«إعلان بغداد»: فلسطين «قضية مركزية»... ولا رجعة عن حل الدولتين

دعا إلى حوار سوري شامل... و«حكومة مدنية منتخبة في السودان»

القادة المشاركون في «قمة بغداد» (الرئاسة المصرية)
القادة المشاركون في «قمة بغداد» (الرئاسة المصرية)
TT

«إعلان بغداد»: فلسطين «قضية مركزية»... ولا رجعة عن حل الدولتين

القادة المشاركون في «قمة بغداد» (الرئاسة المصرية)
القادة المشاركون في «قمة بغداد» (الرئاسة المصرية)

جدّد «إعلان بغداد» تأكيد الثوابت بشأن القضية الفلسطينية بصفتها «قضية العرب المركزية»، مشدداً على «الالتزام بمبادئ حسن الجوار، وحل الخلافات سلمياً»، وداعياً إلى حوار سوري شامل، وتشكيل حكومة مدنية منتخبة في السودان.

واستضافت العاصمة العراقية بغداد فعاليات الدورة الـ34 للقمة العربية التي عُقدت في ظروف تُوصف بأنها «الأسوأ» في تاريخ المنطقة، لا سيما مع استمرار حرب غزة، ومعاناة دول عربية من صراعات داخلية، بالإضافة إلى خلافات بينية عربية، وهو ما انعكس على مخرجات القمة.

وجاءت ديباجة «إعلان بغداد»، المكوّن من 19 صفحة، لتؤكد أن انعقاد القمة يأتي «رغبة في تحقيق الاستقرار والازدهار للأمة العربية، واستجابة للتحدّيات التي تواجهها في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة».

وقد شمل الإعلان ثلاثة أقسام، يتعلّق الأول بقرارات القمة العربية، والثاني بالقمة التنموية، أما الأخير فضم 16 مبادرة أطلقها العراق.

قضية العرب المركزية

وجاءت القضية الفلسطينية على رأس القسم الأول من الإعلان، مؤكداً الدعم المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني؛ ومن بينها حق إقامة الدولة وحق العودة والتعويض للاجئين. وطالب بـ«الوقف الفوري للحرب في غزة». ودعا جميع الدول إلى تقديم الدعم السياسي والمالي والقانوني للخطة العربية - الإسلامية المشتركة بشأن إعادة الإعمار والتعافي المبكر في غزة التي اعتمدتها القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) الماضي، ووزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في الشهر نفسه بجدة.

ورحّب الإعلان بالمقترحات والمبادرات التي تقدّمت بها الدول العربية لإنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة. وشدّد على أهمية التنسيق المشترك للضغط باتجاه فتح جميع المعابر أمام إدخال المساعدات الإنسانية، وتمكين وكالات الأمم المتحدة، ولا سيما «الأونروا»، من العمل في الأراضي الفلسطينية.

صورة وزّعها مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو يلتقي رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (إ.ب.أ)

وجدّد تأكيد «المواقف السابقة بالرفض القاطع لأي شكل من أشكال التهجير والنزوح للشعب الفلسطيني من أرضه، وتحت أيّ مُسمَّى أو ظرف أو مُبرِّر؛ الأمر الذي يُعَدُّ انتهاكاً جسيماً لمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وجريمة ضد الإنسانية، وتطهيراً عِرقيّاً». وأيّد «دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، واتخاذ خطوات لا رجعة فيها لتنفيذ حل الدولتَيْن».

وفي هذا الصدد، دعّم إعلان بغداد «جُهود عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى لتطبيق حل الدولتَيْن، وتجسيد استقلال فلسطين برئاسة مشتركة سعودية - فرنسية خلال يونيو (حزيران) المقبل في مقر الأمم المتحدة».

وطالب بنشر قوات حماية للشعب الفلسطيني وحفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة في فلسطين إلى حين تنفيذ حل الدولتَيْن، داعياً مجلس الأمن الدولي إلى «اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ حل الدولتَيْن»، مشدداً على «ضرورة وضع سقف زمني لهذه العملية».

