تأجيل اتفاق السلام بين رواندا والكونغو... هل تقلصت فرص الحل؟

كيغالي أكدت أن «المباحثات لا تزال مستمرة»

عناصر من جيش الكونغو تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال بكليمانيوكا خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال بكليمانيوكا خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

تأجيل اتفاق السلام بين رواندا والكونغو... هل تقلصت فرص الحل؟

عناصر من جيش الكونغو تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال بكليمانيوكا خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال بكليمانيوكا خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

تعثر جديد تشهده أزمة شرق الكونغو الديمقراطية المتصاعدة منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، مع حركة «23 مارس» المتمردة المدعومة من الجارة رواندا، عقب إعلان كيغالي اتفاق تأجيل سلام مع كينشاسا كان مقرراً منتصف الشهر الحالي.

تلك المحطة الجديدة لم تشهد، بحسب تأكيد كيغالي، توقف المحادثات التي كانت برعاية أميركية، لكن اشترطت «تحقيق مكاسب متبادلة للطرفين»، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أنه كاشف عن تطور مقلق في مسار التسوية وتقلص فرص الحل، فيما لم يستبعد إمكانية إحراز اتفاق مستقبلي لكن ليس قريباً.

ولم يصدر عن الكونغو الديمقراطية أو واشنطن حتى، الأربعاء، أي توضيحات بشأن سبب التأجيل الذي أكده وزير الخارجية الرواندي، أوليفييه ندوهونغيريهي، الأسبوع الحالي.

وكان الوزير الرواندي قال عبر منصة «إكس»: «لم يُوقّع أي اتفاق سلام في واشنطن يوم 15 يونيو (حزيران) الذي كان بالفعل الهدف الأولي لتوقيع الاتفاق في البيت الأبيض، لكن الأطراف اضطرت إلى تعديل الموعد ليتماشى مع واقع المفاوضات الجارية»، مؤكداً أن «المباحثات لا تزال مستمرة»، وأن التوقيع على الاتفاق لن يتم إلا بعد التوصل إلى «اتفاق سلام يحقق مكاسب متبادلة للطرفين».

ووقَّعت رواندا والكونغو الديمقراطية، في 25 أبريل (نيسان) الماضي «إعلان مبادئ» في واشنطن، بحضور وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وذلك عقب يومين من إعلان حكومة الكونغو الديمقراطية، وحركة «إم 23»، في بيان مشترك، اتفاقهما، عقب وساطة قطرية، على «العمل نحو التوصُّل إلى هدنة».

وتزامن ذلك مع حراك لحل يدفع إليه الاتحاد الأفريقي أيضاً وفرنسا، خصوصاً أنه منذ 2021 أُقرَّ أكثر من 10 اتفاقات هدنة في منطقة شرق الكونغو الديمقراطية، لكن كلّ المحاولات الدبلوماسية لإنهاء النزاع باءت بالفشل.

وبرأي المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، فإن «تأجيل توقيع اتفاق السلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، يمثل تطوراً مقلقاً في مسار تسوية الأزمة المستعصية في شرق الكونغو»، مشيراً إلى أن «هذا التأجيل لا يبدو مجرد إجراء تقني أو تأخير لوجيستي، بل يعكس مأزقاً سياسيّاً حقيقيّاً ناجماً عن غياب الثقة المتبادلة، وتصاعد التوترات الميدانية، وفشل القوى الإقليمية والدولية في بلورة توافق حول مسار حل مستدام».

ويُعدّ التأجيل، بحسب عيسى، «مؤشراً على تراجع فاعلية المبادرات الإقليمية، والتي تبدو محدودة النفوذ والتأثير في ضوء تصاعد التعقيدات السياسية والميدانية، أما على المستوى الدولي فتبدو مواقف القوى الكبرى، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة، غير حاسمة في الضغط على رواندا لوقف دعمها للحركات المتمردة، ما يساهم في خلق فراغ دبلوماسي يسمح بمزيد من التصعيد».

