قصف كثيف وتوغل بري... هل اقترب سقوط الفاشر؟

خبير عسكري يؤكد أن الجيش السوداني جهز قوات كبيرة لفك الحصار عن المدينة

نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)
نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)
TT

قصف كثيف وتوغل بري... هل اقترب سقوط الفاشر؟

نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)
نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)

تتعرض مدينة الفاشر لقصف مدفعي كثيف من «قوات الدعم السريع»، في وقت توسع توغلها البري ببطء وحذر، فيما تعمل قوات الجيش السوداني، والقوة المشتركة المتحالفة معها، على منع تقدمها والسيطرة عليها.

واستولت «الدعم السريع»، الأسبوع الماضي، على مخيم زمزم للنازحين، الذي يبعد نحو 12 كيلومتراً جنوب الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لإحكام الحصار على المدينة من عدة محاور، وكانت أغلب التوقعات تذهب إلى أنها قد تشن هجوماً برياً سريعاً خلال أيام قليلة.

ووثقت مقاطع فيديو تداولتها حسابات موالية لـ«الدعم السريع» في منصات التواصل الاجتماعي، اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة تدور داخل الفاشر، وتصاعد أعمدة الدخان بكثافة في محيط الأحياء السكنية.

نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)

وتعرضت الفاشر لأكثر من 200 هجوم على مدى عام لمحاولات من «الدعم السريع» لاقتحامها والسيطرة عليها، أحبطتها قوات الجيش السوداني والفصائل الدارفورية المتحالفة.

وقالت مصادر محلية إن «الدعم السريع» دخلت بالفعل في أحياء سكنية والفاشر، وأن هناك قتال شوارع يدور بين الطرفين، وأن المعارك على أشدها، يتوقع بعدها أن تبدأ في الاجتياح النهائي.

أضافت المصادر أن هذا الهجوم يختلف كثيراً عن سابقاته؛ إذ تطلق «الدعم السريع» من مناطق تمركزها القذائف المدفعية تجاه الأحياء السكنية والمواقع العسكرية.

وأفادت مصادر محلية غادرت الفاشر «الشرق الأوسط» بأن المدينة دمرت بشكل كبير، جراء القصف العشوائي الذي ظلت تشنه «قوات الدعم السريع» من دون توقف.

وقالت المصادر نفسها إن أعداداً كبيرة من الأهالي هجروا منازلهم، ومن تبقى منهم يسعى للفرار بعد اشتداد القصف والاشتباكات في الأيام الماضية.

ويريد القادة العسكريون لـ«الدعم السريع» الاستيلاء على الفاشر لأسباب عسكرية وسياسية، بحكم أنها المعقل الأخير للجيش والقوات المتحالفة في إقليم دارفور، والسيطرة عليها قد يمكنها من تهديد مناطق أكبر في شمال البلاد، بحسب تهديدات سابقة صادرة من قادتها العليا.

نازحون من الفاشر ومعسكر زمزم (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)

ووظفت «الدعم السريع» موارد عسكرية ضخمة للاستيلاء على المدينة، ونجحت بالسيطرة على محليات: المالحة وأم كدادة ومخيم زمزم، لعزلها تماماً عن أي إمداد عسكري أو لوجيستي لفك الحصار عنها.

وأفادت الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني في الفاشر، بأن قواتها تمكنت، الأربعاء، من صد أعنف هجوم شنته «الدعم السريع» بهدف التسلل من الاتجاه الجنوبي الغربي للمدينة، أسفر عن مقتل وإصابة العشرات في صفوف العدو.

وقالت الفرقة السادسة في بيان على موقع «فيسبوك»، الخميس، إن «الأوضاع تحت السيطرة التامة بفضل قوات الفاشر الباسلة الصامدة».

وإذا لم تستطع «قوات الدعم السريع» السيطرة على المدينة، فقد يمثل ذلك انتكاسة كبيرة لها.

وكان الجيش توعد بعد انتهاء المعارك في الخرطوم بأنه سيتوجه لتحرير دارفور.

في وقت سابق، حذر قائد حركة «جيش تحرير السودان»، حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن سقوط الفاشر يعني سقوط مدن السودان بالتتابع.

وبحسب «تنسيقية لجان مقاومة الفاشر»، فإن القصف المدفعي الكثيف الذي تشنه «الدعم السريع» على الفاشر، يتزامن مع إطلاقها مسيرات انتحارية واستراتيجية عشوائياً على المناطق السكنية.

وقال المستشار القانوني لـ«الدعم السريع» محمد المختار لـ«الشرق الأوسط»، إن «قواتنا تحرز تقدماً ملحوظاً وتقترب من أسوار الفرقة العسكرية للجيش... قواتنا تضغط بشدة، والاستيلاء على الفاشر لن يستغرق وقتاً طويلاً».

وقال المستشار في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، اللواء معتصم عبد القادر الحسن، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجيش السوداني يعمل وفق استراتيجية كلية، وتنفذ قواته حالياً عمليات عسكرية مكثفة في إقليمي دارفور وكردفان لقطع الإمداد العسكري والبشري عن (الدعم السريع) هناك، وقطعاً ستؤثر هذه التحركات على الوضع في الفاشر لصالح الجيش». وأضاف أن القوات في الفاشر استطاعت الصمود طيلة الأشهر الماضية، وصد أكثر من 200 هجوم على المدينة، وأحياناً كانت تنفذ هجمات تجبر «الدعم السريع» على الانسحاب، بالإضافة إلى قيامها بعمليات استخباراتية لوقف أي إمداداتها بالمقاتلين من الحواضن الاجتماعية الموالية لها.

