تبون: عبّرنا للروس عن قلقنا من حضورهم العسكري قرب حدودنا

تقرير يوصي الحكومة الأميركية بتعزيز التعاون مع الجزائر في 3 مجالات

الرئيس الجزائري خلال المقابلة الصحافية في الجزائر مساء الجمعة (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال المقابلة الصحافية في الجزائر مساء الجمعة (الرئاسة الجزائرية)
TT

تبون: عبّرنا للروس عن قلقنا من حضورهم العسكري قرب حدودنا

الرئيس الجزائري خلال المقابلة الصحافية في الجزائر مساء الجمعة (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال المقابلة الصحافية في الجزائر مساء الجمعة (الرئاسة الجزائرية)

كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، للمرة الأولى، أنه عبّر للروس خلال لقاء جمعهم بهم عن قلق الجزائر من الحضور العسكري الروسي قرب الحدود الجنوبية للبلاد، ولا سيما مالي والنيجر. كما هوّن الرئيس تبون من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض ضريبة بنسبة 30 في المائة على المنتجات الجزائرية المصدّرة إلى الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، أوصى تقرير بحثي الحكومة الأميركية بتعزيز التعاون مع الجزائر في 3 مجالات.

وكان الرئيس تبون يتحدث خلال مقابلة مع وسائل إعلام عمومية، بثّها التلفزيون الرسمي أخيراً، عندما تطرّق إلى مسألة الضريبة الأميركية التي تم تبليغ الجزائر بها في 9 يوليو (تموز) الحالي، في أول ردّ فعل رسمي من الحكومة الجزائرية على هذا القرار.

الرئيس الجزائري خلال استقباله مسؤول شركة «إكسون موبايل» الأميركية في الجزائر يوم 25 يونيو 2025 (الرئاسة الجزائرية)

«قرار سيادي»

وقال تبون: «إنه قرار سيادي... حتى لو تم رفع النسبة إلى 50 في المائة، فهذا شأن يخصّه (الرئيس ترمب). حتى أنا حرّ في الطريقة التي ستتعامل بها جمارك بلادي»، في إشارة تُفهم على أن الجزائر قد تُقدِم على رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الأميركية المستوردة، ردّاً على خطوة ترمب.

وسُئل تبون عما إذا كان ذلك يثير قلق بلاده، فردّ قائلاً: «كان سيكون الأمر مقلقاً لو أن التجارة مع الولايات المتحدة تمثل 40 في المائة من تجارتنا الخارجية، لكن الواقع أنها لا تتجاوز 0.5 في المائة، فلماذا أزجّ نفسي في أمر لا يعنيني؟».

وتسلّمت الحكومة الجزائرية رسالة من ترمب، تتضمن قراره برفع الضريبة إلى 30 في المائة، مؤكداً فيها أن الإجراء يشمل الصادرات الجزائرية غير النفطية، بعدما كانت خاضعة لمعدل ضريبة 18.9 في المائة سابقاً. وأعلن أن القرار سيدخل حيّز التنفيذ اعتباراً من الأول من أغسطس (آب) 2025، ما وضع الجزائر أمام موقف دقيق، إذ إن أي إجراء مماثل من جانبها قد يُقابَل تلقائياً بمزيد من التصعيد في الرسوم الأميركية.

وشدّد الرئيس الأميركي في رسالته على أنه «إذا قررتم لأي سبب كان، رفع رسومكم الجمركية، فسيتم إضافة النسبة التي تختارونها إلى نسبة 30 في المائة التي نفرضها. يُرجى تفهّم أن هذه الرسوم ضرورية لتصحيح سنوات طويلة من السياسات الجمركية وغير الجمركية، والحواجز التجارية الجزائرية، التي تسببت في عجز تجاري غير مستدام ضد الولايات المتحدة». وأوضح أن هذا العجز «يشكل تهديداً خطيراً ليس لاقتصادنا فقط، بل لأمننا القومي أيضاً».

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

قلق من الحضور الروسي قرب الحدود

من جهة أخرى، تحدث الرئيس تبون في المقابلة الصحافية، عن الوضع في مالي والعلاقات مع الجزائر، في سياق تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل. وتطرق إلى موقف الجزائر من وجود المرتزقة الروس على حدودها، في إشارة إلى مجموعة «فاغنر» التي غادرت مالي في يونيو (حزيران) الماضي، بعد فترة امتدت 4 سنوات. وتم إبدال هذه المجموعة، التي عرفت بأساليبها العنيفة، بـ«فيلق أفريقيا»، وهي قوة شبه عسكرية أخرى تخضع لسيطرة موسكو. وقد شكّل وجود المسلحين التابعين لموسكو مصدر قلق دائم للجزائر، حيث كشف الرئيس تبون أنه عبّر عن هذا الانزعاج صراحة للجانب الروسي، من دون أن يُوضح لمن نقل هذا الموقف، ولا متى تم ذلك.

