العاصمة الليبية تتلمس طريقها لـ«التحرر» من قبضة الميليشيات

بعد اتفاق المنفي والدبيبة على إنهاء المظاهر المسلحة في طرابلس

جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
TT

العاصمة الليبية تتلمس طريقها لـ«التحرر» من قبضة الميليشيات

جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)

تتلمس العاصمة الليبية طريقها للخلاص و«التحرر» من التشكيلات المسلحة، بعد قرار السلطة التنفيذية في طرابلس ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة بالمدينة، التي تشهد اشتباكات من وقت إلى آخر.

وكان عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلّف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، قد دعا خلال اجتماع للحكومة، الأسبوع الماضي، إلى حلّ الأجهزة والتشكيلات المسلحة كافة، بما في ذلك تلك التابعة للحكومة، أو المجلس الرئاسي.

عماد الطرابلسي وزير الداخلية المكلّف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (أ.ف.ب)

اقتراح الطرابلسي، الذي وصفه بأنه «حلّ نهائي» لمشاكل العاصمة طرابلس، تبنّاه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، الذي أعلن على الفور استعداده للتوقيع على أي قرار يتضمن حلّ أي تشكيلات خارجة عن سلطة وزارتي الدفاع والداخلية في حكومته. كما تعهد الدبيبة بمخاطبة المجلس الرئاسي بشأن حلّ الأجهزة الأمنية التابعة له، مشيراً إلى أن القرارات والترتيبات المتعلقة بمشروع حكومته «هي لبناء الدولة والقضاء على الميليشيات».

وأثار توجه الطرابلسي والدبيبة لحلّ التشكيلات المسلحة جدلاً واسعاً حول أهدافه، وفرص تحقيقه، ودلالات توقيته، خاصة في ظل الخصومة الراهنة بين رئيس الحكومة وبعض قادة التشكيلات، وعلى رأسها «جهاز الردع».

تدمير «جهاز الردع»

الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، عبّر عن قناعته بأن «الهدف الواضح من هذا الطرح هو تدمير (جهاز الردع) فقط، وليس الرغبة الفعلية في تخليص العاصمة من هيمنة الميليشيات».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، وصف حرشاوي قدرة حكومة «الوحدة الوطنية» على حلّ الميليشيات سلمياً بأنها «شبه معدومة»، مشيراً إلى أن حلّ جهاز «دعم الاستقرار» منتصف الشهر الماضي جاء عبر «عملية إعدام خارج القانون لرئيسه عبد الغني الككلي»، وأن تفكيك بعض الكتائب الكبرى بالعاصمة، مثل «كتيبة النواصي»، تم منذ نحو ثلاث سنوات عبر «مواجهات مسلحة عنيفة».

من مخلفات الاشتباكات المسلحة في العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

وقلّل الباحث المتخصص في الشأن الليبي من جدية دعوات الطرابلسي، مذكّراً بكثرة تعهداته منذ قرابة عام بخصوص «عودة التشكيلات المسلحة إلى ثكناتها ومقراتها خارج العاصمة»، وهو وعد لم يتحقق منه شيء على حد قوله. وتساءل حرشاوي عن مصير «بعض التشكيلات التي تصطف إلى جانب حكومة (الوحدة) في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها قوة العمليات المشتركة المتمركزة في مصراتة، التي يتحدر منها الدبيبة»، وعما إذا كانت ستُشمل بقرار الحل أم لا؟

وشهدت طرابلس، الشهر الماضي، عقب اغتيال الككلي، مواجهات مسلحة بين قوات تابعة لحكومة «الوحدة» و«قوات الردع» وموالين له، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.

