تسارع حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة لتفعيل خطتها الرامية إلى ضبط إيقاع سوق العمالة الأجنبية، في وقت تتعرض فيه البلاد لانتقادات حادة من منظمات دولية، بعد كشف «مقبرتين جماعيتين» تضمان مهاجرين غير نظاميين.
وتعاني ليبيا بشكل ملحوظ من تدفقات واسعة لأفواج المهاجرين عبر حدودها المترامية، وتقول إنها تسعى دائماً بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة إلى إعادتهم طوعياً إلى دولهم، أو إلى دولة مستضيفة.

وترى وزارة العمل والتأهيل بالحكومة أن العمالة الأجنبية في ليبيا «تمثل عنصراً أساسياً في العديد من القطاعات الاقتصادية؛ إلا أن تنظيم وجودها وضبط حركتها يظلان تحدياً يستدعي تضافر جهود مختلف الجهات المعنية».
وبحث وزير العمل علي العابد، وفقاً للوزارة مساء (الأربعاء)، مع عدد من المسؤولين آليات تنظيم العمالة الأجنبية في ليبيا، وسبل تنشيط التعاون مع الجهات المعنية، بالإضافة إلى تعزيز الربط الإلكتروني بين منصة «وافد» ومصلحة الجوازات لتسجيل بيانات الأجانب وتصاريح العمل «ما سيسهم في تحسين متابعة أوضاع العمالة الأجنبية».

وضم الاجتماع الموسع الذي نظمته وزارة العمل رئيس مصلحة الجوازات والجنسية، اللواء يوسف مراد، وممثلين لجهاز الاستخبارات، والمركز الوطني للأمراض، إلى جانب عدد من المسؤولين بالوزارة، من بينهم مديرو إدارة الاستخدام، ومتابعة شؤون السكن العمالي، وتفتيش العمل والسلامة المهنية، إلى جانب رئيس فريق دعم منصة «وافد».
كما تطرق الاجتماع، الذي شدد على ضمان الامتثال للإجراءات القانونية، إلى بحث آلية التنسيق مع فروع مصلحة الجوازات «للتحكم في دخول وخروج الأجانب من الأماكن المحددة»؛ إلى جانب دراسة «تقليل منح تأشيرة المهمة الرسمية للحد من العمالة غير المصرح بها، مع الالتزام بالقوانين المنظمة لسوق العمل».
وكانت السلطات المحلية قد أعلنت انتشال 93 جثة من «مقبرتين جماعيتين» تم اكتشافهما مؤخراً في مكانين مختلفين، أثناء عمليات نفذتها قوات الأمن ضد شبكات الاتجار بالبشر، وهو الأمر الذي جلب انتقادات منظمات دولية.

وحثت نحو 30 منظمة، من بينها «هيومن رايتس ووتش»، و«حقوق المجتمع» في اليونان، و«منتدى حقوق الإنسان المصري»، و«سيا ووتش»، في بيان مشترك، الأربعاء، الاتحاد الأوروبي على تجميد تمويله للسلطات الليبية على الفور.
وقال بيان المنظمات الدولية إنه «في ضوء الاكتشافات الجديدة، وعطفاً على التقرير الذي نشره ديوان المحاسبة الأوروبي العام الماضي، الذي أشار إلى فشل التمويلات التي يرسلها الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا أمام المخاطر على حقوق الإنسان، يتعين على الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات في ليبيا».
بدورها، قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روزماري ديكارلو، خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي إن «الاكتشاف المثير للقلق والمأساوي للمقبرتين الجماعيتين، عقب الإغارة على مواقع للاتجار بالبشر، يؤكد الخطر الجسيم الذي يواجهه المهاجرون في ليبيا».
وفي خطوة أكثر تفاعلاً مع ملف العمالة في ليبيا، سبق أن أعلنت وزارة العمل والتأهيل عن إجراءات لتسوية أوضاع العمالة الأجنبية عبر منصة «وافد» الرقمية، معلنة عن بدء إجراءات تسوية أوضاع العمالة الأجنبية التي دخلت ليبيا عبر المنافذ الرسمية حتى تاريخ 31 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وذلك وفقاً لقرار مجلس الوزراء رقم (799) لسنة 2024. وأوضحت أن خطوات التسوية تتضمن التسجيل عبر منصة «وافد»، وإبرام عقد عمل بين العامل وصاحب العمل، وتوثيقه من الجهات المختصة، وكذا الحصول على شهادة صحية تثبت الخلو من الأمراض، صادرة عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض.
كما شددت على أن مدة التسوية تكون خلال 60 يوماً من تاريخ هذا الإعلان، متوعدة تطبيق الإجراءات القانونية على المخالفين بعد انتهاء المدة، وذلك بقصد «سوق عمل منظم وآمن للجميع».
* حملة تفتيش موسعة على المخالفين
أكد الوزير العابد ضرورة تسوية أوضاع العمالة الأجنبية وفق القوانين المعمول بها، مشيراً إلى أن الوزارة «ستطلق حملة تفتيشية موسعة لضبط المخالفين، بالتعاون مع الجهات المختصة، مع استمرار الاجتماعات، والتنسيق المشترك، لضمان تنفيذ سياسات تنظيم العمالة الأجنبية بكفاءة وفاعلية».
وانتهى الاجتماع الوزاري إلى أهمية إحالة تقارير وإحصائيات دورية لوزارة العمل، تتضمن بيانات العمالة المُستقدمة والمجدد لها، مما يساعد على وضع سياسات أكثر دقة لتنظيم القطاع.
وتعد ليبيا واحدة من نقاط العبور للمهاجرين غير الشرعيين في طريقهم عبر البحر الأبيض المتوسط، في رحلة عادة ما تكون محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، بحثاً عن حياة أفضل. وحسب بيانات الأمم المتحدة، فقد توفي الآلاف خلال رحلاتهم في قوارب متهالكة إلى شواطئ أوروبا في السنوات الأخيرة.
وسبق أن أجرى العابد زيارة إلى تشاد، ناقش خلالها سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين، خاصة في مجالات تنظيم سوق العمل، وتفعيل الجهود المشتركة.

وقالت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية: إن اكتشاف المقبرتين الجماعيتين «يعد تذكيراً جديداً بالحاجة الملحة لحماية المهاجرين، ومكافحة الاتجار بالبشر»، داعية إلى إجراء «تحقيق كامل ومستقل» لتقديم المسؤولين إلى العدالة.
ويقع عشرات الآلاف من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء فريسة للمتاجرين أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، ويقضي كثير منهم أثناء عمليات عبور البحر الأبيض المتوسط المحفوفة بالمخاطر.







