مصر ترفض محاولات إثيوبيا لـ«الهيمنة المائية» مع اكتمال «سد النهضة»

القاهرة وصفت دعوة آبي أحمد للحوار بـ«الشكلية»

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
TT

مصر ترفض محاولات إثيوبيا لـ«الهيمنة المائية» مع اكتمال «سد النهضة»

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

شككت مصر في دعوة جديدة من رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، للحوار بشأن خلافات «سد النهضة»، الذي اكتمل بناؤه بعد أكثر من عقد من المفاوضات التي لم تسفر عن أي نتائج، فيما ينتظر افتتاحه في سبتمبر (أيلول) المقبل.

وتبني إثيوبيا سد النهضة على رافد نهر النيل الرئيسي منذ 2011 لأهداف قالت إنها تنموية، إلا أنه يواجه اعتراضات من دولتي المصب مصر والسودان، للمطالبة باتفاق قانوني ينظّم عمليات ملئه وتشغيله، بما لا يضر بحصتيهما المائية.

واتهم وزير الري المصري، هاني سويلم، إثيوبيا بالمماطلة في حل نزاع السد، وذلك خلال لقاء عدد من السفراء المنقولين لرئاسة بعثات دبلوماسية مصرية بالخارج، وفق بيان للوزارة، الخميس. وأكد سويلم أن الجهود المصرية للحل «قوبلت بانعدام الإرادة السياسية من الجانب الإثيوبي».

وزيرا الخارجية والري المصريان يتحدثان لعدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج عن قضية «سد النهضة» (مجلس الوزراء المصري)

وجاء الموقف المصري، عقب إعلان آبي أحمد، الخميس، في كلمة بمجلس النواب الإثيوبي، أن بلاده ستفتتح سد النهضة رسمياً في سبتمبر المقبل، بعد انتهاء موسم الأمطار، ودعا حكومتي مصر والسودان للمشاركة في هذا الحدث التاريخي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية».

وأعاد آبي أحمد التأكيد على أن «سد النهضة لن يسبب ضرراً لمصالح مصر والسودان»، معبراً عن «استعداد إثيوبيا لمواصلة الحوار مع الجانب المصري... المشروع يمثل فرصة للتعاون الإقليمي وليس للصراع».

وسبق أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي «اكتمال بناء وملء بحيرة سد النهضة». وقال في مارس (آذار) الماضي، إنه سيتم «افتتاح السد مع مطلع العام الإثيوبي»، الذي يوافق سبتمبر من العام الحالي، داعياً إلى «الحوار والتعاون مع مصر والسودان، بدلاً من الخلافات»، وعدّ مشروع السد «لم يؤثر على تدفق المياه إليهما».

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال كلمته أمام البرلمان بشأن التحديات والأوضاع الاقتصادية بالبلاد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ورد وزير الري المصري، موضحاً أن «الجانب الإثيوبي دأب على الترويج لاكتمال بناء السد غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي رغم عدم التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب، ورغم التحفظات الجوهرية التي أعرب عنها كل من مصر والسودان، وهو ما يعكس نهجاً إثيوبياً قائماً على فكر يسعى إلى محاولات لفرض الهيمنة المائية بدلاً من تبني مبدأ الشراكة والتعاون، وهو الأمر الذي لن تسمح الدولة المصرية بحدوثه».

وزير الري المصري أشار كذلك إلى أن «ما يصدر عن الجانب الإثيوبي من دعوات متكررة لاستئناف التفاوض، لا يعدو كونه محاولات شكلية تستهدف تحسين الصورة الذهنية لإثيوبيا على الساحة الدولية، وإظهارها بمظهر الطرف الساعي للتفاوض».

وأوضح أن «الواقع العملي، ومسار التفاوض الممتد لأكثر من ثلاثة عشر عاماً دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، يبرهنان بوضوح على غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي، وافتقار تلك الدعوات للمصداقية والجدية، في ظل غياب أي مؤشر على وجود نية حقيقية لتحويل الأقوال إلى التزامات واضحة وأفعال ملموسة على أرض الواقع».