الرئيسان الروسي والجزائري خلال لقائهما في موسكو في 15 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

وتفيد مصادر مطلعة بأن هذه المسألة طُرحت خلال زيارة الرئيس تبون إلى روسيا في يونيو 2024، وتحديداً أثناء محادثاته مع الرئيس فلاديمير بوتين في قصر الكرملين. ولم تكشف المصادر ذاتها عن ردّ الرئيس الروسي على هذا الطرح.

في سياق ذي صلة، أكّد «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، في تقرير حديث رفع إلى صناع القرار الأميركيين، أن الجزائر «دولة محورية في أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وتمثل شريكاً استراتيجياً محتملاً للولايات المتحدة، خاصة في ظل الاضطرابات الإقليمية، ولا سيما منطقة الساحل» الأفريقي. وأوصى التقرير الحكومة الأميركية بتبني نهج «أكثر تنظيماً واستدامة في تعاملها مع الجزائر، لمواجهة تصاعد نفوذ الصين وروسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى معالجة حالة عدم الاستقرار في الساحل».

واعتمد المعهد على مصادر علنية ومقابلات مع مسؤولين جزائريين وأميركيين، في صياغة التقرير، حيث جاء فيه أنه «لا يسعى إلى التنبؤ بالمستقبل، بل يهدف إلى تقديم مسارات تساعد واشنطن في تحديد خياراتها الاستراتيجية مع الجزائر».

وبهذا الخصوص، يدعو التقرير إلى إعادة تشكيل العلاقة الثنائية بين البلدين، التي اتسمت حتى الآن بالمقاربة الأمنية المؤقتة، ويطبعها أيضاً التزام الجزائر بعقيدة عدم الانحياز منذ الاستقلال. وبحسب سابينا هينيبيرغ، المتخصصة في شؤون شمال أفريقيا، الباحثة المشاركة في المعهد ومؤلفة التقرير، فإن الجزائر تمثل في الوقت ذاته «شريكاً لا غنى عنه وتحدياً معقداً». وترى أن على واشنطن التركيز على 5 محاور رئيسية في علاقاتها مع الجزائر؛ الأمن والطاقة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية.

محاور للتعاون بين الجزائر وواشنطن

وفي ظل انسحاب الولايات المتحدة وفرنسا من منطقة الساحل، يشدد التقرير على الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجزائر في استقرار هذه المنطقة المتضررة من الإرهاب. ويوصي بموجب مذكرة الدفاع الموقعة بين البلدين مطلع 2025، بتعزيز الحوار الاستراتيجي في مجالات الاستخبارات والحدود والتدريب.

في الجانب الاقتصادي، وبما أن الجزائر تسعى للتخلص من تبعيتها للمحروقات، يشجع المعهد الحكومة الأميركية على الاستثمار في الصناعات الزراعية والتعدين والصحة، والطاقة المتجددة. ويضرب مثالاً رمزياً بتصدير أبقار من تكساس إلى الجزائر كدليل على أن «الالتزام الصبور يمكن أن يُثمر، رغم البطء البيروقراطي».

ويتناول التقرير أيضاً نقاط القوة والضعف و«التناقضات في الوضع الجزائري». فمن نقاط القوة، حسبه، جيشها ذو الخبرة، وشبابها النشط، وثقلها الدبلوماسي في أفريقيا، ومواردها الطاقوية. أما نقاط الضعف فتتمثل في تبعيتها للنفط (90 في المائة من الصادرات) والجفاف والبيئة الجامدة في قطاع الأعمال. ومن «التناقضات» التي يشير إليها التقرير «بطء بعض الإصلاحات والدعم الضخم للطاقة، وانعدام الثقة في الاستثمار الأجنبي رغم تعديل القوانين لتيسيره». ويبرز التقرير أن «بيئة الأعمال ما زالت معقدة، تعيقها البيروقراطية، والضبابية القانونية».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي يوم الاثنين (وزارة الداخلية الجزائرية)

