البرهان من داخل القصر الرئاسي: الخرطوم تحررت من «الدعم السريع»

مستشار حميدتي لـ«الشرق الأوسط»: لن نتخلى عن الخرطوم وسنعود اليها

TT

البرهان من داخل القصر الرئاسي: الخرطوم تحررت من «الدعم السريع»

البرهان خلال طوافه في أرجاء القصر الجمهوري (موقع مجلس السيادة السوداني/إكس)
البرهان خلال طوافه في أرجاء القصر الجمهوري (موقع مجلس السيادة السوداني/إكس)

أعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، من داخل القصر الجمهوري أن «الخرطوم تحررت من قبضة (قوات الدعم السريع)، وأن الأمر انتهى»، فيما شوهدت أرتال من مشاة «قوات الدعم السريع»، وهي تتجه خارج الخرطوم عبر جسر جبل أولياء في اتجاه ولاية النيل الأبيض. وحط البرهان بطائرته الخاصة داخل مطار الخرطوم لأول مرة منذ اندلاع الحرب مع «قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وقال البرهان وهو يتجول داخل القصر الجمهوري: «الخرطوم حرة والأمر انتهى».

وجاء هذا الانتصار الكبير تحت ضغط من عناصر الجيش السوداني، الذي أحرز تقدماً ميدانياً متواصلاً طيلة الأسابيع الأخيرة، فيما تواصل «قوات الدعم السريع» التراجع بالانسحاب من العاصمة الخرطوم، دون خوض قتال يذكر، عدا مناوشات محدودة.

«الدعم»: الإنسحاب تم قبل 3 أيام

في غضون ذلك، قال مستشار قائد «الدعم السريع»، عز الدين الصافي، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إن قرار الانسحاب اتخذته القيادة وفق تقديرات عسكرية محددة، وتم تنفيذه قبل أيام، مؤكداً أن قوات «الدعم» لن تتخلى عن الخرطوم، وستعود إليها في أقرب وقت ممكن.

وخلال الساعات الماضية نجحت «قوات الجيش» في استعادة السيطرة على مطار الخرطوم، وعدد من الجسور والمناطق السكنية في المدينة. وتشكل استعادة الخرطوم انتصاراً كبيراً للجيش السوداني بعد قرابة عامين من اندلاع الحرب في البلاد.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني، نبيل عبد الله، الأربعاء، إن قواته تمكنت من إحكام سيطرتها على الجهة الغربية، من كبري المنشية (وسط الخرطوم)، كما تم تطهير منطقة الباقير (جنوب). وأضاف في إفادة أخرى على صفحة الجيش على «فيسبوك»، أن قواته بالاشتراك مع قوات الاحتياطي المركزي، والقوات في محور شرق الخرطوم، تقوم بتطهير مقر «اللواء الأول مشاة آلي الباقير»، وتمشط المنطقة، وتكبد «قوات الدعم السريع» خسائر كبيرة في المعدات والأرواح.

وذكر نبيل أن قوات الجيش استلمت معسكر «طيبة» بمحلية جبل أولياء، وهو أكبر معسكرات «قوات الدعم السريع» وآخر معاقلها في العاصمة الخرطوم. ولم يصدر أي تعليق رسمي بعد من «قوات الدعم السريع» بشأن انسحاب قواتها من الخرطوم، حتى كتابة هذا التقرير مساء الأربعاء.

وتفاجأ سكان شرق الخرطوم في امتدادات أحياء البراري والرياض والطائف والمعمورة، صباح الأربعاء، بخلو مناطقهم من أي وجود «لقوات الدعم السريع»، كما غادرت أيضاً مناطق «جنوب الحزام» الواقعة جنوب العاصمة الخرطوم.

جنود سودانيون داخل القصر الجمهوري في الخرطوم (أ.ف.ب)

وبعد استرداد الجيش السوداني القصر الجمهوري، يوم الجمعة الماضي، تقدم وأحكم سيطرته على المقار والمنشآت في وسط العاصمة الخرطوم، وبدأ عمليات انتشار واسعة لتطويق «قوات الدعم السريع» في الأعيان المدنية.

