الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

العلاقات مع المستعمر السابق في أسوأ حالاتها بينما يواجه الداخل تحدّي الخروج من التبعية لقطاع المحروقات

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
TT

الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)

في 5 يوليو (تموز) 2025 تحتفل الجزائر بمرور 63 سنة على استقلالها، وسط لحظة محورية في تاريخها الحديث. داخليًّا، تعوّل الحكومة على تعزيز التنويع الاقتصادي لقطع شوط أبعد من اقتصاد الريع النفطي والغازي. إقليميًّا، تُخيِّم التوترات الأمنية والسياسية على حدودها، متأثرة بتشابكات مع دول الجوار. وعلى الصعيد الدولي، تشدِّد الجزائر على مطلب الاعتراف الرسمي من فرنسا بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها، بوصف أن ذلك أساسي لإعادة بناء علاقات دبلوماسية سليمة، خصوصاً بعد تبنِّي باريس لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية في صيف 2024.

صرَّح الرئيس عبد المجيد تبون، في معظم خطاباته وحواراته الصحافية، بأنّه اشتغل منذ تولِّيه الحكم نهاية 2019 على تحرير الاقتصاد من فخ الاعتماد على النفط والغاز، حيث شكَّل قطاع المحروقات أكثر من 90 في المائة من صادرات الجزائر و38 في المائة من إيرادات الدولة بين 2016 و2021، مما جعله عرضة لتقلّبات السوق العالمية. كما أكَّد أنّه أطلق «خطة تحوّل جذريّة نحو التنويع الاقتصادي» تهدف إلى رفع صادرات القطاع غير النفطي من نحو 5 مليارات دولار في 2023 إلى 7 مليارات في 2024، ثم 10 مليارات خلال 2025، وفي الأفق تصل إلى 29 - 30 ملياراً بحلول 2030.

وتفيد أرقام الحكومة بأنّ الصادرات غير النفطية تضاعفت ثلاث مرات منذ 2017، لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار في 2023. كما ارتفعت احتياطيات النقد الصرفية إلى نحو 70 مليار دولار بحلول منتصف 2024. ونما الاقتصاد بوتيرة قوية، مسجِّلاً معدل نمو يقارب 4 في المائة سنوياً.

صندوق النقد الدولي

من جانبه، أشار صندوق النقد الدولي، في ختام بعثة استشارية إلى الجزائر أُجريت بين 16 و30 يونيو (حزيران) 2025، إلى أنّ النمو الاقتصادي تباطأ إلى 3.6 في المائة في عام 2024 مقارنة بـ4.1 في المائة في العام السابق، نتيجة لتخفيضات إنتاج «أوبك بلس» التي أثّرت، حسب تقرير المؤسسة المالية العالمية، على قطاع المحروقات، بينما حافظ النشاط غير النفطي على قوته، محقِّقاً نموًّا بنسبة 4.2 في المائة.

كما أكّد أنّ الاقتصاد الجزائري، رغم تباطُئه في 2024، يتمتع باحتياطيات قوية، وانخفاض معدلات التضخم، إلّا أنّه يعاني من عجز مالي متزايد. وشجّع حكومة الجزائر على اتخاذ إجراءات فورية لتحسين الوضع المالي، ودعم تنويع الاقتصاد، وإطلاق إصلاحات مؤسساتية، لا سيما في القواعد المالية والنقدية، لضمان توازن واستقرار مستدامين.

الصعيد الإقليمي

على الصعيد الإقليمي، تحلّ ذكرى استقلال الجزائر في ظرف يتّسم بسوء العلاقة مع جيرانها في الجنوب، خصوصاً مالي والنيجر. وتعزو الجزائر ذلك إلى تدخل دول أجنبية في شؤون البلدين، ما فرض وضعاً جديداً، حسبها، تمثّل بشكل خاص في إعلان حكومة مالي فكّ ارتباطها بـ«اتفاق السلم والمصالحة» مع المعارضة المسلحة الذي تمّ التوقيع عليه بالجزائر عام 2015. كما طالبت من الحكومة الجزائرية، مطلع 2025، بوقف وساطتها بين الطرفين المتنازعين، الأمر الذي أحدث شبه قطيعة بين البلدين اللذين ربطتهما دوماً شبكة من التفاعلات الإنسانية، ونسيج اجتماعي متداخل بين قبائل الطوارق التي تعيش على التجارة والزراعة والرعي في المناطق الحدودية.

