دعوات ليبية لطرد «المهاجرين» مع تصاعد المخاوف من «التوطين»

المشري تحدَّث عن «انخراط» بعضهم في تشكيلات مسلحة

من عملية ترحيل مهاجرين غير شرعيين من تشاد (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)
من عملية ترحيل مهاجرين غير شرعيين من تشاد (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)
TT

دعوات ليبية لطرد «المهاجرين» مع تصاعد المخاوف من «التوطين»

من عملية ترحيل مهاجرين غير شرعيين من تشاد (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)
من عملية ترحيل مهاجرين غير شرعيين من تشاد (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)

تسارعت دعوات ليبية على نحو متزايد للمطالبة بطرد المهاجرين غير النظاميين من البلاد مخافة «توطينهم»، وذلك إثر تصريحات نُسبت لوزير بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

وتعاني ليبيا من تدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين عليها من حدودها المترامية، وسط مخاوف من تفاقم تداعيات هذا الملف المُثقل باتفاقيات دولية، واستغلاله من حكومتين متنازعتين على السلطة لتعزيز فكرة «التوطين» من عدمها، في إطار ما يراه البعض مناكفات سياسية.

جانب من عملية ترحيل مهاجرين غير شرعيين من تشاد (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)

وتطفو من وقت لآخر على سطح الأحداث في ليبيا مخاوف من تورط سلطات غرب البلاد في «توطين» المهاجرين، غير أن هذه المخاوف عززها هذه المرة «تزايد أعداد المهاجرين»، وتصريح منسوب إلى وزير الحكم المحلي بـ«الوحدة» بدر الدين التومي، قبل أن ينفيه.

ودخل سياسيون ونشطاء وحقوقيون على خط الأزمة، رافضين التوجه لـ«توطين» المهاجرين. وعدَّ خالد المشري، المتنازع على رئاسة المجلس الأعلى للدولة، هذا التحرك «خطراً ديموغرافياً يُهدد حاضر ومستقبل الأمن القومي الليبي».

وأبدى المشري في بيان، الثلاثاء، «رفضه القاطع لمحاولات بعض المنظمات الدولية الدفع باتجاه توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا». وقال إنه يتابع بقلق التقارير المتداولة حول «تحركات بعض المنظمات الدولية نحو ما يُعرف ببرنامج الإدماج، الذي يهدف إلى توطين آلاف المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا».

إنزال مهاجرين بميناء في غرب ليبيا بعد إنقاذهم من الغرق في وقت سابق (إدارة أمن السواحل)

وتحدَّث المشري عن «غياب موقف واضح من المؤسسات الحكومية المعنية إزاء هذه التحركات»، وشدد على «رفضه القاطع لتوطين المهاجرين في ليبيا تحت أي ذريعة»، مبرزاً أن «هشاشة الوضع الأمني في ليبيا دفعت بعض المهاجرين للانخراط في عصابات إجرامية منظمة، أو تشكيلات مسلحة محلية، بحثاً عن المال والحماية، ما يُمثل تهديداً إضافياً يدفع لرفض محاولات التوطين».

كما عبَّر المشري عن «احترامه الاتفاق الموقع مع المنظمة الدولية للهجرة لعام 2005 إلى حين إعادة مراجعته»، مؤكداً «رفض أي نتائج لاجتماعات تعقد مع المنظمات الدولية في هذه المرحلة التي تتطلب وجود حكومة موحدة واستراتيجية وطنية متكاملة».

مهاجرون تم تحريرهم من الاحتجاز وتظهر عليهم آثار التعذيب (جهاز مكافحة الهجرة في ليبيا)

وانتهى المشري إلى «ضرورة احترام إنسانية وآدمية المهاجرين»، لكنه لفت إلى أن «رعاية هؤلاء الأشخاص ليست مسؤولية ليبيا وحدها، بل مسؤولية تضامنية مع المجتمع الدولي، وفي مقدمتها الدول التي تعاني من تدفق المهاجرين إلى أراضيها».

وأمام تزايد دعوات طرد المهاجرين، وللتظاهر يوم الجمعة المقبل في بعض المدن، من بينها طرابلس ومصراتة، للغرض ذاته، رأى الحقوقي الليبي طارق لملوم أنه بدلاً من ذلك يجب «الاحتشاد والتظاهر أمام نقاط إعادة المهاجرين من البحر إلى البر».

