تبون ينفي «عزل» الجزائر دولياً

أكد أن الوضع الاقتصادي تحت السيطرة... وحذّر من «محاولات تضليل الرأي العام»

جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
TT

تبون ينفي «عزل» الجزائر دولياً

جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)

أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، أن بلاده لا تعاني من عزلة دولية، وذلك رداً على ما أورده بعض المراقبين ووسائل إعلام، الذين عدّوا التوترات التي تطبع علاقات الجزائر مع جيرانها، وبعض شركائها الأوروبيين، أفضت إلى ما يشبه العزلة أو الحصار.

وجاء هذا التصريح خلال مقابلة أجراها الرئيس مع صحافيين من وسائل الإعلام العمومية، بثّها التلفزيون الحكومي مساء الجمعة. وعندما سُئل عن «مسألة العزلة» قال تبون: «من يدّعِ أن الجزائر في عزلة تُكذّب ادعاءه الوفود الأجنبية العديدة التي تزورها».

من المعروف أن علاقات الجزائر مع ثلاث دول مجاورة تمرّ بتوتر، أشدّها مع المغرب، حيث أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية معه في عام 2021، متهمة إياه بـ«دعم حركة انفصالية» تنشط في شرق البلاد. غير أن السبب الأعمق الذي يسمّم العلاقات بين أكبر بلدين في المغرب العربي، يتعلق بنزاع الصحراء. كما تجدر الإشارة إلى أن الحدود البرية المشتركة بين البلدين مغلقة منذ 31 سنة.

توتر مع مالي والنيجر وبوركينافاسو

حديثاً تأزمت علاقات الجزائر مع جارتها الجنوبية مالي ومع النيجر وبوركينافاسو. ففي مطلع أبريل (نيسان) الماضي، احتجت باماكو بشدة على تحطيم سلاح الجو الجزائري مسيّرة تابعة للجيش المالي، قالت وزارة الدفاع الجزائرية إنها «كانت في مسار هجومي». وثبت لاحقاً أن المسيّرة كانت في مهمة استطلاع ضد مسلحي «أزواد»، وهم أصل الخلاف بين الجزائر وحكومة الرئيس الانتقالي، العقيد عاصيمي غويتا، الذي يرى أن الجزائريين يوفرون الحماية لمتمردين ضده.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

وعبّر النيجر الذي يقتسم حدوداً برية طويلة مع الجزائر، عن تضامنه مع مالي في «حادثة تحطيم المسيّرة»، وحذت بوركينافاسو حذوه، وصار كل حزام الساحل في علاقة سيئة مع «جار الشمال القوي»، بحسب الوصف الذي تطلقه صحافة دول المنطقة على الجزائر.

وسئل الرئيس عن الخلاف السياسي الداخلي في مالي، فقال إن بلاده «لا تتدخل في شؤونه الداخلية إلا إذا طلب منها ذلك»، مؤكداً أنه «لا أحد دافع عن وحدة مالي وشعبها أكثر من الجزائر»، ومشدداً على أن «الحل بأيدي الماليين أنفسهم».

وكان تبون يتحدث ضمناً عن «اتفاق السلام والمصالحة»، الذي وقعته حكومة مالي والمعارضة في الجزائر عام 2015، وتولت الجزائر رعاية تسييره وتطبيقه في الميدان، إلى أن قرر الحاكم الجديد العقيد غويتا إلغاءه في 24 يناير (كانون الثاني) 2025.

وعند سؤاله عن التوترات الأمنية في الساحل وليبيا، طمأن تبون قائلاً: «الجزائر تملك خبرة كافية في مكافحة الإرهاب. فحدودها مؤمّنة، وجيشها قوي، وأجهزتها الأمنية ذات تجربة واسعة في هذا المجال». كما قال إن الأزمة في ليبيا «اندلعت منذ 2011، فهل شعر المواطن الجزائري بتأثيرها على معيشته؟».

