وزير الخارجية السوداني يبدأ زيارة رسمية لطهران بعد روسيا

هل تعود إيران بقوة إلى السودان؟

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة سابقة لقاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة سابقة لقاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

وزير الخارجية السوداني يبدأ زيارة رسمية لطهران بعد روسيا

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة سابقة لقاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة سابقة لقاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)

بدأ وزير الخارجية السوداني علي يوسف، الأحد، زيارة رسمية لإيران، بعد أيام قليلة من زيارته روسيا، والاتفاق على منحها قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر، فيما تذهب قراءات عدد من المحللين السياسيين والعسكريين إلى أن هذه التحركات تثير مخاوف أميركا ودول غربية وعربية، من سعي إيران المتزايد إلى إيجاد موطئ قدم في البحر الأحمر، وتعزيز نفوذها العسكري في المنطقة بعد أن فقدت أذرعها القوية في سوريا ولبنان إثر تداعيات الحرب في غزة.

وقال سفير السودان لدى إيران، عبد العزيز حسن صالح، لوكالة أنباء السودان الرسمية (سونا)، إن وزير الخارجية سيلتقي، خلال الزيارة، نظيره عباس عراقجي وعدداً من المسؤولين في الحكومة الإيرانية، «لإطلاعهم على التطورات في السودان، وتعزيز العلاقات بين البلدين وتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية».

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

واتفق السودان وإيران في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد 8 سنوات من القطيعة، وقد سعى إلى ذلك الجيش السوداني لكسب حلفاء في حربه مع «قوات الدعم السريع».

وفي وقت سابق، اتهمت دول غربية إيران بدعم الجيش السوداني عسكرياً بأسلحة نوعية أسهمت في تحقيق أول انتصار عسكري في الحرب، باستعادة مدينة أم درمان، ثانية كبرى مدن العاصمة السودانية الخرطوم.

وأثار هذا التقارب كثيراً من التساؤلات بشأن توجهات الجيش السوداني إلى استئناف العلاقات مع إيران بهذه العجالة، مما قد يُحول الصراع في السودان إلى مسرح لصراع إقليمي ودولي يقف ضد أي نفوذ روسي وإيراني، يزيد من تعقيدات الأزمة في السودان ومنطقة الشرق الأوسط.

كان السودان قد رفض في مارس ( آذار) 2024 طلباً بإنشاء قاعدة بحرية لطهران على ساحل البحر الأحمر، على الرغم من تزويدها الجيش السوداني بطائرات مسيّرة متفجرة لاستخدامها في قتاله ضد «الدعم السريع».

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر (سونا)

وفي حين لم يصدر أي تعليق رسمي من الإدارة الأميركية الجديدة بخصوص إعلان السودان التوصل إلى «اتفاق كامل» مع روسيا بشأن القاعدة البحرية في البحر الأحمر، لكن الدبلوماسي الأميركي السابق، كاميرون هدسون، توقع في مقابلة مع «الشرق الأوسط» نُشرت السبت، أن تكون ردة الرئيس دونالد ترمب قوية إن تأكدت صحة هذا الاتفاق.

وذكر أن أميركا «بقدر اهتمامها بالسودان فهي أيضاً تهتم بدرجة أكبر بأمن البحر الأحمر، وأن تظل روسيا وإيران بعيدتين عن المنطقة، وحماية حركة الملاحة فيها».

وأوضح مصدر عليم أن تحركات السلطة في بورتسودان «رسالة إلى الغرب ودول في المنطقة، بأنها قادرة على التحرك في كل المحاور بما يحقق مصالحها».

وفسّر المصدر، الذي طلب حجب اسمه، زيارة وزير الخارجية السوداني علي يوسف، طهران بعد أيام قليلة من زيارته موسكو، والاتفاق على منحها قاعدة عسكرية في بورتسودان، «بأن هذا نهج موروث من الإسلاميين منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير، الذي كان عندما تسوء علاقاته مع الغرب، يلجأ إلى محور روسيا وإيران لدعمه».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى استقباله وزير الخارجية السوداني علي يوسف الشريف في موسكو الأربعاء الماضي (أ.ب)

وقال لــ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة قد تحمل أيضاً مطالب سودانية بمواصلة الدعم العسكري، باعتبار أن الحرب في البلاد لم تنتهِ بعد لصالح الجيش السوداني، وربما تطول لمدى زمني غير محدد».

