اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

مطالب باعتقال سياسيين تورطوا في «دعم التشكيلات المسلحة»

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
TT

اعتقال ميليشياوي ليبي بألمانيا يُعيد ملف «المطلوبين» دولياً إلى الواجهة

عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في لقاء سابق مع وزير داخلية حكومة «الوحدة» (الوحدة)

عادت قضية المطلوبين الليبيين دولياً إلى الواجهة مجدداً، بعد إعلان السلطات الألمانية أخيراً اعتقال خالد الهيشري، الملقب بـ«البوتي»، أحد أبرز قيادات جهاز «الردع»، تنفيذاً لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لاتهامه بارتكاب «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب خلال إدارته وآخرين لسجن معيتيقة في طرابلس».

واعتُقل الهيشري في أحد مطارات ألمانيا، التي أعلنت احتجازه تمهيداً لتسليمه إلى لاهاي. ورغم صمت السلطات الرسمية الليبية، قوبل اعتقاله بترحيب حقوقي واسع، لكنه أثار قلقاً في أوساط قادة المجموعات والتشكيلات المسلحة في عموم البلاد، الذين باتوا يخشون مواجهة المصير نفسه، بحسب بعض المراقبين.

تأثير اعتقال «البوتي»

رغم تأكيد عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن توقيف «البوتي» أربك حسابات قادة هذه المجموعات المسلحة ودفعهم للحد من تحركاتهم، فقد اعتبر أن «الخطوة الحاسمة في هذا الملف هي توقيف المزيد منهم، وتجميد أرصدتهم». وقال السويح لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح المزيد من عمليات الملاحقة سيدفع بقية قادة المجموعات الحرب في عموم البلاد إلى التخوف والحذر، وتجنب مغادرة أراضيها، وخاصة إلى دول موقّعة على ميثاق روما المؤسس للجنائية الدولية».

من مخلفات مواجهات دامية بين تشكيلات مسلحة في العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

وأضاف السويح متسائلاً: «إلى أين سيذهبون حينها؟ وكيف سيتمكنون من الاستفادة من الأموال التي جمعوها، سواء من الخزينة العامة للدولة، أو مما فرضوه من إتاوات على المهاجرين غير الشرعيين وذويهم ممن وقعوا تحت قبضتهم في السجون، أو من عوائد أنشطة التهريب؟»، مؤكداً أن «استرداد هذه الأرصدة وتجميدها لاحقاً سيحرمهم من كثير من امتيازاتهم».

ووفقاً لبيان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، يتحمل الهيشري المسؤولية عن جرائم وقعت بين 2015 و2020 داخل سجن معيتيقة، أحد أكبر السجون في العاصمة الليبية، والخاضع لسيطرة جهاز «الردع»، الذي تحوّل في عام 2018 من قوة مسلحة كبيرة إلى جهاز أمني تابع للمجلس الرئاسي الليبي. كما يسيطر «الردع» على مناطق واسعة في طرابلس ومرافق حيوية، مثل مطار معيتيقة، الذي يُعد الميناء الجوي الرئيسي للعاصمة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وسبق لـ«الجنائية الدولية» أن أصدرت في يناير (كانون الثاني) الماضي مذكرة توقيف بحق أسامة نجيم، قيادي آخر في «الردع»، بتهم مشابهة، إلا أن السلطات الإيطالية أطلقت سراحه بعد يومين من اعتقاله، مبررة ذلك بوجود خطأ إجرائي، ما أثار انتقادات حقوقية، وفتح باب المساءلة أمام وزراء في الحكومة الإيطالية.

ويعتقد السويح أن أغلب قادة التشكيلات المسلحة لم يخططوا للبقاء في ليبيا طويلاً؛ لأنهم متخوفون من أن أي تغيّر في المشهد السياسي قد يقلّص نفوذهم، وبالتالي قد تدفعهم الملاحقات الدولية إلى اللجوء لبعض الدول الأفريقية، التي تعاني من صراعات داخلية، وهو ما لا يرغبون فيه.

وطالب عضو المجلس الأعلى للدولة بـ«توسيع دائرة الملاحقات لتشمل سياسيين ومسؤولين تنفيذيين، تورطوا في دعم هذه التشكيلات، أو استفادوا من الفساد المالي»، معتبراً أن ذلك «سيُظهر جدية المجتمع الدولي في مساعدة ليبيا».

تحوّل في سياسة «الجنائية»

رغم إقرار حقوقيين بأن القضاء الليبي هو المختص الأصيل بمحاكمة أي مواطن ليبي، وأن القضاء الدولي مكمّل له، يشير هؤلاء إلى ما تتمتع به بعض الأسماء المتهمة بارتكاب انتهاكات «من نفوذ يحول دون اتخاذ إجراءات في حقهم، فضلاً عن إحجام الضحايا عن تقديم شكاوى ضدهم خوفاً من الانتقام».