ورصد شهود عيان في مناطق متفرقة المئات من جنود «قوات الدعم السريع» يغادرون العاصمة الخرطوم على متن عربات قتالية بكامل عتادها العسكري عبر جسر جبل أولياء جنوباً، فيما لا يعرف وجهتها النهائية.

وحسب الشهود، بدأت «قوات الدعم السريع»، منذ أيام، في عمليات تسلل كبيرة لمغادرة الخرطوم، دون أي اعتراض واضح من قبل الجيش السوداني.ونشرت الصفحة الرسمية للجيش السوداني ما سمَّته هروباً جماعياً بالأرجل لبقايا «ميليشيا قوات الدعم السريع»، عبر جسر خزان جبل أولياء، بعد أن أجبرتهم عناصر القوات المسلحة «عنوة واقتداراً على ترك عدتهم وعتادهم ومحاولة النجاة هروباً هائمين على وجوههم مهزومين».

البرهان خلال طوافه في أرجاء القصر الجمهوري (موقع مجلس السيادة السوداني/إكس)

وفسَّر مراقبون هذا الانسحاب المفاجئ لـ«قوات الدعم السريع»، بسبب عدم قدرتهم على الحفاظ على المواقع التي يسيطرون عليها، والصمود طويلاً أمام الهجوم الكبير الذي شنه الجيش، ما دفعها للانسحاب بدلاً من الدخول في معارك خاسرة.وبعد استعادة القصر أصبحت «قوات الدعم السريع» التي ظلت تسيطر على معظم مناطق الخرطوم، معزولة عن بعضها، وغير مؤثرة في تغيير مجريات الميدان، مما سهَّل ملاحقتها خلال عمليات التمشيط التي يقوم بها الجيش.وفي وقت سابق قالت مصادر قيادية في «الدعم السريع»، إن قواتهم تنفذ انسحاباً من مناطق في الخرطوم، لإعادة التموضع في مواقع أخرى لم يكشف عنها. وأضافت أن هذه التحركات تأتي وفقاً لتقديرات ميدانية بعد أن أصبحت كثير من المناطق في الخرطوم بلا ميزات عسكرية للاحتفاظ بها.وأشارت إلى أن الحرب كر وفر، مذكِّرة بالتصريحات التي أطلقها قادة الجيش عند بداية الحرب، بحسم الحرب عسكرياً في أيام وأسابيع، وها هي الحرب شارفت على دخول عامها الثالث دون تحقيق أهدافهم.ولا يُعرف بعد مصير «قوات الدعم السريع» التي كانت تنتشر بكثافة في مناطق غرب أمدرمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم.ويخوض الجيش السوداني حرباً ضد «قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، بعد خلافات حول خطط لدمج «الدعم السريع» في القوات المسلحة خلال عملية سياسية للانتقال إلى حكم مدني.


مقالات ذات صلة

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

شمال افريقيا ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب) p-circle

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

أظهرت تقارير حديثة رصدتها الأمم المتحدة تعزيزات عسكرية كبيرة لـ«قوات الدعم السريع» قرب مدينة الأُبيض، كبرى مدن كردفان، ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا محادثات مصرية - سودانية في القاهرة تنناول المستجدات (الخارجية المصرية)

مستشار ترمب في القاهرة بحثاً عن حلول للأزمة السودانية

أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، محادثات، السبت، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في إطار التشاور والتنسيق المستمرَين بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

رغم الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة ودول غربية لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها المزمع على مدينة الأبيض، غرقت المدينة في الظلام بسبب هجوم بالمسيرات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا منظر عام لبنايات في القاهرة (رويترز)

«البترول» المصرية تنفي إبرام عقود إنشاء مناجم للذهب شمال السودان

نفت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، مساء الجمعة، صحة تصريحات منسوبة إلى وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، جرى تداولها عبر صفحات غير رسمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جهود مصرية لتعزيز كفاءة وجاهزية المنشآت المائية الكبرى (رويترز)