ورأى بشأن إمكانية منح إيران منفذاً بحرياً على ساحل البحر الأحمر، أن «قائد الجيش السوداني، الجنرال عبد الفتاح البرهان، يعلم أنه يقود مرحلة أشبه بالفترة الانتقالية في البلاد، لا يملك فيها حق التقرير في غياب حكومة تنفيذية فاعلة وبرلمان يمثل الشعب السوداني، لكن هذا قد لا يحد من اتخاذه أي قرار بحجة أن البلاد في حالة حرب».

وعدَّ هذه التحركات «من قبيل المناورة والضغط على الغرب في آن واحد، وذلك لإصراره طيلة عامين من الحرب، على وضع الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) في كفة واحدة، وعدم الاعتراف بشرعيته في تمثيل السودان».

لكنَّ المصدر نبَّه إلى «أن توجه السلطة القائمة في بورتسودان بقيادة الجيش إلى المحور الإيراني، قد يُخرجها تماماً من الاتفاقيات الإبراهيمية التي تسعى إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى المواصلة في توسيعها في المنطقة العربية خلال فترة ولايته الحالية».

عناصر من الجيش السوداني في أم درمان (أرشيفية - رويترز)

بدوره رأى المستشار في «الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية»، اللواء معتصم عبد القادر، في الزيارتين إلى موسكو وطهران، تحولاً استراتيجياً للجيش السوداني من المعسكر الغربي، الذي لطالما بذل كل جهده لعدم قطع الصلة به.

وقال لــ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «جاء نتيجة لما تراه الحكومة السودانية من تبني أميركا وبريطانيا ودول غربية أخرى مواقف عدائية ضدها، لذلك كان عليها الاتجاه إلى محور روسيا وإيران، وإلى حدٍّ ما قطر».

ومن المعروف أن إيران باعت للجيش السوداني طائرات مُسيرة من طراز «مهاجر»، وهو ما خلق التوازن العسكري على الأرض مع « قوات الدعم السريع».

وقال عبد القادر: «ربما يوجد تفاهم مسبق بين السودان ومصر وإلى حد ما إريتريا، على وجود القاعدة الروسية اللوجيستية، لكنَّ دولاً مؤثرة في المنطقة تعارض بشدة أي وجود روسي في المياه الدافئة».

الحرب شرَّدت ملايين السودانيين بين نزوحٍ داخلياً ولجوءٍ في الخارج (أ.ف.ب)

وعدَّ هذا التوجه أنه ثمن ابتعاد الغرب وعدائه للسودان، وهو ما دفع القيادة السودانية إلى اللجوء إلى هذه المحاور المناوئة للسياسات الغربية في المنطقة. وأكد أن أي وجود إيراني في البحر الأحمر، مع ارتباطاته بحلفائه الحوثيين في اليمن، وبقية جيوبه في سوريا، «يشكل مصدر خطورة كبيرة على المصالح الغربية في المنطقة».

وقال المحلل السياسي، الجميل الفاضل، «إن قادة الجيش السوداني يئسوا من كسب مواقف الغرب لصالحهم، ويرغبون جدياً في التوجه إلى روسيا وإيران لممارسة أكبر ضغط على أميركا ودول أوروبا لفتح قنوات رسمية معها، أو المضي في هذه التحالفات إلى النهاية».

وتوقع «المضي في التقارب أكثر مع هذه المحاور، خصوصاً أنهم يحتاجون إلى السلاح والتكنولوجيا العسكرية لحسم الحرب مع (الدعم السريع)، ولن يتوفر لهم هذا الدعم إلا من روسيا وإيران».

وأشار إلى «أن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بعد العقوبات الأميركية الأخيرة عليه، وجد نفسه مجبراً على التقارب أكثر مع روسيا وإيران، مدفوعاً من حلفائه الإسلاميين الذين تربطهم علاقات وثيقة وقديمة مع إيران».