ورغم دلالاته السلبية، فإن تأجيل الاتفاق لا يعني بالضرورة إغلاق باب الحل السياسي نهائيّاً، لكنه يعكس الحاجة الملحّة إلى مقاربة شاملة تعيد بناء الثقة، وتربط بين المسارات الأمنية والسياسية، وتستند إلى إرادة دولية فاعلة وقادرة على ممارسة ضغط حقيقي على جميع أطراف النزاع، وفق تقديرات عيسى.

عناصر من جيش الكونغو يتخذون مواقعهم بعد تجدد القتال بالقرب من الحدود الكونغولية مع رواندا (رويترز)

ويأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد التوترات بين الجانبين، وبعد أيام من قرار رواندا في 8 يونيو الحالي عبر بيان لـ«الخارجية» الانسحاب من الكتلة الاقتصادية الرئيسية بوسط أفريقيا، بعد ما عدته «استغلال» كينشاسا للتكتل، ومنعها من تولي الرئاسة الدورية للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا «إيكاس» بسبب النزاع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بحسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية» آنذاك.

وكان من المقرر أن تنتقل رئاسة مجموعة «إيكاس» التي تضم 11 دولة إلى كيغالي، لكن الكونغو الديمقراطية وحليفتها بوروندي اعترضتا على الأمر خلال اجتماع للمنظمة الإقليمية، في مالابو، وتم إرجاء الأمر لموعد لاحق، والإبقاء على غينيا الاستوائية رئيسة لها لمدة عام، وفق بيان للمجموعة.

وأواخر مايو (أيار) الماضي، نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، عن مصدرين مقربين من المفاوضات، أن «مسؤولين من الكونغو الديمقراطية متفائلون بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن في نهاية يونيو الحالي، لتأمين استثمارات أميركية في المعادن الحيوية، فضلاً عن دعم الولايات المتحدة جهود إنهاء التمرد المدعوم من رواندا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية».

وترى كينشاسا أن الاستيلاء على ثرواتها المعدنية محرك رئيسي للصراع بين قواتها ومتمردي حركة «23 مارس»، المدعومة من رواندا في شرق الكونغو، الذي اشتد منذ يناير الماضي، وتتهم كيغالي بتهريب معادن بعشرات الملايين من الدولارات عبر الحدود شهرياً لبيعها من رواندا.

ويعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية أن هذا التصعيد المتزايد بين البلدين أسفر عن هذا التأجيل، ويفاقم الأزمة بشكل كبير، ويعمّق حالة عدم الاستقرار في المنطقة، مؤكدا أن «هناك حاجة ملحّة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف، من خلال وساطة إقليمية محايدة، وقادرة على ضمان التزامات حقيقية».

وشدد على «ضرورة ممارسة ضغط دولي واضح على رواندا لوقف أي دعم عسكري لحركة (23 مارس) مع تفعيل آليات العقوبات أو المشروطية في المساعدات الإقليمية»، مؤكداً أنه رغم هذا التصعيد والتأجيل الحالي، فإن «إمكانية رؤية اتفاق قريب قائمة، ولكنها غير مرجّحة في الأجل القصير، ما لم يحدث تغيير حقيقي في مواقف الأطراف الراعية للنزاع، بخاصة رواندا والجهات الدولية المتدخّلة».

وأشار إلى أن «الاتفاق لن يكون ممكناً إذا استمرت الأطراف في الرهان على الحلول العسكرية، أو إذا ظلت المبادرات الإقليمية والدولية عاجزة عن فرض خريطة طريق واقعية وملزمة».


مقالات ذات صلة

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

شؤون إقليمية رئيس إقليم أرض الصومال خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

«أرض الصومال» يتحدى «الرفض الإقليمي» ويلوّح بـ«قاعدة عسكرية إسرائيلية»

أكد رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن عرو، إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في الإقليم، وسط رفض عربي إقليمي متصاعد للتوغل الإسرائيلي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

تعقّد أزمة البحارة المصريين المختطفين في الصومال

دخلت أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة النفط «إم تي يوركا» مرحلة أكثر تعقيداً بعدما رفع القراصنة الصوماليون الذين استولوا عليها سقف مطالبهم.