وأكد أن «المواقف الإثيوبية التي تتسم بالمراوغة والتراجع وتفرض سياسة الأمر الواقع، تُناقض ما تُعلنه من رغبة في التفاوض، وهو ما يستوجب من المجتمع الدولي إدراك حقيقته».

وزير الري المصري يؤكد حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل من خلال دعم مشروعات تنموية ومائية مشتركة (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد، خلال العام الماضي، بعد جولات مختلفة على مدار 13 عاماً.

وتعقيباً على رسائل آبي أحمد، قال رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد العرابي، إن ما يفعله رئيس الوزراء الإثيوبي «تكرار مشكوك في مصداقيته، ولا يتفق مع الواقع الحادث بعد ضربه بكل مبادئ الاتحاد الأفريقي عرض الحائط بعيداً عن روح التعاون والتضامن ومحاولة لتحسين الصورة لا أكثر»، مشدداً على أن «مصر ليس لديها أي إحساس بهذه الدعوة، وأنها غير صادقة وليست مبنية على أفكار تلبي طموحات».

اتفقت معه عضوة لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري، سحر البزار، مؤكدة أن دعوات آبي أحمد متكررة ولا تحمل جدية، مشيرة إلى أن المفاوضات مع مصر استمرت أكثر من 10 سنوات ولو كانت إثيوبيا تريد التعاون لكانت التزمت ولكن هذا لم يحدث.

وشككت النائبة المصرية في «مصداقية حديث آبي أحمد»، مؤكدة أنه حديث لتحسين الصورة الإثيوبية «السيئة» أمام المجتمع الدولي في ملف السد، والترويج بأنه متعاون، لكن هذا ليس له مكان أو فرصة لحوار في ظل غياب النية الصادقة لدى أديس أبابا لإبرام اتفاق ملزم قياساً على رفضها السابق.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال تفقد أعمال الإنشاءات في «سد النهضة» 25 أغسطس 2024 (قناته على تلغرام)

في المقابل، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن «أسلوب التشكيك لن يفيد أياً من الدولتين»، مؤكداً أنه «لو كانت نية إثيوبيا غير صادقة ما كان عليها أن تقدم أي دعوة وقد انتهت من بناء السد».

ويرى أن «الموقف الآن بعد الانتهاء من بناء السد يمكن أن يكون أكثر ثقة، وخاصة أن رئيس الوزراء تعهد بمواصلة التفاوض مع مصر والسودان، مؤكداً أنه لا توجد أي أضرار على الدولتين».

ويأتي حديث آبي أحمد بعد أيام من انتقاد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سياسات بلاده بشأن «تمويل السد»، وقال إن «واشنطن موّلت السد بغباء»، حسب وصفه. وأشار في منشور على منصته الإعلامية «تروث سوشيال»، السبت الماضي، إلى أن «السد يقلّل من تدفق المياه إلى نهر النيل».

وسبق أن قامت الولايات المتحدة بدور الوساطة في أزمة «السد الإثيوبي»، بعد تجربة تدخل إدارة ترمب الأولى، التي استضافت جولة مفاوضات في واشنطن عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين (مصر وإثيوبيا والسودان)، لكنها لم تصل لاتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها.

كما يأتي حديث آبي أحمد بعد نحو 4 أيام من حديث وزير الخارجية المصري عن ملف سد النهضة، مؤكداً أن موضوع المياه هو التهديد الوجودي الأول والأوحد لمصر.

وشدد الوزير، خلال مقابلة متلفزة، على أن مصر لن تسمح تحت أي ظرف بأن يتم المساس بحصتها التاريخية من مياه النيل، موضحاً: «احتياجاتنا المائية السنوية تتجاوز 90 مليار متر مكعب من المياه، في حين أن مصر تحصل على 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل».

