لماذا تثير «الثانوية العامة» الأزمات في مصر؟

شهد نظامها تغييرات عدة على مدار عقود

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
TT

لماذا تثير «الثانوية العامة» الأزمات في مصر؟

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)

تتذكر المصرية كريمة أشرف، كيف أنها قبل 30 عاماً كانت إحدى طالبات أولى دفعات «الثانوية العامة»، التي خضعت لتطبيق نظامها الممتد بين العامين الثاني والثالث، الذي عُرف بنظام «التحسين»، وكان مثار حديث الأسر المصرية في هذا الوقت. حين أقر وزير التربية والتعليم وقتها، حسين كامل بهاء الدين، تعديلاً مكّنها وزملاءها من طلاب الثانوية دخول الامتحان 5 مرات بغرض تحسين المجموع.

وتعرّض نظام الثانوية العامة في مصر لتغييرات على مدار العقود الماضية، من بينها تغيير النظام من عام واحد رئيسي (الصف الثالث الثانوي) إلى عامين (الصفين الثاني والثالث الثانويين)، ثم عودة النظام القديم واحتساب المجموع لعام واحد فقط، مع وجود دور ثانٍ.

طلاب داخل إحدى لجان الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)

وتلفت الأم الأربعينية إلى أنه عام 2018، عندما كانت ابنتها الكبرى تستعد للالتحاق بالصف الأول الثانوي، قرر وزير التعليم الأسبق طارق شوقي، العمل بنظام التعليم الإلكتروني، المعروف بـ«التابلت»، والاعتماد على المجموع التراكمي لثلاث سنوات.

وبالوصول إلى عام 2025، تترقب كريمة أشرف، الموظفة الحكومية، مصير توأمها، اللذين يدرسان حالياً في الشهادة الإعدادية، مع إعلان وزير التعليم، محمد عبد اللطيف، مقترحاً جديداً تحت اسم «البكالوريا».

وتمثل شهادة الثانوية محطة مفصلية في المسار التعليمي للطلاب، وتحظى باهتمام شديد من معظم الأسر المصرية، لما يتوقف عليها من تحديد مصير أبنائهم.

تقول الأم كريمة لـ«الشرق الأوسط»: «عايشت 3 حالات من أنظمة الثانوية العامة، أثارت جميعها أزمات متكررة، ولازم فيها القلق الطلاب وأسرهم، وسط أحاديث رسمية مع كل نظام جديد أنه يأتي لحل أزمة الثانوية العامة، ويقلل من هاجس الخوف منها، إلا أن ذلك لم يحدث مطلقاً، وبعد التجريب نعود للبداية، وتظل الشكاوى والقلق».

وأثار مقترح وزير التعليم المصري لتغيير نظام الثانوية العامة، واعتماد «شهادة البكالوريا المصرية» بدلاً منه، ضجة في الأوساط المصرية، الأمر الذي دعا الحكومة المصرية، لإجراء حوار مجتمعي لمناقشة التعديل الجديد. وقال الوزير في بداية جلساته، إن «نظام الثانوية العامة يحتاج إلى تعديل عاجل، فعدد المواد غير طبيعي، إلى جانب ما يمثله من ضغط تحولت معه الثانوية العامة إلى كابوس في المنزل المصري».

يقول الدكتور محب الرافعي، وزير التربية والتعليم المصري الأسبق، وعضو مجلس الشيوخ الحالي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الثانوية العامة تشهد تغييرات منذ عام 1905، الذي ظهر فيه اسم «البكالوريا» لأول مرة، «ومنذ ذلك التاريخ جاء التطوير والتغيير مدفوعاً بعدة أهداف؛ منها تحسين مستوى الطالب، أو محاولة مواجهة الدروس الخصوصية، لكن ذلك لم يتحقق فعلياً، ولم يقلل الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الأسر، وبالتالي كان بديهياً أن يصاحب كل نظام جديد جدلاً وأزمات».