واعتبر مدير مركز «صادق للدراسات»، أنس القماطي، أن اعتقال «البوتي» يكشف عن تحوّل في سياسة الجنائية الدولية تجاه المطلوبين الليبيين، خاصة بعد عدم نجاحها في تسلّم أسامة نجيم، مشيراً إلى أن «المحكمة باتت تعتمد على تنسيق دبلوماسي وقانوني أكثر دقة، وتتجنب أي إعلان مسبق عن مذكرات التوقيف لتفادي هروب المطلوبين».

مقابر جماعية اتهم بعض قادة التشكيلات المسلحة باستخدامها للتغطية على جرائمهم (هيئة البحث عن المفقودين)

غير أن القماطي انتقد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» اقتصار الملاحقات على ضباط وقيادات مجهولة، تنتمي غالباً للصف الثاني، «دون أن تطال قادة التشكيلات، وأمراء الحرب الكبار في شرق وغرب البلاد، ممن تحصنوا بالمناصب الرسمية أو الرفيعة بكياناتهم المسلحة، مما يُضعف أثر هذه الملاحقات»، على حد قوله.

وأوضح القماطي أن «هذا النهج لا يُضعف وضعية التشكيلات المسلحة، بل يقدم درساً لعناصرها، مفاده أن الانخراط في مؤسسات الدولة، وعقد شراكات مع الدول الغربية الكبرى سيوفّر لهم الحصانة ضد العدالة، مهما امتلأ سجلهم أو سجل القوات التابعة لهم بالانتهاكات».

ويرى القماطي أن «خيارات قادة التشكيلات للهروب من الملاحقات لا تزال قائمة»، موضحاً أنه «يمكنهم السفر إلى دول لم توقّع على ميثاق روما في قارتي آسيا وأفريقيا، أو استخدام هويات مزورة في أوروبا، إضافة إلى إدارة أموالهم عبر شبكات من الشركات الوهمية، والمحامين والوسطاء في دول لا تفرض قيوداً صارمة على معرفة مصادر الأموال».

أما الناشط الحقوقي، طارق لملوم، فتوقّع صدور المزيد من مذكرات التوقيف بحق قادة المجموعات المسلحة المتورطين في الانتهاكات، مرجحاً وجود قائمة ثانية تضم مزيداً من الأسماء، لكن يجري العمل أولاً على إثبات التهم الموجهة إليهم.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» ذهب لملوم إلى أن اعتقال «البوتي» انعكس أيضاً على المشهد الأمني والسياسي في طرابلس، حيث استثمرت حكومة «الوحدة الوطنية» هذا الحدث في تصعيدها ضد «جهاز الردع»، وسط صراع وتوتر محتدم بين الطرفين منذ مايو (أيار) الماضي.

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» قد شنت قبل شهرين عملية أمنية، قالت إنها تستهدف تفكيك تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون، بعد أن تغولت على الدولة، مما أسفر عن مقتل القائد الميليشياوي البارز عبد الغني الككلي، واندلاع اشتباكات بين قوات الحكومة من جهة وقوات «الردع» وحلفائه من جهة أخرى.

وذكّر لملوم بما تطرق إليه الدبيبة خلال اجتماع له مع قيادات وزارة العدل، حين تحدث عن «سجون تُدار من قبل متهمين بالاغتصاب والتعذيب»، في إشارة إلى «جهاز الردع».

واختتم الناشط الحقوقي بتحذير من أن «مخاوف قادة التشكيلات من الملاحقة قد تدفعهم إلى عرقلة أي عملية سياسية، بفضل امتلاكهم المال والسلاح، ما يُعقّد جهود الاستقرار في البلاد».


مقالات ذات صلة

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

شمال افريقيا تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

في ظل معارضة شعبية بغرب ليبيا لـ«مبادرة» مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، لحلحلة الأزمة السياسية زارت المبعوثة الأممية هانا تيتيه مصراتة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

تحركات قضائية في ليبيا لتعقّب مهرّبين بعد غرق 38 «مهاجراً»

قال مكتب النائب العام الليبي إن «تشكيلاً عصابياً» دفع بمهاجرين غير نظاميين من شواطئ طبرق إلى شمال المتوسط، على متن قارب متهالك فشل في إيصالهم إلى وجهتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)

شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

عززت القيادتان العسكريتان في شرق ليبيا والأردن من تعاونهما العسكري والأمني بهدف مواجهة التحديات الإقليمية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

شددت محادثات ليبية - يونانية عُقدت في طرابلس، على أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء في ملف الهجرة غير النظامية، وتكثيف برامج التدريب.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

في قلب مشهد سياسي معقّد، تتبلور قراءات دولية حول موقع ليبيا في حسابات القوى الكبرى، وما يمكن أن تلعبه راهناً في ملف الطاقة عالمياً بالنظر إلى ما تملكه من مخزون.

جمال جوهر (القاهرة)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».