عراقيل التنفيذ

رغم أن المقترح يُظهر نية لتفكيك التشكيلات المسلحة، فإن مراقبين لفتوا إلى وجود عدد من العوامل التي قد تحول دون تنفيذه، فضلاً عن شكوك في أهدافه الحقيقية، خصوصاً مع الاتهامات الموجهة للحكومة بالسعي لتصفية خصومها فقط.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن «حالة الاحتقان الراهنة في العاصمة، بعد ما شهدته من توترات أمنية، قد تعوق بدرجة كبيرة فرص تطبيق سياسات أمنية فعالة، رغم مطالبات الليبيين المستمرة منذ سنوات، وفي مقدمتها حلّ الميليشيات مع ضمان فرص عمل لمنتسبيها».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أشار محفوظ إلى وجود تباين في الرؤى بين المجلس الرئاسي والحكومة بشأن الترتيبات الأمنية للعاصمة. وأوضح أن المنفي أصدر مؤخراً قراراً بتشكيل لجنة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، تضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية بحكومة «الوحدة»، إلى جانب ممثل عن جهاز «الردع» الذي أمر الدبيبة بحلّه.

وأضاف محفوظ موضحاً أن «بيان المجلس الرئاسي تحدّث فقط عن ضمان إخلاء المدينة من كل المظاهر المسلحة، دون الإشارة بأي شكل إلى حلّ الميليشيات. وقد تم الترحيب بهذا القرار من مختلف الأطراف».

وأكد بيان «الرئاسي» أن قرار تشكيل «اللجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية» جاء استناداً إلى «ما عرضه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وما تقتضيه متطلبات المرحلة من إجراءات لترسيخ الأمن والاستقرار في العاصمة طرابلس».

وفسّرت بعض الأصوات السياسية هذا القرار بأنه تراجع تكتيكي يهدف إلى تجنيب العاصمة جولة جديدة من المواجهات المسلحة بين قوات حكومة «الوحدة» وقوات «الردع».

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي (رويترز)

ويُعد ملف الاتهامات الموجهة لقادة وعناصر الأجهزة المسلحة، بشأن ارتكاب انتهاكات وجرائم تعذيب وقتل، وضلوعها في تهريب البشر والوقود، عائقاً إضافياً، وبهذا الخصوص يرى محفوظ «ضرورة معالجة هذه القضايا قبل الحديث عن دمج العناصر في المؤسستين الأمنية والعسكرية». وقال إن «الأمر ليس عشوائياً، بل يحتاج إلى خطط تنظيمية؛ فهناك آلاف العناصر المنضوية تحت تلك التشكيلات، والحل المنطقي هو دمجها بالمؤسسات الرسمية»، لافتاً إلى ضرورة الفصل بين من تُوجّه لهم اتهامات، وهم في الغالب قيادات الصف الأول والثاني، وبين بقية العناصر التي انضمت بدافع تأمين سبل معيشتهم.

من جانبه، انتقد وزير الدفاع الأسبق، محمد البرغثي، ما وصفه بـ«التهوين في التعاطي مع ملف حلّ الميليشيات». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الطرح المقدم من الطرابلسي تغافل الإجابة على تساؤلات جوهرية، مثل مصير ترسانة السلاح لدى كل ميليشيا، ومدى تغلغل هذه المجموعات في النسيج الاجتماعي، وتكوينها حواضن شعبية في مناطق تمركزها ببعض مدن الغرب الليبي»؛ مشيراً إلى أن «سيطرة تلك الميليشيات على مؤسسات أو معابر استراتيجية لسنوات، جعل منها ذراعاً اقتصادية يتربّح منها بعض السكان، إضافة إلى اعتبارها ذراعاً عسكرية لبعض القبائل، مما ينذر باعتراضات مجتمعية على قرار الحل».

وحذّر البرغثي من أن «الحديث عن دمج عناصر الميليشيات، دون الالتزام بالخطط المعروفة للتسريح وإعادة الدمج، وشروط الالتحاق بالمؤسسة العسكرية من حيث المؤهل الدراسي، والتدريب والانضباط؛ يعني محاولة إجهاض تلك المؤسسة بدلاً من تقويتها».