وعن وجود خطة لمفاوضات جديدة، قال إن مصر أعلنت أن المسار التفاوضي مع إثيوبيا حول سد النهضة قد وصل إلى طريقٍ مسدود بعد سنوات من المفاوضات، مشدداً على أن مفاوضات السد الإثيوبي استُخدمت لفرض الأمر الواقع ولم تفضِ إلى شيء، مؤكداً أن مصر تحتفظ بحق الدفاع عن النفس وعن مصالحها المائية، إذا تعرضت لأي تهديد.

وكان مجلس الأمن أصدر بياناً في سبتمبر 2021 حثّ فيه مصر وإثيوبيا والسودان على «استئناف المفاوضات؛ بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف بشأن ملء (السد) وتشغيله ضمن إطار زمني معقول».

ويرى السفير العرابي أن «هذا السد لن يؤدي أهدافه، وسيكتشف الإثيوبيون قريباً أنه كان إهداراً لموارد كثيرة، وأنه لن يحقق التنمية التي يروج لها».

واشترطت النائبة البزار لحدوث حوار حقيقي بشأن خلافات سد النهضة وحقوق مصر أن يكون هناك طرف ضامن لما سيتم التوصل إليه؛ كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

ولفتت إلى أن مصر بذلت جهوداً كثيرة وذهبت لمجلس الأمن أكثر من مرة ولم تستجب إثيوبيا، مؤكدة أن حديث آبي أحمد غير واقعي لأنه كان أمامه فرص للدعوة الجدية للمفاوضات عبر اجتماعات لكنه يناور، مضيفة أنه «يناور بهذا الحديث كعادته، لكي يقطع أي فرصة لتصعيد مصري ضد السد، ويتحجج أمام المجتمع الدولي أنه قدم دعوات للحوار ومصر لم تستجب وهذا غير حقيقي».

أما المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم فيرى أن «الكرة الآن في ملعب كل من مصر والسودان للتعاون خلال المرحلة المقبلة لخدمة الشعوب، والتحدي المقبل سيكون أمام دولتي المصب للتعاون مع إثيوبيا مستقبلاً، لا أن يتم إطلاق الاتهامات من على بعد دون إبداء أي تقدم في خطوات التعاون».


مقالات ذات صلة

ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ما معنى التلويح المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» في أزمة السد الإثيوبي؟

كررت مصر، خلال أسبوعين، الحديث عن حقها في منع أي تحركات لأديس أبابا على نهر النيل، مؤكدة أنها تمتلك «حق الدفاع الشرعي» في مواجهة أي سدود إثيوبية جديدة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري صورة لسد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحليل إخباري توترات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا تُعمّق الخلاف حول موارد النيل

توترات متصاعدة بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية تصريحات إثيوبية تحدثت عن «السيطرة على تدفقات مياه النيل» والرد المصري الذي حذر من المُضي قدماً بهذه الخطط.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة (رويترز)

مخططات إثيوبيا لسدود جديدة على النيل تزيد الارتباك مع مصر

ردت القاهرة بشكل حاسم على تقارير إخبارية بشأن اعتزام إثيوبيا بناء سدود جديدة على نهر النيل، مؤكدة أنها «لن تسمح بذلك».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري خلال لقائه الرئيس الأوغندي في كامبالا (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على رفض «الإجراءات الأحادية» في حوض النيل الشرقي

جددت مصر التأكيد على رفض «الإجراءات الأحادية» في حوض النيل الشرقي، وشددت على ضرورة التمسك بروح التوافق لـ«استعادة الشمولية» بمبادرة حوض النيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
TT

الحكومة المصرية تتمسك بـ«الدعم النقدي» رغم المخاوف

من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)
من تجمع لمواطنين بالجيزة عند أحد مكاتب التموين (الشرق الأوسط)

تمضي الحكومة المصرية في اتجاهها لتطبيق منظومة «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني»، وإلى توسيع «السلع» التي يمكن للمستفيدين الحصول عليها عبر البطاقات التموينية لتشمل اللحوم الحمراء والدواجن، في خطوة تثير مخاوف بشأن آليات التطبيق.