وحول أزمات الثانوية العامة المستمرة، يقول: «الثانوية العامة بشكلها الحالي، رغم ما يناقش حالياً من تغيير اسمها إلى البكالوريا، لن يقلل من الضغوط، ما دامت الآليات كما هي ولم تتغير، وأبرزها المعلم غير المؤهل وبيئة التعلم غير الجيدة، وغياب الإدارة المدرسية الرشيدة، وعدم وجود امتحانات تقيس المهارات، وطالما أن النصف درجة يمكنه أن يحدد مستقبل الطالب ويغيّر مصيره، فهذه الآليات هي التي تحتاج إلى تغيير، وإذا لم تتطور فسوف تستمر الضغوط ويستمر العبء النفسي على الطلاب، وبالتالي ستظل الثانوية تمثل شبحاً ورعباً لهم ولأسرهم».

الثانوية العامة في مصر موضع جدل ونقاش مجتمعي متأزم (الشرق الأوسط)

وخاض امتحان الثانوية العامة في العام السابق 2024، أكثر من 750 ألف طالب وطالبة في الشعبتين الأدبية والعلمية بشعبتيها (العلوم والرياضة).

ويرى الوزير الأسبق أن المشكلة هي «أننا نبحث على التطوير دائماً فقط في المرحلة الثانوية، بينما الحل هي ألا تكون الثانوية العامة فقط المؤهلة للمرحلة الجامعية، والاتجاه إلى إقرار اختبارات القبول بالجامعات، مثلما يحدث عالمياً، بأن يتحدد الالتحاق بكلية ما وفق اجتياز الطالب اختبارات قبول وفق قدراته ومهاراته، وقتها ستزول الضغوط النفسية والمادية وتنتهي الأزمات المرتبطة بالثانوية كافة».

بدوره، يبيّن الدكتور رضا مسعد، رئيس قطاع التعليم العام الأسبق بوزارة التربية والتعليم وأستاذ التربية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الـ25 عاماً الأخيرة، شهدت 3 مشكلات رئيسية تعاني منها البيئة التعليمية، تتمثل في الغياب عن المدرسة، وانتشار الدروس الخصوصية، والغش، الذي تفاقم مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وحاول وزراء التعليم المتعاقبون معالجة هذه المشكلات من خلال إدخال تعديلات على نظام الثانوية العامة، واضعين في اعتبارهم أن عدم حل هذه المشكلات قد يطيح بهم من كرسي الوزارة».

ويشير مسعد إلى أن هذه التعديلات، وبينها مشروعات كانت ذات قيمة لتطوير الثانوية العامة، لم ترَ النور بسبب تعقد المشكلة ووجود عقبات إدارية وقانونية، أبرزها قانون التعليم في مصر، الصادر سنة 1981، الذي يحكم العملية التعليمية، «حيث نجد أن أي تغيير مقترح كان مخالفاً له»، وفق قوله.

ولفت إلى أن كل الوزراء السابقين بذلوا الجهد؛ لكنهم فشلوا في التطبيق، بسبب أنهم لم يضعوا القانون في حسبانهم، مبيناً أن تغييره يتطلب موافقة البرلمان بغرفتيه «النواب» و«الشيوخ»، وبقرار رئيس جمهورية، وذلك حتى يستطيع أي وزير تنفيذ التغيير الذي يريده.

ويرى المسؤول الأسبق أن مقترح البكالوريا الحالي لا جديد فيه إلا الاسم، منتقداً ما يذهب إليه المقترح من تعدد مرات «التحسين»، الذي يجب أن يكون مُحدداً لمرة واحدة فقط ووفق معايير معينة، لا تسمح لجميع الطلاب بتحسين مجموعهم، مع تجنب فكرة دفع المال مقابل ذلك، لأنه أيضاً مخالف للدستور والقانون، حيث إن التعليم مجاني في الدستور المصري، كما أن تعدد الامتحانات سيؤثر سلباً على تنسيق الجامعات.

في المقابل، يرى الخبير التربوي المصري، الدكتور حسن شحاتة، أستاذ علم المناهج في جامعة عين شمس، والذي شارك في الحوار المجتمعي الحالي حول قانون البكالوريا في أكثر من جلسة، أن «البكالوريا» بديل شرعي وعصري للثانوية العامة القديمة بمشكلاتها، حيث إنه آن الأوان لأن يكون هناك نظام تعليمي يضع مصر في مصاف ما هو موجود بالعالم.

