مصر ترفض محاولات إثيوبيا لـ«الهيمنة المائية» مع اكتمال «سد النهضة»

القاهرة وصفت دعوة آبي أحمد للحوار بـ«الشكلية»

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
TT

مصر ترفض محاولات إثيوبيا لـ«الهيمنة المائية» مع اكتمال «سد النهضة»

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)
سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

شككت مصر في دعوة جديدة من رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، للحوار بشأن خلافات «سد النهضة»، الذي اكتمل بناؤه بعد أكثر من عقد من المفاوضات التي لم تسفر عن أي نتائج، فيما ينتظر افتتاحه في سبتمبر (أيلول) المقبل.

وتبني إثيوبيا سد النهضة على رافد نهر النيل الرئيسي منذ 2011 لأهداف قالت إنها تنموية، إلا أنه يواجه اعتراضات من دولتي المصب مصر والسودان، للمطالبة باتفاق قانوني ينظّم عمليات ملئه وتشغيله، بما لا يضر بحصتيهما المائية.

واتهم وزير الري المصري، هاني سويلم، إثيوبيا بالمماطلة في حل نزاع السد، وذلك خلال لقاء عدد من السفراء المنقولين لرئاسة بعثات دبلوماسية مصرية بالخارج، وفق بيان للوزارة، الخميس. وأكد سويلم أن الجهود المصرية للحل «قوبلت بانعدام الإرادة السياسية من الجانب الإثيوبي».

وزيرا الخارجية والري المصريان يتحدثان لعدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج عن قضية «سد النهضة» (مجلس الوزراء المصري)

وجاء الموقف المصري، عقب إعلان آبي أحمد، الخميس، في كلمة بمجلس النواب الإثيوبي، أن بلاده ستفتتح سد النهضة رسمياً في سبتمبر المقبل، بعد انتهاء موسم الأمطار، ودعا حكومتي مصر والسودان للمشاركة في هذا الحدث التاريخي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية».

وأعاد آبي أحمد التأكيد على أن «سد النهضة لن يسبب ضرراً لمصالح مصر والسودان»، معبراً عن «استعداد إثيوبيا لمواصلة الحوار مع الجانب المصري... المشروع يمثل فرصة للتعاون الإقليمي وليس للصراع».

وسبق أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي «اكتمال بناء وملء بحيرة سد النهضة». وقال في مارس (آذار) الماضي، إنه سيتم «افتتاح السد مع مطلع العام الإثيوبي»، الذي يوافق سبتمبر من العام الحالي، داعياً إلى «الحوار والتعاون مع مصر والسودان، بدلاً من الخلافات»، وعدّ مشروع السد «لم يؤثر على تدفق المياه إليهما».

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال كلمته أمام البرلمان بشأن التحديات والأوضاع الاقتصادية بالبلاد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ورد وزير الري المصري، موضحاً أن «الجانب الإثيوبي دأب على الترويج لاكتمال بناء السد غير الشرعي والمخالف للقانون الدولي رغم عدم التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب، ورغم التحفظات الجوهرية التي أعرب عنها كل من مصر والسودان، وهو ما يعكس نهجاً إثيوبياً قائماً على فكر يسعى إلى محاولات لفرض الهيمنة المائية بدلاً من تبني مبدأ الشراكة والتعاون، وهو الأمر الذي لن تسمح الدولة المصرية بحدوثه».

وزير الري المصري أشار كذلك إلى أن «ما يصدر عن الجانب الإثيوبي من دعوات متكررة لاستئناف التفاوض، لا يعدو كونه محاولات شكلية تستهدف تحسين الصورة الذهنية لإثيوبيا على الساحة الدولية، وإظهارها بمظهر الطرف الساعي للتفاوض».

وأوضح أن «الواقع العملي، ومسار التفاوض الممتد لأكثر من ثلاثة عشر عاماً دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، يبرهنان بوضوح على غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي، وافتقار تلك الدعوات للمصداقية والجدية، في ظل غياب أي مؤشر على وجود نية حقيقية لتحويل الأقوال إلى التزامات واضحة وأفعال ملموسة على أرض الواقع».

وأكد أن «المواقف الإثيوبية التي تتسم بالمراوغة والتراجع وتفرض سياسة الأمر الواقع، تُناقض ما تُعلنه من رغبة في التفاوض، وهو ما يستوجب من المجتمع الدولي إدراك حقيقته».

وزير الري المصري يؤكد حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دول حوض النيل من خلال دعم مشروعات تنموية ومائية مشتركة (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد، خلال العام الماضي، بعد جولات مختلفة على مدار 13 عاماً.

وتعقيباً على رسائل آبي أحمد، قال رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد العرابي، إن ما يفعله رئيس الوزراء الإثيوبي «تكرار مشكوك في مصداقيته، ولا يتفق مع الواقع الحادث بعد ضربه بكل مبادئ الاتحاد الأفريقي عرض الحائط بعيداً عن روح التعاون والتضامن ومحاولة لتحسين الصورة لا أكثر»، مشدداً على أن «مصر ليس لديها أي إحساس بهذه الدعوة، وأنها غير صادقة وليست مبنية على أفكار تلبي طموحات».

اتفقت معه عضوة لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري، سحر البزار، مؤكدة أن دعوات آبي أحمد متكررة ولا تحمل جدية، مشيرة إلى أن المفاوضات مع مصر استمرت أكثر من 10 سنوات ولو كانت إثيوبيا تريد التعاون لكانت التزمت ولكن هذا لم يحدث.