وبدا تمسك الحكومة بهذا المسار واضحاً في تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي، الأربعاء، إذ أكد أن «تطوير آلية الدعم النقدي يمثل أحد مسارات تحديث منظومة الدعم».

واستشهد بتجارب دولية أخذت بهذا النهج بصورة كاملة أو تدريجية، فهي «وسيلة لتعزيز العدالة الاجتماعية ومنح المواطن مساحة أوسع لاختيار احتياجاته وفقاً لأولوياته».

غير أن الانتقال إلى المنظومة الجديدة يثير مخاوف لدى قطاعات من المصريين، وفق عضو مجلس النواب أحمد فرغلي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التغيير المرتقب يمس نحو 64 مليون مستفيد من منظومة السلع التموينية، يحصل كل منهم حالياً على دعم شهري قدره 50 جنيهاً يمكن إنفاقه على قائمة محددة من السلع في المنافذ المعتمدة، لكن لا تزال القيمة التي سيحصل عليها المستفيد في النظام النقدي الجديد غير محسومة بصورة نهائية».

إلا أن رئيس شعبة البقالة بـ«غرفة الجيزة التجارية» هشام الدجوي قدَّر في تصريحات إعلامية أن «البطاقة التموينية المكونة من أربعة أفراد قد تحصل على نحو 1300 جنيه شهرياً (الدولار يساوي 50.9 جنيه) ويمكن استخدامها في شراء مجموعة أوسع من السلع بينها اللحوم الحمراء والخضراوات والسلع التموينية».

ومع استمرار الغموض بشأن التفاصيل النهائية للمنظومة، تعتزم الحكومة إطلاق حملة إعلامية لتعريف المواطنين بآليات الدعم النقدي وأهدافه، والإجابة عن تساؤلاتهم بشأن طريقة الاستفادة منه، إلى جانب توضيح المزايا التي ترى الحكومة أنها ستترتب على تطبيقه، وفقاً لما أعلنته في بيان رسمي أخيراً.

وتستند الحكومة في دفاعها عن «التحول» إلى ما تعده أوجه قصور في نظام الدعم العيني القائم، بينها محدودية الخيارات أمام المستفيدين، وما يرتبط بالمنظومة من نسب فقدان وتسرب.

كان وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، قد أشار أخيراً، إلى أن النظام الجديد سيمنح المواطن «القيمة الفعلية للسلع» المخصصة له بما يتيح له قدراً أكبر من حرية الاختيار وفق احتياجات أسرته».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع مع عدد من الوزراء الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

ورغم إقراره بمزايا «الدعم النقدي» من حيث منح المواطن مبلغاً يتيح له اختيار السلع التي يحتاج إليها، لا يؤيد وزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق، الانتقال إلى هذا النظام، محذراً من أن «توقيته قد يفاقم مشكلات قائمة بدلاً من معالجتها».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن من أبرز المخاوف «وجود مواطنين يحملون بطاقات تموينية ولا يستحقون الدعم، في مقابل آخرين يستحقونه ولا يحملون بطاقات»، معتبراً أن «معالجة هذه الاختلالات ينبغي أن تسبق الانتقال إلى منظومة الدعم الجديدة».

ويحذر عبد الخالق من أن«استمرار التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه قد يجعلان القيمة النقدية للدعم أقل قدرة على حماية الفئات الأكثر احتياجاً مقارنةً بالدعم العيني، وذلك في ظل غياب آليات واضحة وفعالة لضبط الأسواق والأسعار»، كما أعرب عن مخاوفه من أن «يؤدي الانتقال غير المنضبط، إلى إفادة التجار والوسطاء على حساب المواطن محدود الدخل».