ويبيّن شحاتة لـ«الشرق الأوسط»، أن «البكالوريا يمكنه منع أزمات الثانوية العامة، فهو يقلل عدد المواد التي يدرسها الطالب من 32 مادة إلى دراسة ربع هذه المواد فقط، وبالتالي يقلل العبء المعرفي، ويقلل الدروس الخصوصية، وهو أول نظام يطوّر المناهج ويضعها في إطار المنافسة، ويؤهل الطلاب للتعليم الجامعي، ويربطهم بسوق العمل».

وحول عدم نجاح أنظمة التعليم التي تم اقتراحها خلال العقود الماضية وما أثير حولها من جدل، يشير الخبير التربوي إلى أن «السبب أنها كانت تعديلات شكلية في الأساس، ولم تهتم بالمناهج وتأهيل الطلاب للتعليم الجامعي، بدليل رسوب الطلاب المتفوقين في سنواتهم الأولى بكليات الطب والصيدلة والهندسة، ولا تعبر الدرجات عن القدرات، بعكس نظام البكالوريا الذي يهتم بالقدرات والميول الخاصة بالمتعلم، وهو ما يخفف العبء على الطلاب وأولياء الأمور».

وعودة إلى الأم كريمة، التي تتمنى أن تشعر بنظام للثانوية العامة «مستقراً وغير مقلق»، مختتمة حديثها بسخرية: «سيذهب توأمي للبكالوريا العام المقبل... لكني أتمنى ألا أُعايش مع أحفادي في المستقبل أنظمة أخرى للثانوية بأزمات جديدة».


مقالات ذات صلة

مصر: سباق مبكر بين الجامعات لاستقطاب طلاب «الثانوية العامة»

شمال افريقيا الحكومة المصرية تتوسَّع في إنشاء الجامعات الأهلية بمصروفات (وزارة التعليم العالي)

مصر: سباق مبكر بين الجامعات لاستقطاب طلاب «الثانوية العامة»

مضت الجامعات الأهلية في مصر، وهي حكومية بمصروفات، على مسار الجامعات الخاصة نفسه، بعد أن قرَّرت فتح باب الالتحاق مبكراً.

أحمد جمال (القاهرة)
خاص والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

خاص تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

عاش المجتمع التركي صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل، عقب هجمات إطلاق نار عشوائي بمدرستين جنبوب البلاد في مشهد أشبه بأفلام هوليوود

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
صحتك من العيادة إلى الخلية... العلاج يبدأ من الداخل

من الدواء إلى الخلية… كيف تغيّر العلاجات البيولوجية مستقبل طب الأسنان؟

تهدف إلى تحفيز الجسم لمعالجة نفسه

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
المشرق العربي طفل يلعب في فناء مدرسة الحريري الثانوية الثانية التي تُستخدم كمأوى مؤقت للنازحين في بيروت 2 مايو 2026 (رويترز)

مدرسة في قلب بيروت تحوّلت إلى مأوى جراء الحرب باتت بؤرة توتر اجتماعي

أصبحت مدرسة خاصة في قلب بيروت، تحولت إلى مأوى في وقت الحرب، بؤرة للتوترات الاجتماعية التي تتصاعد في لبنان بسبب النزوح الجماعي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يستعرض مع وفد ياباني إضافة مادة الثقافة المالية لطلاب البكالوريا (وزارة التربية والتعليم المصرية)

«البكالوريا المصرية» في مرمى الانتقادات مجدداً بسبب غموض المناهج

لم تتوقف النقاشات في مصر حول منظومة «البكالوريا» التي تطبقها مصر لأول مرة هذا العام اختيارياً على طلاب المرحلة الثانوية إلى جانب «الثانوية العامة» التقليدية.

