مصر: جدل حول قانون «الإيجار القديم» لا يتوقف رغم صدوره

التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية تثير مخاوف

جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
TT

مصر: جدل حول قانون «الإيجار القديم» لا يتوقف رغم صدوره

جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)
جدل الإيجار القديم لا يتوقف حتى بعد صدور القانون من البرلمان وآمال متضاربة معلقة بالرئيس (الشرق الأوسط)

في شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً، يُخزّن عبد العزيز أمين (73 عاماً) ذكريات أكثر من 40 عاماً عاشها بإحدى ضواحي منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، ضمن نحو مليون و600 ألف أسرة تخضع لقانون «الإيجار القديم»، لذا لا يستوعب أنه بعد 7 أعوام سيضطر لترك منزله، وحزم ذكرياته، فيما يكون وصل لـ«80 عاماً». يقول لـ«الشرق الأوسط»: «أين سنذهب؟».

مرت ليلة أمس (الأربعاء) ثقيلة على أمين، بعد إقرار مجلس النواب (البرلمان) تعديل قانون الإيجار القديم، والذي وضع حداً لإنهاء «العلاقة الإيجارية الأبدية» استناداً لحكم المحكمة الدستورية العليا. يقول أمين إن «صحته لا تقوى على العيش في المدن الجديدة شحيحة الخدمات، كما أنه يعيش وغيره من كبار السن على معاش لا يتعدى بضعة آلاف من الجنيهات، ولا يتحمل إيجار جديد وفق سعر السوق الآن».

مجلس النواب المصري مرر قانون الإيجار القديم في جلسة 2 يوليو 2025 (وزارة الشؤون النيابية)

على النقيض من حالة أمين، أجواء سعادة مرت على جوليا محمد (42 عاماً) بعد ما وصفت القانون بـ«تحرير من ظلم سنوات»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط». ورثت جوليا وشقيقتها عقاراً في منطقة محرم بك بالإسكندرية عن والدها، وتقول إنها لا تتحصل منه سوى على 35 جنيهاً كل شهر (أقل من دولار)، إذ كانت قيمة الإيجار 5 جنيهات، بينما وصل سعر السوق في المنطقة إلى 2500 جنيه للوحدة.

ووفق جوليا، فإن دخلها عبارة عن «1800 جنيه هي قيمة معاش والدها الراحل، واضطرت للعمل في بيع الملابس عبر الإنترنت للإنفاق على أمها، قبل وفاتها أيضاً»، وتابعت: «رغم أنني بالاسم صاحبة أملاك، كل المستأجرين تقريباً في عمارتي أيسر حالاً مني، يملكون شققاً وفللاً في مناطق أخرى، أو هاجروا وأغلقوا الشقة».

تتكرر حالتا أمين وجوليا في العديد من الأسر، ما يعمق الجدل حول ملف «الإيجار القديم» الذي تتباين فيه الحالات بين «ظلم قد يقع على المستأجرين»، وآخر «واقع بالفعل على الملاك»، وسط مطالبات سابقة بدراسة الحالات بشكل مفصل، أو تدخل الحكومة لتعويض الملاك دون الإضرار بفئات المستأجرين الأقل دخلاً.

حائط يحتاج إلى ترميم في شقة جوليا لا تستطيع إصلاحه بسبب ضيق الحال رغم أنها مالكة للعقار (الشرق الأوسط)

مجلس النواب المصري مرّر القانون، فيما اعتبره البعض «استعجالاً»، ومن ضمنهم النائبة عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، مها عبد الناصر، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة لم يكن لديها بيانات كافية للوقوف على حقيقة الأوضاع على الأرض، ولضمان تحقيق التوازن والعدالة بين المالك والمستأجر، ونترقب بعده مزيداً من الأزمات الاجتماعية».

عبد الناصر كانت ضمن 22 نائباً انسحبوا خلال الجلسة العامة، الأربعاء، اعتراضاً على تمرير القانون بنصوصه الحالية، وسط مطالبات بإعادة النظر، و«استثناء المُستأجر الأصلي من إخلاء المنزل»، أو «إلغاء نص تحرير العقود والاكتفاء بزيادة قيمة الإيجار».