وأكد الإعلان «دعم رؤية الرئيس الفلسطيني حول أهمية تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية المُمثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وفق مبدأ النظام الواحد، والقانون الواحد، والسلاح الشرعي الواحد»، مع «تمكين حكومة دولة فلسطين من تولّي الحكم في غزة».

كما أكد أن «الخيار الديمقراطي والاحتكام إلى صندوق الاقتراع هما الطريق الوحيد لاحترام إرادة الشعب؛ لاختيار من يُمثّله عبر انتخابات عامة رئاسية وتشريعية تُجرى في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية».

ورحّب بـ«الجهود المستمرة للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتَيْن، الذي أُطلق بنيويورك في سبتمبر (أيلول) 2024 من قِبل المملكة العربية السعودية». ودعّم «الجهود الدبلوماسيّة الحثيثة للجنة الوزارية المنبثقة عن القمة العربية - الإسلامية المشتركة بشأن غزة؛ للحثّ على وقف إطلاق نار فوري، وبدء اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ حل الدولتَيْن».

حوار وطني سوري

وحول الوضع في سوريا، أكد «إعلان بغداد» احترام خيارات الشعب السوري، بكل مُكوّناته وأطيافه، ودعم وحدة الأراضي السورية، ورفض جميع التدخلات في الشأن السوري. كما أدان «الاعتداءات الإسرائيليّة المُستمِرَّة على الأراضي السورية». ودعا المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي إلى «مُمارسة الضغط لوقف هذه الاعتداءات».

وأكد «ضرورة المُضِي بعملية سياسية انتقالية شاملة تحفظ التنوع والسلم المُجتمعي مع أهمية احترام معتقدات ومُقدَّسات فئات ومُكوَّنات الشـعب السوري كافّة». ورحب بإعلان رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب الأخير رفع العقوبات المفروضة على سوريا، موجهاً الشكر إلى السعودية على الجهود المبذولة لدعم الموقف السوري في هذا الشأن. كما رحّب بتخفيف العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا. ودعا إلى تبنّي مُؤتمر حوار وطني شامل يضمُّ مُكوّنات الشعب السوري كافّة».

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في قمة بغداد (أ.ب)

حكومة سودانية منتخبة

وأكد إعلان بغداد «دعمه الدائم للبنان في مواجهة التحدّيات، والحفاظ على أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها وحماية حدودها المُعترف بها دولياً في وجه أي اعتداءات عليها وعلى سيادتها، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية»، مشدداً على «ضرورة تطبيق الترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية بجميع بنوده، والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم (1701) بكامل مندرجاته، وإدانة خروقات إسرائيل لهما، ومطالبتها بالانسحاب الكامل والفوري وغير المشروط من لبنان إلى الحدود المُعترف بها دولياً».

وجدد الإعلان تأكيد «الدعم الثابت لمجلس القيادة الرئاسي في اليمن برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي»، مؤكداً «مُساندة جُهود الحُكومة اليمنية الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية بين مكوّنات الشعب اليمني كافّة». كما أيّد «المساعي الأممية والإقليمية الهادفة إلى التوصل لحل سياسي شامل للأزمة اليمنية».

وأكد «التضامن مع السودان وشعبه في سعيه لتأمين مُقدَّراته وحماية أراضيه وبنيته التحتية الحيوية، والحفاظ على سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه، ورفض التدخل في شؤونه، وتعزيز جهوده في الحفاظ على مؤسساته الوطنية، والحيلولة دون انهيارها عن طريق تشكيل حكومة مدنيّة مُستقلّة ومُنتخَبة».

ودعا إلى «بحث إمكانية الدعوة إلى استئناف مسار جدة (3) للتوصل إلى الحلول السلمية المستدامة». وطالب مجموعة الاتصال العربيّة المُشكَّلة من وزراء خارجية مصر والسعودية والأمين العام لجامعة الدول العربية بـ«مواصلة جهودهم ومساعيهم الحميدة بغية التوصل إلى حلول تُلبّي التطلعات السودانية في الاستقرار والتنمية».

