باريس تتخذ خطوة جديدة في مسلسل التصعيد مع الجزائر

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع لوزراء خارجية «حلف الأطلسي» في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع لوزراء خارجية «حلف الأطلسي» في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)
TT

باريس تتخذ خطوة جديدة في مسلسل التصعيد مع الجزائر

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع لوزراء خارجية «حلف الأطلسي» في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع لوزراء خارجية «حلف الأطلسي» في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

يتواصل مسلسل التصعيد بين باريس والجزائر، ولا أحد يعرف أو يرى أين سيتوقف، بالنظر إلى الخلافات الكثيرة والمستحكمة بين الطرفين منذ الصيف الماضي، وتحديداً منذ وجّه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى ملك المغرب رسالة يؤكد فيها أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرج في إطار السيادة المغربية». وبينما رأت الجزائر في رسالة ماكرون «انحرافاً» عن الخط الرسمي الفرنسي، ولجت علاقات البلدين منعطفاً خطراً أطاح ما حققته زيارة ماكرون الرسمية إلى الجزائر في عام 2022، وخريطةَ الطريق المتفق عليها مع نظيره الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، لتخطي الخلافات والسير باتجاه تعزيز العلاقات في المجالات كافة.

وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو متحدثاً الجمعة في تجمع انتخابي بمدينة نيم ضمن حملته للفوز برئاسة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي (أ.ف.ب)

وجاءت آخر حلقة في هذا التصعيد بتعميم صادر عن المديرية العامة للشرطة الوطنية الفرنسية، السبت، بطلب من وزارة الداخلية، التي يشغل حقيبتها الوزير برونو ريتايو صاحب النهج «الصدامي» في التعامل مع الجزائر. وبموجب التعميم، الذي تطلب المديرية المشار إليها «العمل به فوراً» من قبل «الجهات كافة المكلفة مراقبة الحدود الخارجية» للدولة الفرنسية، يُرفض دخول الأراضي الفرنسية من كل صاحب جواز سفر دبلوماسي لا يحمل تأشيرة دخول؛ الأمر الذي ينقض اتفاقية عام 2007 الموقعة بين الطرفين. وجاء في حرفية التعميم ما يلي: «يُخضع المواطن الجزائري الذي يحمل جواز سفر دبلوماسياً أو جواز خدمة، والذي لا يحمل تأشيرة، عند الوصول إلى نقاط العبور الحدودية (جواً وبحراً)، لإجراء عدم القبول/ الترحيل». ويدعو التعميم جميع أجهزة الشرطة والأمن العام إلى «التنفيذ الدقيق» لمضمونه.

وتعدّ باريس أن تدبيرها الأخير يندرج في ما تسميه «الرد المتدرج» على الإجراءات التي اتخذتها «أو قد تتخذها» الجزائر بحق فرنسا ودبلوماسييها وموظفيها في الجزائر، الذي يدفع باتجاهه الوزير ريتايو. وآخر ما أقدمت عليه الجزائر طلب ترحيل 15 موظفاً يوم الأحد 11 مايو (أيار) الحالي. وردت باريس على الإجراء الجزائري، الذي وصفه وزير الخارجية، جان نويل بارو، بـ«غير المبرر، ولا يمكن تبريره»، باستدعاء القائم بالأعمال الجزائري في باريس للتعبير عن استياء فرنسا وللتنديد بالإجراء المذكور. ولاحقاً، قال بارو في تصريحات تلفزيونية: «ردنا (سيكون) فورياً، وحازماً، ومتناسباً بدقة مع هذه المرحلة، ولدينا الطلب نفسه، أي ترحيل جميع الموظفين الحاملين جوازات سفر دبلوماسية إلى الجزائر إذا لم تكن لديهم تأشيرة حالياً». وأضاف الوزير الفرنسي: «لقد أبلغت (القنصل الجزائري) أيضاً أننا نحتفظ بحق اتخاذ إجراءات أخرى وفق تطور الوضع». وطبق قراءته، فإن القرار الجزائري «يخالف الاتفاقات التي تنظّم العلاقة (بفرنسا)، وهو بطبيعة الحال لا يصب في مصلحة فرنسا، لكنه بالتأكيد ليس في مصلحة الجزائريين أيضاً».

الرئيسة السلوفينية ناتاشا بيرك موزار لدى استقبالها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في العاصمة ليوبليانا الخميس (أ.ف.ب)

من جانبها، أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً رسمياً قالت فيه إن طرد الموظفين الفرنسيين جاء بناءً على «قرار أحادي من السلطات الجزائرية لجهة فرض شروط جديدة لدخول الأراضي الجزائرية على الموظفين العموميين الفرنسيين الذين يحملون جواز سفر رسمياً؛ دبلوماسياً أو خدماتياً، وذلك في انتهاك للاتفاق الثنائي الموقع عام 2013».