مصر لتطوير قدرات «السد العالي» تحسباً لسيناريوهات مائية صيفية

تعزز مصر منظومة قدرات «السد العالي» جنوب البلاد للتعامل مع مختلف السيناريوهات المائية خلال فصل الصيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
TT

شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

استعادت الجزائر، بعد 20 شهراً من الإصلاحات، مكانة من شأنها تسهيل المعاملات الدولية وتعزيز ثقة المستثمرين، بعد أن تقرر رسمياً سحب اسمها من «القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي»، في تطور يرى مختصون في مكافحة الفساد المالي أنه يثبت نجاح البلاد في إصلاح إطارها القانوني والمصرفي ليتوافق مع معايير الشفافية الدولية.

ويخص هذا التصنيف الدول الخاضعة لمراقبة مشددة في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وجاء القرار خلال اجتماع «مجموعة العمل المالي»، الجمعة، بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، في حدث يمثل خطوة إيجابية للغاية؛ كون صناديق الاستثمار العالمية تراجع بدقة تقييمات المجموعة قبل الاستقرار في أي بلد؛ ومن ثمّ فإن خروج الجزائر من هذه القائمة يمنحها «أماناً قانونياً ومالياً» يطمئن المستثمرين الأجانب.

من اجتماعات مجموعة العمل المالي (المجموعة)

ويعني هذا التطور، حسب محللين ومختصين، أن النظام المصرفي الجزائري قد تجاوز مرحلة «المراقبة المشددة» التي كان يخضع لها بسبب ثغرات استراتيجية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ارتياح داخلي واسع

استقطب هذا التطور اللافت في علاقة الجزائر بأكبر الكيانات المالية والسياسية في العالم اهتمام المشاركين في حملة انتخابات البرلمان الجارية حالياً في الجزائر، حيث أكد عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني»، أن سحب اسم الجزائر من القائمة الرمادية يترجم الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق المعايير الدولية، بعد استكمال خطة الإصلاحات والإجراءات الفنية المطلوبة.

وعدَّ بن قرينة، خلال كلمة في مؤتمر انتخابي، ذلك «مكسباً هاماً للدولة ومؤسساتها وأطرها، ورسالة ثقة قوية ومباشرة للمستثمرين والشركاء الدوليين، من شأنها تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل المعاملات والاندماج في الأسواق المالية العالمية».

رئيس «حركة البناء الوطني» (إعلام حزبي)

وأضاف: «هذا المكسب يستدعي استدامة الإصلاحات، وترسيخ الحوكمة والرقابة لحماية الاقتصاد الوطني»، داعياً إلى «استثمار هذا التطور لدعم الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار، وإحداث الثروة ومناصب الشغل بما ينعكس إيجاباً على الإطار المعيشي للمواطنين».

من جهته، قال كمال مولى، رئيس «مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري» (كبرى منظمات أرباب العمل في البلاد) لـ«وكالة الأنباء الجزائرية» إن قرار «مجموعة العمل المالي» يكرس جهود المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، وتحسين الحوكمة، وتقريب النظام المالي الوطني من المعايير الدولية. كما أشار إلى أن الخطوة «تمثل عامل ثقة إضافياً للمتعاملين الاقتصاديين المحليين والشركاء الدوليين، وتسهم في تعزيز جاذبية الجزائر، وتسهيل المبادلات الاقتصادية، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار»، داعياً جميع الفاعلين الاقتصاديين إلى مواصلة الجهود لمواكبة التحول الاقتصادي وترسيخ نمو مستدام مبني على الثقة والتنافسية وخلق القيمة.

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

وأكد رياض فراح، الخبير في عصرنة البنى التحتية البنكية، أن مجموعة العمل المالي «لا تكتفي بطلب الإصلاحات فحسب، بل تشترط ديمومتها واستمراريتها بمرور الوقت». وأوضح أن الحفاظ على هذا الوضع ليس مكسباً ثابتاً يمنحه القرار، بل هو نتاج آليات عمل وهندسة رقابية تُبنى وتُطبق يومياً في المنظومة البنكية».