وأكد الإعلان «دعم ليبيا الكامل، وحل الأزمة فيها عبر الحوار الوطني بما يحفظ وحدة الدولة»، مع «رفض جميع أشكال التدخل في شُؤُونها الداخلية». وجدد دعمه «خروج القوات الأجنبية والمرتزقة كافّة من ليبيا في مدى زمني مُحدَّد».

وأكد سيادة الإمارات على جُزُرها الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، داعياً إيران إلى «التجاوب مع مُبادرة الإمارات لإيجاد حل سلمي لهذه القضية عبر المُفاوضات المُباشرة، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة».

وأكد ضرورة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وفقاً للمرجعيات المُتفق عليها. وشدد على أنَّ الأمن المائي يُشكّل ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي العربي. وأبرز في هذا السياق أهمية دعم الجهود التي تبذلها كلّ من العراق، ومصر، والسودان، وسوريا؛ لضمان حقوقها المائية المشروعة.

وأدان جميع أشكال وأنماط الإرهاب والأفكار المرتبطة به، مشدداً على التصدّي للجريمة المنظمة، ومكافحة المُخدّرات والاتجار بالبشر، وغسل الأموال. كما دعا إلى تفعيل الإجراءات الرادعة لمكافحة خطاب الكراهية والتطرف والتحريض.

وحول الأوضاع الإقليمية والدولية، أكد أن «التوترات المتصاعدة على الساحة الدولية تسلط الضوء على تراجع الدبلوماسية مقابل استخدام القوة في تسوية الخلافات والنزاعات، مما يُنذر بخطر انعدام الحلول العادلة والمنصفة».

وفي هذا الصدد أعرب القادة العرب عن دعم المحادثات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية للتوصل إلى نتائج إيجابية لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية. كما ثمّن الإعلان دور سلطنة عُمان في هذه المحادثات، مؤكداً من جديد الحرص على التعاون الوثيق مع منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

استراتيجية الأمن الغذائي

وتضمّن القسم الثاني من إعلان بغداد القرارات الخاصة بالقمة التنموية الخامسة؛ إذ أشاد بمبادرة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، حول الاقتصاد الأزرق. ورحّب بالمبادرة العربية للذكاء الاصطناعي. وأشاد بمبادرة مصر في مجال مكافحة الأمراض. وحيّا دور الإمارات في مبادرة صنع الأمل والمستقبل الأفضل للإنسان العربي.

وأقر الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي للفترة (2025-2035)، داعياً إلى دعم خطة الاحتياجات التنموية، ومشاريع البنية التحتية في اليمن، ودعم مشاريع التنمية المقدمة من السودان. وأقر مشروع دعم وإيواء الأسر النازحة جراء العدوان الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية. وطالب برفع العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة والكهرباء في سوريا. ورحّب باعتماد الخطة التنفيذية للاستراتيجية العربية للأمن المائي 2030.

مبادرات عراقية

واختتم إعلان بغداد بالترحيب بالمبادرات التي أطلقها العراق، منها «المبادرة العربية للدعم الإنساني والتنموي» التي تمّ من خلالها إنشاء «الصندوق العربي لدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار من آثار الأزمات»؛ إذ أعلن العراق التبرُّع بمبلغ قدره 40 مليون دولار إلى الصندوق؛ تُخصص 20 مليون دولار لدعم الجهود الإنسانيّة، وإعادة الإعمار في قطاع غزة، و20 مليون دولار لدعم جهود إعادة الإعمار في لبنان.

وتضمن الإعلان إطلاق مبادرة «العهد العربي لدعم الشعب السوريّ»؛ لدعم التأسيس لعملية انتقالية سياسية شاملة في سوريا، وتدعم المُبادرة تنظيم مؤتمر دولي لتحشيد الدعم الدولي لعملية إعادة الإعمار في سوريا، وتعزيز جهود العودة الآمنة والمنظمة والكريمة لأبناء الشعب السوري النازحين والمهجرين.

ورحّب بدعوة العراق إلى مشاركة الدول العربية في «مشروع طريق التنمية»، بوصفه من المشاريع العربية التنموية والاستراتيجية في المنطقة.