وانهارت جسور التواصل بين البلدين في أبريل (نيسان) 2025، عندما أسقط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي على الحدود. وقد عبّرت باماكو عن سخطها، واعتبرت ذلك «إعلان حرب من جانب الجزائر ضدها». وسرعان ما انضمّت النيجر وبوركينا فاسو إلى الموقف المالي، معلنتين خصومة شديدة ضد ما كان يُعرف بـ«الشقيقة الكبرى» في الشمال.

وكان لهذا الخلاف أثر بالغ على التعاون في مجالات عدّة، أهمّها محاربة الإرهاب، وتجارة السلاح، وشبكات المخدرات، وتهريب البشر على الحدود بين هذه البلدان.

العلاقة مع المغرب وليبيا

أمّا علاقة الجزائر بالمغرب، فلا يزال التوتر سمتها الغالبة، وهو يتعاظم بشكل متواصل مع استمرار نزاع الصحراء. وقد أبدت الجزائر استياءً من انحياز كل من إسبانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى خطة الحكم الذاتي المغربية لحلّ هذه القضية التي عجزت الأمم المتحدة عن تفكيكها منذ اندلاعها قبل نصف قرن.

كما يظلّ الوضع هشاً على الحدود مع ليبيا، حيث تلاحظ الجزائر رهانات كبرى في حدودها الجنوبية الشرقية، تُحرّكها قوى عالمية. ومنذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تشتكي الجزائر من تحوّل هذه الحدود إلى ملاذ لمهرِّبي السلاح، ومسرحٍ لنشاط التنظيمات الجهادية.

التوتر مع فرنسا

وتحلّ ذكرى الاستقلال في ظرف دقيق بالنسبة للعلاقات مع دولة الاستعمار بالأمس: فرنسا، وما تمثّله من عمق إنساني (5 ملايين جزائري يعيشون بها)، ومصالح تجارية واقتصادية كبيرة، وتنسيق استخباراتي مهم في مجال الأمن بمناطق الساحل والمغرب العربي وحوض المتوسط.

عند أول امتحان جدي، تهاوت هذه العلاقات التي وُصفت يوماً بـ«الاستراتيجية»، حتى لامست القطيعة. فما إن تبنّى الإليزيه في صائفة 2024 أطروحة الرباط بشأن الصحراء، حتى تفجّر غضب الجزائر، وجرّ معه خلافات قديمة كانت مناسبةً رفعت من مستوى الانتماء الوطني وتجذيره في وجدان الجزائريين.

وبرهنت هذه الخلافات على أنّ ماضي فرنسا الاستعماري ما زال محفوراً في نفوسهم، كما أنّ قطاعاً من الطيف السياسي في فرنسا لا يزال يشدّه الحنين إلى «الجزائر الفرنسية».

وقد شمل خطاب مكتوب للرئيس تبون في ذكرى الاستقلال هذه المحاور، حيث أكّد أنّ «تاريخ الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية هو يوم انجلت فيه عن وطننا المفدى جحافل الاستعمار البغيض، وهي تجرّ أذيال الهزيمة، لأنّها جوبهت برجال أشداء سكن الوطن سويداء قلوبهم، وعقدوا العزائم أن تتحرر الجزائر».

وشدد على أنّ الجزائريين «يستحضرون تلك الملاحم الخالدة التي خاضها شعبنا ضد الاستعمار وقواه العاتية، وظلّ على درب التضحية، يقدّم القوافل تلو الأخرى من الشهداء البواسل حتى النصر المبين».