وأضاف في تصريحات صحافية أن خروج الجزائر من القائمة يكشف أن هذه الآليات «باتت تشغيلية وفعالة بشكل جوهري بناءً على زيارة تقييمية ميدانية»، مشيراً إلى أن هذا التقييم «ليس مجرد رضا وطني ذاتي، بل هو واقع أقرت به هيئة دولية».

لكنه حذر من أن هذا الإنجاز «لا يمثل مكسباً ثابتاً بشكل نهائي لأي دولة في العالم».

ورحب أستاذ الاقتصاد، سليمان ناصر، بالقرار مؤكداً أثره الإيجابي على مناخ الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتاً إلى أن خروج الجزائر من هذه القائمة سيرفع العقبات التي كان من الممكن أن تواجه المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين في الخارج.

مسوغات القرار

وذكرت وكالة الأنباء الرسمية أن جهود الجزائر بخصوص تحسين أدائها في مجال محاربة الأنشطة المالية غير المشروعة، ودعم التطرف «حظيت بإشادة وإجماع من قِبل أعضاء الجلسة العامة لمجموعة العمل المالي المنعقدة في باريس؛ حيث هنأت المجموعة الجزائر على قفزتها الإيجابية في مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب». وأفادت الوكالة بأن قرار شطب البلاد من قائمة «المراقبة المشددة» جاء ثمرة لزيارات ميدانية ناجحة، واستكمالاً لجميع محاور خطة العمل الجزائرية في الآجال المحددة، لترفع عنها بذلك التدابير الرقابية المكثفة.

اجتماع لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

وفي تفاصيل تقييمها، ركزت المجموعة، حسب الوكالة، على الطفرة التي شهدها قطاع الإشراف المالي في الجزائر، متمثلة في اعتماد معايير جديدة لقياس المخاطر، وإصدار أدلة رقابية، مع تنفيذ عمليات تدقيق ميدانية وفرض عقوبات رادعة.

كما ثمّنت المجموعة إيجاد منظومة تتسم بالفاعلية لجمع البيانات، وتتبع المستفيدين الحقيقيين، وتطوير قنوات التبليغ عن المعاملات المشبوهة، بالإضافة إلى تحصين الجبهة التشريعية والمؤسساتية بمنظومة عقوبات مالية دقيقة وموجهة.

وأشادت كذلك بآلية الرقابة الذكية والملاءمة التي فُرضت على المنظمات غير الهادفة للربح، والتي تضمن تجفيف منابع التمويل المشبوه دون المساس بأنشطتها المشروعة.


حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
TT

حصار الأُبيّض يهدد بسقوطها في يد «الدعم السريع»

ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
ممثل الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم أحمد صالح يرحب باللاجئين السودانيين لدى وصوله إلى موقع أورا في إثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

أظهرت تقارير حديثة رصدتها الأمم المتحدة تعزيزات عسكرية كبيرة لـ«قوات الدعم السريع»، قرب مدينة الأُبيض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة الاستراتيجية بحكم موقعها الوسطي لربط غرب السودان مع وسطه وشرقه، فضلاً عن كونها مدينة تجارية مهمة.

كما أعلن تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع» السيطرة على منطقة سركم في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد.

وبثت «قوات الدعم السريع» مقاطع مصورة تُظهر انتشار عناصرها داخل المنطقة، مضيفةً أنها «ألحقت خسائر فادحة في صفوف الجيش والقوات المساندة له، واستولت على معدات عسكرية كبيرة من الأسلحة والذخائر».

وشهدت الأشهر الماضية تصعيداً كبيراً من «قوات الدعم السريع» في استخدام الطائرات الاستراتيجية والانتحارية ضد المواقع العسكرية ومستودعات وقود مدينة كوستي الواقعة على مسافة نحو 320 كيلومتراً جنوب العاصمة الخرطوم.