أحمد جمال (القاهرة)

ليبيا تستعيد «سيادتها الكاملة» على إدارة مصفاة رأس لانوف النفطية

توقيع اتفاق عودة السيادة على مصفاة رأس لانوف (المؤسسة الوطنية للنفط)
توقيع اتفاق عودة السيادة على مصفاة رأس لانوف (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

ليبيا تستعيد «سيادتها الكاملة» على إدارة مصفاة رأس لانوف النفطية

توقيع اتفاق عودة السيادة على مصفاة رأس لانوف (المؤسسة الوطنية للنفط)
توقيع اتفاق عودة السيادة على مصفاة رأس لانوف (المؤسسة الوطنية للنفط)

استعادت الدولة الليبية السيطرة الكاملة على مصفاة رأس لانوف النفطية، بعد اتفاق وُصف بـ«التاريخي» لإنهاء الشراكة الأجنبية مع شركة «تراستا»، تزامناً مع تحذيرات أممية من «تضاؤل فرص» تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة.

وبارك رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، عودة مصفاة رأس لانوف إلى «السيادة والإدارة الليبية الكاملة»، بعد سنوات من النزاعات القضائية والتحكيمية الدولية، فيما عده «إنجازاً وطنياً مهماً يُعيد أحد أهم الأصول الاستراتيجية إلى الدولة الليبية».

وأشاد الدبيبة في بيان مقتضب، الاثنين، بجهود المؤسسة الوطنية للنفط، وفرق التفاوض، والكوادر القانونية والفنية التي توصلت إلى الاتفاق، بوصفه يعيد حقها الكامل في إدارة وتشغيل المصفاة، مجدداً دعم الحكومة الكامل لخطط إعادة تأهيل وتشغيل مجمع رأس لانوف ضمن مشروع «عودة الحياة» الحكومي.

وأعلن رئيس المؤسسة سعود سليمان، في بيان، «التوقيع الرسمي على اتفاق نهائي بين المؤسسة وشركة (تراستا)، ينهي الشراكة الأجنبية داخل شركة (ليركو)، ويعيد مجمع ومصفاة رأس لانوف إلى السيادة الليبية».

وأُنشئت شركة «ليركو» عام 2008 بوصفها مشروعاً مشتركاً بنسبة 50 في المائة لكل من المؤسسة و«تراستا» التابعة لـ«مجموعة الغرير» الإماراتية، لتشغيل وتطوير مصفاة رأس لانوف، أكبر مصافي ليبيا.

لكن العمليات توقفت بعد أحداث 2011، ونشب نزاع قانوني طويل أمام غرفة التجارة الدولية في باريس، ولاحقاً فازت المؤسسة الوطنية للنفط بالتحكيم عام 2018، ثم اشترت حصة «تراستا» بالكامل مقابل 119 مليون دولار، مما أنهى الشراكة الأجنبية رسمياً الاثنين.

شكشك مستقبلاً خوري وريتشاردسون في ديوان المحاسبة بطرابلس (البعثة)

بدورها، حذّرت بعثة الأمم المتحدة من أن الوقت بدأ ينفد أمام البلاد لاقتناص فرصة وصفتها بـ«الحاسمة والضيقة» لمعالجة التحديات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة، مؤكدة أن نجاح البلاد في المضي قدماً يعتمد على سرعة تنفيذ إطار موحد للإنفاق العام.

وجاء هذا التحذير خلال محادثات جرت في طرابلس مساء الأحد بين نائبتي رئيسة البعثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، ورئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك، حيث ركز الاجتماع على ضرورة حماية الزخم الحالي للإصلاح الاقتصادي قبل انغلاق نافذة الفرص المتاحة نتيجة التجاذبات السياسية.

وفي مؤشر على قلق دولي من الضغوط التي تتعرض لها الهيئات السيادية، شدّدت المسؤولتان الأمميتان على ضرورة صون استقلالية المؤسسات الرقابية وحمايتها من «التدخلات السياسية»، كما عدّت البعثة أن بقاء ديوان المحاسبة بعيداً عن الصراعات هو الضمانة الوحيدة لتحقيق إدارة سليمة للمالية العامة واستقرار البلاد على المدى الطويل.