مقالات ذات صلة

ليبيا: اتفاقية بين 4 شركات أجنبية لتشغيل حقل نفط

الاقتصاد حقل نفط في ليبيا (إكس)

ليبيا: اتفاقية بين 4 شركات أجنبية لتشغيل حقل نفط

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، الأربعاء، توقيع اتفاقية تشغيل موحدة لحقل «آي/آر» بمنطقتي الامتياز «إن سي 115» و«إن سي 186» في حوض مرزق بجنوب غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا دورية أمنية لعناصر الشرطة في الزاوية غرب ليبيا (أرشيفية - مديرية أمن الزاوية)

مقتل 3 ليبيين وإحراق مقار عسكرية في اشتباكات بالزاوية

في غياب أي رد فعل رسمي من حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، أسفرت اشتباكات مسلحة شهدتها الزاوية، غرب البلاد، عن سقوط 3 أشخاص، بالإضافة إلى إحراق مقار عسكرية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)

مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

وسط تباين في الآراء بشأن توصيات «الحوار المهيكل»، الذي رعته البعثة الأممية في ليبيا، تساءلت النخبة السياسية عن جدوى هذه المخرجات، ودورها في حل أزمة الانتخابات.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» الاثنين (المجلس البلدي مصراتة)

«إقليم الوسطى» يثير مخاوف فتح الباب أمام تقسيم ليبيا

تصاعدت حالة من الرفض والجدل في ليبيا إثر إعلان 9 بلديات في غرب وشمال غربي البلاد، تدشين «إقليم الوسطى» في مبادرة فردية، أثارت مخاوف من تقسيم البلاد.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)

فاجعة «قارب مالطا» تُسلط الضوء مجدداً على «مسارات الهجرة» الليبية

نكأ حادث غرق قارب يقل «مهاجرين» قبالة سواحل مالطا، بعد انطلاقه من الساحل الليبي الأحد، جراحاً قديمة، مسلطاً الضوء مجدداً على ملف الهجرة غير النظامية.

جمال جوهر (القاهرة)

الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

بينما كانت العلاقات المصرية - الإيرانية تتخذ على مدى العامين الماضيين مساراً تصاعدياً نحو استعادة العلاقات الكاملة، يبدو الآن أن حرب إيران الحالية وما تبعها من اعتداءات نفذتها على دول خليجية تعرقل هذا المسار إلى حد بعيد؛ إذ ترى فيها مصر مخالفة أحد أهم اشتراطاتها لعودة العلاقات كاملة، وهو عدم تهديد أمن الخليج والمنطقة.

وعبْر أكثر من بيان وتصريح رسمي، أدانت مصر بشدة الهجمات والاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، عادَّةً إياها تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول، وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.

وفي أحدث هذه المواقف أدانت مصر، الأربعاء، بـ«أشد العبارات الهجمات الإيرانية الآثمة التي استهدفت المملكة الأردنية ومملكة البحرين ودولة الكويت، والتي تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، وتصعيداً بالغ الخطورة من شأنه تهديد أمن واستقرار المنطقة بأسرها»، وفق بيان لوزارة خارجيتها.

وشددت مصر على أن «أمن الدول العربية الشقيقة واستقرارها يمثلان جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي»، مجددة رفضها القاطع لأي أعمال أو ممارسات تستهدف المساس بسيادة الدول أو تهديد أمنها وسلامة أراضيها، ومؤكدة أهمية خفض التصعيد واحترام قواعد القانون الدولي بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

أما إيران، فتبذل من جانبها جهوداً لاستعادة مسار تطور العلاقات مع مصر. وأعلنت بعثتها بالقاهرة، الاثنين، عن انعقاد لقاء في طهران بين وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي لبحث مسار العلاقات مع مصر.

وأوضحت في بيان أن فردوسي استعرض خلال اللقاء آخر تطورات العلاقات الثنائية، إلى جانب مسار الاتصالات السياسية والتعاون بين البلدين في عدد من المجالات.

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

ووفق البعثة، أكد عراقجي أهمية مواصلة المشاورات الثنائية، وقال إن العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وإن «الحوار والتشاور المستمرين بين القاهرة وطهران يمثلان ركيزة مهمة لدعم جهود السلام والاستقرار في الشرق الأوسط».

«الحد الأدنى»

كانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد انقطعت عام 1979 قبل أن تُستأنف بعد 11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال. وشهد العامان الماضيان لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات، وهو الأمر الذي حدث بالفعل في مايو (أيار) 2023 بتوجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر.