من جهته، وصف قائد الجيش، الفريق أول سعيد شنقريحة، في خطاب للأفراد العسكريين، أنّ الاستقلال في عامه الـ63 «هو من أعظم المحطات المجيدة في تاريخ وطننا العزيز، محطة ستبقى دائماً رمزاً لانتصار الجزائر والجزائريين على المستدمر الفرنسي الغاشم، الذي سلب وطننا حريته وسيادته بالنار والحديد، وأذاق شعبنا، لسنوات طويلة، كلّ أنواع القهر والظلم والحرمان». وبحسب شنقريحة: «رغم حجم الدمار الذي تسبّب فيه هذا المستعمر، لم يستسلم آباؤنا وأجدادنا يوماً للعدو، وتمسّكوا بهويتهم الجزائرية الأصيلة، وبذلوا النفس والنفيس من أجل الانعتاق».


مقالات ذات صلة

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

مسؤول فرنسي يقرّ بصعوبة ترميم العلاقات مع الجزائر

في حين كانت العلاقات الجزائرية - الفرنسية تشهد استئنافاً جزئياً للتعاون، برز «قانون تجريم الاستعمار» عقبةً جديدةً أعادت المسار إلى مربعه الأول، وعرقلت جهود…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)
مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدأ السودانيون يعودون إلى عالم القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب. العاصمة الخرطوم، بعد أن بدَّلت الحرب ملامحها، أصرت على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة. وسارع سكانها العائدون إلى تقليب صفحات الكتب، كأسلوب هادئ للمقاومة، وملاذ نفسي وثقافي يستعيدون به حيوية مدينتهم، ويعيدون نبضها الذي خَفَت نحو 3 سنوات.

لا تُعد القراءة بالنسبة لكثيرٍ من السودانيين ترفاً؛ بل وسيلة مواجهة يضمدون بها أحزانهم وجراحهم، ويعلنون من خلالها تمرُّدهم على أوجاعهم. فأقبلوا على شراء الكتب، وعادت المكتبات ودور النشر إلى المدينة لتلبِّي حاجتهم.

التعلق بأمل

في شارع الشريف الهندي، المتفرِّع من شارع الحرية، في الخرطوم، تنتصب دار «المصورات» للنشر، شاهدة على حجم المأساة. غير أن صاحبها أسامة عوض دأب على الجلوس إلى مكتبه ساعاتٍ طويلة، مشرفاً على برنامج تخفيض أسعار الكتب، لتشجيع الناس على القراءة.

وقال عوض لـ«الشرق الأوسط»: «إن الثقافة مهمَّة، لذلك اجتهدنا في توفير الكتاب بسعرٍ زهيدٍ. ولهذا صمدت مكتبتنا في وجه الحرب والقصف والنهب والسرقة». وأضاف: «واصلنا العمل مدَّة 3 أشهر دون جمهور، ولكن عندما بدأنا بازار تخفيض أسعار الكتب ذات القيمة الثقافية العالية، رحَّبت به أعدادٌ كبيرة من الجمهور. وتعلَّقت آمال الناس بالعودة إلى الخرطوم وممارسة القراءة كعادة حياتيَّة».

وأوضح عوض أن دار «المصورات» تعمل على إعادة الناس إلى القراءة، لمواجهة تبدُّل المفاهيم الناتج عن الحرب، قائلاً: «شخصياً شعرت بقيمة الوطن بعد النزوح والتشرُّد، ودفعت ثمناً باهظاً».

حواجز نفسية

عبد الرحيم عبد الله صاحب مكتبة «كابيلا» في الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى مالك مكتبة «دار العلوم» عبد اللطيف إبراهيم، في عودة المكتبات أملاً كان بعيد المنال في ظلِّ الحرب، ويعتبر عودة بعض المكتبات إلى العمل باباً يُفتح على الاطمئنان والسواء النفسيِّ.