علاء حموده (القاهرة)
أفريقيا رئيس الكونغو الديمقراطية (صفحة الرئاسة على إكس)

كينشاسا إلى «انسداد سياسي» مع تواصل الخطوات الممهدة لتعديل الدستور

شقت الكونغو الديمقراطية أول طريق نحو تعديل الدستور في البلاد بإقرار قانون يسمح بإجراء استفتاءات شعبية.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته خلال ديسمبر الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية استقبال رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي من قبل الرئيس الإسرائيلي (حساب رئاسة الإقليم على «إكس») p-circle

«التغلغل» الإسرائيلي في «أرض الصومال» يُنذر بصدام

يتنامى «الرفض الإقليمي» للحضور الإسرائيلي المتصاعد في منطقة القرن الأفريقي عبر بوابة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، لا سيما بعد زيارة رئيسه لإسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)

مصر لاستغلال «صحاري سيناء» في مشروعات توليد الكهرباء

وزراء ومسؤولون مصريون يزورون صحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)
وزراء ومسؤولون مصريون يزورون صحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لاستغلال «صحاري سيناء» في مشروعات توليد الكهرباء

وزراء ومسؤولون مصريون يزورون صحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)
وزراء ومسؤولون مصريون يزورون صحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)

تستهدف الحكومة المصرية استغلال «صحاري سيناء» لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، في ظل تحديات الإنتاج المستمرة بسبب سلاسل الإمداد.

وأجرى وزيرا النقل كامل الوزير، والكهرباء محمود عصمت، ومسؤولون حكوميون زيارة ميدانية، الجمعة، إلى جبل سحابة في شبه جزيرة سيناء، إلى جانب منطقة جبل عتاقة بالسويس (شرق القاهرة)، لتفقد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات عملية لإقامة مشروعات توليد كهرباء بها، من خلال طاقة الرياح، حسب إفادة لوزارة الكهرباء.

واستهدفت الزيارة، استطلاع ودراسة إمكانية استغلال مناطق جبل سحابة الممتد بوسط سيناء وجبل عتاقة في نطاق محافظة السويس، لإقامة مشروعات الطاقات المتجددة وتوليد الكهرباء من طاقة الرياح، ضمن التوجه الحكومي الذي يستهدف تنويع مصادر الطاقة، والاعتماد على الطاقة المتجددة والحد من استخدام الوقود الأحفوري.

وأكدت «وزارة الكهرباء»، أن الزيارة الميدانية للمسؤولين الحكوميين شملت «تفقد مواقع على ارتفاعات مختلفة، ومواقع ذات الارتفاعات العالية التي تصل في منطقة جبل سحابة إلى 640 متراً، وفي مناطق جبل عتاقة إلى 870 متراً»، وذلك لمراجعة سرعات الرياح اللحظية ميدانياً، والوقوف على واقع الملاءمة الجغرافية لكل موقع، كما شملت الزيارة «مناطق متنوعة ومختلفة من حيث المساحة والارتفاع، ومراجعة المسارات الخاصة بشبكة نقل الكهرباء بها».

«مشروعات الطاقة الجديدة في صحاري سيناء تأتي ضمن توجه حكومي لتعظيم إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة وخصوصاً الطاقة الشمسية والرياح»، وفق رئيس هيئة الطاقة الجديدة الأسبق بمصر، محمد السبكي، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحكومة تستهدف زيادة القدرات المنتجة من الطاقات المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصاً في ظل تحديات سلاسل إمداد الطاقة عالمياً».

محطة توليد كهرباء النوبارية (صفحة وزارة الكهرباء على «فيسبوك«)

وتعلن الحكومة بشكل متكرر، أنها تستهدف التوسع في إقامة مشروعات الطاقة المتجددة، خصوصاً بعد أزمة سلاسل إمداد الطاقة بسبب تأثيرات الحرب الإيرانية.