كما رحب بدعوة بغداد إلى «تشكيل لجنة وزارية عليا مفتوحة العضوية تتكوّن من العراق والبحرين والأمين العام لجامعة الدول العربية، والدول العربية الراغبة في الانضمام إليها، تتولّى مهمة تقريب وجهات النظر بين الأشقاء لتسوية الخلافات وتهدئة الأجواء».

ومع تأييد العراق جميع ما جاء في الفقرات الخاصة بالقضية الفلسطينية سجّل «تحفظه على عبارة (حدود الرابع من حزيران 1967)، وعبارة (القدس الشرقية)، وعبارة (حل الدولتَيْن)، وأي عبارة تدل صراحة أو ضمناً إلى الكيان الإسرائيلي كـ(دولة) أينما يتمّ ذكرها، وذلك في إطار الحفاظ على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس، لكونها لا تتماشى مع القوانين العراقية النافذة».


مقالات ذات صلة

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الجامعة)

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

أكدت جامعة الدول العربية دعمها مفاوضات لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى «حل دائم للأزمة التي يواجهها لبنان مع إسرائيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين لليوم الأربعين على التوالي (أ.ف.ب)

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

حذَّرت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، في بيان مشترك، الأربعاء، من خطورة تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في القاهرة (رويترز)

«استفزاز مرفوض»... مصر تدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى

أكدت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الثلاثاء، رفضها الكامل لمثل هذه الممارسات التي تمس بحرمة المقدسات الإسلامية في القدس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
حصاد الأسبوع امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)

وسط تحديات في المنطقة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، أكدت الحكومة المصرية استعدادها لمختلف السيناريوهات المتوقعة، خاصة في ظل «استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتدفقات المالية».

وأشار رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الخميس، إلى أن الإجراءات التي اتخذتها حكومته منذ اندلاع الحرب «أسهمت بشكل واضح في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني».

ودلّل على ذلك بقوله إن بعض التقديرات الدولية «تحدثت في بداية الأزمة أن مصر ستكون ضمن أكثر الدول تأثراً؛ إلا أن التقييمات الأحدث تعكس تحسناً نسبياً في وضع الاقتصاد المصري، ليصنف ضمن الدول متوسطة التأثر، وهو ما يرتبط بسرعة الاستجابة واتخاذ قرارات حاسمة في توقيت مناسب».

وقررت الحكومة إجراءات استثنائية لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «تخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، والعمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، والإغلاق المبكر للمحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، قبل تمديده ساعتين للحادية عشرة.

وتحدث مدبولي خلال اجتماع «مجلس الوزراء»، الخميس، عن المشهد السياسي الراهن في المنطقة، واصفاً المرحلة الحالية بأنها «تتسم بقدر كبير من عدم اليقين».

وقال: «لا تزال مسارات التصعيد والتهدئة قائمة في آنٍ واحد، بما يجعل من الصعب الجزم باتجاه التطورات خلال الفترة المقبلة».

وأضاف أن حكومته تتعامل مع هذه المرحلة الحالية باعتبارها «مرحلة انتقالية غير مستقرة». وتابع بقوله: «إذا نظرنا فقط لما شهده الأسبوع الماضي، سنجد أن هناك تذبذباً واضحاً في معنويات الأسواق التي انتقلت من حالة تشاؤم شديد إلى تفاؤل سريع، ثم عادت إلى الترقب، وهو ما يؤكد أن المشهد لا يزال في حالة عدم استقرار».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وكان وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، محمود عصمت، قد ذكر قبل أيام أن تطبيق الإجراءات الحكومية المتعلقة بمواعيد إغلاق المحال التجارية والإنارة في المباني الحكومية وإعلانات الطرق وغيرها، قد «حقق وفراً خلال الأسبوع الأول في استهلاك الكهرباء بلغ 18 ألف ميغاواط في الساعة، ووفراً في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب»، مضيفاً أن الوفر الذي تحقق في يوم العمل عن بُعد «بلغ 4700 ميغاواط في الساعة للكهرباء، و980 ألف متر مكعب للوقود».

