في شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها الـ60 متراً، يُخزّن عبد العزيز أمين (73 عاماً) ذكريات أكثر من 40 عاماً عاشها بإحدى ضواحي منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، ضمن نحو مليون و600 ألف أسرة تخضع لقانون «الإيجار القديم»، لذا لا يستوعب أنه بعد 7 أعوام سيضطر لترك منزله، وحزم ذكرياته، فيما يكون وصل لـ«80 عاماً». يقول لـ«الشرق الأوسط»: «أين سنذهب؟».
مرت ليلة أمس (الأربعاء) ثقيلة على أمين، بعد إقرار مجلس النواب (البرلمان) تعديل قانون الإيجار القديم، والذي وضع حداً لإنهاء «العلاقة الإيجارية الأبدية» استناداً لحكم المحكمة الدستورية العليا. يقول أمين إن «صحته لا تقوى على العيش في المدن الجديدة شحيحة الخدمات، كما أنه يعيش وغيره من كبار السن على معاش لا يتعدى بضعة آلاف من الجنيهات، ولا يتحمل إيجار جديد وفق سعر السوق الآن».

على النقيض من حالة أمين، أجواء سعادة مرت على جوليا محمد (42 عاماً) بعد ما وصفت القانون بـ«تحرير من ظلم سنوات»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط». ورثت جوليا وشقيقتها عقاراً في منطقة محرم بك بالإسكندرية عن والدها، وتقول إنها لا تتحصل منه سوى على 35 جنيهاً كل شهر (أقل من دولار)، إذ كانت قيمة الإيجار 5 جنيهات، بينما وصل سعر السوق في المنطقة إلى 2500 جنيه للوحدة.
ووفق جوليا، فإن دخلها عبارة عن «1800 جنيه هي قيمة معاش والدها الراحل، واضطرت للعمل في بيع الملابس عبر الإنترنت للإنفاق على أمها، قبل وفاتها أيضاً»، وتابعت: «رغم أنني بالاسم صاحبة أملاك، كل المستأجرين تقريباً في عمارتي أيسر حالاً مني، يملكون شققاً وفللاً في مناطق أخرى، أو هاجروا وأغلقوا الشقة».
تتكرر حالتا أمين وجوليا في العديد من الأسر، ما يعمق الجدل حول ملف «الإيجار القديم» الذي تتباين فيه الحالات بين «ظلم قد يقع على المستأجرين»، وآخر «واقع بالفعل على الملاك»، وسط مطالبات سابقة بدراسة الحالات بشكل مفصل، أو تدخل الحكومة لتعويض الملاك دون الإضرار بفئات المستأجرين الأقل دخلاً.

مجلس النواب المصري مرّر القانون، فيما اعتبره البعض «استعجالاً»، ومن ضمنهم النائبة عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، مها عبد الناصر، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة لم يكن لديها بيانات كافية للوقوف على حقيقة الأوضاع على الأرض، ولضمان تحقيق التوازن والعدالة بين المالك والمستأجر، ونترقب بعده مزيداً من الأزمات الاجتماعية».
عبد الناصر كانت ضمن 22 نائباً انسحبوا خلال الجلسة العامة، الأربعاء، اعتراضاً على تمرير القانون بنصوصه الحالية، وسط مطالبات بإعادة النظر، و«استثناء المُستأجر الأصلي من إخلاء المنزل»، أو «إلغاء نص تحرير العقود والاكتفاء بزيادة قيمة الإيجار».
وينص القانون المعدل على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر، مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة، ومتوسطة، واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات، وتحديد الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، وبحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحد أدنى 400 و250 جنيهاً على التوالي.

تدخل رئاسي
رسمياً، لم يصدر قانون الإيجار حتى الآن، إذ يتطلب الأمر تصديق رئيس الجمهورية، ونشره في الجريدة الرسمية؛ ليصبح القانون نافذاً من اليوم التالي، وعلق أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يملك الرئيس وفق المادة 123 من الدستور أن يُصدر القانون، أو أن يعترض على القانون كله، أو بعض مواده خلال 30 يوماً، ويعيده إلى مجلس النواب».
#رسالة مفتوحة الي #الرئيس: عبدالفتاح #السيسيلقد صدمنا اليوم بقيام مجلس النواب بتمرير لقانون #الإيجارات القديمة متغاضيا وملتفتا عن الكافة مخرجات #الحوار المجتمعي حوله وحول تداعياته.انني أتوجه بنداء وصرخة #ضمير إلى فخامة رئيس #الجمهورية:لا تصدق على هذا #القانون، لأن توقيعك عليه
— طارق العوضى المحامى (@tarekelawady2) July 2, 2025
ويضيف فوزي: «في هذه الحالة إما أن يتبنى المجلس وجهة نظر رئيس الجمهورية ويقر التعديلات التي اقترحها، أو يتمسك بالنصوص التي رفضها الرئيس، ويحق له إصداره بعد موافقة ثلثي الأعضاء».
وتتضارب الآمال المتعلقة بالرئيس بين الملاك الذين «لا يشكّون في أنه سيصدره، خصوصاً مع تعهد الحكومة بإيجاد بدائل للمستأجرين المحتاجين»، حسب رئيس اتحاد ملاك الإيجار القديم مصطفى عبد الرحمن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
وعلى الجهة الأخرى، يتمسك المستأجرون بأمل أن يرفض الرئيس التوقيع. وقال رئيس اتحاد المستأجرين، شريف الجعار لـ«الشرق الأوسط» إنه سيقدم التماساً للرئيس لوقف القانون.

معضلة الوقت
يشير أستاذ القانون الدستوري فوزي إلى إشكالية أخرى تواجه القانون تتمثل في اقتراب انتهاء دور الانعقاد الخامس والأخير لمجلس النواب، موضحاً: «إذا تأخر المجلس في إرسال المشروع، وقرر الرئيس عدم التصديق عليه بعد انتهاء دور انعقاد المجلس، فسنكون أمام واقع نفاذ حكم المحكمة الدستورية السابق، ومن ثم سيرفع الملاك القضايا على المستأجرين»، مناشداً المجلس الإسراع في إرسال المشروع للرئيس، والتريث في إنهاء دور الانعقاد.
وقضت المحكمة الدستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعدم دستورية المواد الخاصة بثبات القيمة الإيجارية، وألزمت البرلمان بتعديلها قبل انتهاء دور انعقاده. وتوقعت النائبة مها عبد الناصر الإعلان عن رفع دور الانعقاد خلال أسبوعين دون وضع توقعات أن الرئيس سيوقف المشروع، قائلة: «لم نشهد سوابق كثيرة مماثلة».
وينوي المستأجرون رفع دعوى «عدم دستورية» المادة الخاصة بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، حال إقرار القانون، باعتبار أن حكم المحكمة لم يتطرق لتحرير العلاقة الإيجارية. ولا يرى فوزي أن «المشروع فيه شبهة عدم دستورية»، قائلاً: «المجلس جهة التشريع، ومن حقه أن تمتد يده لمزيد من المواد، ولا يوجد شيء في القانون يخالف الدستور».
ويحذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده من «تداعيات اقتصادية واجتماعية بعد صدور القانون»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «موازنة الدولة تعاني من العجز بالفعل، فكيف ستوفر الحكومة ملايين من الوحدات البديلة لتعويض المستأجرين». وتعهدت الحكومة بتوفير مساكن بديلة للفئات الأولى بالرعاية من المستأجرين، مؤكدة أنها «لن تتركهم في الشارع».