كما انعقدت لقاءات على مستوى وزراء الخارجية، إلى جانب لقاءات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس إيران الراحل إبراهيم رئيسي، ورئيسها الحالي مسعود بزشكيان.

وعن إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين في الوقت الحالي، قال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي: «لا مجال للحديث الآن عن تطور في العلاقات المصرية - الإيرانية؛ فالمنطقة في حالة اضطراب تدفع فقط إلى الحفاظ عن الحد الأدنى من العلاقات؛ حتى يمكن إدارة الموقف وتخفيض حدة التوتر ووقف التصعيد».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر حالياً ليس بالزخم الذي تدَّعيه طهران، فهناك اتصالات وتشاور بالتأكيد، لكن بغرض التعامل الصريح مع المخاوف التي قد تزيد من انفلات الأوضاع في الإقليم، وليس بهدف توطيد العلاقات؛ فمصر ترفض اعتداءات إيران على دول الخليج وأدانت هذا العدوان بشدة، وهي الرسالة التي وصلت إيران التي تسعى حالياً في المقابل لاستعادة التقارب السابق على الحرب».

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره الإيراني بالقاهرة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة طارق فهمي: «القاهرة من حيث المبدأ خلال الفترة التي سبقت الحرب كانت تقترب بحذر من الجانب الإيراني؛ لأن مصر كانت تفتقد الثقة في إيران بمراحل وفترات زمنية معينة. حتى حينما تجاوبت إيران وغيَّرت اسم شارع الإسلامبولي، قاتِل الرئيس أنور السادات، فإن جميع التأكيدات المصرية كانت تقول إن هذا ليس أساس المطالب المصرية لاستعادة العلاقات مع إيران، لكن هناك متطلبات سياسية وأمنية تتعلق بأمن المنطقة، في مقدمتها دول الخليج وعدم التدخل في شؤون الدول العربية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التعهدات الإيرانية بتقديم حسن النية والعمل على تنفيذ المتطلبات المصرية؛ وهو ما دفع العلاقات في مسار التقدم بعض الشيء، جاءت الحرب الإيرانية وما تبعها من صواريخ وجَّهتها إيران نحو دول الخليج، فكانت مصر بطبيعة الحال تقف مع أمن دول الخليج».

«الرسالة وصلت»

وفي اتصالين هاتفيين مع الرئيس الإيراني، في مارس (أذار) ومايو (أيار) الماضيين، شدد السيسي على رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة دول الخليج.

وقال فهمي: «الرسالة وصلت إيران وانتبهت لها، وهي تعمل حالياً على معالجة الأمر لمحاولة استعادة مسار العلاقات مع القاهرة مرة أخرى».

ويرى فهمي أن إيران تريد أن تكون مصر أحد الأطراف الرئيسية في أي تفاوض حالي ومستقبلي مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لما لها من مصداقية وانفتاح على الجميع؛ فطهران تعلم أن مسار مفاوضاتها لا يمكن أن يعتمد على باكستان فقط، فضلاً عن رؤيتها لمصر ضابطاً رئيسياً للاستقرار والأمن في المنطقة».

ورغم ذلك، لا يتوقع فهمي أن تعيد القاهرة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع طهران ما لم تلتزم بتحقيق متطلباتها واشتراطاتها. واختتم حديثه قائلاً: «ولن تفعل مصر ذلك إلا في ضوء تحقيق التوازن والاستقرار بمنطقة الخليج والمنطقة ككل».


مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)
TT

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

صرح مصدر مصري مسؤول بأن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي، التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري، بسبب الانتشار الواسع لفيروس «إيبولا» في دول أفريقية.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن تفشي الوباء دفع الحكومة المصرية، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، إلى مراجعة انعقاد القمة والفعاليات المصاحبة لها، ومنها «منتدى الأعمال العلمين - أفريقيا»، على أن تُعقد القمة والفعاليات في وقت لاحق خلال هذا العام.

كانت مفوضية الاتحاد الأفريقي تستعد لعقد القمة في 27 يونيو (حزيران) الجاري، وهي القمة التي تجمع الاتحاد الأفريقي بالتجمعات الاقتصادية الإقليمية بهدف تسريع مسار التكامل الاقتصادي بالقارة.