زيارة وزير داخلية فرنسا إلى الجزائر... «جس نبض» لاستئناف الحوار

قَدِم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز إلى الجزائر يوم الاثنين، في زيارة من المتوقع أن تتناول إعادة إطلاق الحوار حول ملفات حساسة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)

زيارة رئيس النيجر للجزائر... تتويج لمسعى طي صفحة توتر إقليمي

بدأ رئيس النيجر عبد الرحمن تياني، الأحد، زيارة رسمية إلى الجزائر تدوم يومين، في خطوة تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً في منطقة الساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

تباينت ردود الفعل إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج، بين ترحيب وتوجس.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال اجتماع مع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

الجزائر: حديث عن «تعديل دستوري فني» يثير جدلاً وحيرةً بين السياسيين

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأوساط السياسية بإعلانه تأجيل دراسة «تعديل دستوري فني»، وذلك بعد ساعات قليلة من تأكيد الرئاسة أن الموضوع مطروح للدراسة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية توقيف عناصر من حركة «حسم» الإرهابية، التابعة لتنظيم «الإخوان» الذي تصنفه مصر إرهابياً، بتهمة «التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الإضرار بمقدرات الدولة، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي».

وقالت «الداخلية»، في إفادة، الأحد، إنها «ألقت القبض على القيادي (الإخواني) الإرهابي، محمود محمد عبد الونيس ضمن إجراءات ملاحقة عناصر (حركة حسم)». وأضافت أن ذلك جاء «ضمن إجراءات ملاحقة عناصر حركة (حسم) المتورطة في أعمال تستهدف الإضرار بالدولة، ومن بينها الدفع بعضوين بالحركة هما أحمد محمد عبد الرازق، وإيهاب عبد اللطيف محمد لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية واستهداف الطائرة الرئاسية، قبل مداهمات الأجهزة الأمنية المصرية في 7 يوليو (تموز) الماضي، لوكر خاص بعناصر الحركة، أدى إلى مقتل عنصرين منها».

وأشارت «الداخلية» الأحد، إلى أن الإرهابي علي محمود عبد الونيس، محكوم بالسجن المؤبد في عدة قضايا إرهابية، أبرزها القضية رقم 120 لعام 2022، الخاصة بـ«محاولة استهداف الطائرة الرئاسية»، و«اغتيال الشهيد المقدم ماجد عبد الرازق».

مقر تنظيم «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وجاء بيان وزارة الداخلية مصحوباً باعترافات من العنصر «الإخواني»، عن العمليات الإرهابية التي خطط لها، وباقي العناصر المنتمية لحركة «حسم».

واعترف عبد الونيس بمشاركته في ارتكاب عديد من العمليات الإرهابية، منها «استهداف كمين العجيزي بمحافظة المنوفية، وتفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من أفراد الشرطة، واغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله بمدينة العبور».

كما تحدث عن تسلله خلال عام 2016 لإحدى الدول المجاورة بناءً على تكليف من القيادي «الإخواني» الهارب يحيى موسى (مؤسس «حركة حسم»)، وتواصله مع قيادات تنظيم «المرابطون» الذي أسسه هشام عشماوي (تم إعدامه)، وتدشين معسكر بإحدى دول الجوار لتدريب عناصر «حسم» على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات.

كما كشف عبد الونيس عن قيامه وقيادات حركة «حسم» الهاربين بالخارج، وهم يحيى موسى، ومحمد رفيق إبراهيم مناع، وعلاء علي علي السماحي، ومحمد عبد الحفيظ عبد الله عبد الحفيظ، خلال عام 2019، بـ«التخطيط لتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالبلاد، ودفعهم عناصر الحركة المدربين لتجهيز عدد من السيارات المفخخة، التي انفجرت إحداها أمام (معهد الأورام) في وسط القاهرة»، إلى جانب «قيامهم خلال عام 2025 بالدفع بكل من الإرهابيين محمود شحتة علي الجد، ومصطفى أحمد محمد عبد الوهاب، الموجودين بالخارج بالعودة للبلاد لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك نتيجة رصدهما وضبطهما بمعرفة الأجهزة الأمنية».