وشككت النائبة المصرية في «مصداقية حديث آبي أحمد»، مؤكدة أنه حديث لتحسين الصورة الإثيوبية «السيئة» أمام المجتمع الدولي في ملف السد، والترويج بأنه متعاون، لكن هذا ليس له مكان أو فرصة لحوار في ظل غياب النية الصادقة لدى أديس أبابا لإبرام اتفاق ملزم قياساً على رفضها السابق.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال تفقد أعمال الإنشاءات في «سد النهضة» 25 أغسطس 2024 (قناته على تلغرام)

في المقابل، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن «أسلوب التشكيك لن يفيد أياً من الدولتين»، مؤكداً أنه «لو كانت نية إثيوبيا غير صادقة ما كان عليها أن تقدم أي دعوة وقد انتهت من بناء السد».

ويرى أن «الموقف الآن بعد الانتهاء من بناء السد يمكن أن يكون أكثر ثقة، وخاصة أن رئيس الوزراء تعهد بمواصلة التفاوض مع مصر والسودان، مؤكداً أنه لا توجد أي أضرار على الدولتين».

ويأتي حديث آبي أحمد بعد أيام من انتقاد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سياسات بلاده بشأن «تمويل السد»، وقال إن «واشنطن موّلت السد بغباء»، حسب وصفه. وأشار في منشور على منصته الإعلامية «تروث سوشيال»، السبت الماضي، إلى أن «السد يقلّل من تدفق المياه إلى نهر النيل».

وسبق أن قامت الولايات المتحدة بدور الوساطة في أزمة «السد الإثيوبي»، بعد تجربة تدخل إدارة ترمب الأولى، التي استضافت جولة مفاوضات في واشنطن عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين (مصر وإثيوبيا والسودان)، لكنها لم تصل لاتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها.

كما يأتي حديث آبي أحمد بعد نحو 4 أيام من حديث وزير الخارجية المصري عن ملف سد النهضة، مؤكداً أن موضوع المياه هو التهديد الوجودي الأول والأوحد لمصر.

وشدد الوزير، خلال مقابلة متلفزة، على أن مصر لن تسمح تحت أي ظرف بأن يتم المساس بحصتها التاريخية من مياه النيل، موضحاً: «احتياجاتنا المائية السنوية تتجاوز 90 مليار متر مكعب من المياه، في حين أن مصر تحصل على 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل».

وعن وجود خطة لمفاوضات جديدة، قال إن مصر أعلنت أن المسار التفاوضي مع إثيوبيا حول سد النهضة قد وصل إلى طريقٍ مسدود بعد سنوات من المفاوضات، مشدداً على أن مفاوضات السد الإثيوبي استُخدمت لفرض الأمر الواقع ولم تفضِ إلى شيء، مؤكداً أن مصر تحتفظ بحق الدفاع عن النفس وعن مصالحها المائية، إذا تعرضت لأي تهديد.

وكان مجلس الأمن أصدر بياناً في سبتمبر 2021 حثّ فيه مصر وإثيوبيا والسودان على «استئناف المفاوضات؛ بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف بشأن ملء (السد) وتشغيله ضمن إطار زمني معقول».

ويرى السفير العرابي أن «هذا السد لن يؤدي أهدافه، وسيكتشف الإثيوبيون قريباً أنه كان إهداراً لموارد كثيرة، وأنه لن يحقق التنمية التي يروج لها».

واشترطت النائبة البزار لحدوث حوار حقيقي بشأن خلافات سد النهضة وحقوق مصر أن يكون هناك طرف ضامن لما سيتم التوصل إليه؛ كالولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

ولفتت إلى أن مصر بذلت جهوداً كثيرة وذهبت لمجلس الأمن أكثر من مرة ولم تستجب إثيوبيا، مؤكدة أن حديث آبي أحمد غير واقعي لأنه كان أمامه فرص للدعوة الجدية للمفاوضات عبر اجتماعات لكنه يناور، مضيفة أنه «يناور بهذا الحديث كعادته، لكي يقطع أي فرصة لتصعيد مصري ضد السد، ويتحجج أمام المجتمع الدولي أنه قدم دعوات للحوار ومصر لم تستجب وهذا غير حقيقي».

أما المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم فيرى أن «الكرة الآن في ملعب كل من مصر والسودان للتعاون خلال المرحلة المقبلة لخدمة الشعوب، والتحدي المقبل سيكون أمام دولتي المصب للتعاون مع إثيوبيا مستقبلاً، لا أن يتم إطلاق الاتهامات من على بعد دون إبداء أي تقدم في خطوات التعاون».


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات سابقة بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

الدعم الإسرائيلي لـ«المنفذ البحري» الإثيوبي يزيد التوتر مع مصر

دعم إسرائيلي لتحركات إثيوبيا، في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، يأتي تزامناً مع رفض مصري يتوالى ضد تحركات أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات بين آبي أحمد والرئيس الإسرائيلي في أديس أبابا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

استعداد مصري لمواجهة تداعيات الدعم الإسرائيلي المعلن لإثيوبيا

تحركت إسرائيل لدعم إثيوبيا في توقيت يتزامن مع أسابيع من التصعيد المصري في الخطاب تجاه أديس أبابا على خلفية أزمة مياه النيل والمخاوف من تضرر حصة مصر المائية.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة»، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي».

محمد محمود (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.