ووجّه لملوم انتقادات لإعادة المهاجرين من البحر، ودعا لمطالبة أمن السواحل والمجموعات المسلحة «بالتوقف عن إعادة المهاجرين من البحر، ومنعهم من الوصول إلى أوروبا». ودعا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» خالد المشري إلى الاهتمام «بقضية الاتجار بالبشر في مدينته الزاوية؛ ومخازن الاتجار التي لا تبعد سوى أمتار عن محل إقامته، بدلاً من الاستغلال السياسي لفكرة غير موجودة من الأساس».

وكان التومي قد عقد لقاءً مع رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، نيكوليتا جيوردانو، تناول «التحديات الراهنة التي تواجهها ليبيا في مجالات الهجرة». لكن بعد ذلك، انتشرت تصريحات نُسبت إلى التومي، تحدَّثت عن تبنيه عملية «توطين» المهاجرين في ليبيا، وهو ما نفته الوزارة وعدّته «مغالطات».

ومذاك الحين، تتصاعد مخاوف «التوطين»، ودعا «شباب مصراتة»، الذي رفض هذه التوجه إلى الخروج في مظاهرة حاشدة الجمعة المقبل، أمام قاعة الشهداء بالمدينة، للضغط على الحكومة لطرد المهاجرين.

عماد الطرابلسي وزير الداخلية بحكومة الدبيبة (المكتب الإعلامي للوزارة)

وسبق أن لوَّح عماد الطرابلسي، وزير الداخلية في حكومة «الوحدة»، بأن ليبيا قد تلجأ إلى «الترحيل القسري» للمهاجرين في حال تقاعس المجتمع الدولي عن دعمها في تنفيذ عمليات «العودة الطوعية». وقال إن بلده «لن يكون دولة لتوطين المهاجرين؛ ولن يستطيع تحمل تكاليف عودة المهاجرين واللاجئين إلى بلدانهم، خصوصاً البلدان البعيدة في آسيا وأفريقيا».

ومن دون إحصاءات رسمية، قال الطرابلسي إن ليبيا تحتضن أكثر من 3 ملايين مهاجر غير نظامي، وإنها الأكثر تضرراً من تدفقات الهجرة.

وانضمت المحامية الليبية، ثريا الطويبي، إلى المطالبين بطرد المهاجرين، قائلة: «على كل مواطن ليبي يحب بلده الخروج في الميادين للاحتجاج على التوطين، وإلزام مجلس النواب بإلغاء الاتفاقية التي وقعها فائز السراج (رئيس حكومة الوفاق الوطني السابقة)، ومنع أي اتفاقيات أخرى».

ووقعت ليبيا وإيطاليا اتفاقيات كثيرة تتعلق بمكافحة الهجرة غير المشروعة. وكان السراج قد وقَّع في روما في فبراير (شباط) 2017 مذكرة تفاهم، بشأن التعاون في مجالات التنمية ومكافحة الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر والتهريب وتعزيز أمن الحدود بين البلدين.


مقالات ذات صلة

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً مزدوجاً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المستمر، والاستجابة للأزمات المعيشية المتفاقمة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

استمر إضراب المعلمين في مناطق ليبية عديدة، مهدداً بمزيد من تعطيل الدراسة، وسط تعثر جهود الحكومة والنقابة لاحتواء الأزمة، وتمسك الحراك بمطالبه المالية والوظيفية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطباء ليبيون يجرون عملية جراحية في ظل نقص المعدات الضرورية (وزارة الصحة في غرب ليبيا)

تصاعد أزمات قطاع الصحة يثير غضب الليبيين

يثير تصاعد الأزمات داخل القطاع الصحي الليبي مخاوف حول استمرار تقديم الخدمات العلاجية، في ظلِّ تواصل اعتصام أطباء بمرافق صحية متعددة في غرب ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي عقب ضبط شحنة مخدرات مهربة في الكفرة الليبية السبت (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

واصل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة )

البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
TT

البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)

ارتفعت تقديرات أعداد ضحايا القصف الجوي الذي استهدف مواقع لتعدين الذهب قرب الحدود السودانية - المصرية، إلى أكثر من 200 قتيل وعشرات الجرحى والمفقودين. ووسط تضارب في حصيلة عدد الضحايا وازدياد الغموض بشأن أعداد المفقودين، أعلن مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الاثنين، تشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة.