وارتفعت معدلات التضخم بمصر إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز) الماضي مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ووفق مراقبين «لا يمثل الحديث عن الدعم النقدي توجهاً مستحدثاً في السياسة الاقتصادية المصرية؛ إذ تعود الإرهاصات الأولى لفكرة التحول من الدعم العيني إلى النقدي إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، قبل أن يتبلور النقاش حول المنظومة بصورة أكثر وضوحاً في يوليو 2024 عندما ناقشت الحكومة آليات التحول، وكلفت (الحوار الوطني المصري) بوضع تصور للمقترح».

غير أن الانتقال من طرح الفكرة إلى تطبيقها على نطاق واسع، ظل محل دراسة، ولم تعلن الحكومة حتى منتصف 2026 موعداً نهائياً لتطبيق المنظومة بصورة شاملة، في وقت واصلت تأكيدها أن التحول سيكون تدريجياً.

مكتب تموين بمنطقة المنيل في القاهرة (الشرق الأوسط)

ومنتصف الشهر الماضي، جددت الحكومة تمسكها بهذا المسار في البيان المالي لموازنة العام المالي الجديد، الذي قدمه وزير المالية أحمد كجوك، إلى مجلس النواب، متحدثةً عن «مواصلة التحول التدريجي إلى الدعم النقدي، مع استمرار تخصيص موارد كبيرة لمنظومة الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية».

وأعلنت الحكومة، الأربعاء، اتساع قائمة السلع التي يمكن الحصول عليها من خلال الدعم لتتجاوز السلع الأساسية المتداولة حالياً مثل الزيت والسكر والمكرونة، لتشمل اللحوم الحمراء واللبن والعدس والبيض والدواجن، بما يعكس توجهاً نحو منح الأسرة مساحة كبرى في تحديد أولويات إنفاق قيمة الدعم».

لكن إدراج اللحوم الحمراء والدواجن تحديداً يثير تساؤلات اقتصادية في ظل ارتفاع أسعارهما وتذبذبها، وهو ما دفع رئيس «المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية» رشاد عبده إلى الاستغراب من «طرح تقديم دعم مالي مخصص لشراء سلع تسجل أسعارها مستويات مرتفعة»، متسائلاً عن مدى قدرة القيمة النقدية المحددة للدعم والتي لم تزل غير معلنة رسمياً، على مواكبة تحركات الأسعار وحماية المستفيدين من تآكل قدرتهم الشرائية.

Your Premium trial has ended


قلق مصري من تأثر واردات القمح بسبب «اضطرابات البحر الأسود»

صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

قلق مصري من تأثر واردات القمح بسبب «اضطرابات البحر الأسود»

صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صوامع للقمح في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تثير الاضطرابات التي تشهدها منطقة «البحر الأسود» مخاوف مصرية من تأثر واردات القمح من روسيا وأوكرانيا بسبب تعطل بعض الشحنات.

وبينما قال بعض الخبراء إن «نقص الإمدادات يؤثر على القطاع الخاص، وإن بعض المستوردين يتجهون للبحث عن مصادر أخرى للاستيراد»، قلل مسؤول في وزارة الزراعة من تأثير الأزمة على المستوى القريب بفضل مشتريات الحكومة القياسية من القمح المحلي.

وقفزت واردات مصر من القمح خلال النصف الأول من العام الحالي، بنحو 48 في المائة لتسجل 7.7 مليون طن بعد قرار رفع الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية إلى ما يكفي 9 أشهر من الاستهلاك بدلاً من 6 أشهر، في حين تعد القاهرة من أكبر مستوردي القمح حول العالم مع استيراد نحو 12 مليون طن سنوياً لتلبية الطلب المحلي.

ومع تصاعد الهجمات الروسية - الأوكرانية على السفن والموانئ في منطقة البحر الأسود، تزايدت المخاوف في سوق القمح العالمية من نقص الإمدادات وارتفاع تكلفة الاستيراد. ووفق تقرير لوكالة «رويترز»، فإن «العقود الآجلة القياسية للقمح في بورصة شيكاغو ارتفعت بأكثر من 17 في المائة منذ بداية يوليو (تموز) الماضي».