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

وتعود آخِر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات المصرية بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة العشرات». كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

ويرى خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، أن إعلان «الداخلية المصرية» عن توقيف عناصر من «حسم» يشير إلى «استمرار (الإخوان) في استهداف الداخل المصري بعمليات إرهابية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنظيم «الإخوان» ما زال يستهدف الداخل المصري رغم التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت بمصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

وأشار صابر إلى أن العمليات الإرهابية المعلن عنها في اعترافات الإرهابي المضبوط، ومن بينها استهداف الطائرة الرئاسية «تعكس أن أجهزة استخباراتية (لم يسمّها) تدعم التنظيم»، وقال إن «التخطيط لمثل هذه العمليات يتجاوز قدرات أي تنظيم أو حركة»، لافتاً إلى أن «الغاية الأساسية من هذه العمليات هو الإضرار بقدرات الدولة المصرية السياسية والاقتصادية».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية، الأحد، «استمرارها في التصدي بكل حزم لمخططات تنظيم (الإخوان) والداعمين له، التي تستهدف المساس بأمن واستقرار البلاد».


استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
TT

استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)

قصد السبعيني محمود رمضان وزوجته، مساء السبت، متجراً لشراء مصوغات ذهبية في منطقة العمرانية (جنوب القاهرة)، وبينما كانا يختاران القطعة المنشودة، أمر صاحب المتجر عاملاً عنده أن «يغلق الأنوار في الخارج، ويقف أمام الباب لتنبيهه حال وصول مفتش من الحي»، وكان ذلك بعد الساعة التاسعة مساءً، أي بعد دخول القرار الحكومي بـ«إغلاق المحال التجارية» حيز التنفيذ.

وكانت الحكومة قررت في إطار خطتها لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية، غلق المحال التجارية والمولات والمقاهي في التاسعة مساءً يومياً ،عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً، وسط حالة استياء من قبل البعض باعتبار القرار «يربك حياتهم».

واستثنى القرار الحكومي محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة. ورغم ذلك لم تخفف الاستثناءات الرسمية الاستياء والتحايل على القرار مع بدء تطبيقه، خصوصاً من بعض المحال والمقاهي في المناطق الشعبية.

يقول رمضان لـ«الشرق الأوسط»، وهو موظف حكومي متقاعد: «خرجنا من محل الذهب، وهو في شارع واسع (شبه رئيسي) وجدنا الشارع مظلماً بشكل شبه تام، والمحال مفتوحة بعدما أغلقت أنوارها... ذهبنا وشربنا عصير والمحل مظلم». ويضيف أن الحال في شارعه الجانبي حيث منزله، كانت مختلفة تماماً حيث «المحال مفتوحة».

«الشرق الأوسط» رصدت خلال جولة ميدانية في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، تبايناً بشأن تطبيق القرار، حيث يتحايل البعض عليه بغلق الأنوار مع استمرار العمل على نور كشافات الهاتف. وأرجع أحدهم ذلك، وكان يبيع المثلجات، إلى أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة.

محال تجارية في الجيزة أغلقت أبوابها في تمام الساعة التاسعة مساء السبت (محافظة الجيزة)

ويسري القرار الحكومي لمدة شهر ما لم يتم تمديده، غير أن الاستياء الشعبي صاحبه منذ اليوم الأول، واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي التعليقات الرافضة للقرار والمتخوفة من انتشار الجريمة في الشوارع. وتداول نشطاء صوراً لوسط القاهرة في حالة ظلام تام، وأشاروا إلى أن الأجواء تذكّر بـ«جائحة كورونا» عام 2020.

وشدد محافظ الجيزة، أحمد الأنصاري، خلال جولة ميدانية في شوارع مناطق المريوطية وفيصل والسودان وعرابي وجامعة الدول العربية، على ضرورة التزام جميع المحال والمطاعم والورش والكافيهات والأنشطة الحرفية بالمواعيد المحددة لغلق المحال التجارية، حتى لا تُطبَّق العقوبات المقررة قانوناً على المخالفين، موجهاً بتكثيف الحملات الميدانية لضبط المخالفات.

وتتراوح عقوبة مخالفة القرار بين غرامة بقيمة تتراوح بين 20 ألف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) و50 ألف جنيه، والحبس حال تكرار المخالفة، وفق القانون رقم 154 لسنة 2029.