كما كانت الحكومة المصرية تستعد لعقد النسخة الأولى من «منتدى العلمين - أفريقيا» في الفترة من 25 حتى 27 يونيو، بمشاركة ممثلي الحكومات مع القطاع الخاص ورواد الأعمال بالقارة.

وحسب المصادر المصرية، فإنه من المقرر إعلان تأجيل القمة لحين استقرار الوضع الصحي المرتبط بانتشار «إيبولا».

وتزداد مخاوف منظمة الصحة العالمية من تفشي فيروس «إيبولا» بعد انتشار الإصابات في وسط أفريقيا. وأعلنت المنظمة في وقت سابق مستوى خطر تفشي فيروس «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية وأوغندا من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً». وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن «مستوى الخطر لا يزال مرتفعاً على المستوى الإقليمي».

وحذرت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي دي سي) في الآونة الأخيرة من أن التفشي الحالي الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية يمكن أن يصل إلى نطاق مماثل» للنطاق القياسي المسجل بين عامَي 2014 و2016 حين أودى الوباء بحياة أكثر من 11 ألف شخص في غرب أفريقيا، إذا لم تُتّخذ تدابير صارمة.

كانت الخارجية المصرية قد أعلنت عن تأسيس منتدى «العلمين - أفريقيا» كمنتدى أعمال أفريقي دائم يُعقد كل عامين في مصر. وقالت في وقت سابق إن نسخته الأولى المقررة هذا العام ستجمع أكثر من 20 رئيساً للدول والحكومات، إلى جانب قادة بارزين من المؤسسات المالية الدولية والإقليمية، وفاعلين بقطاع الأعمال في أفريقيا.


أزمة «التسريبات» تطغى على امتحانات الشهادات المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
TT

أزمة «التسريبات» تطغى على امتحانات الشهادات المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)

في مثل هذا الوقت من كل عام، يتواتر الحديث في مصر عن تسريب امتحانات وتداولها إلكترونياً قبيل انعقادها، في مشهد متكرر تحاول الإدارات التعليمية السيطرة عليه واجتثاثه.

هذا العام، وقبل أيام من انطلاق امتحانات الثانوية العامة، طفت الأزمة على السطح مجدداً خلال اختبارات الشهادة الإعدادية المنعقدة حالياً. واضطرت مديرية التربية والتعليم بمحافظة الإسكندرية، شمال البلاد، الثلاثاء، لإرجاء امتحان مادة الهندسة لطلاب الصف الثالث الإعدادي بحيث يكون بعد اختبار مادة التربية الفنية وليس قبلها، حتى تتمكن من إعداد وطباعة امتحان بديل بعد معلومات عن تسريب الاختبار على منصات التواصل الاجتماعي.

وتداول مستخدمو مواقع التواصل صوراً قالوا إنها لامتحانات يخوضها الطلاب في محافظات مختلفة، أبرزها القاهرة والجيزة والقليوبية والمنيا، وذلك بعد دقائق من انطلاقها.

وخلال الأيام الماضية، تعددت وقائع ضبط معلمين وطلاب تورطوا في عمليات التسريب والغش الإلكتروني. وألغي، الثلاثاء، امتحان طالبة بالصف الثالث الإعدادي بمحافظة الجيزة بعد ثبوت تصويرها الامتحان داخل اللجنة، إلى جانب إحالة عدد من المسؤولين عن اللجنة إلى التحقيق لبحث ملابسات الواقعة وتحديد أوجه المسؤولية.

اجتماع موسع لمناقشة آليات مجابهة الغش في امتحانات الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)

وقال مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم إن بعض وقائع تداول الامتحانات على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن حقيقية، حيث إن الأوراق المتداولة كانت لامتحانات من سنوات سابقة، مؤكداً أن جميع الوقائع والادعاءات جرى التحقيق فيها واتخاذ الإجراءات القانونية حيالها.

وأوضح المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هناك فرقاً لمكافحة «الغش الإلكتروني» في المديريات التعليمية المختلفة تعمل على رصد أي محاولات غش عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي والتوصل إلى مصدر نشرها، مشيراً إلى أن هناك تعليمات باتخاذ إجراءات عقابية مشددة ضد من يتورط في أي وقائع غش، سواء كان «إلكترونياً» أو «تقليدياً»، داخل اللجان.