التعامل مع الصدمات

أشار رئيس الوزراء المصري، الخميس، إلى ما أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في الآونة الأخيرة، أن «مصر تُعد نموذجاً في اتخاذ الإجراءات السليمة وقت الأزمات»، وقال إن الاقتصاد المصري أصبح في وضع أفضل يتيح له التعامل مع الصدمات، ويعزز من فرص دعم البرنامج التمويلي القائم.

وتحدث مدبولي أيضاً خلال اجتماع «مجلس الوزراء» عن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة «استمرار العمل على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز كفاءة الأسواق، مع ضرورة استخدام الدولة لكل آليات ضبط السوق لتفادي غلاء الأسعار أو المضاربات».

ويشكو مصريون من ارتفاعات متصاعدة في أسعار عديد من السلع. وأشار الأربعاء «مرصد الأسعار اليومي» بجمعية «مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك»، وهي جمعية أهلية، إلى استمرار ارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية. يأتي هذا في وقت واصل فيه الدولار الأميركي الانخفاض في مصر، مسجلاً نحو 51.8 جنيه بعدما حام حول 54 دولاراً لأيام.

مواطنون مصريون يشكون من استمرار تصاعد أسعار السلع والمحروقات (الشرق الأوسط)

وأصدر مدبولي، الخميس، قراراً بتشكيل واختصاصات «المجموعة الوزارية الاقتصادية»، التي تقرر أن «تجتمع بشكل دوري أسبوعياً وكلما دعت الحاجة إلى ذلك برئاسة رئيس الوزراء، ولها أن تدعو من تراه من ذوي الخبرة والمتخصصين للمشاركة في اجتماعاتها».

ووفق إفادة لـ«الهيئة العامة للرقابة المالية»، نص القرار على أن تُشكَّل المجموعة الوزارية الاقتصادية من نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ومحافظ البنك المركزي المصري، ووزراء المالية، والتموين والتجارة الداخلية، والاستثمار والتجارة الخارجية، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والصناعة، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية.

و«هيئة الرقابة المالية» هي الجهة المسؤولة عن تنظيم ومراقبة الأسواق والأنشطة المالية غير المصرفية في مصر، وقد أُنشئت لتحل محل ثلاث هيئات رقابية، هي الهيئة المصرية للرقابة على التأمين، والهيئة العامة لسوق المال، والهيئة العامة لشؤون التمويل العقاري، بالإضافة إلى الإشراف على أنشطة التأجير التمويلي والتخصيم.

«المجموعة الاقتصادية»

ويقول الخبير الاقتصادي المصري مصطفى بدرة إن «المجموعة الاقتصادية» تتابع أو تمارس السياسات الخاصة بالسياسة المالية والنقدية، ومطابقتها وفقاً للظروف العالمية وقدرتها على التوافق المجتمعي، مضيفاً: «مثلاً عندما يتخذ وزير المالية المصري بعض الإجراءات، سواء كانت سياسات جمركية أو مالية، وتُعرض على مجلس الوزراء من أجل التعرف على أثرها، يتم عرضها على (المجموعة الاقتصادية) لإبداء رأيها وتوصياتها».

الحكومة المصرية تؤكد الحفاظ على بقاء المخزون الاستراتيجي من السلع عند مستوياته الحالية الآمنة (وزارة التموين)

وارتفع معدل التضخم السنوي للحضر في مارس الماضي إلى 15.2 في المائة مقابل 13.4 في المائة في فبراير (شباط)، وفق ما أعلنه «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

وطبقت الحكومة المصرية الشهر الماضي زيادة في أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، تلتها زيادة في أسعار الكهرباء على الأنشطة التجارية والمنازل.

وكان مدبولي قد ترأس اجتماعاً لـ«المجموعة الوزارية الاقتصادية» بتشكيلها السابق في نهاية مارس الماضي، وقال حينها المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء محمد الحمصاني إن الاجتماع شهد «التأكيد على استمرار التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لضمان الحفاظ على استقرار الأسواق، وبقاء المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية عند مستوياته الحالية الآمنة».