الرئيسان الروسي والجزائري في الكرملين في 17 يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

كما ردّ الرئيس تبون على ما يُتداول منذ أشهر حول تدهور مفترض في العلاقات التاريخية مع موسكو، بسبب الدور الأمني لمجموعة «فاغنر» الروسية على حدود الجزائر مع مالي والنيجر، وما قيل عن انزعاج جزائري محتمل. ففنّد ذلك ضمنياً، قائلاً: «الجميع يتساءل عن سرّ العلاقات الجيدة، التي تربط الجزائر بالولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين».

«لن نعتمد سياسة تقشفية»

في حديثه عن الوضع الاقتصادي، أكد الرئيس تبون أن الجزائر «لا تنتهج سياسة تقشف، بل تعتمد على الحوكمة الرشيدة والإدارة الجيدة، وتحديد الأولويات بوضوح». وشدد على أن «البلاد تسير نحو اقتصاد أقل اعتماداً على المحروقات، خاصة في ظل ضعف إنتاج النفط الوطني».

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة الصحفية (الرئاسة)

وحذّر الرئيس مما سماه «محاولات تضليل الرأي العام» قائلاً: «هناك من يُدفع لهم من أجل تحطيم معنويات المواطن»، في إشارة ضمنية إلى مواقف معارضين سياسيين، بخصوص طريق تسيير الاقتصاد والاستثمار والإنفاق على مشروعات كبيرة.

وفيما يخص «التحويلات الاجتماعية»، وهي المساعدات و الإعانات المالية والعينية التي تُقدمها الدولة، أو المؤسسات الاجتماعية إلى الأفراد، أو الأسر لدعم مستوى معيشتهم، خاصة الفئات الهشّة أو ذوي الدخل المحدود، أشار تبون إلى أنها تُكلّف الدولة سنوياً ما بين 13 و15 مليار دولار، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا المبلغ، ورغم ضخامته، «لا يسبب عجزاً في ميزانية الدولة».

ورداً على تقرير حديث لـ«صندوق النقد الدولي» يبدي فيه قلقه بشأن ارتفاع الدين الداخلي، طمأن تبون الجزائريين مؤكداً أنه «لا يوجد أي خطر وشيك يهدد الاقتصاد الوطني»، لافتاً إلى أن «كل بلدان العالم تواجه ديوناً داخلية».

كما كشف عن أن احتياطات الصرف الوطنية تبلغ نحو 70 مليار دولار، مفنّداً إشاعات تحدثت عن «تراجع حاد في احتياطات العملة الصعبة». وأشار أيضاً إلى أن نسبة النمو الاقتصادي تجاوزت 4 في المائة، عاداً أنها «الأعلى في منطقة البحر الأبيض المتوسط».

الرئيسان الجزائري والصيني في بكين 18 يوليو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

في سياق آخر، أعلن الرئيس تبون موقفاً صارماً من الاقتصاد غير الرسمي، واصفاً إيّاه بـ«السرطان الذي ينخر في الاقتصاد الوطني». وقال: «هناك أفراد يمتلكون شققاً مليئة بحزم النقود»، داعياً إلى إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الرسمية للدولة. كما أكد أن الدولة ستتخذ إجراءات جديدة لمحاربة السوق السوداء، مع تفضيله «الإقناع بدلاً من اللجوء إلى القوة»، أي المتابعة القانونية التي قد تقود إلى السجن.

ولاحظ متتبعون أن الحوار الصحافي الذي أجراه الرئيس، وكانت مدته ساعة وسبعاً وعشرين دقيقة من الحوار، غاب عنه السؤال السياسي تماماً. وعلق الصحافي علي بوخلاف على ذلك في حسابه بـ«فيسبوك»: «يبدو أن ذلك تمّ بطلب من رئاسة الجمهورية، في إيحاء ضمني بأن هذا الملف قد طُوي، أو لم يعد مطروحاً للنقاش. فلا حديث عن المعتقلين (السياسيين)، ولا عن الحوار الوطني الذي وُعِد به ثم تبخّر، ولا عن انسداد المجالين السياسي والإعلامي، ولا عن الحريات النقابية، ولا حتى عن ملفات راهنة تتعلق بالعلاقات المتوترة مع فرنسا».


مقالات ذات صلة

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.