وينص القانون المعدل على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر، مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات، وتحديد الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، وبحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي.

جوليا وإلى جوارها رئيس اتحاد الملاك مصطفى عبد الرحمن وأجواء فرحة بعد إقرار البرلمان القانون (الشرق الأوسط)

تدخل رئاسي

رسمياً، لم يصدر قانون الإيجار حتى الآن، إذ يتطلب الأمر تصديق رئيس الجمهورية، ونشره في الجريدة الرسمية؛ ليصبح القانون نافذاً من اليوم التالي، وعلق أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يملك الرئيس وفق المادة 123 من الدستور أن يُصدر القانون، أو أن يعترض على القانون كله، أو بعض مواده خلال 30 يوماً، ويعيده إلى مجلس النواب».

ويضيف فوزي: «في هذه الحالة إما أن يتبنى المجلس وجهة نظر رئيس الجمهورية ويقر التعديلات التي اقترحها، أو يتمسك بالنصوص التي رفضها الرئيس، ويحق له إصداره بعد موافقة ثلثي الأعضاء».

وتتضارب الآمال المتعلقة بالرئيس بين الملاك الذين «لا يشكّون في أنه سيصدره، خصوصاً مع تعهد الحكومة بإيجاد بدائل للمستأجرين المحتاجين»، حسب رئيس اتحاد ملاك الإيجار القديم مصطفى عبد الرحمن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وعلى الجهة الأخرى، يتمسك المستأجرون بأمل أن يرفض الرئيس التوقيع. وقال رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار لـ«الشرق الأوسط» إنه سيقدم التماساً للرئيس لوقف القانون.

التباينات الاجتماعية بين المستأجرين والملاك عمقت أزمة الإيجار القديم في مصر (الشرق الأوسط)

معضلة الوقت

يشير أستاذ القانون الدستوري فوزي إلى إشكالية أخرى تواجه القانون تتمثل في اقتراب انتهاء دور الانعقاد الخامس والأخير لمجلس النواب، موضحاً: «إذا تأخر المجلس في إرسال المشروع، وقرر الرئيس عدم التصديق عليه بعد انتهاء دور انعقاد المجلس، فسنكون أمام واقع نفاذ حكم المحكمة الدستورية السابق، ومن ثم سيرفع الملاك القضايا على المستأجرين»، مناشداً المجلس الإسراع في إرسال المشروع للرئيس، والتريث في إنهاء دور الانعقاد.

وقضت المحكمة الدستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعدم دستورية المواد الخاصة بثبات القيمة الإيجارية، وألزمت البرلمان بتعديلها قبل انتهاء دور انعقاده. وتوقعت النائبة مها عبد الناصر الإعلان عن رفع دور الانعقاد خلال أسبوعين دون وضع توقعات أن الرئيس سيوقف المشروع، قائلة: «لم نشهد سوابق كثيرة مماثلة».

وينوي المستأجرون رفع دعوى «عدم دستورية» المادة الخاصة بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، حال إقرار القانون، باعتبار أن حكم المحكمة لم يتطرق لتحرير العلاقة الإيجارية. ولا يرى فوزي أن «المشروع فيه شبهة عدم دستورية»، قائلاً: «المجلس جهة التشريع، ومن حقه أن تمتد يده لمزيد من المواد، ولا يوجد شيء في القانون يخالف الدستور».

ويحذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من «تداعيات اقتصادية واجتماعية بعد صدور القانون»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «موازنة الدولة تعاني من العجز بالفعل، فكيف ستوفر الحكومة ملايين من الوحدات البديلة لتعويض المستأجرين». وتعهدت الحكومة بتوفير مساكن بديلة للفئات الأولى بالرعاية من المستأجرين، مؤكدة أنها «لن تتركهم في الشارع».