وحسب بيان البعثة، فإن المباحثات دخلت في تفاصيل حساسة تتعلق بقطاع النفط، المصدر الوحيد للدخل في ليبيا، مشيرة إلى استعراض تدابير مكافحة تهريب الوقود، وتحسين أنظمة الرقابة والمتابعة على الإيرادات العامة، لضمان عدم تسرب الموارد بعيداً عن قنوات الدولة الرسمية.

من جانبه، أكد ديوان المحاسبة أن الأولوية تكمن في «ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة» واستكمال مسارات توحيد الإنفاق العام.

وأوضح شكشك أن تعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية يهدف إلى بناء قدرات مؤسسية ترفع من كفاءة إدارة المال العام وتحقق «العدالة» في توزيع الموارد، وهو مطلب رئيسي في بلد يعاني من نزاعات حول تقاسم الثروة.

الدبيبة مستقبلاً السفير الفرنسي لدى ليبيا تييري فالا 10 أبريل (مكتب الدبيبة)

وكان الدبيبة قد بحث مساء الأحد مع السفير الفرنسي، تييري فالا، ملفات التعاون المشترك بين البلدين، خصوصاً في المجالات الاقتصادية، وتعزيز فرص الشراكة والاستثمار بما يدعم جهود التنمية والاستقرار في ليبيا، بالإضافة إلى تطورات النشاط الاقتصادي والتجاري، وسبل توسيع حضور الشركات الفرنسية في السوق الليبية.

ونقل الدبيبة عن السفير الفرنسي اهتمام بلاده بتعزيز التعاون الاقتصادي مع ليبيا، مشيراً إلى ازدياد النشاط الفرنسي من خلال المشاركة الواسعة للشركات والجهات الفرنسية في الفعاليات الاقتصادية الأخيرة، والانفتاح على فرص العمل والاستثمار داخل السوق الليبية.


الجزائر بين «انتهازية» باريس و«شراكة» واشنطن

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر بين «انتهازية» باريس و«شراكة» واشنطن

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بينما أثارت صيغة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، للتعبير عن سعيه لطي صفحة الخلافات مع الجزائر استياء في الوسط السياسي، سادت حالة من الارتياح إزاء إشادة مسؤول أميركي رفيع بالدور الدبلوماسي الجزائري في ملف الصحراء الغربية، الذي تسبب في قطيعة دبلوماسية بين الجزائر والمغرب. ففي منشور طويل بحسابه بالإعلام الاجتماعي، انتقد وزير الإعلام والثقافة والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، ما يمكن فهمه بأن الرئيس الفرنسي «استغل ملف (الذاكرة) في أجندات دبلوماسية وانتخابية، في خلط للأوراق بين حقوق الضحايا والحسابات السياسية».

وجاء المنشور بعنوان «الانتهازية الدبلوماسية للرئيس ماكرون تُشوش على إحياء ذكرى مجازر 8 مايو (أيار) 1945»؛ إذ تساءل رحابي: «هل من الممكن إحياء ذكرى الموتى والمفقودين في جو من الخشوع والتضرع، من دون الحاجة إلى إدراج ذلك في أجندة دبلوماسية؟».

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تدهور العلاقات في 2024 (الرئاسة الجزائرية)

وأشار إلى أنه «لم تسلم، مرة أخرى، الاحتفالات المرتبطة بإحياء ذكرى المجازر التي وقعت بين 8 مايو و26 يونيو (حزيران) 1945 من الانتهازية الدبلوماسية التي يسعى الرئيس ماكرون جاهداً إلى رفعها إلى مقام الفعل التأسيسي للانطلاقة الجديدة في العلاقات الجزائرية - الفرنسية».

دبلوماسية المقايضة

ويقصد رحابي، حسب منشوره، بياناً لقصر الإليزيه يوم الجمعة الماضي، يعلن فيه حضور الوزيرة المنتدبة للقوات المسلحة وقدامى المحاربين الفرنسية، أليس روفو، احتفالات الجزائر بذكرى مذابح 8 مايو 1945 التي شهدت قتل آلاف الجزائريين، بمدن شرق البلاد، على أيدي الشرطة الفرنسية، عندما خرجوا في مظاهرات مطالبين فرنسا بالوفاء بوعدها بتسليم الجزائريين حريتهم في حال هزم الحلفاء ألمانيا النازية.

