هل تؤسس «المشاورات الوطنية» في الصومال لمسار سياسي مع المعارضة؟

شيخ محمود يؤكد العمل على حل شامل لأزمة الانتخابات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يترأس «المنتدى التشاوري الوطني» (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يترأس «المنتدى التشاوري الوطني» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

هل تؤسس «المشاورات الوطنية» في الصومال لمسار سياسي مع المعارضة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يترأس «المنتدى التشاوري الوطني» (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يترأس «المنتدى التشاوري الوطني» (وكالة الأنباء الصومالية)

لم تشارك المعارضة الصومالية في «منتدى التشاور الوطني»، إلا أنه شهد تأكيداً رئاسياً على فتح باب للتشاور وإمكانية إيجاد حل مستدام وشامل لأزمة الاقتراع المباشر التي تقرر العمل بها لأول مرة منذ عقود.

وجاء هذا الطرح الرئاسي خلال كلمة الرئيس حسن شيخ محمود بالمنتدى، الذي انطلق الاثنين، وهو ما يراه خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، «فرصة جديدة لفتح مسار سياسي مع المعارضة شريطة الشفافية وتبني التوافق وكسر الجمود الحالي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويناقش المشاركون في «منتدى التشاور الوطني» المستقبل السياسي للبلاد، «لا سيما تعزيز الوحدة الوطنية، واستكمال الدستور، والعملية الانتخابية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز بناء الدول»، ومن المقرر أن يختتم أعماله، الأربعاء، في العاصمة مقديشو.

واستعرض الرئيس الصومالي، خلال افتتاح المنتدى، «جهود الحكومة المستمرة لتطبيق نظام انتخابي مباشر، ينتخب فيه الشعب الصومالي قادته بشكل كامل»، مشيراً إلى أن «الأحزاب السياسية، المعارضة والمحافظة على حد سواء، متحدة في رفضها العودة إلى نظام الانتخابات غير المباشر الذي أضر بشفافية الانتخابات وديمقراطيتها»، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية.

وأضاف الرئيس الصومالي: «نحن، كحكومة، نسعى إلى الحوار والتشاور، وباب التشاور والحوار مفتوح، والجميع مدعو للمشاركة في عملية بناء الدولة التي نسعى إليها»، مشيراً إلى أن «القادة الذين لديهم مخاوف بشأن العملية الانتخابية سينخرطون معهم في حوار للتوصل إلى حل مستدام وشامل».

وأكد شيخ محمود «أن استكمال عملية صياغة الدستور تعد أولوية وطنية، وأنه في حال انتخاب رئيس جديد، ستكون أولويته الأولى استكمال الدستور».

والانتخابات والدستور بندان رئيسيان في خلافات الحكومة الفيدرالية والمعارضة التي غابت عن حضور المنتدى التشاوري الذي شارك فيه مسؤولون حكوميون، وقادة سياسيون سابقون، وممثلون عن الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وشخصيات بارزة أخرى.

وأكد رئيس الوزراء الصومالي، حمزة عبدي بري، الثلاثاء، في ثاني أيام المنتدى، «أن الدين الإسلامي يدعو إلى التشاور الذي يمثل أهمية كبيرة في إرساء الحكم»، مشدداً على أن «الانتخابات غير المباشرة لا تصب في مصلحة الشعب الصومالي، ولدينا اليوم فرصة تاريخية لتجاوز هذا النظام السابق ومنح المواطنين حق الاختيار»، وفق الوكالة.

يختتم المؤتمر أعماله الأربعاء في العاصمة مقديشو (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «تصريح الرئيس شيخ محمود قد يُنظر إليه بوصفه مؤشراً على تحوّل نسبي في الخطاب السياسي الرسمي، وقد يُفسَّر على أنه بادرة انفتاح نحو الحوار مع القوى المعارضة التي طالما اشتكت من الإقصاء والتهميش، خصوصاً فيما يتعلّق بالعملية الانتخابية».

ويرى بري أن «هذا تطور مهم، ويمثل تحولاً بعد فترة شهدت توترات سياسية وانقسامات واضحة، لكن ما يحدد ما إذا كان هذا تغيراً حقيقياً في الفكر السياسي أم مجرد خطاب تهدئة مرحلي، هو ما تتبعه من خطوات عملية سواء بإشراك القوى المعنية بمشاورات مؤسسية أو وجود ضمانات بعدم الإقصاء مستقبلاً أو بالتوافق على آليات إصلاحية لعملية الانتخابات».