ويرى السبكي أن «الإسراع في مشروعات الطاقة المتجددة، سيقلل من فاتورة استيراد الوقود الأحفوري من الخارج»، كما أنه يساهم في «توفير إنتاج الكهرباء»، مشيراً إلى أن «إنتاج الكيلوواط الواحد من الطاقة المتجددة يوفر نحو 300 غرام من الوقود الأحفوري».

ووفق بيان «وزارة الكهرباء» فإنه «جرى اختيار بعض الأماكن لإقامة مشروعات طاقة الرياح لإنتاج الكهرباء، مع ضغط الجداول الزمنية لتنفيذها، بما يساعد في إضافة قدرات توليدية جديدة من الطاقات المتجددة».

وتمتلك مصر قدرات لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح، بحسب السبكي، وقال إن «الفترة الزمنية لإقامة مشروع طاقة الرياح تتراوح ما بين عامين إلى ثلاثة، نظراً لاشتراطات فنية تستدعي قياسات لسرعة الرياح على فترات طويلة، قبل البدء في تمويل وتنفيذ المشروع».

وتقيم الحكومة عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة «الطاقة الشمسية في بنبان» بأسوان، التي تصنف الكبرى في أفريقيا والشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية 2000 ميغاواط من الكهرباء، إلى جانب محطة «أبيدوس 1» لإنتاج الطاقة الشمسية بأسوان بقدرة إنتاجية 500 ميغاواط، وفق بيانات حكومية.

وزيرا النقل والكهرباء في زيارة لصحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)

وأكد أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية في القاهرة، جمال القليوبي، أن «هناك عدة مشاريع لإنتاج الكهرباء في صحاري سيناء، من بينها مشروعات طاقة الرياح، وأخرى للطاقة الشمسية، ومشروع كهرومائي يستهدف إقامة سد اصطناعي أعلى جبل عتاقة في السويس».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «طاقة الرياح تتصدر الاهتمام في منطقة صحاري السويس وسيناء، بعدّها أكثر المناطق كثافة في سرعة الرياح».

ويرى القليوبي، أن «الحكومة تستهدف إنتاج نحو 28 ألف ميغاواط كهرباء من طاقة الرياح بحلول عام 2028»، مشيراً إلى أن «80 في المائة من إنتاج هذه النسبة ستكون من مشروعات طاقة الرياح في منطقة السويس». ولفت إلى أن «هناك التزاماً من الحكومة بسرعة التوسع في الطاقات المتجددة، بسبب الأعباء المالية المترتبة على استيراد الوقود الأحفوري والغاز من الخارج، لتلبية الاستهلاك المحلي».

ويعتقد القليوبي أن «طاقة الرياح تمتلك مميزات عديدة، باعتبارها الأسهل والأسرع في الاستخدام والإنتاج من الطاقة الشمسية، بالنظر إلى التكنولوجيا المستخدمة فيها، كما أن مشاكل الصيانة في المشروعات محدودة ويسهل السيطرة عليها». ويشير إلى أن «هناك استثمارات عديدة من القطاع الخاص تستهدف التوسع في إنتاج طاقة الرياح».


موريتانيا: «دليل الحوار» يغضب الموالاة ويرضي المعارضة

جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
TT

موريتانيا: «دليل الحوار» يغضب الموالاة ويرضي المعارضة

جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)
جانب من اجتماع منسقية أحزاب الموالاة لنقاش الوثيقة (حزب الإنصاف الحاكم)

يحتدم جدل حاد في موريتانيا بسبب وثيقة سياسية، قدمت على أنها «الدليل المرجعي» للحوار الوطني، وأثارت نقاشات واسعة داخل الطيف السياسي، وكانت محور اجتماعات مطولة أمس الخميس، بعضها استمر حتى فجر الجمعة، وذلك تمهيداً لتنظيم الحوار الذي دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قبل عامين.