وتضمن البيان إرادة باريس تحسين علاقاتها مع الجزائر بعد عامين من التوترات، التي اندلعت عقب الدعم الفرنسي الصريح للرباط في قضية الصحراء الغربية. كما تضمن رغبتها في إطلاق سراح صحافي فرنسي يُدعى كريستوف، مسجون منذ عامين في الجزائر بتهمة «الإرهاب».

وزيرة القوات المسلحة الفرنسية مع الرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وقال رحابي بهذا الخصوص: «تسعى الرئاسة الفرنسية إلى إدخالنا في نوع من الدبلوماسية النفعية التي تمزج بين ذاكرتين متعارضتين؛ ذاكرة الضحايا وذاكرة جلّادهم... ذاكرة المجاهدين وذاكرة المتعاونين مع الاستعمار، وحتى القضايا القنصلية الراهنة. وستساهم هذه الخطوة، مرة أخرى، في تغذية وتوجيه النقاش الداخلي في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية في فرنسا أكثر مما ستساهم في التحسن المتوقع للعلاقات الثنائية».

ووفق رحابي، فقد «استغل الرئيس الفرنسي، المنتهية ولايته، إلى أقصى حد ازدواجية الموقف المتأرجح بين الخطاب حول تطبيع العلاقات مع الجزائر، وخطواته تجاه عملاء الاستعمار وذوي الحنين إلى الجزائر الفرنسية، ومواقفه التي هي أكثر عدائية تجاه مصالحنا الدبلوماسية».

وأضاف: «إن رهن العلاقات بملف (الذاكرة) دون استيعاب عمقها في تشكيل الهوية الوطنية والوجدان التاريخي للجزائريين، لا يعدّ تصرفاً غير مجدٍ فحسب، بل هو مسار ضار يقود حتماً إلى تكرار الأزمات بصفة دورية؛ فالمساس بهذا الملف دون تقدير أبعاده السيادية هو أقصر طريق لإعادة إنتاج حالة الانسداد بين البلدين».

ورافق الوزيرة الفرنسية روفو، في زيارتها إلى الجزائر، التي انتهت السبت الماضي، سفير فرنسا لدى الجزائر ستيفان روماتيه، مسجلاً بذلك عودته إلى منصبه الذي غادره قبل عام، على خلفية انزلاق خطير شهدته العلاقات الثنائية، إثر سجن موظف قنصلي جزائري في فرنسا بتهمة «خطف واحتجاز» معارض جزائري مقيم بباريس.

شراكة استراتيجية صاعدة

إلى ذلك، شهد ملف نزاع الصحراء حراكاً دبلوماسياً جديداً انطلق من واشنطن؛ إذ أكد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، في تدوينة حديثة بحسابه بـ«إكس»، أن «الوقت قد حان للتوصل إلى حل نهائي لنزاع الصحراء». وجاء تصريحه عقب جلسة عمل جمعته بسفير الجزائر لدى الولايات المتحدة، صبري بوقادوم.

وزير خارجية الجزائر مع مستشار الرئيس الأميركي للشرق الأوسط (وزارة الخارجية الجزائرية)

وشدد المستشار الأميركي على «ضرورة بلوغ تسوية توافقية ومقبولة لدى الطرفين، تماشياً مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2797)»، الصادر في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، الذي جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لمدة سنة إضافية، ودعا إلى مواصلة العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة. كما أثار جدلاً لأنه عدّ مقترح الحكم الذاتي المغربي «أساساً واقعياً» للحل، في حين اعترضت الجزائر و«بوليساريو» على صياغته.

وفي هذا السياق، جددت واشنطن «تقديرها للجهود الدبلوماسية الحيوية التي تبذلها الجزائر لتعزيز السلم والاستقرار في المنطقة، ما يمثل خطوة مهمة في مسار الحوار الثنائي، والبحث عن استقرار دائم في المغرب العربي»، وفق ما جاء في تصريحات بولس.