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «القرار الحكومي يبدو على الورق منضبطاً ومباشراً، لكنه في الواقع يفتح باباً واسعاً لفهم تعقيدات الحياة اليومية في المدينة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه رصد خلال جولة ليلية بشارع فيصل، الواجهات مغلقة والأنوار خافتة، لكن خلف بعض الأبواب المعدنية نصف المغلقة، كانت الحركة مستمرة بهدوء، ويفسر: «يفتح أحد العاملين باباً جانبياً لزبون يعرف المكان، فيما يجلس آخرون في الداخل يتابعون مباراة أو يحتسون الشاي في إضاءة محدودة»، وعلق أن «النشاط لم يتوقف؛ بل غيّر شكله فقط، في ظل ما يسببه القرار من خسائر لبعض الفئات، والتي لا تستطيع تحملها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة».

ظلام يخيم على أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير غلق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

وفي منطقة حدائق المعادي بالقاهرة، طلت الثلاثينية رحاب عبد المنعم من شرفة منزلها في شارع رئيسي لتجده غارقاً في «صمت مقبض»، على حد وصفها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أنها حين اتصلت بوالدتها التي تبعد عنها نحو كيلومتر وتسكن في شارع ضيق، أخبرتها باستمرار الأنشطة عندها بشكل شبه طبيعي. وأعربت رحاب عن استيائها من القرار، قائلة: «لن نستطيع النزول إلى الشارع في هذا الوقت، فقد أصبح مخيفاً».

وهنا يشير محمود إلى أن أول أيام تطبيق القرار، مساء السبت، يعدّ انعكاساً لكيفَ يتكيف الاقتصاد غير الرسمي مع القرارات التنظيمية؛ إذ «يتحول الامتثال إلى شكل ظاهري، بينما يستمر النشاط فعلياً بطرق ملتوية، وفي الوقت نفسه يتحمل عمال اليومية العبء الأكبر، ويفقدون ساعات العمل الأكثر ربحاً، ما يدفعهم إما للقبول بدخل أقل، أو المخاطرة بالعمل خارج الإطار الرسمي».

وفي منطقة العصافرة بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، تكررت المشاهد نفسها؛ حيث أغلقت المحال أبوابها، وحلّ الظلام في الشوارع الرئيسية، في مقابل زحام واستمرار لحركة البيع والشراء بشكل أكبر من المعتاد في إحدى الأسواق بالشوارع الجانبية، وفق الثلاثينية دينا مصطفى، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها قصدت محل عطارة لشراء زجاجة زيت بعد موعد الغلق، وفوجئت بالزحام الشديد وشراء كميات كبيرة من البعض، تحسباً لوضع أسوأ بعد قرار غلق المحال.

محال تجارية تتحايل على قرار «الإغلاق المبكر» في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم، وسط توقعات بزيادتها في مارس (آذار) الحالي، متأثرة بتداعيات الحرب الإيرانية، وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات أخرى لترشيد استهلاك الطاقة في حال استمرار الحرب، وتفاقم أزمة الطاقة عالمياً؛ مثل «تخفيف الأحمال» أو ما هو أسوأ، على حد وصفه.

وناشد النحاس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، المواطنين، الالتزام بالقرارات، واتخاذ إجراءات ترشيدية في المنازل لتوفير الطاقة قدر المستطاع.

الأمر نفسه أكده الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «القرار الحكومي حتى إن شهد اعتراضات ورفض واستياء؛ لكن يجب الالتزام به».


«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
TT

«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)

اضطرت الثلاثينية أمنية أحمد، التي تقطن في منطقة عين شمس (شرق القاهرة) إلى «اصطحاب ابنها محمد (المقيد بالصف الثالث الابتدائي) إلى مدرسته الخاصة في منطقة حدائق القبة (شرق) رغم هطول الأمطار بكثافة، الأحد، وذلك ليلحق بامتحانات شهر مارس (آذار) لطلاب صفوف النقل في المدارس».

لكنها فوجئت بعد ذلك باتصال من والدة زميل مقرب لنجلها تخبرها بقرار محافظة القاهرة بـ«تعطيل الدراسة لسوء الأحوال الجوية».

وعلى الفور غادرت أمنية منزلها للمرة الثانية، وعندما وصلت إلى المدرسة علمت بقرار آخر من وزارة التربية والتعليم بـ«استمرار الطلاب لاستكمال اليوم الدراسي». لكنها قررت «اصطحاب ابنها إلى المنزل وعدم إكمال اليوم الدراسي».

موقف الأم المصرية عكس «ارتباكاً» في القرارات الحكومية خلال التعامل مع «أزمة الأمطار» ما دفع إلى تحركات برلمانية بسبب «غياب التنسيق بين الجهات الرسمية».