قائد القوات البحرية بالجيش الإيراني الأدميرال شهرام إيراني يستقبل عراقجي في جزيرة كيش جنوب البلاد (الخارجية الإيرانية)

لكنَّ المحلل السياسي، الجميل الفاضل، رأى في تقارب سلطة الجيش في بورتسودان مع روسيا وإيران، «ما يمكن أن يعده بعض الدول الغربية تحدياً لها، مما قد يدفعها لتوفير أشكال الدعم المباشر أو غير المباشر لـ(قوات الدعم السريع) وحلفائها الذين ينوون تشكيل حكومة موازية خلال الأيام المقبلة، في مواجهة ما كان يطلق عليه سابقاً (محور الشر) الذي تمثله إيران».

وحسب السفير السوداني، من المقرر أن يبحث الجانبان الموضوعات ذات الاهتمام المشترك ثنائياً وعالمياً، وسيوقِّع الوزيران على مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة للتشاور السياسي بين البلدين والتنسيق والتفاهم في مختلف الموضوعات عبر آليات العمل الدبلوماسي والسياسي.


مقالات ذات صلة

عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

شمال افريقيا رئيس وزراء إسبانيا خلال استقباله الرئيس المصري في مدريد خلال فبراير 2025 (الرئاسة المصرية)

عبد العاطي في مدريد... تطوير الشراكة وبحث قضايا إقليمية

ضمن مساعٍ تستهدف تعميق التعاون، توجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى إسبانيا لبحث سبل تطوير «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

باريس : زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر والعكس صحيح».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

أول زيارة لرئيس فنلندي إلى مصر منذ 17 عاماً تفتح آفاقاً تجارية واستثمارية

شددت مصر على «رفضها الكامل» وإدانتها للاعتداءات غير المبررة على دول الخليج وسائر الدول العربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
TT

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)

دعا رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية وطنية واضحة تهدف إلى وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يواجه «معركة وجودية... يكون أو لا يكون»، تهدد بقاء الدولة ومستقبلها. وقال إن الكارثة الإنسانية التي تشهدها البلاد تفوق، من حيث الحجم والتداعيات، ما يحدث في قطاع غزة بفلسطين، مجدداً تأكيده على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد.

وجاءت تصريحات حمدوك خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية لاجتماع «قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي، حيث شدد على أهمية التوافق بين القوى المدنية والسياسية حول أهداف العملية السياسية، موضحاً أن هذه العملية ينبغي أن تبدأ بثلاثة مسارات مترابطة تشمل: الملف الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم إطلاق المسار السياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل ومستدام، مع ضرورة توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية.

صورة جماعية للقيادات المشاركة في إعلان نيروبي (تحالف صمود)

وتركز اجتماعات «قوى نيروبي» على تنسيق العمل المشترك بين القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية، بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وقال حمدوك إن «هناك العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تتناول الشأن السوداني، من بينها مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى منابر دولية أخرى»، لكنه قال إن أهم هذه المبادرات هي «الرباعية» التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، «نظراً لأنها وضعت خريطة طريق واضحة تستند إلى 5 مبادئ و7 التزامات رئيسية». وأضاف أن من أهم ما يميز هذه المبادرة هو موقفها الرافض لإشراك الأطراف التي «خربت الحياة السياسية»، في إشارة إلى جماعات الإسلام السياسي.

كما أعرب حمدوك عن تقديره لدول الجوار السوداني التي استضافت ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، داعياً إلى إجراء نقاش وطني واسع حول خريطة الطريق السياسية وأهدافها والأطراف المشاركة فيها، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة وذات مصداقية. وحذّر من أن فشل القوى المدنية في التوافق على رؤية موحدة سيؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية على السودان دون إرادة السودانيين.

من جانبه، أكّد رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، أن الأولوية الوطنية الراهنة تتمثل في وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، داعياً إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، ومشدداً على ضرورة التصدي لأي مخططات تستهدف تقسيم البلاد. بدوره، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق وآليات واضحة لوقف الحرب، مؤكداً أهمية معالجة الجذور التاريخية للأزمة السودانية وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو المؤقتة.