وأفادت مصادر محلية بتجدد الهجمات بالمسّيرات، يوم الأحد، على مدينة الأُبَيِّض، التي هي أيضاً عاصمة ولاية شمال كردفان. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني أو «قوات الدعم السريع» على الهجمات التي استهدفت المدينة.

وفي السياق نفسه، دعت بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان «قوات الدعم السريع» إلى وقف هجومها على الأُبَيِّض فوراً. وقالت في بيان على موقعها في منصة «فيسبوك»: «يجب وقف قتل المدنيين والعنف العرقي ضد المجموعات المدنية، إضافة إلى وقف الهجمات على البنية التحتية». وحضت البعثة على ضرورة فتح ممرات آمنة للمدنيين، وتمكين الجهات الإنسانية من الوصول السريع والآمن دون عوائق، إلى المدينة.

«هجوم وشيك»

وكانت الأمم المتحدة و29 دولة قد دعت، يوم الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على السكان، مشيرة إلى أن المدينة غرقت في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، ضمن حلقات الهجمات التي تتعرض لها الأُبيّض منذ أيام، وأدت إلى مقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع»، العام الماضي، بعد أشهر من الحصار الذي دام 18 شهراً. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.

وفي مارس (آذار) الماضي، سيطرت قوات «تأسيس»، التي تقودها «قوات الدعم السريع» مع مجموعات مسلحة أخرى، على مدينة الكرمك، وهي أول مدينة تسقط في يدها منذ انتقل الصراع على جبهات القتال من جنوب إقليم كردفان إلى إقليم النيل الأزرق.

وتسيطر حالياً «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من إقليمي النيل الأزرق وكردفان على الحدود مع جمهورية جنوب السودان، بينما يواصل الجيش عملياته العسكرية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق.

مدينة كوستي

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

في غضون ذلك، قُتل شخص وأصيب 5 آخرون، يوم الأحد، إثر قصف بطائرة مسيّرة استهدفت محطة وقود في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، جنوب السودان، وفقاً لمصادر طبية. وتحدّث شهود في المدينة لـ«الشرق الأوسط» عن سماع دوي انفجارات وتصاعد ألسنة النيران في محطة الوقود التي تقع بالقرب من أحياء سكنية.

واتهمت «شبكة أطباء السودان»، «قوات الدعم السريع»، بتنفيذ هجوم جوي على كوستي. وقالت في بيان على موقع «فيسبوك» إن مسيّرات تتبع لـ«الدعم السريع» هاجمت بالتزامن مدينتي أم روابة والرهد بولاية شمال إقليم كردفان، مشيرةً إلى أن تلك المناطق خالية من أي وجود عسكري.

وأضافت الشبكة: «أن استمرار استهداف المنشآت والأعيان المدنية يمثل انتهاكاً خطيراً، يزيد من معاناة المواطنيين في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تمر بها البلاد». ووفقاً لمصادر طبية، استقبل المستشفى هذا العام أكثر من 15 مصاباً بجروح متفاوتة، بعضها ناتج عن شظايا القذائف التي أطلقتها المسّيرة.

تدهور إنساني متسارع

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

تشهد مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان بوسط السودان تدهوراً إنسانياً متسارعاً نتيجة القيود المفروضة على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية بين مناطق النزاع، وفق مجموعة حقوقية سودانية. وذكرت مجموعة «محامو الطوارئ»، في بيان، أن الجيش قام باعتقال ما لا يقل عن 280 شخصاً وصادر بضائع ومركبات كانت تنقل المواد الغذائية من مدينة الدبة ومدن أخرى في الولاية الشمالية ومدينة أم درمان باتجاه شمال إقليم كردفان.

وأضافت أن «قوات الدعم السريع» من جانبها تمنع مرور السلع، بما في ذلك المواد الغذائية والمواشي، من مناطق سيطرتها إلى المناطق الأخرى، الأمر الذي أدى إلى اضطراب حاد في الإمدادات وارتفاع كبير في أسعار السلع.