مقالات ذات صلة

المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

يوميات الشرق محال مصرية مغلقة وسط القاهرة (محافظة القاهرة)

المصريون في البيت... ملل وخناقات و«كوميكس»

تهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لتقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اجتماع في الكرملين بتاريخ 2 أبريل 2026 (رويترز)

بوتين يقترح إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، إنَّ روسيا ستساعد مصر في توفير إمدادات الحبوب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا حادث تصام مروع بسبب السير عكس الاتجاه في مصر (محافظة المنوفية)

حادث سير جديد في مصر يعيد الحديث عن أزمات الطرق

أعاد حادث سير وقع بمحافظة المنوفية المصرية (شمال القاهرة)، الخميس، الحديث عن أزمات الطرق في مصر، مع تعدُّد الحوادث المروعة في مناطق متفرقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأربعاء، زيادة الحد الأدنى للأجور في الموازنة المالية الجديدة، التي يبدأ العمل بها في يوليو (تموز) المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تأكيد مصري-أوغندي على الارتقاء بالشراكة بين البلدين (الخارجية المصرية)

مصر تعزز التقارب مع دول حوض النيل الجنوبي بمشروعات تنموية

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «أهمية التعاون والتكامل في نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة، والمصالح المتبادلة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
TT

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)

قال متحدث عسكري سوداني، الخميس، إنه تم تعيين ​الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو «مجلس السيادة» ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيساً لهيئة أركان القوات ‌المسلحة السودانية.

وهذه ‌الخطوة هي أهم ​تغيير ‌في ⁠المناصب ​منذ بدء الحرب ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» قبل ثلاث سنوات، ويمكن أن تفضي إلى تغييرات في الاستراتيجية مع فتح ⁠جبهة جديدة في الحرب في ‌ولاية ‌النيل الأزرق جنوب ​شرق البلاد، على ما أفادت وكالة «رويترز».

ويتولى العطا منصب رئيس الأركان خلفاً لعثمان الحسين، مما يقلص حضوره السياسي، لكنه يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة.


رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
TT

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

حمّل رئيس حكومة «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)»، المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية السودانية، المسؤولية عن إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد، باغتيال القيادي في «التحالف» أسامة حسن حسين، في هجوم بطائرة مُسيرة.

وشنّت مُسيرة تابعة للجيش السوداني هجوماً على منزل في مدينة «نيالا»، التي تتخذ منها حكومة «تأسيس» عاصمة لها، كان يضم عدداً من أعضاء الحكومة، ما أدى إلى مقتل القيادي البارز في «التحالف» أسامة حسن، في حين نجا الآخرون.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

ووصف التعايشي، الذي كان يتحدث في خطاب جماهيري، ليل الأربعاء-الخميس، العملية بأنها «اغتيال سياسي مباشر»، وامتداد لنهجٍ أدخلته «الجماعة» إلى الحياة السياسية في السودان (الحركة الإسلامية هي الاسم المحلي لجماعة الإخوان المسلمين)، وقال: «إن الهدف من هجوم المُسيرة هو تقويض دور حكومة تأسيس وزعزعة الاستقرار في المناطق» التي تخضع لسيطرتها.

ووصف التعايشي القتيل بأنه «أحد الوجوه الشابة البارزة في العمل السياسي»، وقال إنه أسهم في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفي تأسيس التحالف، وتعهّد بألا يعرقل اغتيالُه «مشروع التغيير»، وإنه سيظل «ملهماً للأجيال»، وفق تعبيره.

ودعا المجتمع الدولي «لتحمُّل مسؤوليته وفقاً القانون الدولي الإنساني، الذي يَعدّ استهداف القيادات المدنية تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين»، وطالب بإدانة الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما اتهم «جماعة الإخوان المسلمين» بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الوصول لهدنة إنسانية، رغم وجود ثماني بؤر للمجاعة في مناطق مختلفة. وأضاف: «تعطيل الوصول الإنساني يستوجب عقوبة مباشرة ومواجهة مباشرة من المجتمع الدولي».