وكان منسق الحوار الوطني، موسى فال، قد سلم جميع الأطراف السياسية وثيقة تشكل الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني، وهي الوثيقة نفسها التي سبق أن رفضتها المعارضة بسبب وجود مقترح تقدمت به أحزاب الأغلبية، يتضمن نقاش مواد دستورية تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

الرئيس الموريتاني خلال الحملة الانتخابية السابقة (أ.ف.ب)

وتسببت نقطة المأموريات الرئاسية في تعليق الجلسات التمهيدية للحوار في مارس (آذار) الماضي، حيث رفضت المعارضة أي نقاش حول المواد الدستورية المحصنة، وخاصة تلك التي تتعلق بعدد المأموريات الرئاسية. وقالت إن جهات في أحزاب الأغلبية الرئاسية تسعى لتعديل الدستور من أجل السماح لولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية عام 2029، وهو الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، ويمنعه الدستور الحالي من الترشح للانتخابات المقبلة.

وارتفعت أصوات سياسية خلال الأسبوع الماضي تطالب بترشح ولد الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، وتصف المواد الدستورية التي تمنع ذلك بأنها لا تمثل وجهة نظر غالبية الشعب الموريتاني، ويجب أن تخضع للمراجعة والتعديل.

غضب الموالاة

بعد أن تسلمت الوثيقة، اجتمعت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية، مساء الخميس، لنقاش ما تضمنته من مقترحات وأفكار تتعلق بالمسار التحضيري للحوار، لكن الاجتماع الذي استمر لساعات لم يسفر عن اتخاذ أي موقف من الوثيقة.

وقال حزب الإنصاف الحاكم في بيان صحافي إنه «بعد دراسة الوثيقة ومناقشة مختلف مضامينها، قررت المنسقية رفع الجلسة ومواصلة دراسة الوثيقة، وأبقت اجتماعها مفتوحاً إلى حين استكمال مناقشتها، وصياغة موقفها النهائي بشأنها».

وأضاف المصدر نفسه أن المنسقية «جددت تمسكها بخيار الحوار الوطني»، انسجاماً مع الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤكدةً «استعدادها الكامل لمواصلة الانخراط الإيجابي والمسؤول في هذا المسار، والدخول في حوار جاد وشامل، دون إقصاء لأي طرف أو استبعاد مسبق لأي موضوع».

من لقاء سابق لزعيم المعارضة مع وسائل الإعلام العمومي (الوزارة الأولى)

لكن مصادر إعلامية محلية تحدثت عن «فشل» أطراف المنسقية في التوصل إلى «موقف موحد» من الوثيقة، وسط ما سمته «تبايناً واضحاً في المواقف بشأن الصيغة المقترحة للحوار ومستقبل المشاركة فيه».

وأضافت المصادر ذاتها أن عدداً من أحزاب الأغلبية الرئاسية دعا إلى «رفض الوثيقة»، وهدد بعدم المشاركة في الحوار «إذا تم إلغاء البند المتعلق بالمأموريات الرئاسية من جدول النقاش»، واحتدم النقاش حول الموقف من الوثيقة، وفي النهاية قررت الأحزاب تأجيل الحسم، حتى مساء الأربعاء المقبل.

ارتياح وسط المعارضة

على مستوى المعارضة، عقدت أحزابها أمس اجتماعات على مستوى القطبين الممثلين لها؛ قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية وقطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، حيث أعرب الطرفان عن مؤشرات إيجابية تجاه الوثيقة، التي تستجيب لعدد من مطالب المعارضة.

وقال مصدر من داخل المعارضة إن أحزابها تتجه للمصادقة على الوثيقة، تمهيداً لبدء جلسات الحوار الوطني، رغم وجود أصوات داخل المعارضة ما تزال تشكك في نيات أحزاب الأغلبية الرئاسية، وتشير هذه الأصوات إلى أن موضوع المأمورية حذف من الوثيقة، لكنه سيناقش داخل الورشات، معتبرة أن ما يجري هو مجرد فخ.

وفي هذا السياق، قال سيدي ولد الكوري، الأمين العام لحزب «إيناد»، والقيادي في قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية: «ناقشنا الوثيقة، وكان الانطباع العام عنها إيجابياً، لكن الموقف الرسمي سيعبر عنه الدكتور محمد ولد مولود، رئيس الائتلاف، بعد التنسيق مع قطب المعارضة الآخر، قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية».