ووفق المجموعة، يعاني المدنيون في مجموعة من القرى في تلك المناطق من نقص شديد في الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، في ظل غياب المؤن الأساسية، واضطرار المدنيين إلى المخاطرة بحياتهم للحصول على متطلباتهم، مع تصاعد التهديدات الأمنية والهجمات بالطائرات المسيرة التي تستهدف الطرق والمركبات.


موريتانيا: الإفراج عن مدانين بالإرهاب بعد «توبتهم»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الإفراج عن مدانين بالإرهاب بعد «توبتهم»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

أفرجت السلطات الموريتانية، مساء السبت، عن مجموعة من السجناء كانوا في السابق أعضاء في تنظيم «القاعدة» المتشدد، ولكنهم أعلنوا التوبة من الغلو والتطرف، بعد نقاش استمر سنوات مع مجموعة من العلماء والفقهاء، انتهى بعفو رئاسي عنهم.

وكان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد أعلن، الجمعة، قراراً بالعفو عن 9 سجناء من بين 14 سجيناً وقَّعوا على بيان يعلنون فيه التوبة من الغلو والتطرف، والتخلي عن نهج تنظيم «القاعدة».

وأوضحت الرئاسة الموريتانية أن العفو الرئاسي يجسد حرص الرئيس على «منح من راجعوا أفكارهم ومعتقداتهم، وعادوا إلى سبيل الرشاد، وثبت صدق توبتهم، فرصة للاندماج مجدداً في الحياة الاجتماعية الطبيعية، بعد استكمال مراحل الحوار من طرف المشرفين عليه، وموافقتهم بالإجماع على نتائجه».

وهذه ليست المرة الأولى التي تفرج فيها موريتانيا عن سجناء مدانين بالإرهاب بعد مراجعة أفكارهم ومعتقداتهم، حيث بدأت الحوار مع السجناء المدانين بالإرهاب عام 2010، وأفرجت آنذاك عن 34 سجيناً، واستمر الحوار ليتم الإفراج عام 2011 عن 35 سجيناً؛ وفي عام 2022، أُفرج عن 15 سجيناً. ويخضع السجناء المفرج عنهم لبرنامج إعادة تأهيل ودمج في المجتمع تحت إشراف مباشر من السلطات.

وأوضحت الرئاسة الموريتانية أن «المقاربة الأمنية أثبتت مرة أخرى نجاعتها في مواجهة الفكر المتطرف ومعالجة جذوره، بالجمع بين الحزم في حماية أمن الدولة والمجتمع، والحكمة في فتح باب المراجعة والتوبة لمن صدقت عودته إلى الرشد».

جدل الأسماء

فور الإعلان عن أسماء المفرج عنهم بدأت موجة غضب في أوساط الموريتانيين، حيث كان من بينهم مدانون بالتورط في هجمات دامية ضد الجيش. وارتفعت أصوات تعد الإفراج عن هؤلاء السجناء إهانة لدماء الشهداء.

وكان من أبرز المفرج عنهم عبد الرحمن محمد الحسين (أبو يونس الموريتاني)، والذي تفيد تقارير بأنه كان قيادياً في تنظيم القاعدة، ومقرباً من زعيمه أسامة بن لادن. وفي عام 2003 أُسندت إليه مهمة من التنظيم تطلبت منه السفر إلى الجزائر والانخراط في «الجماعة السلفية للدعوة والقتال»، وكان حينها متورطاً في الهجوم الدامي على الحامية العسكرية في «لمغيطي» شمال موريتانيا، والذي قُتل فيه 15 جندياً على الأقل في يونيو (حزيران) 2005.

وفي عام 2009، عاد أبو يونس إلى باكستان، واستقر فيها، حيث تولى التخطيط لعمليات ضد أهداف اقتصادية حيوية في أوروبا وأميركا، إلى أن اعتُقل في سبتمبر (أيلول) 2011 بضواحي مدينة كويتا الباكستانية إثر عملية استخباراتية مشتركة بين باكستان والولايات المتحدة.

وفور اعتقاله سلمته باكستان للجيش الأميركي في قاعدة باغرام، ثم سُلِّم إلى موريتانيا عام 2013، حيث أدانه القضاء في أبريل (نيسان) 2015، وحكم عليه بالسجن النافذ لمدة 20 عاماً بتهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية.