وقال التعايشي إن الاغتيال الذي حصل «ليس معزولاً عن التصعيد الذي تقوم به مُسيرات الجيش في مدينة نيالا والمناطق المجاورة لها طوال الأيام الماضية، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا، من أجل إرباك الأوضاع في مناطق تشهد استقراراً نسبياً».

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

وأضاف: «نيالا، عاصمة حكومة (تأسيس)، تضم نحو مليونيْ نسمة بينهم نازحون، تشهد استمرار العمل في الأسواق وتقديم الخدمات الأساسية»، وعَدَّ ذلك مؤشراً «على قدرة الحكومة على إدارة مناطق واسعة، رغم ظروف الحرب».

وأوضح رئيس حكومة «تأسيس» أن مِن بين الدوافع الرئيسية لتشكيل حكومته «عدم ترك مساحات واسعة من البلاد دون إدارة أو مؤسسات»، وقال: «لا يمكن ترك نحو 70 في المائة من السودانيين بلا حكومة أو أجهزة سلطة، وحكومة (تأسيس) جاءت لسدّ هذا الفراغ الإداري والأمني».

وتعهّد التعايشي «بالمُضي قُدماً في استكمال هياكل الدولة، بما فيها السلطات القضائية والنيابية والشرطة والسجون والوزارات المختلفة، في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف (تأسيس)، فضلاً عن بناء هياكل للحكم الإقليمي والمحلي يضمن وجود إدارة مدنية في كل مدينة وقرية».

ووفقاً للمسؤول عن حكومة نيالا، فإن وزارة الداخلية شرعت في ترتيبات نشر الشرطة الفيدرالية بمدينتي الفاشر ونيالا، بعد عودة نحو 40 ألف شخص إلى عاصمة ولاية شمال دارفور (الفاشر)، من بين الذين نزحوا إبّان القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، وتوقَّع عودة أعداد أكبر، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع تحسن نسبي في خدمات المياه والصحة والتعليم بالمدينة.

مجلس وزراء حكومة «تأسيس» (أرشيفية-فيسبوك)

وقال التعايشي إن الخطوات التي تقوم بها حكومته لاستعادة مؤسسات الدولة تهدف لسدّ ما سمّاه «حالة الفراغ الإداري والأمني». وشدد على أن حكومته تتحرك بما أطلق عليه «خططاً مدروسة وإرادة قوية» لإعادة الحياة الطبيعية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

وتعهّد بأن تُواصل حكومة «تأسيس» محاربة الإرهاب، والقضاء على هيمنة الحركة الإسلامية على القرار السياسي والمؤسسات العسكرية، بوصفها التهديد الرئيسي لاستقرار البلاد، وعَدَّ القضاء على نفوذها «شرطاً لتحقيق السلام المستدام».

ومقابل ذلك، جدَّد التعايشي تأكيد انفتاح «حكومة تأسيس» على أي مبادرات قد تُحقق «سلاماً عادلاً وشاملاً» يخاطب جذور الأزمة. وتابع: «نحن مستعدّون للتعامل مع جميع المبادرات، ولا سيما مبادرة الرباعية الدولية، التي تتعلق بالهدنة الإنسانية ووقف الحرب في السودان».

التعايشي يؤدي اليمين الدستورية أمام رئيس «المجلس الرئاسي» لتحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتي» رئيساً للحكومة التي تتخذ من نيالا عاصمة مؤقتة (إعلام «الدعم السريع»)

وتكوَّن «تحالف السودان التأسيسي» في فبراير (شباط) 2025، في العاصمة الكينية نيروبي، من قوى عسكرية؛ على رأسها قوات «الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وحركات مسلَّحة أخرى، ومن قوى مدنية على رأسها التيار الرئيسي في حزب «الأمة القومي»، وتيارات وأحزاب مدنية أخرى.

وشكَّل التحالف بعد تأسيسه حكومة «أمر واقع» موازية للحكومة المُوالية للجيش وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، تتكون من مجلس رئاسي يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وحكومة تنفيذية يترأسها عضو «مجلس السيادة الانتقالي» السابق محمد الحسن التعايشي.


انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».