وتزداد أهمية الأزمة بالنسبة لمصر، وذلك أن روسيا وأوكرانيا استحوذتا على أكثر من 82 في المائة من واردات البلاد من القمح خلال النصف الأول من 2026.

مسؤولون يتابعون محصول القمح المحلي بمصر (صفحة وزارة الزراعة على فيسبوك)

ونقلت «رويترز» أخيراً «مخاوف متعاملين في القطاع الخاص المصري من تزايد الضغوط على المستوردين بسبب نقص الإمدادات»، وأشارت إلى «اتجاه بعض المستوردين للبحث عن مصادر بديلة».

وبحسب عضو «غرفة صناعة الحبوب» بـ«اتحاد الصناعات المصرية»، رجب شحاتة، «تنطلق مخاوف المستوردين المصريين من القطاع الخاص بشكل أساسي بسبب أسعار القمح عالمياً». ويقول إن «الإشكالية التي تسببها الاضطرابات بمنطقة البحر الأسود وغيرها من الممرات، تؤثر على سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض المستوردين المصريين يتجهون للبحث عن مصادر أخرى للاستيراد مثل فرنسا والولايات المتحدة»، غير أنه أشار إلى أن «هذه الواجهات تورد القمح بأسعار أعلى من القمح الروسي والأوكراني».

وحسب «رويترز»، تعرضت سفينة كان من المقرر أن تحمل حبوباً إلى مصر لهجوم، الأسبوع الماضي، في أثناء اقترابها من ميناء نوفوروسيسك الروسي.

سيارات لنقل القمح من الصوامع في دلتا مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقلل المتحدث باسم وزارة الزراعة خالد جاد من تأثير اضطرابات البحر الأسود على واردات القمح لمصر، وقال إن «الحكومة تتجه لتقليل فاتورة الاستيراد بعد ارتفاع نسب الإنتاج المحلي هذا العام»، إلى جانب «تأمين احتياطي استراتيجي يكفي لأكثر من 6 أشهر». وأشار إلى أنه «لا توجد أي مخاوف على المستوى القريب».

وبلغت نسبة الزيادة في إنتاج القمح المحلي بمصر مقارنة بالعام الماضي، نحو 20 في المائة بواقع 4.72 مليون طن هذا العام، بعدما ورَّد المزارعون في 2025 نحو 3.93 مليون طن فقط وفق البيانات الصادرة عن وزارة الزراعة.

وأكد جاد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد أي تأثير على شحنات القمح الواردة حتى الآن»، مضيفاً أن «علاقات القاهرة جيدة بروسيا وأوكرانيا، وتحتفظ بتبادلات تجارية معهما طوال السنوات الأخيرة»، منوهاً إلى أن «الاحتياطي الآمن من القمح والحبوب يخفف الضغوط على الحكومة بسبب الاضطرابات الإقليمية والدولية».


مصر لتسهيل عودة الناجين من غرق قارب قبالة العاصمة الليبية

القسم القنصلي بالسفارة المصرية يعمل على ترحيل ناجين من عملية غرق في «المتوسط» (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بشرق طرابلس)
القسم القنصلي بالسفارة المصرية يعمل على ترحيل ناجين من عملية غرق في «المتوسط» (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بشرق طرابلس)
TT

مصر لتسهيل عودة الناجين من غرق قارب قبالة العاصمة الليبية

القسم القنصلي بالسفارة المصرية يعمل على ترحيل ناجين من عملية غرق في «المتوسط» (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بشرق طرابلس)
القسم القنصلي بالسفارة المصرية يعمل على ترحيل ناجين من عملية غرق في «المتوسط» (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بشرق طرابلس)

تسارع مصر عبر سفارتها لدى ليبيا إلى إعادة مواطنيها الناجين من غرق قارب في البحر المتوسط بمنطقة تاجوراء شرق العاصمة طرابلس مطلع الأسبوع الماضي.