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أعدنا فتح المكتبة قبل شهر، ووجدنا إقبالاً متزايداً، ولكننا واجهنا ندرة في الكتب الثقافية، ونسعى إلى توفيرها». وأضاف: «في نظري، القراءة بمنزلة تعويضٍ نفسيٍّ، والقُرَّاء القدامى انشرحت صدورهم بعودة بعض المكتبات، وبحصولهم على بعض الكتب النادرة؛ إذ إن نار الحرب التهمت آلاف الكتب في العاصمة الخرطوم ومدنٍ أخرى».

ندرة الكتب الثقافيَّة

وقال أيضاً صاحب مكتبة «كابيلا» عبد الرحيم عبد الله: «لقد توقَّفت القراءة بسبب الحرب، واحتلَّت وسائل التواصل الاجتماعي المكان، تعويضاً لتوقُّف عمل المكتبات في البلاد». وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «مع عودة الحياة تدريجياً، رجع الناس إلى القراءة، وبعض المكتبات مستقرة حالياً وتفتح أبوابها يومياً، بعد توقف تبادل إطلاق النار في الخرطوم».

ووصف عبد الرحيم القراءة بأنها «الوسيلة الأفضل» لتحقيق الاستقرار النفسي، بقوله: «يقبل القُرَّاء على المكتبة يومياً، رغم ندرة الكتب الثقافية بسبب توقف معرض الكتاب 4 دوراتٍ».

قراءةٌ ضد الإحباط

يتفحَّص طالب كلية الطب، محمد إبراهيم (26 عاماً) عناوين الكتب المفروشة على الأرض أمام دار «المصورات» للنشر، لاختيار ما يقرأه، قائلاً إنه يريد دراسة تاريخ السودان، لعلَّه يساعد في اكتشاف مكامن الضعف والخلل التي تعيق البلاد.

وتابع لـ«الشرق الأوسط»: «خلَّفت الحرب تشوُّهاتٍ نفسيَّة لدى الناس الذين أصابهم الرعب وفقدوا الأحبَّة. لذلك فإن القراءة والحصول على المعلومات أمرٌ مهم». وأضاف: «أبحث أيضاً عن رواياتٍ مؤثِّرة تعيد إلى نفسي ترتيب مكوِّناتها؛ خصوصاً تلك التي كُتبت في زمن الحرب».

استعادة التوازن

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل «الهلال الأحمر السوداني» الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت اختصاصية علم النفس، الدكتورة سميَّة البصير: «مع انحسار دخان الحرب في السودان، ودمار المدن والبنى التحتيَّة، برز مشهدٌ صغير بالغ الدلالة، وهو أن المكتبات بدأت تفتح أبوابها من جديد، والناس يقفون أمام رفوف الكتب، علَّهم يستعيدون جزءاً من حياتهم». وتابعت: «هذا المشهد -رغم بساطته- يحمل قيمة رمزيَّة تتجاوز فعل الشراء والبيع؛ فهو مؤشرٌ على بدء المجتمع التقاط أنفاسه، وأن رغبته في الحياة أقوى من ذاكرة الدمار».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «تُظهر الدراسات النفسية أن القراءة ليست مجرَّد نشاط ثقافيٍّ؛ بل ممارسة علاجيَّة تساعد على تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي. وفي سياق ما بعد الحرب، تصبح القراءة وسيلة لإعادة بناء ما تهشم في الداخل».

انهيارٌ ذهني

وقالت أيضاً الباحثة المتخصِّصة في دراسة المجتمعات، الدكتورة نجلاء عبد المحمود: «في مشهدٍ يختزل معنى الصمود، تعاود مكتبات في العاصمة (الخرطوم) فتح أبوابها، رغم الجروح التي تنزفها الحرب». وتابعت: «هذه العودة ليست مجرَّد استئناف للنشاط الثقافي؛ بل تحوَّلت إلى ظاهرة علاجية نفسية تعيد تعريف دور القراءة في حياة الإنسان المحاصر».

وأضافت: «كل كتابٍ يُفتح في الخرطوم اليوم هو إعلان عدم استسلام. فالمقاومة ليست بالسلاح فقط؛ بل مقاومة الذهن للانهيار، والذاكرة للنسيان، والأمل للانقراض. القراءة تمرين يومي على البقاء، ومن خلالها يثبت القارئ لنفسه أنه ما زال قادراً على التفكير والحلم والشعور، بما يتجاوز صوت الرصاص».