وذكر أن الوضع يحتاج إلى بعض الوقت، لكن من ناحية التفوق فإن الحشود العسكرية التي انطلقت صوب الفاشر ستحرر من الخارج والداخل، ولا توجد أي إشكالات للقوات داخل المدينة في الصمود وتقديم التضحيات.

نازحة من الفاشر تجهز الطعام في العراء (المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بدارفور)

وأشار إلى أن الجيش جهز قوة كبيرة من القوات المساندة له من كتائب (البراء بن مالك ودرع السودان) والمقاومة الشعبية، بالإضافة إلى القوات الموجودة في الفاشر، سيتم فك الحصار عن المدنية.

وقال عبد القادر إن «قوات الدعم السريع» في محيط الفاشر شبه محاصرة، وليست لديها القدرة على مواصلة خطوط الإمداد، وتعويض الأسلحة والذخائر، والخسائر في صفوف مقاتليها، وهي نفس الخطط التي اتبعها الجيش في العاصمة الخرطوم والولايات الوسطى لمحاصرة «الدعم السريع» وهزيمتها.

وأضاف: «لا أتوقع أن تستغرق العمليات في دارفور طويلاً، وما يروج له قادة (ميليشيا الدعم السريع) عن قرب سقوط الفاشر، لا يعدو أن يكون دعاية إعلامية حربية، لكن المعركة الحقيقية ستحسم لصالح القوات المسلحة السودانية».

مع تفاقم الأوضاع والحشود العسكرية، تتزايد المخاوف من تردي الأوضاع الإنسانية أكثر في الفاشر التي فر منها الآلاف من المدنيين في الأسابيع الماضية بسبب النقص الكبير في الغذاء ومياه الشرب والأدوية.

وقتل وجرح المئات من المدنيين خلال الأيام القليلة الماضية في الفاشر جراء القصف المدفعي المتواصل الذي تشنه «الدعم السريع» على المدينة.


مقالات ذات صلة

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

تحليل إخباري جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة ما يثير القلق الدولي

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)
الاقتصاد بائع يبيع الفاكهة في سوق بمدينة أم درمان بالخرطوم (أ.ف.ب)

انهيار جديد للجنيه السوداني يُعمّق التدهور المعيشي جراء الحرب

سجل الجنيه السوداني انهياراً جديداً ليعادل نحو 6400 جنيه مقابل الدولار خلال أيام قليلة ليفقد أكثر من 90 % من قيمته وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب 

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

«ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

كشف تقرير مدعوم بصور للأقمار الاصطناعية لجامعة «ييل» الأميركية عن تصاعد كبير ومفاجئ في النشاط العسكري داخل قاعدة إثيوبية قرب الحدود السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
TT

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)

أعرب الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عن قلقه بعد أن أيدت محكمة النقض التونسية الأحكام المشددة الصادرة بحق نحو 40 شخصاً، بينهم معارضون بارزون، في قضية «التآمر على أمن الدولة».

ومن بين المسجونين في القضية المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والقيادي البارز السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والوزير السابق الوسطي غازي الشواشي، والناشطة شيماء عيسى.

وقال المتحدث باسم الشؤون الخارجية في المفوضية الأوروبية كريستيان فيغاند في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «تابع الاتحاد الأوروبي بقلق الأحكام التي أيدتها محكمة التعقيب التونسية في 3 سبتمبر (أيلول) فيما يُعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، والتي أسفرت عن أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق العشرات من الشخصيات السياسية، والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين»، مضيفاً أن «بعض الأسئلة لا تزال قائمة بشأن الامتثال الكامل لضمانات المحاكمة العادلة».

وتابع المتحدث موضحاً: «يستنكر الاتحاد الأوروبي استخدام الاتصالات مع الدبلوماسيين المعتمدين في تونس، بمن فيهم الأوروبيون، أساساً لتوجيه اتهام أو دليلاً يدين المتهمين».

واختتم فيغاند قائلاً: «ندعو السلطات التونسية إلى إعادة تهيئة الظروف اللازمة حتى تسهم التعددية والأصوات المستقلة في تنمية البلاد». ورفضت محكمة النقض التي تسمى في تونس محكمة التعقيب، الخميس، الطعون المقدمة في هذه القضية، ما جعل الأحكام القاسية التي تصل إلى السجن لمدة 45 عاماً نهائية. وأثار تحديد موعد الجلسة انتقادات حادة؛ إذ ندّد عدد من المحامين بالإعلان عنها قبل أيام قليلة من انعقادها، ما حال دون إعدادهم لدفاعهم بالشكل الملائم في قضية تنطوي على رهانات سياسية كبيرة.

وقبل الجلسة، حضّت «منظمة العفو الدولية» السلطات التونسية على إلغاء أحكام الإدانة، التي عدّتها «ظالمة»، والإفراج عن المسجونين في هذه القضية. ومنذ استئثار الرئيس قيس سعيّد بالسلطة في 25 يوليو (تموز) 2021، تندد المعارضة والمجتمع المدني بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».