الجزائر: الجنرال علي غديري يغادر السجن وسط تكتم رسمي

اعتقل بسبب تصريحات رأت فيها قيادة الجيش «تحريضاً للعسكر على الانقلاب على المسؤولين»

علي غديري قبل اعتقاله وسجنه (متداولة)
علي غديري قبل اعتقاله وسجنه (متداولة)
TT

الجزائر: الجنرال علي غديري يغادر السجن وسط تكتم رسمي

علي غديري قبل اعتقاله وسجنه (متداولة)
علي غديري قبل اعتقاله وسجنه (متداولة)

استعاد اللواء الجزائري المتقاعد علي غديري حريته، أمس (الخميس)، بعد انتهاء عقوبة 6 سنوات قضاها في السجن، بسبب تصريحات صحافية رأت فيها قيادة الجيش «تحريضاً للأفراد العسكريين على الانقلاب على مسؤوليهم السامين».

وبدأت متاعب غديري مع دوائر النفوذ في النظام منذ ترشحه للانتخابات الرئاسية 2019، وعندما أعلن عن اعتزامه «إدخال إصلاحات عميقة في الجيش» إن أصبح رئيس البلاد والقائد الأعلى لقواتها المسلحة.

الجنرال علي غديري خلال فترة استعداده لانتخابات الرئاسة 2019 (متداولة)

وكتبت «اللجنة الوطنية للإفراج عن علي غديري»، بحسابها بالإعلام الاجتماعي: «نعرب عن ارتياحنا لإطلاق سراحه بعد قضاء عقوبة جائرة مدتها 6 سنوات. كما نهنئ جميع الذين دعمونا ووقفوا معنا، دون كلل طوال الفترة السابقة، فقد دافعنا بقناعة عن رجل نزيه، وصاحب قضية وارتباط وثيق بنوفمبر»، في إشارة إلى قيم الحرية والعدل، التي رفعها مفجرو ثورة التحرير من الاستعمار، التي اندلعت في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، وانتهت في 5 يوليو (تموز) 1962 بالاستقلال عن فرنسا.

وكتب الصحافي علي بوخلاف، الذي تابع ملف غديري منذ بدايته القضائية، على حسابه في «فيسبوك»: «بعد الساعة الخامسة مساء الخميس بقليل، غادر علي غديري سجن القليعة (35 كلم غرب العاصمة)، حيث قضى 6 سنوات. وقد فوجئت عائلته لرؤيته وهو يصل بمفرده إلى البيت... إنها نهاية معاناة طويلة، وفي الوقت نفسه بداية حياة جديدة لشخص تم سجنه، بسبب جملة وردت في مقابلة أجراها مع صحيفة (الوطن) نهاية 2018».

مظاهرات حاشدة ضد ترشح الرئيس الراحل بوتفليقة للانتخابات في فبراير 2019 (الشرق الأوسط)

وبحسب متعاطفين مع علي غديري، فقد حرصت إدارة السجن على منعه من لقاء مؤيديه لحظة الإفراج عنه أمام بوابة السجن، حيث تكفّلت بنقله إلى منزله في سيارة خاصة، وفقاً لما جاء في تصريحاتهم. ويرجَّح أن يكون هذا التصرف بتوجيه سياسي، هدفه تفادي انتشار صوره مع أنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يكتسب المشهد طابعاً سياسياً. وبعبارة أخرى، فقد رأت السلطات أنه من الأنسب أن يعود الرجل السبعيني إلى منزله بهدوء، ومن دون أي «تفاعل سوشيالي».

وقال أحد أطر حملة ترشح رئيس الحكومة السابق، علي بن فليس، لانتخابات الرئاسة في 2019، طلب عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «أريد الوصول إليه بعد أن خرج من السجن... فقد يكون منقذ البلاد من مأزقها». ويعكس هذا الكلام رأي أو أمنية قطاع من المعارضين لسياسات الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، فيما يستبعد قطاع آخر منهم احتكاك غديري بالسياسة وبالشأن العام من جديد، بحكم أن العقوبة تضمنت أيضاً حرمانه من حقوقه المدنية لمدة 10 سنوات. كما أن قيادة الجيش ترفض أن يمارس ضابط انتسب إليها السياسة، دون أن يكون ذلك خيارها ومحل إجماع بين رموزها.

الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

ودخل علي غديري، الذي لم يكن يملك تجربة سياسية سابقة أو دعماً تنظيمياً واضحاً، معترك السياسة الجزائرية بشكل مباغت أواخر عام 2018، علماً بأنه كان مديراً للموارد البشرية في وزارة الدفاع، وإثر إنهاء مهامه من هذا المنصب في 2015 طلب الاستفادة من التقاعد.

وأطلق غديري سلسلة من التصريحات الجريئة، دعا فيها إلى «القطيعة مع النظام القائم»، والعمل على «تأسيس جمهورية ثانية»، قبل أن يقدّم ترشحه للانتخابات الرئاسية، التي كانت مقررة يوم 18 أبريل (نيسان) 2019، في مواجهة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، والتي تصدى لها الحراك الشعبي لمنع بوتفليقة من التمديد.

وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط» نشرت في 1 فبراير (شباط) 2019، أكد غديري أن «عزيمة قوية تحذوني لبناء الدولة الوطنية، التي خطط لها الشهداء ومجاهدو الثورة... دولة بكل مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقائمة على قيم أخلاقية»، مؤكداً أن «مواصفات هذه الدولة تجسدت خلال فترة حكم الرئيس هواري بومدين (1965 - 1978). لكن سارت بعدها من سيئ إلى أسوأ، رغم ما توفر لديها من قدرات كبيرة للنهوض اقتصادياً، خصوصاً بعد انتعاش أسعار النفط (بعد وصول بوتفليقة إلى الحكم). وقد توفرت كل مقومات بناء اقتصاد جديد ومؤسسات... وكنا نطمح إلى ما هو أفضل. لكن خابت آمالنا».

وفي سياق استعداده للمعترك الانتخابي، دعا غديري في مقابلة مع صحيفة «الوطن»، الناطقة بالفرنسية، قائد أركان الجيش آنذاك، أحمد قايد صالح، إلى معارضة الولاية الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان مقعداً منذ إصابته بجلطة دماغية في عام 2013.

وتم توقيفه بمنزله في يونيو (حزيران) 2019، بقرار يُعتقد أنه جاء بتوجيه من الفريق أحمد قايد صالح. وحُكم عليه في سبتمبر (أيلول) 2021 بالسجن 4 سنوات، بتهمتي «الإضرار بمعنويات الجيش»، و«التخابر مع جهة أجنبية» (تهمة تعلقت باجتماعات عقدها مع خبراء أجانب في الاقتصاد). وقد ثبّتت محكمة الاستئناف الحكم بعد 5 أشهر مع إسقاط تهمة «التخابر». لكنه أُلغي في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 من قبل «المحكمة العليا»، بعد طعن قدمته هيئة الدفاع.

رئيس أركان الجيش الراحل قايد صالح (وزارة الدفاع)

وبينما كان دفاعه وأنصاره يترقبون خروجه من السجن في يونيو 2023، فوجئوا بمحاكمة جديدة له، شددت من عقوبته بإضافة سنتين إلى سجنه، بالإضافة إلى حرمانه من حقوقه المدنية لمدة 10 سنوات.

وخلال جلسات المحاكمة العديدة، نفى الجنرال السابق تحريض الجيش على التدخل في الانتخابات، ورفض التهم الموجهة إليه، قائلاً: «لا يمكن تحريك جيش عبر تصريحات صحافية»، مضيفاً: «لم أستطِع البقاء صامتاً أمام ما كان يحدث في بلدي. كنا على حافة الهاوية. كانوا يريدون دفع عبد العزيز بوتفليقة مرة أخرى إلى رأس الدولة على كرسي متحرك».


مقالات ذات صلة

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو 40 من كبار رؤساء الشركات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق علي عون (الوزارة)

الجزائر: السجن لوزير الصناعة السابق وابنه في ملف «الحديد والخردوات»

اتخذت الملاحقات منحى تصاعدياً لم يتوقف عند حدود محاسبة رموز الحقبة السابقة؛ بل امتدت لتطول مسؤولين بارزين وهم في قمة هرم السلطة الحالي...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.