وبعد جولات حوار فكري وشرعي قادها كبار علماء موريتانيا داخل السجن، ظهر أبو يونس في مقطع فيديو وهو يتلو بياناً يعلن فيه، مع مجموعة من السجناء، التوبة والتراجع التام عن أفكار الغلو والتطرف مع الالتزام بأمن البلاد.

كما كان من بين المفرج عنهم الخديم ولد السمان، المسجون في موريتانيا منذ عام 2003، وكان يقدم نفسه كأحد قادة التيار الجهادي، قبل أن يؤسس عام 2007 تنظيم «أنصار الله المرابطين»، وسبق أن نفذ هجوماً مسلحاً ضد مقر السفارة الإسرائيلية في نواكشوط، وخطط لعمليات أخرى.

الخديم ولد السمان رفقة أفراد من عائلته بعد الإفراج عنه (متداولة)

ورغم أن بيان التوبة وقّع عليه 14 سجيناً، اقتصر العفو على 9 فقط، وهو ما فسرته مصادر شبه رسمية بأن بعض الموقعين على البيان مدانون في قضايا قتل رعايا غربيين وعناصر أمنية، ولن يُفرج عنهم في الوقت الراهن.

مسار طويل

في غضون ذلك، أكد رئيس اللجنة المكلفة بالحوار مع سجناء الغلو والتطرف، محمد المختار ولد أمباله، أن الحوار مع السجناء كان «خياراً استراتيجياً» اعتمدته موريتانيا منذ سنوات ضمن مقاربة لمواجهة التطرف. وشدد على أن «هذا النهج يقوم على الإقناع والحجة الشرعية بعيداً عن منطق التفاوض أو المقايضة».

ووصف ولد أمباله ما جرى بأنه «مسار طويل من الحوار والمراجعات الفكرية»، مؤكداً أنه تم تحت إشراف وزراء وقادة أمن، وبمتابعة مباشرة من رئيس الجمهورية، بينما تولى العلماء إدارة النقاشات الفكرية والشرعية مع المعنيين.

رئيس لجنة الحوار مع السجناء خلال مؤتمر صحافي في نواكشوط (الوكالة الموريتانية للأنباء)

وأكد أن ما جرى «لا يقوم على التفاوض أو تبادل الالتزامات، وإنما على حوار فكري يهدف إلى تصحيح المفاهيم، وإقناع السجناء بمراجعة أفكارهم، والعودة إلى منهج الاعتدال».

من جهته، دافع عضو لجنة الحوار محفوظ ولد الوالد، وهو عضو سابق في تنظيم «القاعدة»، ويعرف بكنية «أبو حفص الموريتاني»، بشدة عن منهج الحوار، وقال إن جميع من أفرج عنهم لم يعودوا للتطرف والغلو.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي، السبت، أن «التجربة الموريتانية في معالجة الغلو والتطرف تمثل نموذجاً متكاملاً يجمع بين الأبعاد الفكرية والأمنية والاجتماعية والسياسية والقضائية»، وأوضح أن الحوار مع السجناء «مرحلة متقدمة ومحورية في مسار طويل أثمر استقراراً ملموساً في البلاد».

وأشار إلى أن الدولة تتولى ملفات التأهيل والإدماج والمراقبة من خلال مؤسسات متخصصة، وفق آليات دقيقة تضمن المتابعة المستمرة للمفرج عنهم، مؤكداً أن قرار العفو الأخير جاء نتيجة توافق واسع بين مختلف المؤسسات العلمية والأمنية والسياسية.

واستعرض ولد الوالد مؤشرات نجاح التجربة الموريتانية، مشيراً إلى أنه لم تُسجل أي حالات عودة إلى التطرف بين المستفيدين من قرارات العفو السابقة، «بل إن بعضهم أصبحوا من الداعين إلى الاعتدال والمحذرين من مخاطر الفكر المتطرف»، وفق تعبيره.