وقدّر كل من «حزب الأمة القومي» ومنظمة «مناصرة ضحايا دارفور» الخسائر بنحو 200 قتيل و120 جريحاً، فيما أعلنت هيئة «محامو الطوارئ» مقتل 72 منقّباً عن المعادن. أما شبكة أطباء السودان فأشارت إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين، في وقت لم يصدر فيه إحصاء رسمي بالأعداد الفعلية للضحايا.

ووفق روايات الشهود، استهدفت الغارات منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات قرب سوق الأنصاري داخل الحدود السودانية، صباح السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول). وقال ناجون، في تصريحات إعلامية، إن القصف أصاب مخيمات العمال وآبار التنقيب، وتسبب في انهيار بعضها على العاملين داخلها، بينما فر آخرون إلى الجبال والكهوف المحيطة. ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من هوية الطائرات أو الموقع الدقيق للهجوم. ولم تُنشر حصيلة موثوقة للمفقودين، مع انقطاع الاتصال بالمنقبين وتشتت الناجين.

وفي أول موقف رسمي سوداني معلن، أعلن مجلس السيادة الذي يرأسه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ترحمه على الضحايا وقدّم تعازيه في «المواطنين السودانيين الذين قضوا في الحادث الأليم الذي تعرّض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين السودان وجمهورية مصر العربية»، معلناً في بيان، أن رئيسه «أصدر قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق... للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به، ورفع تقرير بنتائج التحقيق».

وأكد المجلس مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وضرورة كشف الحقائق و«حماية واحترام الحدود»، وقال في بيان، إن قيادتي السودان ومصر ظلتا على تواصل منذ وقوع الحادث، لحماية الأرواح ومعرفة ملابساته وإطلاع الرأي العام، مع الحفاظ على العلاقة بين الشعبين.

وعلى الرغم من الانتقادات السياسية والحقوقية والشعبية للصمت الرسمي الذي وُصف بأنه «طال»، اكتفى البيان بوصف الواقعة بأنها «حادث أليم»، دون ذكر قصف جوي أو تحديد المسؤول عنه، كما لم يعلن حصيلة للضحايا أو موعد إنجاز التحقيق.

وشعبياً، تداول ناشطون سودانيون مقاطع قالوا إنها توثق آثار القصف، وانتقد معدنون غياب الحماية والمساعدة رغم دفع الضرائب والرسوم، فيما أدانت تنظيمات سياسية ونقابية وشعبية الغارات وطالبت بتحقيق مستقل، منتقدةً صمت السلطات السودانية قبل صدور بيان مجلس السيادة.


موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
TT

موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)

في خطوة غير مألوفة بالحياة السياسية في موريتانيا، خاطب عدد من الوزراء الذين غادروا الحكومة الرأي العام برسائل وداع نُشرت عبر الإعلام المحلي، وجرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل واسعة.

وأجمعت رسائل الوزراء الخارجين من الحكومة على تأكيد وتجديد الولاء للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وبرنامجه الانتخابي «طموحي للوطن»، دونما الإشارة إلى أي أسباب ربما كانت وراء قرار الإقالة.

الرسالة الأطول

كانت رسالة وزير الداخلية السابق محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي تولى الحقيبة منذ أبريل (نيسان) 2022، الأطول والأكثر تفصيلاً، وأثارت نقاشاً واسعاً بعد نشرها مساء الأحد.

وخاطب ولد محمد أحمد، في رسالته التي سمّاها «رسالة شكر وتقدير»، قادة الأجهزة الأمنية والولاة والحكام والعمد، ثم عرض حصيلة قطاعه في الأمن والإدارة الإقليمية والحريات العامة والحالة المدنية واللامركزية.

وذكر من بين ما عدّه إنجازات قانوناً جديداً للأحزاب، وثلاثة حوارات سياسية، وتمكين الجاليات من انتخاب ممثلين في البرلمان للمرة الأولى، وتجاوُز نسبة القيد في السجل السكاني 95 في المائة، واستحداث 19 بلدية، ومضاعفة مخصصات الصندوق الجهوي للتنمية.