المنتدى التشاوري الذي انطلق «بمشاركة أطياف المجتمع المدني المختلفة من داخل البلاد وخارجها»، أُجِّل يوماً بعدما كان مقرراً منتصف يونيو (حزيران)، ولم توضح «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية سبب التأخير، لكنها قالت إنه «يناقش القضايا ذات الأولوية الوطنية، و(استكمال) الدستور والاستعداد لعملية الانتخابات، والوحدة (ترسيخ النظام الفيدرالي) والأمن (في مواجهة حركة الشباب الإرهابية)».

وتلك الملفات الأربعة هي محل نقاشات مستمرة منذ سنوات، وخلاف مع المعارضين وفي مقدمتها قضية استكمال الدستور المؤقت في 2012، قبل أن يوافق برلمان الصومال أواخر مارس (آذار) 2024، على تعديلات دستورية تشمل تغيير نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، واعتماد نظام الاقتراع العام المباشر، وتمديد الفترة الرئاسية من 4 إلى 5 سنوات، ورفضت ذلك القرارَ ولايتا بونتلاند وغوبالاند.

ويشتد الجدل داخل البلاد بشأن الانتخابات المباشرة المرتقبة في البلاد عام 2026 بعد 57 عاماً من آخر اقتراع أُجري عام 1968، بديلاً عن نظيرتها غير المباشرة في عام 2000 التي تعتمد بشكل رئيسي على المحاصصة القبلية، في ولايات البلاد الخمس التي جرى العمل بها بعد «انقلابات وحروب أهلية».

جانب من المشاركين في «المنتدى التشاوري الوطني» (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعد انفصال إقليم «أرض الصومال» والخلافات المتصاعدة مع رئيسَي بونتلاند سعيد عبد الله دني، وغوبالاند أحمد مدوبي، أبرز تحديات الوحدة وترسيخ النظام الفيدرالي، بخلاف القضية الرابعة المتعلقة بـ«حركة الشباب» التي تصاعدت هجماتها في الأشهر الأخيرة، وأبرزها في 18 مارس، حين أعلنت مسؤوليتها عن تفجير قنبلة كادت تصيب موكب الرئيس. وفي مطلع أبريل (نيسان)، أطلقت عدة قذائف قرب مطار العاصمة.

والمعارضة الغائبة، حسب مصدر مطلع تحدث إلى «الشرق الأوسط»، لديها اعتراضات واضحة بشأن ملفين رئيسيين هما: الانتخابات والدستور، وسبق أن صرح وزير العدل في بونتلاند، محمد عبد الوهاب، بأن الولاية «لن تُجري أي محادثات مع الحكومة الفيدرالية إلا بعد تنفيذ عدة شروط؛ منها عودة الحكومة إلى الدستور المتفق عليه في أغسطس (آب) 2012، وإجراء انتخابات وطنية متفق عليها وشاملة».

كما اشترط منتدى «إنقاذ الصومال»، المعارض، في بيان سابق لحضور المشاورات الوطنية، أن «تشمل جميع الأطراف، بمن فيهم قادة الولايات والسياسيون المعارضون، مع التركيز على القضاء على الجماعات الإرهابية، وحل الخلافات السياسية (الانتخابات) والدستورية».

وباعتقاد بري، فإن «المشاورات الوطنية يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق جديدة نحو توافق وطني، بشرط أن تُدار بنزاهة وشفافية، وتُشرك فعلياً جميع الأطراف السياسية، بما في ذلك المعارضة غير الممثَّلة حالياً، وتفضي إلى خارطة طريق واضحة للإصلاح السياسي والانتخابي».

ويرى أن «الضغوط الدولية خصوصاً من شركاء دوليين مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة تلعب دوراً كبيراً في دفع الأطراف الصومالية نحو التهدئة والحوار، لكن استمرار المسار يعتمد على إرادة وطنية صادقة، وليس فقط على ضغوط الخارج».

ويخلص بري إلى أن «تصريحات الرئيس الصومالي تمثل فرصة سياسية يجب البناء عليها، لكن المطلوب أكثر من مجرد حوار لفظي، بل خطوات عملية شجاعة تؤسس لثقة جديدة بين مكونات المشهد السياسي»، مؤكداً أن «مستقبل الصومال مرهون بقدرة نخبه على تقديم تنازلات وطنية وتغليب مصلحة الدولة على الصراع على النفوذ».


مقالات ذات صلة

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقررة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات في ظل اضطرابات بمضيق هرمز جراء حرب إيران.

محمد محمود (القاهرة )
العالم أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو يناير الماضي (إ.ب.أ)

رفض عربي وأفريقي تعيين إسرائيل مبعوثاً دبلوماسياً لدى «أرض الصومال»

أدانت دول عربية وأفريقية بأشد العبارات إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يسمى «أرض الصومال».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.