«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
TT

«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)
الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)

كثفّت هيئة الدواء المصرية إجراءاتها لضبط الأدوية المغشوشة خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من اتساع تداول العقاقير عبر منصات وجهات غير رسمية تلعب على وتر حاجة المواطنين لشراء أدوية زهيدة الثمن بعيداً عن الصيدليات، وذلك تزامناً مع مطالب بعض منتجي الدواء بزيادة الأسعار لمجاراة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وحذرت «هيئة الدواء» في بيان لها، الخميس، من مستحضرَين دوائيين؛ أحدهما قالت إنه «مغشوش»، والآخر «غير مطابق للمواصفات»، مع التشديد على وقف تداولهما وسحبهما من الأسواق. وقررت الهيئة وقف تداول وضبط وتحريز العبوات المخالفة، مع التأكيد على ضرورة الرجوع إليها في حال وجود أي شكوك أو استفسارات.

وقبل أيام، تمكنت فرق التفتيش الصيدلي التابعة للهيئة المصرية في سبع محافظات من ضبط مصنع ومخازن غير مرخصة تُستخدم في ترويج مستحضرات دوائية وتجميلية مجهولة المصدر، كما ضبطت صيدلية غير مرخصة تعمل في أحد المستشفيات الخاصة.

وفي محافظة الغربية، بوسط دلتا النيل، ضبطت الهيئة قرابة 60 ألف عبوة من أصناف مختلفة الشكل والحجم، تنوعت ما بين أقراص وأشربة وكريمات، مدون عليها خصائص علاجية دون فواتير ومجهولة المصدر، إلى جانب ضبط نحو خمسة آلاف كيلوغرام من المواد الخام (شكائر بودرة وعبوات كحول) المستخدمة في عملية التصنيع دون فواتير ومجهولة المصدر.

أوقات الأزمات

وتهدد «العقاقير المغشوشة» سوق الدواء المصرية، وفق ما قال متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أنها تشكل خطراً على حياة المرضى، وقد يتزايد الاتجار فيها في أوقات الأزمات التي يشعر فيها مصنعوها أن هناك صعوبات في الحصول على أدوية بعينها مع أزمات سلاسل الإمداد الدولية، وارتفاع أسعار تكاليف الإنتاج.

وأشار المتخصصون أيضاً إلى مطالب بعض المنتجين برفع الأسعار لحماية المرضى جراء نقص أنواع بعينها أو تداولها في إطار غير شرعي، ما يخلق «سوقاً سوداء»، ويسهم في زيادة مبيعات الدواء عبر الإنترنت.

وتضم مصر بنية تحتية قوية في القطاع الدوائي، حيث يوجد نحو 180 مصنعاً للأدوية مرخصاً حتى أواخر عام 2025، بالإضافة إلى أكثر من 150 مصنعاً للمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل. ويبلغ عدد المخازن والموزعين للأدوية نحو 1600، بينما يتجاوز عدد الصيدليات المرخصة 71 ألف صيدلية، وفقاً لبيانات رسمية.

ولا توجد إحصاءات رسمية بحجم الأدوية المغشوشة المتداولة، غير أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن حجمها في أفريقيا يصل إلى 30 في المائة من حجم الدواء، وأن حجم الأدوية المغشوشة حول العالم يتراوح ما بين 10 إلى 30 في المائة، وتؤدي إلى وفاة ما يقرب من 2000 شخص يومياً.

منظومة «التتبع الدوائي»

يقول رئيس شعبة الأدوية في الغرفة التجارية بالقاهرة، علي عوف، إن نسب الغش الدوائي تتفاوت حول العالم حسب قوة رقابة الهيئات الحكومية، وإن مصر تتعرض لهذا النوع من الغش الذي يحقق أرباحاً طائلة وسريعة، ويستهدف تحديداً الأدوية باهظة الثمن والأكثر مبيعاً.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن انتشار ماكينات تساعد على ضغط وكبس منتجات الأدوية وتعبئتها في علب طبق الأصل يُعد سبباً في سهولة الغش، خاصة أنها تكون داخل مصانع غير مرخصة وقد تكون داخل بنايات سكنية، كما يتم تخرين تلك الأدوية في مخازن غير مرخصة، بعيداً عن أعين الجهات الرقابية.