وترى مصادر فرنسية معنية بالعلاقات بالجزائر أن حرمان الدبلوماسيين الجزائريين من دخول البلاد دون تأشيرة «سيكون مزعجاً ليس فقط للدبلوماسيين؛ بل أيضاً لكل الذين يحظون بجوازات سفر دبلوماسية من النخبة الجزائرية وداعمي النظام وعائلاتهم».

وحتى اليوم، وبموجب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين في عام 2007، كان يحق لكل من يحمل جواز سفر دبلوماسياً الدخول إلى الأراضي الفرنسية دون تأشيرة، لإقامة متواصلة أو إقامات عدة لا تتجاوز مدتها الإجمالية 90 يوماً خلال فترة 180 يوماً من تاريخ أول دخول. وهذه التسهيلات انتهت بقرار رسمي.

ويطلب التعميم من أجهزة الشرطة المعنية «التطبيق الصارم لهذا الإجراء الجديد» وكذلك «رفع تقارير بأي صعوبة تجري مواجهتها». والسؤال المطروح اليوم يتناول ليس فقط الاتفاقية المشار إليها، بل مصير الاتفاقيات كافة الموقعة بين الطرفين، بما فيها اتفاقية عام 1967 التي وُقعت بعد نيل الجزائر استقلالها، والتي توفر للمواطنين الجزائريين كثيراً من تسهيلات الإقامة والعمل على الأراضي الفرنسية. فضلاً عن ذلك، فإن الإجراءات التي أقرها ريتايو بالنسبة إلى عمليات لَمّ الشمل العائلي وتصعيب الحصول على الجنسية تصيب الأجانب؛ بمن فيهم الجزائريون.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فمحكمة الاستئناف في باريس رفضت، الأربعاء الماضي، طلباً جزائرياً لاسترداد أكسيل بلعباسي، وهو قائد في حركة تدعو إلى انفصال منطقة القبائل بالجزائر، ولاجئ في فرنسا. وتطالب الجزائر، التي أصدرت مذكرات دولية عدة بتوقيفه، باريس، منذ سنوات، بتسليمه؛ نظراً إلى اتهامها إياه بـ«تنفيذ أعمال إرهابية». بيد أن محكمة الاستئناف رفضت الطلب الجزائري، عادّةً أنه «لا محل له». وعلق محامي بلعباسي، غولد ناديل، على الحكم بقوله: «إنه يوم جميل للعدالة الفرنسية. وكان يمكنني القول إنه يوم حزين للعدالة الجزائرية لولا أنه لا توجد عدالة في الجزائر، ما دامت الديكتاتورية الجزائرية مستمرة في قمع مواطنيها، خصوصاً الشعب القبائلي».

ويعيش بلعباسي في فرنسا منذ عام 2012، وآخر مرة زار فيها الجزائر كانت في عام 2019.

وتبقى الإشارة إلى تطور حدث في ملف المؤثر والمعارض الجزائري، أمير بوخرص، الذي خُطف بمنطقة فال دو مارن نهاية أبريل (نيسان) 2024 وأفرج عنه بعد يومين... فقد قبض الأمن الفرنسي، الجمعة، على 4 أشخاص إضافيين وجهت إليهم تهمة الضلوع في عملية الخطف وأودعوا الحجز الاحتياطي، وفق ما أعلنته النيابة العامة الباريسية المولجة قضايا الإرهاب. ومنذ منتصف أبريل الماضي، وجّه الاتهام إلى 3 رجال، بينهم موظف قنصلي جزائري، بالضلوع في «عملية خطف واحتجاز واعتقال على صلة بمخطط إرهابي»؛ الأمر الذي أثار حفيظة السلطات الجزائرية وساهم في توتير العلاقات بين الجانبين. وتطالب الجزائر، دون طائل، بتسليمها بوخرص. وكانت «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلت، الجمعة، عن مصدر مطلع أن تقريراً صادراً عن المخابرات الداخلية الفرنسية يوجه أصابع الاتّهام إلى شخص رابع على علاقة بعملية الخطف، غير ملاحق حتّى الساعة وينظر إليه على أنه «ضابط صف» في «مديرية الوثائق والأمن الخارجي (المخابرات الجزائرية)»، وأنه يبلغ 36 عاماً وعُرّف عنه بالأحرف الأولى من اسمه «س.س» ويرجّح التحقيق أنه أتى إلى باريس بـ«غطاء دبلوماسي بصفته السكرتير الأول للسفارة الجزائرية»، وهو لم يتعرّض للتوقيف، ومن المحتمل أن يكون غادر الأراضي الفرنسية.



مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.