وفي وقت سابق، اتفقت قوى «إعلان مبادئ نيروبي» على ضرورة تطوير المبادرة وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الداعمة للسلام والاستقرار، مع استثناء حزب المؤتمر الوطني المعزول. كما تضمنت المبادئ التأكيد على ضرورة الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن حزمة واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب اشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في ترتيبات ما بعد وقف الحرب. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن «تحالف صمود»، وحزب الأمة القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان، والتجمع الاتحادي، ومنسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، وهيئة محامي دارفور، إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.


التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
TT

التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

لا يزال التصعيد القائم في المنطقة وصعوبات التكهن بتسوية الحرب الإيرانية، يربكان رهانات خفض أسعار الفائدة في مصر، بعد أن لجأ البنك المركزي المصري لتثبيت «سعر الفائدة» للمرة الثانية على التوالي.

ووفق اقتصاديين، فإنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة»، وأشاروا إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار الأوضاع الإقليمية على وضعها».

وقررت «لجنة السياسات النقدية» بالبنك المركزي المصري في اجتماعها مساء الخميس «الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير»، وأشارت اللجنة في إفادة لها إلى أن «القرار جاء متسقاً مع رؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين».

وبحسب القرار، سيتم تثبيت سعرَي عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00 في المائة، و20.00 في المائة، و19.50 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المائة»، حسب البنك المركزي.

وهذه هي المرة الثانية التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة بعد قرار اللجنة في أبريل (نيسان) الماضي الإبقاء على أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، على وقع تداعيات الحرب الإيرانية، لينهي سلسلة انخفاض تدريجي لأسعار الفائدة من مستوياتها المرتفعة بدأت في أبريل (نيسان) 2025.

وتعقد «لجنة السياسات النقدية» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع، ويتبقى لها 5 اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

ووفق «عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، فإن «حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة وعدم حسم ملف الحرب الإيرانية يسببان ارتباكاً لدى القائمين على السياسات النقدية».

وقال جاب الله لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صعوبات في وضع معايير اقتصادية يمكن البناء عليها في خطط التوسع بالاستثمارات وفي الغذاء والأسمدة»، مشيراً إلى أن «خريطة الاقتصاد العالمي شبه متوقفة لحين وضوح الرؤية على الصعيدين الإقليمي والدولي».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على «فيسبوك»)

ورأى جاب الله أنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة بمصر، في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة»، وأضاف أن «البنك المركزي لا يستطيع خفض الفائدة في الوقت الراهن لتأثير هذا القرار على زيادة معدلات التضخم»، مشيراً إلى أن «التضخم سيرتفع بنسب كبيرة حالة خفض الفائدة، نتيجة خروج جانب من الودائع والمدخرات في أنشطة استهلاكية».

وتراجع معدل التضخم في مصر بشكل طفيف الشهر الماضي بعد أن سجل في المدن المصرية على أساس سنوي 14.9 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي، في حين تراجع على أساس شهري إلى 1.1 في المائة في أبريل الماضي، مقابل 3.2 في المائة في مارس الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويعتقد جاب الله أن قرار «المركزي» تثبيت سعر الفائدة «خيار طبيعي في ظل توقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي»، ويشير إلى أن «(لجنة السياسات النقدية) رأت أن معدلات التضخم القائمة في الأسواق تطور عارض بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء على وقع الحرب الإيرانية».

حركة الأسواق تتأثر في مصر بسبب زيادة الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ويرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أنه «لم يعد خيار خفض الفائدة مطروحاً في ظل الأضرار الاقتصادية للحرب الإيرانية، وتراجع معدلات النمو وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع معدلات التضخم نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة دفع البنك المركزي لتثبيت الفائدة»، وأشار إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار حالة عدم اليقين الحالية».

ويوضح أن «الحكومة تستهدف من تثبيت سعر الفائدة الحفاظ على مستوى التشدد النقدي لإحكام السيطرة على التضخم بالأسواق»، ويشير إلى أن «قرار التثبيت يساهم في تباطؤ حركة السيولة النقدية بالأسواق».

وعدّ بدرة أن ذلك «يساهم في عدم رفع أسعار السلع بالأسواق بشكل مبالغ فيه، وسط تحديات سلاسل الإمداد القائمة».