ويتم اكتشاف الأدوية المغشوشة إما من خلال معامل التحليل التابعة لهيئة الدواء المصرية، والتي تقوم بالتفتيش على المخازن والصيدليات وتتلقى بشكل مستمر معلومات عن وجود مخازن أو صيدليات غير مرخصة، وإما من خلال شركات الأدوية الأصلية التي تكتشف وجود غش في المستحضرات الخاصة بها.

هيئة الدواء المصرية تنشط لمواجهة عقاقير مغشوشة (هيئة الدواء)

والاثنين الماضي، أكدت هيئة الدواء المصرية أن مكافحة الأدوية المغشوشة تأتي على رأس أولوياتها، وأنها تعتمد على منظومة رقابية متكاملة تبدأ من تسجيل الدواء، مروراً بمراحل التصنيع والتوزيع، وحتى وصوله إلى المريض، بما يضمن إحكام السيطرة على سوق الدواء، ومنع تسرب أي مستحضرات غير مطابقة.

وقالت إنها تطبق «منظومة التتبع الدوائي»، والتي تقوم على تخصيص «كود» لكل عبوة دواء، يتيح تتبعها في جميع مراحل التداول، ما يسهم في التأكد من مصدر الدواء، ومنع تداول العبوات المجهولة أو غير المسجلة، وسرعة سحب العبوات المغشوشة حال اكتشافها.

مطالبات بتغليظ العقوبات

ويؤكد مستشار غرفة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية، محمد البهي، أن عمليات الغش في الأدوية تنشط في أوقات الأزمات التي يلوح فيها شح في سلاسل الإمداد أو نقص عقاقير بعينها.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن بعض «الغشاشين» يستغلون الأدوية منتهية الصلاحية، ويدونون عليها تواريخ جديدة مقلدة، وأن هذا التقليد آخذ في الانتشار، مع إتاحة الصين توريد ماكينات للأفراد دون توفر ضوابط الشراء للشركات التي تعتمدها دول الاتحاد الأوروبي.

وفي رأيه، تتمثل المشكلة الأكبر في وجود مخازن دواء غير مرخصة تعمل في توزيع الأدوية المغشوشة، وهو ما يتطلب الحيطة والحذر من جانب الصيدليات والحرص على عدم التعامل مع أي مخازن مجهولة الهوية. وشدد على ضرورة تغليظ عقوبات الغش الدوائي؛ لأنه قد تترتب عليه حالات وفاة.

ويرى البهي أن زيادة أسعار الدواء المصري قد تكون في مصلحة المريض نتيجة للفوارق الكبيرة في الأسعار بين المنتجات المحلية والمستوردة، مضيفاً: «سيكون من المهم توفير الدواء، خاصة مع وجود مؤشرات تدل على فوارق في تكاليف المواد الخام والإنتاج».

وفي الآونة الأخيرة، قال «المركز المصري للحق في الدواء» إن شركات الأدوية تواصل ضغوطها على الحكومة، ممثلة في هيئة الدواء، لزيادة الأسعار مع تأثر سلاسل الإمداد؛ بسبب تأخر حركة السفن نتيجة حرب إيران وارتفاع تكاليف التأمين.


انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

انقسام مصري متصاعد إزاء ملف الوافدين

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي انقساماً متصاعداً إزاء تعامل الحكومة المصرية مع «ملف الوافدين»، تزامناً مع بروز مخالفات ارتكبها أجانب في مصر خلال الفترة الأخيرة.

وألقت الجهات الأمنية المصرية، مساء الأربعاء، القبض على أشخاص، قالت إنهم يحملون جنسية إحدى الدول -دون توضيح هويتهم- بعد انتشار مقطع مصور على منصات التواصل يُظهر قيامهم بحركات استعراضية والرقص ملوّحين بأسلحة بيضاء.

وأوضحت وزارة الداخلية في بيان أن المتهمين أقروا بارتكاب الواقعة في أحد شوارع القاهرة خلال احتفالهم بأعياد الربيع، مشيرةً إلى أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم.