وقال إن «تعاقب المسؤولين على المواقع الإدارية لا يعني تغير الأهداف الوطنية الكبرى»، وهنّأ خلفه المختار ولد أحمد بوسيف، وشكر الرئيس على «ثقة كبيرة وعناية كريمة وتوجيهات نيّرة».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وبعد رسالته المطوّلة، استقبل ولد محمد الأمين في منزله بالعاصمة نواكشوط العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية، حيث عبَّروا له عن تقديرهم للعمل الذي أنجزه خلال فترته في وزارة الداخلية.

ومن أبرز الحاضرين وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، التي ظهرت في مقطع فيديو قالت فيه إن ولد محمد الأمين حقق نتائج كبيرة في ملفات محاربة الهجرة غير النظامية ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، وإصلاح الحالة المدنية.

تعهدات بالوفاء

أما وزير التنمية الحيوانية سيد أحمد ولد محمد، الذي قال إن مساره الوزاري بدأ عام 2019، فكتب أقصر الرسائل، ووصف النهاية بأنها «مشرِّفة رغم استحالة التمام للبشر»، وتعهد بالوفاء للرئيس ولنهجه.

وجاءت رسالة وزير الصحة، الشيخ التيجاني تيام، الذي تولى حقيبته في مارس (آذار) الماضي، بنبرة شخصية، فبدأها بشكر الرئيس على «الثقة الغالية»، وأكد أن مغادرته «لا تعني أبداً مغادرة مسار الالتزام والوفاء»، وأن «خدمة الوطن لا ترتبط بمنصب»، قبل أن يُحيِّي العاملين في قطاع الصحة.

وكان الوزير الأول، المختار ولد أجاي، قد قال بعد تقديم استقالة حكومته، الجمعة، إنه يتحمّل مسؤولية أي نقص، ثم أُعيد تكليفه خلال ساعات، إذ أعلن أن الحكومة الجديدة ستكون قائمة على «الكفاءة السياسية والفنية».

الحكومة الجديدة

كانت الأمينة العامة للرئاسة، عيساتا با يحيى، قد أعلنت الحكومة الجديدة مساء السبت، بعد أقل من 24 ساعة على تجديد الثقة بولد أجاي، وإعادة تكليفه بتشكيل الحكومة.

الأمينة العامة للرئاسة الموريتانية عيساتا با يحيى (الرئاسة)

وشملت التشكيلة 29 وزيراً، بينهم وزير منتدب، واحتفظ 17 وزيراً بحقائبهم، وانتقل ثلاثة إلى وزارات أخرى، ودخل على التشكيل عشرة وجوه جديدة.

ولكن المفاجأة كانت مغادرة وزير الدفاع اللواء المتقاعد حننه ولد سيدي بعد سبع سنوات في المنصب، ومغادرة ولد محمد الأمين وزارة الداخلية، بالإضافة إلى خروج الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولاي ولد محمد لغظف، وهو وزير أول سابق.

وتشكّلت الحكومة في مناخ يغلب عليه حوار وطني لم تكتمل لجنة إشرافه، وجدل حول المأمورية الثالثة المحتملة للرئيس ولد الغزواني، وغلاء في الأسعار، وأولويات أعلنها الوزير الأول تتمثل في الحماية الاجتماعية، وتشغيل الشباب، والتنمية المحلية.

كما أنها تأتي بعد تسلم ولد الغزواني تقرير لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي الكهرباء في نواكشوط يومي 21 و22 أغسطس (آب) الماضي، اللذين قطعا التيار عن أحياء من العاصمة من ثلاثة إلى خمسة أيام. وربط التقرير الحريقين بثلاث وصلات جديدة.


رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
TT

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي اختباراً صعباً في بلد تتشابك فيه أزمات السياسة والاقتصاد، وتتراجع فيه آمال الخروج من حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات، بالتزامن مع تصاعد الضغوط المعيشية على المواطنين.

وتباينت القراءات حول أولويات الرئاسة الجديدة؛ إذ يتوقع فريق أن يتصدر ملف التسوية السياسية - وتحديداً تطبيق اتفاق «4+4» الذي أُبرم بين طرفي الصراع في البلاد برعاية أممية نهاية أغسطس (آب) - قائمة اهتماماتها، باعتباره مخرجاً لإنهاء الانقسام السياسي والحكومي المستمر منذ سنوات، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد للانتخابات خلال عامين.

