هل تُفاقم توترات «سول وسناغ» الأزمة السياسية في الصومال؟

مقديشو تدعم إنشاء إدارة مستقلة بتلك المنطقة وسط اعتراض بونتلاند وهرجيسا

الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

هل تُفاقم توترات «سول وسناغ» الأزمة السياسية في الصومال؟

الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال استقبال زعيم ولاية خاتمة في القصر الرئاسي (وكالة الأنباء الصومالية)

أخذت أبعاد اعتراف الحكومة الفيدرالية الصومالية بولاية خاتمة قبل نحو شهرين، منحنى جديداً مع تبادل تحذيرات بين مقديشو وولاية بونتلاند وإقليم أرض الصومال الانفصالي (هرجيسا)، بعد أنباء عن تحرك عسكري بمنطقتيْ «سول وسناغ» المتنازع عليهما.

تلك التوترات بتلك المنطقتين، اللتين تتحركان مع مديرية «عين» لتأسيس ولاية خاتمة، لقيت تقارباً نادراً بين بونتلاند وإقليم أرض الصومال الانفصاليّ المتنازع عليهما منذ سنوات طويلة، في رفض تلك الخطوة.

وتشي تلك التطورات بتفاقم الأزمة السياسية الحالية، وفقاً لخبراء بالشؤون الصومالية والأفريقية تحدّثوا لـ«الشرق الأوسط»، مستبعدين مواجهات عسكرية مباشرة بين الحكومة والرافضين لتأسيس الولاية الجديدة، مع إقرار بأن المساعي السياسية لكسب العشائر وأصوات سكان المنطقتين هي الفيصل في هذه التوترات احتواء أو صداماً.

ويشهد الصومال أزمة سياسية، منذ شهور، بسبب رفض إجراء انتخابات مباشرة من سياسيين ومن ولايتين بالبلاد؛ بينهما بونتلاند التي تغيب عن معظم الفعاليات الرسمية للحكومة الفيدرالية، وأحدثُها، قبل شهرين، مؤتمر التشاور الوطني الذي أثمر عن الاعتراف بإدارة خاتمة، والتحرك لإنشاء تلك الإدارة في «سول وسناغ» المتنازع عليهما، بالإضافة لمديرية «عين».

ووسط رفض بونتلاند، والإقليم الانفصالي، سعى قادة خاتمة الدعوة إلى إشراك أوسع لسكان «سول وسناغ»، وعقد مؤتمر تشاوري رئيسي في لاسعانود، يوم 10 يوليو (تموز) الحالي، لمناقشة المستقبل السياسي، وهيكل الحكم لولاية خاتمة. وقال مصدر صومالي مطّلع، لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، إن ذلك المؤتمر تأجّل لأيام؛ لمزيد من إقناع زعماء وأعيان العشائر.

وبزيٍّ عسكري، قال رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، في كلمةٍ أمام جنود، قبل أيام: «إذا قررتم (قادة خاتمة) تشكيل إدارة منفصلة، فابقوا في أماكنكم. مصير سناغ بيد بونتلاند. كفوا عن استفزازاتكم، وإلا فستواجهون العواقب»، وفق ما ذكرته وسائل إعلام صومالية.

كذلك اتهم وزير الإعلام في أرض الصومال الانفصالي، أحمد ياسين، عبر تصريحات صحافية، الحكومة الفيدرالية بتأجيج حالة عدم الاستقرار في سناغ، محذراً من التدخل الفيدرالي.

ويشهد إقليم سناغ حالة من التوتر بسبب الصراع بين ولاية بونتلاند، التي تعد الإقليم جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وبين سياسيين محليين؛ منهم رئيس برلمان بونتلاند السابق عبد الرشيد يوسف جبريل، يسعون لضمّ الإقليم إلى إدارة خاتمة، التي اعترفت بها الحكومة الصومالية بصفتها ولاية عضو فيدرالية في مايو (أيار) الماضي، وفقاً لإعلام محلي.

رئيس الوزراء الصومالي خلال مشاركته في فعالية موسّعة بمشاركة كبار المسؤولين بمدينة لاسعانود حاضرة إقليم سول (وكالة الأنباء الصومالية)

من جانبها، نفت الحكومة الصومالية أي تحرك عسكري لدعم سناغ أو سول ضد أي توترات، ونفي وزير الدفاع أحمد معلم فقي، ووزير التجارة محمود آدم غيسود، قبل أيام، ذلك مؤكديْن أنها مزاعم باطلة وتكشف عن ارتباك سياسي وعجز عن مواجهة تطلعات سكان تلك المناطق الذين لهم الحق في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أنه «لا يوجد دور مؤثر لإدارتيْ بونتلاند وإقليم أرض الصومال، وسيُعقد مؤتمر تأسيس إقليم خاتمة، بعد إقناع بعض الأعيان والأطراف، وفي الوقت نفسه لا توجد أي موشرات لمواجهة عسكرية، بل هناك بوادر أزمة سياسية، وستحاول بونتلاند، بأي طريقة، إفشال تأسيس الإقليم سياسياً لا عسكرياً».

المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي بري جامع، أكد أن «التوترات ستتصاعد في منطقتي سول وسناغ، وستتفاقم الأزمة السياسية في الصومال»، مشيراً إلى أن «النزاع حول المنطقتين يُعدّ امتداداً لصراعٍ أوسع بين بونتلاند وأرض الصومال المتنازع عليهما منذ عقود، لكن دعم مقديشو إنشاء إدارة مستقلة في هذه المناطق يهدد بزيادة حدّة الاستقطاب السياسي بالبلاد».

ويعتقد أنه «من الصعب جداً أن تلجأ مقديشو إلى الخيار العسكري المباشر؛ نظراً لحساسيات الداخل وضعف القدرات اللوجستية بعيداً عن العاصمة، وكذلك أي تحرك عسكري مباشر ضد مقديشو بصفتها عاصمة، أمر غير متوقع»، مضيفاً: «لكن من المرجح جداً أن تتحرك بونتلاند وأرض الصومال عسكرياً في مناطق سول وسناغ نفسها، لمنع أي إدارة جديدة مدعومة من مقديشو من التمركز فعلياً على الأرض، وقد يؤدي ذلك إلى مواجهات محدودة أو مواجهات بالوكالة بين قوات محلية مُوالية لمقديشو وقوات موالية للإدارات الإقليمية».

وعلى مدار نحو 3 شهور، ظهر دعم لافت من الحكومة الفيدرالية تجاه إدارة خاتمة، وأكد رئيس الوزراء، حمزة عبدي بري، في أبريل (نيسان) الماضي، خلال زيارة لمنطقة لاسعانود، عاصمة سول، لإطلاق مشاريع تنموية، أن «تأسيس إدارة ولاية خاتمة جاء بناءً على رغبة أهالي المنطقة»، مضيفاً أنه، من الآن فصاعداً، ستتمتع إدارة خاتمة بحقوق الولايات الإقليمية نفسها القائمة في البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» آنذاك.

ومع اختتام مجلس التشاور الوطني في 8 مايو الماضي بمقديشو، برئاسة رئيس البلاد حسن شيخ محمود، وحضور زعيم إدارة خاتمة عبد القادر علي، وغياب رئيس ولاية بونتلاند عن المشاركة، تقرَّر الاعتراف رسمياً بإدارة خاتمة عضواً في الحكومة الفيدرالية، والدعوة إلى عقد المؤتمر العام المتفَق عليه بشأنها، بالتعاون بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية.

وعقب يومين من الاعتراف، استقبل شيخ محمود بالقصر الرئيس زعيم ولاية خاتمة، وبحثا أوضاع التنمية وبناء الدولة بالولاية، مجدِّداً دعمه لإنشاء ولايته.

وبعد أقل من شهر، قام وزير التجارة الصومالي، محمود آدم غيسود، في 6 يوليو الجاري، بزيارة إلى مدينة لاسعانود، مقر حكومة إقليم خاتمة؛ وذلك بهدف «المشاركة في جهود توحيد محافظتيْ سول وسناغ»، وفق «وكالة الأنباء الصومالية».

ويرى عبد الولي بري جامع أن «الأنسب لمقديشو هو استخدام الحوار السياسي لتقريب وجهات النظر مع بونتلاند وأرض الصومال، ووساطة شيوخ القبائل والمؤسسات التقليدية التي لها وزن كبير في المنطقة، وتقديم ضمانات سياسية وتنموية بأن الإدارة الجديدة لن تكون خصماً لأي طرف، بل ستكون أداة للتنمية وتحقيق الاستقرار».

ويعتقد أن الحل الوسط مع الاهتمام الصومالي الرسمي بالإدارة المنتظرة هو «التوافق على إدارة مؤقتة محلية تُعطى صلاحيات محدودة، بإشراف مشترك بين بونتلاند وأرض الصومال والحكومة الفيدرالية، والاتفاق على إجراء استفتاء محلي أو مشاورات شعبية واسعة ليقرر السكان مستقبل إدارتهم، والتركيز على تنمية اقتصادية وخدمات عامة في المنطقة، بدلاً من الخلافات السياسية».

ويستبعد عبد الله أحمد إبراهيم إمكانية التوصل لحل وسط، في الوقت الحالي، في ضوء أنه «لا توجد علاقة بين الحكومة الفيدرالية وإقليميْ بونتلاند وأرض الصومال، والحل سيكون عبر إقناع العشائر وكسب ولائهم فقط، ومَن يكسب تلك الجولة فسيحدد مسار الإدارة الجديدة، ولذا رأينا زيارة وزير التجارة الأخيرة، لدعم ذلك المسار في لاسعانود».


مقالات ذات صلة

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقررة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات في ظل اضطرابات بمضيق هرمز جراء حرب إيران.

محمد محمود (القاهرة )
العالم أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو يناير الماضي (إ.ب.أ)

رفض عربي وأفريقي تعيين إسرائيل مبعوثاً دبلوماسياً لدى «أرض الصومال»

أدانت دول عربية وأفريقية بأشد العبارات إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يسمى «أرض الصومال».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.