جاء هذا بعد أسبوع من واقعة أخرى في محافظة أسوان بجنوب مصر، حيث ضبطت أجهزة الأمن أشخاصاً يحملون جنسية إحدى الدول -دون الإفصاح عن هويتهم- بعد تداول مقطع يصور مشاجرة استخدم أطرافها الأسلحة البيضاء لخلافات مالية بينهم، دون أن يؤدي الحادث إلى إصابات.

«التمكين الاقتصادي»

وانقسمت «تدوينات» المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين مدافعين عن إجراءات حكومية من شأنها «تمكين الوافدين اقتصادياً» لكي يتمكنوا من العيش خلال فترة إقامتهم المؤقتة، وآخرين يرون أن الوافدين تحولوا إلى «قنبلة موقوتة اقتصادياً وأمنياً»، وأن الأمر يتطلب ترحيل من يخالفون الإقامات وتحفيز عودتهم الطوعية إلى بلادهم.

ودخل إعلاميون على خط الجدال في برامجهم وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطرقوا إلى الأزمات الاقتصادية التي تعانيها مصر مع ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء والطاقة في وقت تُطرح مبادرات لدمج اللاجئين في برامج اقتصادية.

كما تضمنت التدوينات اتهامات للحكومة بأنها تساعد على دمج أشخاص قد يشكّلون خطورة أمنية، وذلك بعد بروز الحوادث الأخيرة، فيما التزمت الجهات الحكومية الصمت مكتفيةً بالتوضيحات التي أصدرتها مؤسسة «حياة كريمة» بشأن طبيعة برامجها لدعم الفئات الوافدة.

وقالت المؤسسة، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إن البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر ممولة بالكامل من منح دولية مخصصة «دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

تحقيق «الانضباط»

مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، اللواء أشرف أمين، أكد أن الحكومة تتابع بشكل مكثف أي وقائع فردية تصدر عن الوافدين، وأنها تتعامل معها بحسم بما يسهم في تحقيق «حالة من الانضباط» بالمناطق التي يوجدون فيها.

وتابع: «بالتوازي مع ذلك، هناك مراجعة مستمرة لملف الوافدين والتعامل مع مخالفي الإقامات، وهو ما انعكس على تراجع أعداد المخالفين بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية».

وأضاف في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «الأجهزة الأمنية ترفع درجات اليقظة مع التوترات الراهنة في المنطقة، ووفقاً لما تشهده طبيعة الصراعات في دول الجوار. وهناك إجراءات مشددة لدخول الوافدين عبر الطرق الشرعية التي تكون في حالات عديدة بحاجة إلى موافقات أمنية مسبقة».

ورَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بأعداد المُرحَّلين حتى الآن.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّفها أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية.

أزمة اقتصادية ضاغطة

وانعكست الحملات الأمنية للتدقيق في أوضاع الوافدين، وكذلك الخطابات المناوئة لهم من جانب بعض المصريين، على أعداد السودانيين العائدين إلى بلادهم.

وحسب تصريح صحافي أدلى به الشهر الماضي العميد مبارك داوود سليمان، مدير معبر أرقين الواقع على الحدود المصرية - السودانية، والمشرف على المعابر، فإن «المعبر يشهد زيادة مستمرة في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن».

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بدايةً من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت إلى السودانيين المغادرين بقرار مماثل حتى مارس (آذار) الماضي.

ويرى الباحث في شؤون الهجرة ومؤسس «مركز الجنوب لحقوق الإنسان»، وجدي عبد العزيز، أن الانقسام بشأن أوضاع الوافدين في مصر آخذ في التصاعد نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية مع تداعيات حرب إيران وتراجع قيمة العملة المحلية؛ مشيراً إلى أن هذا أمر يحدث في كثير من دول العالم خلال الأزمات الاقتصادية الضاغطة.

ولفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الخطاب الحكومي في مصر، والذي يشير إلى تمتع الوافدين بالخدمات الحكومية من مياه وكهرباء وتعليم وغيرها، يمكن أن يعزز من الانقسامات بشأن آليات التعامل معهم في ظل أزمات معيشية يعانيها قطاع واسع من المصريين، كما أن الجدل يمكن أن توظفه الحكومة المصرية لمناشدة المجتمع الدولي تقاسم أعباء استقبال اللاجئين من دول الصراعات.