وأضاف ولد الكوري في تصريح صحافي عقب الاجتماع: «الوثيقة كانت مفصلة وعملية أكثر من الوثيقة السابقة، لقد تعرضت لمواضيع الحوار، وتحدثت عن أهداف الحوار وطبيعة المشاركين فيه، كما تجاوزت الإشكال المتعلق بنقاش المؤسسات الدستورية الآجال والمدد والمأموريات».

وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد تعهد بتنظيم حوار وطني خلال حملته الانتخابية، التي سبقت رئاسيات 2024، وذلك استجابة لمطالب ظلت ترفعها المعارضة طوال مأموريته الرئاسية الأولى.


صالح والمنفي بوجه حفتر والدبيبة... اصطفافات جديدة تتشكل في ليبيا

حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
TT

صالح والمنفي بوجه حفتر والدبيبة... اصطفافات جديدة تتشكل في ليبيا

حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)
حفتر وصالح في احتفالية عقدت في مايو الماضي (المركز الإعلامي لصالح)

انفتح المشهد الليبي المتشظي على رؤية أكثر وضوحاً، قوامها إعادة رسم خريطة جديدة للتحالفات والاصطفافات بين ساسة البلاد، فرضتها «المبادرة الأميركية»، بما يكسر منطق «الجبهات القديمة»، ويقرب بين شرق ليبيا وغربها على نحو مختلف.

فـ«الجبهة القديمة»، التي كانت تضم المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، انفتحت على مسارات متباينة ومتعارضة في غرب ليبيا، بحسب مقتضيات الحال.

محمد المنفي في لقاء سابق مع المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

حفتر، الذي التزم الصمت حيال «المبادرة الأميركية» المطروحة منذ أشهر، أبدى موافقته عليها، مساء الخميس، ووصفها بأنها «من نوع فريد ومتميز؛ وتستند إلى الواقعية». وأعلن «استعداد القيادة العامة للانخراط المباشر في أي عملية تفاوضية حولها لاستكمال تفاصيلها، والوصول إلى الصيغة النهائية التي تحقق المصلحة العليا للبلاد، وترسم خريطة الطريق نحو إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن».

وتقوم المبادرة على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في طرابلس، مقابل صعود نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر إلى رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي.

وكان مسعد بولس - الذي تحدث للمرة الأولى عن تفاصيل المبادرة نهاية الأسبوع الماضي - قد عقد اجتماعات سرية في إيطاليا وفرنسا بين صدام وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، لبحث ترتيبات ما يطلق عليها ليبيون «تقاسم السلطة».

وبعد موافقة القيادة العامة على «المبادرة الأميركية» تكون قنوات الاتصال معلنة ومباشرة مع الدبيبة ومن يمثله، بعيداً عن «السرية» التي اكتنفتها في الأشهر الماضية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ولم تخلُ العلاقة ما بين حفتر والدبيبة من مناكفات معلنة، وصلت أحياناً إلى المعايرة بـ«الميليشيات» و«العسكرة» و«إغراق ليبيا في الفوضى»، لكن أمام القبضة الأميركية بدت الأطراف المتصارعة منذ 15 عاماً أكثر مرونة وقابلية للتفاوض، بدلاً من نظرية «الاستحواذ على كل شيء».

ويُنظر إلى هذه المبادرة - إذا تم تفعيلها - على أنها ستقضي على جميع الأجسام السياسية، التي لم تشملها الرؤية الأميركية، ومن بينها المنفي وصالح وتكالة، الذين سارعوا إلى التخلي عن خلافاتهم، وأعلنوا عن «خريطة طريق» تسمح بعقد الانتخابات العامة في موعد أقصاه فبراير (شباط) المقبل.

ودفع هذا التحول الناشطة الليبية خلود القماطي إلى التساؤل: هل يُطيح صدام حفتر بالمنفي برعاية أميركية؟ وقالت إن التحركات الأميركية الأخيرة تهدف إلى «تخطي المسارات التقليدية لبعثة الأمم المتحدة، التي يراها البعض متعثرة، وصياغة اتفاق مباشر بين القوى الفاعلة على الأرض، المتمثلة في معسكري حفتر والدبيبة».