فعلُ حياة

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جهته، قال الكاتب والمؤلف إسحاق علي: «إن القراءة فعلُ حياة؛ فإذا عادت، عادت معها الحياة». وتابع: «أحدثت الحرب شرخاً نفسياً عميقاً في الشخصية السودانية، وصل عند البعض إلى درجة الاكتئاب، فغامت الرؤية، وانحسر الطموح في المأوى والمأكل والمشرب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه الظروف، أن تفتح مكتبات أبوابها في الخرطوم، فذلك يعيد النبض إلى انتظامه، ويرسم تحدياً صريحاً للحرب وآثارها». وأضاف: «إن تقرأ يعني أن تفكر، وأن تفكر يعني أن تكون إنساناً».

وتابع: «لا شكَّ في أن للقراءة أثراً على الصحة النفسية، وفي ظروف إنسان السودان يظل أثرها كبيراً لا يمكن قياسه. فهي تخلق شعوراً دافقاً بالحياة، قد يخرج في نظم قصيدة، أو في تحدِّي شخصية روائية لظروف مشابهة، أو في مقالة تنير العقل وتهدي إلى أفكار وتجارب مُلهمة».


تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
TT

تونس: أمر باعتقال مُعارض بعد ترحيله من الجزائر

من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)
من مظاهرة في العاصمة التونسية (رويترز)

أمرت النيابة العامة في تونس بإيقاف المحامي والنائب السابق في البرلمان سيف الدين مخلوف، بعد ترحيله من الجزائر، لتنفيذ عقوبات سجنية بحقّه.

ونقلت «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» عن مصدر قضائي أن النيابة العامة «أمرت بالاحتفاظ بمخلوف المفتَّش عنه من أجل أحكام صادرة ضده».

ويواجه مخلوف حكماً غيابياً يقضي بسجنه لمدة خمس سنوات، بتهمة «التآمر على أمن الدولة الداخلي».

ويُعد مخلوف، النائب عن «ائتلاف الكرامة» في البرلمان المنحلّ إبان إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 بدعوى مكافحة الفساد والفوضى، أحد أشد معارضي الرئيس سعيد.

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيّد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

وكان قد اعتُقل من قِبل السلطات الجزائرية في يوليو 2024 بتهمة «دخول البلاد بشكل غير قانوني»، في محاولة منه للسفر، على الأرجح، إلى دولة ثالثة، وفق وسائل إعلام محلية.

ويقبع العشرات من المعارضين السياسيين في السجن بتونس بتهمة «التآمر على أمن الدولة». وقد أصدرت محكمة الاستئناف ضدهم أحكاماً مشددة يصل أقصاها إلى السجن 45 عاماً. وتقول المعارضة إن التُّهَم الموجهة للمعتقلين «سياسية وملفَّقة»، وتتهم الرئيس قيس سعيد «بتقويض أسس الديمقراطية»، على ما أفادت «وكالة الأنباء ألمانية».


وزير الخارجية المصري يستقبل رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

وزير الخارجية المصري يستقبل رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (يمين) خلال لقائه مع علي شعث رئيس اللجنة الفنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في القاهرة (أ.ف.ب)

استقبل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الاثنين) رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث؛ حيث أكد له دعم القاهرة الكامل للجنة.

وذكرت وزارة الخارجية المصرية -في بيان- أن عبد العاطي أكد خلال لقائه شعث «ضرورة استكمال الخطوات الضرورية لتنفيذ بقية استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وعلى رأسها تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية»، كما شدد على «أهمية الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية، وضمان التواصل الجغرافي والإداري بين قطاع غزة والضفة الغربية».

وأكد عبد العاطي أهمية دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة في إدارة الشؤون اليومية لسكان القطاع، وتلبية احتياجاتهم الأساسية «تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة»، وفق بيان الخارجية المصرية.

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».