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى التناغم بين الرئاسة الجديدة للبرلمان والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، التي تدعم بقوة تطبيق الاتفاق الذي وقّعه ممثلون عن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة والقيادة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن وطأة الأزمات الاقتصادية اليومية على المواطن لن تغيب عن اهتمام رئاسة البرلمان، بل ستفرض نفسها بقوة، ما يدفعها إلى تفعيل دورها الرقابي والتشريعي للتخفيف من تداعياتها.

جلسة انتخاب الصالحين رئيساً لمجلس النواب الأسبوع الماضي (المجلس)

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في العاصمة طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ويستبعد الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، أن تتصدر «التشريعات والإجراءات اللازمة لتطبيق اتفاق (4+4) أولويات الرئاسة الجديدة للبرلمان دون سواها».

وقال امطيريد لـ«الشرق الأوسط» إن السعي لتضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري «هو ما عزز انطباعات البعض حيال انصراف الرئاسة الجديدة للبرلمان إلى الملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو ربما بدء مناقشة الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019 بمعزل عن القوانين المتعلقة بحياة المواطن».

وفي ضوء تصريح مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بأن مبادرة بلاده لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية الليبية تتكامل مع خطوات البعثة الأممية، يرجّح كثيرون أن يكون «4+4» واجهة سياسية لتطبيقها، وهي مبادرة تردد أنها تفضي إلى صفقة لتقاسم السلطة، يتولى بموجبها صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل احتفاظ الدبيبة برئاسة الحكومة.

في المقابل، يرى رئيس حزب «المستقلين الديمقراطي» الليبي، سامي الصيد الرخصي، أن الرئاسة الجديدة للبرلمان، «في ظل الترحيب والدعم اللذين حظيت بهما من قيادة (الجيش الوطني)، ستجعل تطبيق اتفاق (4+4) أولوية مطلقة؛ لأنه سيفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية يُتوقع أن تتقاسمها تلك القيادة وحكومة (الوحدة)».

ورغم إقراره بأهمية الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، استبعد الرخصي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يجري «تفعيل أي منهما بما يخفف معاناة الليبيين المعيشية، على الأقل في الوقت الراهن».

وحذَّر من أن «رفض بعض النواب الاعتراف بصحة الجلسة التي أُزيح فيها عقيلة صالح، قد يؤدي إلى تفكك صفوف البرلمان، وهو المؤسسة الوحيدة التي نجت من الانقسام الذي ضرب مؤسسات الدولة».

وتوسّط عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، بين الرأيين السابقين، متوقعاً «موازنة الرئاسة الجديدة للمجلس بمهنية بين الاهتمام بالملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو التقارب مع المجلس الأعلى للدولة ومعالجة الانقسام في مؤسسات عدة، وبين الأزمات المعيشية التي تعصف بالليبيين».

واستشهد الأبلق بتصريحات رئيس المجلس الجديد، الصالحين عبد النبي، حول الاهتمام بملف الرواتب، بالنظر إلى وجود قرابة مليونين و200 ألف مواطن يعملون في مؤسسات الدولة، وارتفاع أسعار أغلب السلع والخدمات الرئيسية.

وأشار في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عمل البرلمان «لن يكون منفصلاً عن كثير من التأثيرات الموجودة في الساحة، سواء قوى اجتماعية أو عسكرية»، لافتاً إلى أنه «سيكون هناك قانون ميزانية موحد وواضح للجميع، ولا يمكن تجاوزه، بدلاً من الوضع الراهن، حيث يجري الإنفاق بتوسع من الحكومتين المتنازعتين على السلطة».

ورجح معالجة وتحسين بعض الخدمات، كالكهرباء والسيولة، بما يخفف بعض المعاناة، «وإن ظل الأمل بعيداً في إجراء الانتخابات».

وعقدت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة اجتماعها الأول منتصف الأسبوع الماضي، وضم عبد النبي بالإضافة إلى نائبيه الأول والثاني طارق الأشتر ومصباح دومة. وتناول الاجتماع عمل هيئة رئاسة مجلس النواب والمجلس خلال الفترة المقبلة.