يأتي هذا قبل عشرة أيام تقريباً من انطلاق امتحانات الثانوية العامة في 21 يونيو (حزيران)، التي شهدت خلال السنوات الماضية وقائع «غش إلكتروني» عديدة.

إجراءات جديدة

وتتَّجه وزارة التعليم لتنفيذ إجراءات جديدة تستهدف الحدَّ من «الغش» في امتحانات «الثانوية العامة»، وقرَّرت تقريب لجان الامتحانات داخل «مجمعات امتحانية» متقاربة جغرافياً، لتسهيل عملية السيطرة عليها. وسبق أن قرَّرت أيضاً تركيب كاميرات «مراقبة» داخل جميع لجان الامتحانات.

وتطرق وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، لأول مرة في مايو (أيار) الماضي إلى إمكانية «قطع الإنترنت» عن بعض اللجان، مشيراً إلى أن الوزارة تدرس الأمر مع الجهات المختصة، دون أن يصدر قرار رسمي بتلك الخطوة.

أمهات ينتظرن بناتهن اللاتي يؤدين الامتحان (وزارة التربية والتعليم)

ومؤخراً، دخل نواب برلمانيون على خط الأزمة، حيث تقدم النائب عماد الغنيمي، الأحد، ببيان عاجل إلى رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي بشأن ما وصفه بـ«عدم وجود تنسيق وتعاون كافٍ بين وزارتي الاتصالات والتعليم فيما يتعلق باتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من ظاهرة الغش الإلكتروني».

وأوضح أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب اتخاذ إجراءات تقنية استثنائية خلال فترة انعقاد الامتحانات، من بينها التشويش، أو حجب خدمات الإنترنت في محيط المدارس التي تضم لجان امتحانات الثانوية العامة، وذلك خلال ساعات الامتحان فقط، بما يضمن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، ومنح كل طالب حقه وفقاً لجهده ومستواه العلمي.

«العدالة الامتحانية»

يقول أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تامر شوقي، إن «الغش» أضحى عملية مصاحبة للامتحانات بوجه عام، وإنه تجاوز الشكل التقليدي داخل اللجان وتطور إلى أشكال مختلفة من «الغش الإلكتروني» الذي يترتب عليه «تسريب الامتحانات» أو «تداولها» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يصيب الطلاب وأولياء أمورهم بحالة من التوتر وانعدام الثقة في «العدالة الامتحانية».

ويضيف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك عوامل عديدة تقود لظهور «الغش الإلكتروني» في امتحانات الشهادة الإعدادية، في مقدمتها زيادة عدد الطلاب الذي يصل إلى مليونيَّ طالب، وتعدد مستويات المسؤولين عن الورقة الامتحانية، وتطور الأجهزة التكنولوجية التي تساعد على تصوير الامتحانات دون ملاحظة المراقبين، مثل السماعات والنظارات والساعات.

ويشير الخبير التربوي إلى أن الخطوة الأكبر تبقى في امتحانات «الثانوية العامة»، التي تكون على مستوى مركزي على مستوى جميع المحافظات المصرية وتحدد مصير أكثر من 900 ألف طالب يخوضون الامتحانات هذا العام، كما أن طريقة الامتحانات عبر «البابل شيت» تساعد على نحو أكبر للغش بعكس «البوكليت» الذي يستخدمه طلاب الشهادة الإعدادية.

وتعتمد منظومة «البابل شيت» على أسئلة وأجوبة متعددة يختار الطالب إحداها، وتشمل 85 في المائة من إجمالي أسئلة الامتحان، إلى جانب 15 في المائة أسئلة مقالية، وهو أمر طالَب خبراء التربية مرات كثيرة بتعديله للحدِّ من الغش؛ فيما يشير مصطلح «البوكليت» إلى دمج كراسة الأسئلة وورقة الإجابة معاً في كُتيّب واحد، ما يجعل هناك صعوبة في تصوير جميع الأوراق.