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

وثمّنت «القيادة العامة» المبادرة الأميركية، وقالت إنها «ترتكز في إطارها العام على توحيد السلطة التنفيذية، كنقطة انطلاق للحل الشامل». كما أنها «تستحق منحها الفرصة علّها تكون المدخل المفقود للحل السلمي للأزمة السياسية، باعتبارها الخطر الذي يهدد وحدة البلاد».

وليس بالضرورة ضمان نجاح هذه المبادرة في ظل ما يعترضها من رفض بيّن من أطراف سياسية ومسلحة مناوئة لحفتر في غرب ليبيا، لكن الرهان يظل على القبضة الأميركية في فرض رؤيتها كأمر واقع إذا لزم الأمر، وفق متابعين.

وأمام «المبادرة الأميركية»، التي يُتوقع أن تطيح بباقي «الأجسام السياسية القديمة»، التقى صالح مع المنفي في خط واحد، وأعلنا مع تكالة، قبيل ساعات من تقديم هانا تيتيه المبعوثة الأممية إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، عن التوافق على «وثيقة مبادئ أساسية قابلة للتنفيذ».

صدام حفتر مستقبلاً بولس في يناير الماضي (القيادة العامة)

وبعد خلافات عديدة، فاجأ رؤساء المجالس الثلاثة في ليبيا؛ «الرئاسي» و«النواب» و«الأعلى للدولة»، الرأي العام الليبي بـ«خريطة طريق» جديدة، قالوا إنها تهدف إلى «إنهاء المرحلة التمهيدية».

وعدّ سياسيون اصطفاف صالح إلى جانب المنفي وتكالة معارضة واضحة للمسار الأميركي، الذي يمهّد لقدوم صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي. وتحدث ليبيون عديدون، من بينهم أشرف الشح، المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة، عن الخطوة التي أقدم عليها صالح، مشيرين إلى أن ليبيا مقبلة على «مرحلة جديدة»، وقالوا إنه «للمرة الأولى يظهر للعلن تحالف بين الدبيبة وحفتر، ويتوافق صالح مع المنفي وتكالة».

وقالت الناشطة الليبية إن رؤساء المجالس الثلاثة أقدموا على خطوتهم «في محاولة استباقية للهروب من المبادرة الأميركية، التي قد تنهي وجودهم في المشهد»، لافتة إلى أن إعلانهم المفاجئ عن تفاهمات لإجراء انتخابات متزامنة قبل فبراير المقبل، هو «محاولة واضحة لقطع الطريق على صفقة بولس».

وانتهت إلى أن المشهد الليبي «يمر بصراع محاور؛ الأول تقوده أميركا لفرض واقع سياسي جديد يجمع الدبيبة وصدام حفتر لإدارة البلاد، والثاني تمثله الأجسام السياسية الحالية (الرئاسي، النواب، الدولة) التي تحاول التمسك بمواقعها، والاستنجاد بالمسار الانتخابي لتفادي الاستبعاد».

وكانت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» قد انتهت في بيانها إلى القول إنها «ستعمل، خدمةً للمصلحة الوطنية العليا، ما بوسعها لنجاح المبادرة، إذا ما أبدت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والأطراف المحلية المعنية بالمبادرة الدعم اللازم لها، وضمان المضي قدماً في هذا المسار حتى النهاية».

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لصالح)

وسبق للمستشارة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا، ستيفاني ويليامز، حثّ مجلسي النواب و«الدولة» على «التوقف عن لعبة الكراسي الموسيقية للبقاء في السلطة، والتركيز على التحضير للانتخابات». وتحدثت في أعقاب فشل إجراء الانتخابات الليبية، نهاية عام 2021، عن انتهاء مدة صلاحيتهما، ورأت أن «صراع التشبث بالبقاء لدى هذه الأجسام قائم على السلطة والمال».