وكانت منظمة «إيمرجنسي» الإيطالية غير الحكومية قد أفادت بوفاة سبعة مهاجرين، وإصابة اثنين آخرين بحالة حرجة إثر غرق زورقهم قبالة السواحل الليبية، فيما أُنقذ 50 آخرون. ونقلت المنظمة عن المهاجرين الناجين، الذين كان من بينهم 29 قاصراً غير مصحوبين بذويهم، أنهم ينتمون إلى مصر والصومال.

وقال مركز إيواء المهاجرين غير النظاميين بشرق طرابلس، مساء الأربعاء، إن المركز استقبل حمدي غانم، رئيس القسم القنصلي بالسفارة المصرية لدى ليبيا، للوقوف على أوضاع المهاجرين الناجين من حادثة الغرق المأساوية أثناء محاولتهم الهجرة غير الشرعية والتي حدثت السبت الماضي.

وأشار المركز إلى أن القنصل المصري اطّلع على الخدمات المقدمة للمهاجرين، من واجب الرعاية الطبية والإيوائية بعد رحلة نجاتهم من الموت في البحر، مشيراً إلى أن الزيارة «جسدت تضامناً إنسانياً ورسالة أمل للناجين بأنهم ليسوا وحدهم»، وأن هناك من يقف إلى جانبهم في محنتهم.

وأوضح أن إجراءات التسجيل وتوثيق البيانات الخاصة بهم بالتعاون مع السلطات المختصة قد بدأت لضمان ترحيلهم وعودتهم إلى مصر.

وبشأن القارب الغارق، كانت جمعية الهلال الأحمر الليبي (فرع طرابلس) قد أوضحت أن فرق إدارة الجثث التابعة لها واصلت عمليات المسح والبحث قبالة سواحل منطقة تاجوراء، إثر تلقي بلاغ عن غرق قارب خشبي مكتظ بالمهاجرين غير النظاميين.

ووفقاً للبيانات الميدانية، تمكنت الفرق من انتشال 9 جثامين، عقب الحصول على إذن النيابة العامة واستكمال الإجراءات القانونية، بينما تواصل الفرق جهودها الحثيثة للبحث عن بقية المفقودين وسط ظروف ميدانية معقدة.

وحسب وزارة الخارجية المصرية، فإنها استعادت «منذ بداية العام الماضي 1132 مصرياً من طرابلس والمنطقة الغربية في ليبيا، كما تمت استعادة أكثر من 1500 مواطن مصري من بنغازي والمنطقة الشرقية».

وفي السياق ذاته، قال مركز الإيواء إنه تم ترحيل 12 مهاجراً غير نظامي إلى مصر صباح الخميس، كانوا من ضمن النزلاء، وذلك بعد أن تم استكمال الإجراءات القانونية والإدارية، حيث نُفذت عملية ترحيلهم عبر منفذ «مطار معيتيقة الدولي» بطرابلس.

وسبق أن قضت محكمة جنايات بالعاصمة الليبية طرابلس الأسبوع الماضي، بمعاقبة أحد أفراد «منظمة إجرامية متورطة في الاتجار بالبشر» بالسجن 30 عاماً.

وفي شرق ليبيا، انتهى جهاز «مكافحة الهجرة غير الشرعية» إلى تدشين «أول منظومة رقمية موحّدة على مستوى فروع الجهاز بكل أنحاء الوطن»، في خطوة عدّها «تُجسّد توجهات التطوير المؤسسي والتحول الرقمي، وتعكس حجم الإنجازات التي حققها جهاز مكافحة الهجرة».

وتستهدف المنظومة الربط المباشر بين رئاسة الجهاز والفروع، والإسهام في تسريع تبادل المعلومات والبيانات ورفع كفاءة الأداء وتحسين آليات المتابعة واتخاذ القرار.

وكانت سلطات طرابلس قد أطلقت «حملة موسعة» لترحيل المهاجرين إلى دولهم بمساعدة المنظمة الدولية، التي سبق أن رصدت وجود 704 آلاف و369 مهاجراً غير نظامي في ليبيا، 11 في المائة منهم نساء، و10 في المائة أطفال.