه، وذلك في إشارة إلى رفع أسعار المحروقات بشكل متكرر بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إحالة ناشطين سياسيين وحقوقيين إلى السجن مؤخراً.

وتعيش موريتانيا حالة من التهدئة السياسية منذ وصول ولد الغزواني إلى الحكم في عام 2019، حيث فتح باب التشاور مع قادة المعارضة، وأصبح يلتقي معهم بشكل دوري، ولكن مؤخراً بدأ الخطاب السياسي لأحزاب المعارضة يزداد حدة.