وإلى جانب القضية الصحراوية، أتاح اللقاء، الذي شارك فيه أيضاً القائم بالأعمال الأميركي بالجزائر، مارك شابيرو، مراجعة شاملة للتعاون الأمني بين البلدين. وتناولت المناقشات نتائج المهمة الأخيرة التي قام بها قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال أندرسون، رفقة مساعدة وزير الخارجية، إلى الجزائر. كما ركز الجانبان على أهمية توسيع نطاق التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء.

وعلى الصعيد الاقتصادي، برزت الاستثمارات كرافعة أساسية لتقوية المحور بين الجزائر وواشنطن؛ إذ أشار مسعد بولس إلى وجود أكثر من 120 شركة أميركية تعمل حالياً في الجزائر. وقد بحث الطرفان تعزيز هذه الاستثمارات وزيادة حجم التبادل التجاري، مع التركيز بشكل خاص على قطاع الطاقة والقطاعات الاستراتيجية الأخرى التي تشهد توسعاً ملحوظاً.


موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»


جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع  المعارضة)
جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)
TT

موريتانيا: المعارضة تخرج للشارع ضد «الغلاء والتضييق»


جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع  المعارضة)
جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

خرجَ الآلاف من أنصار المعارضة الموريتانية، مساء الأحد، في العاصمة نواكشوط، للتنديد بما سموه تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع الحريات في البلاد، يرددون هتافات مناهضة لسياسات الحكومة ويتهمونها بالفشل.

وتجمهر أنصار المعارضة في ساحة عمومية، بقلب نواكشوط، وسط إجراءات أمنية مشددة، رغم أن السلطات رخصت للمظاهرة المعارضة التي تأتي في سياق سياسي واقتصادي متوتر، حيث توقفت الجلسات التمهيدية للحوار بين السلطة والمعارضة، وقرارات حكومية برفع أسعار المحروقات، وتبني سياسات ضريبية صارمة.

إثبات الوجود

وكثيراً ما تُتهم المعارضة الموريتانية بالخمول وعدم القدرة على تحريك الشارع، بل وأحياناً تتهم بالابتعاد عن انشغالات وهموم المواطنين، وهي تهم حاولت المعارضة أن ترد عليها في خطابات قادتها مساء الأحد، خاصة أنها المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات يشارك فيها جميع الطيف السياسي المعارض.

جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

وأعلن زعيم المعارضة الديمقراطية حمادي ولد سيدي المختار، وهو أيضاً رئيس حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أن الهدف من الخروج للشارع هو «التنديد بتدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع الحريات».

وقال زعيم المعارضة: «نحن في الشارع والميدان لنقف مع المواطن المظلوم والمطحون بالغلاء المعيشي والأوضاع الصعبة، نحن نمثل المعارضة التي تقف مع المواطنين في وجه تغول السلطة، وسياساتها الفاسدة».

وأضاف ولد سيدي المختار، الذي يقود أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، أن «حشود المعارضة» كانت أفضل رد على من وصفهم بـ«المشككين»، الذين «يروجون لمقولة إن المعارضة لم تعد موجودة في الشارع».

وأوضح زعيم المعارضة أن المظاهرة تأتي في سياق «أزمة اقتصادية حادة، جعلت المواطن ينشغلُ بالبحث عن لقمة العيش يومياً، بسبب ارتفاع الأسعار»، وشدد على أن سياسات الحكومة هي السبب في الأزمة، وقال: «نحن في المعارضة نرفض مسار الحكومة، خاصة تضييق الحريات وتكميم الأفواه»، مشيراً إلى اعتقال صحافيين وسياسيين ومدونين.

وخلص إلى تأكيد أن الحكومة كانت تراهنُ على «تفكيك المعارضة»، مشيراً إلى أن خروج المعارضة في مظاهرة موحدة «هي رسالتنا للحكومة، نحن هنا في الشارع، كمعارضة جادة تبحث عن التغيير»، وفق تعبيره.