وشهدت ثلاث محافظات «فوضى وارتباكاً»، الأحد، بسبب الأمطار، وقرارات مفاجئة بتعطل العملية التعليمية عقب توجه الطلاب إلى مدارسهم.

طلاب خلال طابور الصباح في مدرسة مصرية فبراير الماضي (وزارة التربية والتعليم)

الخبير التربوي، عاصم حجازي أرجع أسباب «الفوضى والارتباك» إلى «البطء في اتخاذ القرار الحكومي، وغياب التنسيق بين المحافظين ووزارة التربية والتعليم».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الطقس كانت معروفة مسبقاً، وكان لازماً إصدار قرار بتعطيل الدراسة مساء السبت». ولفت إلى أن «الارتباك» تمثل في صدور القرارات بعدما وصل الطلاب إلى المدارس، ثم قرار وزير التعليم باستمرار بعض الطلاب في المدارس، ما تسبب في مشاكل و«ربكة» لكثير من الأسر.

وتابع بقوله إن «السلطات المسؤولة لديها آليات للتعرف على أحوال الطقس، وكان عليها أن تصدر قرار التعطيل في وقت مناسب».

وأكدت «هيئة الأرصاد الجوية»، مساء السبت، «تعرض البلاد لموجة من عدم الاستقرار الجوي، تشمل نشاطاً للرياح المثيرة للرمال والأتربة، وسقوط أمطار متفاوتة الشدة على مناطق من القاهرة الكبرى والدلتا ومدن القناة وسيناء».

محطة قطار في مصر تأثرت الأحد بسقوط الأمطار (مجلس الوزراء المصري)

الثلاثيني عمرو توفيق، الذي يقطن في منطقة المطرية (شرق القاهرة) يرى أن «تخبط القرارات تسبب في ربكة للأسر، وكان الأولى منح إجازة الأحد خصوصاً بعد تحذير هيئة الأرصاد، وعدم استقرار حالة الجو منذ الساعة الواحدة صباحاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «فضل أصحاب ابنته مريم (المقيدة في الصف الثاني الابتدائي) للمدرسة رغم وجود حافلة خاصة تنقلها بشكل يومي، خوفاً عليها من الأمطار الكثيفة».

وتابع: «علمت من المواقع الإخبارية بقرار تعطيل الدراسة بعدما وصلت إلى مقر شركة السياحة التي أعمل بها في منطقة مدينة نصر (شرق)، وحاولت الاستئذان من عملي للذهاب واصطحاب ابنتي للمنزل؛ إلا أنني وجدت قراراً آخر باستمرار الطلاب في المدرسة، لذا قررت إبقاء ابنتي في المدرسة لنهاية اليوم الدراسي». وانتقد «طريقة تعامل المسؤولين مع الأزمة، خصوصاً وأن الأمطار كانت كثيفة جداً (صباح الأحد)، وأغلب الصغار لم يتحملوها». ويوضح أن «إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس بسبب الاختبارات الشهرية».

إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس رغم الأمطار، أرجعه الخبير التربوي، إلى «وجود التقييمات الشهرية التي تُصر عليها وزارة التعليم». ويشير إلى أن «التقييمات بشكلها التقليدي المعتاد لم تلق القبول بشكل كافٍ في الأوساط التربوية، ولا تعود على الطالب بفائدة حقيقية، وكان أولى تعطيل الامتحانات، الأحد، بدلاً من ذهاب الطلاب للمدارس مع الأمطار وصعوبة السير في الشوارع بسبب تراكمات المياه».

طرق في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة تأثرت نتيجة سقوط الأمطار (الشرق الأوسط)

ووفق محافظة القاهرة «تم ترحيل الامتحان الذي كان مقرراً، الأحد، إلى يوم 6 أبريل (نيسان) المقبل للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، كما سيعقد الامتحان المؤجل للمرحلة الثانوية يوم 7 أبريل».

أزمة قرارات «تعطيل الدراسة» وصلت إلى البرلمان، وتقدم عضو مجلس النواب محمد تيسير مطر ببيان عاجل بشأن «الارتباك الشديد في قرارات تعطيل الدراسة، نتيجة غياب التنسيق الواضح بين وزارة التربية والتعليم والمحافظين».

كما تقدم عضو مجلس النواب، أحمد علاء فايد، ببيان عاجل، متسائلاً عن «كيفية إصدار قرار تعليق الدراسة في جميع مدارس القاهرة، الأحد، بعد بدء اليوم الدراسي».