عدالة ظالمة

وانتقد النائب البرلماني المعارض والمرشح السابق لثلاث انتخابات رئاسية بيرام الداه اعبيد ما قال إنه «تضييق على الحريات»، مشيراً في خطاب خلال مظاهرة المعارضة إلى أن «المواطنين يعانون أوضاعاً معيشية صعبة ومن قلة الدواء والماء والكهرباء، ومن غياب العدالة».

جانب من مظاهرة المعارضة مساء الأحد في نواكشوط (مواقع المعارضة)

أضاف ولد اعبيد: «العدالة في موريتانيا ظالمة، يُسجن فيها الضعفاء وحدهم»، وذلك في إشارة إلى إحالة ناشطتين حقوقيتين من أنصاره الأسبوع الماضي إلى السجن، بتهمة الإساءة للرموز الوطنية وسب شخص رئيس الجمهورية.

وتابع: «كان من الأولى أن يطول السجن من قالت محكمة الحسابات إنهم سرقوا 450 مليار أوقية من ميزانية سنة واحدة»، في إشارة إلى تقارير صدرت مؤخراً عن المحكمة تشير إلى اختفاء مبالغ في عمليات فساد، رغم أن الحكومة شككت في دقة هذه الأرقام.

وخلص ولد اعبيد في خطابه إلى التأكيد على أن «مشكلة موريتانيا تتمثل في نظام الفساد والرشوة والتفرقة والقبلية والعنصرية»، وختم خطابه بترديد عبارة «يسقط نظام ولد الغزواني»، وذلك في إشارة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي يحكم موريتانيا منذ 2019، وأُعيد انتخابه 2024 لولاية رئاسية ثانية.

ولم ترفع المعارضة شعار إسقاط النظام خلال المظاهرة، ولم يرد على لسان أي من قادتها باستثناء ولد اعبيد.

ردود فعل

أثارت مظاهرة المعارضة نقاشاً بين الموريتانيين، خاصة حول عدد المشاركين، حيث قدرتها مصادر في المعارضة بأكثر من 10 آلاف متظاهر، في حين ذهبت جهات في الأغلبية إلى القول إنها لم تتجاوز 3 آلاف فقط، وكل طرف استدل على تقديراته بصور حللها الذكاء الاصطناعي.

كما استخدم خصوم المعارضة صوراً جوية التقطت للمظاهرة، للترويج للشوارع والبنية التحتية التي أنجزتها الحكومة خلال الفترة الأخيرة ضمن برنامج حكومي لتنمية العاصمة نواكشوط، وحل مشاكل زحمة السير في عدد من مناطق العاصمة.

وقال الناشط السياسي في صفوف الأغلبية الحاكمة أحمد عيسى اليدالي إن «مهرجان المعارضة برهان جديد على الاستقرار الذي تعيشه موريتانيا، لأن خروج مظاهرة معارضة في ظروف طبيعية وسلسة، من دون تسجيل أي خرق أمني ودون مضايقة، يعطي صورة واضحة عن واقع ديمقراطيتنا».

وأضاف ولد اليدالي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن خروج المعارضة للشارع «تجسيد لمناخ الانفتاح السياسي الذي أرسى دعائمه رئيس الجمهورية. فنحن اليوم أمام دولة قانون تستوعب الجميع، حيث حرية التعبير ممارسة يومية مكفولة بالنظم المعمول بها».

ولكن ولد اليدالي قال إن المظاهرة «كشفت عن تحديات بنيوية تواجهها أطراف في المعارضة؛ إذ يبرز بوضوح غياب (الخيط الناظم) والرؤية البرامجية الموحدة... نلاحظ بأسف تذبذب الخطاب بين النخبوية المسؤولة وبين الانزلاق نحو الشعبوية السياسية التي تفتقر إلى البدائل الواقعية والمقنعة للرأي العام».

وخلص إلى التأكيد على أن المواطن الموريتاني أصبح «يمتلك الوعي الكافي للتمييز بين المعارضة التي تنتقد لبناء الدولة، وبين الأصوات التي تكتفي بالتصعيد الإعلامي دون أفق سياسي واضح».