لماذا تثير «الثانوية العامة» الأزمات في مصر؟

شهد نظامها تغييرات عدة على مدار عقود

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
TT

لماذا تثير «الثانوية العامة» الأزمات في مصر؟

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتفقد آخر امتحانات للثانوية العامة السنة الماضية (وزارة التربية والتعليم)

تتذكر المصرية كريمة أشرف، كيف أنها قبل 30 عاماً كانت إحدى طالبات أولى دفعات «الثانوية العامة»، التي خضعت لتطبيق نظامها الممتد بين العامين الثاني والثالث، الذي عُرف بنظام «التحسين»، وكان مثار حديث الأسر المصرية في هذا الوقت. حين أقر وزير التربية والتعليم وقتها، حسين كامل بهاء الدين، تعديلاً مكّنها وزملاءها من طلاب الثانوية دخول الامتحان 5 مرات بغرض تحسين المجموع.

وتعرّض نظام الثانوية العامة في مصر لتغييرات على مدار العقود الماضية، من بينها تغيير النظام من عام واحد رئيسي (الصف الثالث الثانوي) إلى عامين (الصفين الثاني والثالث الثانويين)، ثم عودة النظام القديم واحتساب المجموع لعام واحد فقط، مع وجود دور ثانٍ.

طلاب داخل إحدى لجان الثانوية العامة (وزارة التربية والتعليم)

وتلفت الأم الأربعينية إلى أنه عام 2018، عندما كانت ابنتها الكبرى تستعد للالتحاق بالصف الأول الثانوي، قرر وزير التعليم الأسبق طارق شوقي، العمل بنظام التعليم الإلكتروني، المعروف بـ«التابلت»، والاعتماد على المجموع التراكمي لثلاث سنوات.

وبالوصول إلى عام 2025، تترقب كريمة أشرف، الموظفة الحكومية، مصير توأمها، اللذين يدرسان حالياً في الشهادة الإعدادية، مع إعلان وزير التعليم، محمد عبد اللطيف، مقترحاً جديداً تحت اسم «البكالوريا».

وتمثل شهادة الثانوية محطة مفصلية في المسار التعليمي للطلاب، وتحظى باهتمام شديد من معظم الأسر المصرية، لما يتوقف عليها من تحديد مصير أبنائهم.

تقول الأم كريمة لـ«الشرق الأوسط»: «عايشت 3 حالات من أنظمة الثانوية العامة، أثارت جميعها أزمات متكررة، ولازم فيها القلق الطلاب وأسرهم، وسط أحاديث رسمية مع كل نظام جديد أنه يأتي لحل أزمة الثانوية العامة، ويقلل من هاجس الخوف منها، إلا أن ذلك لم يحدث مطلقاً، وبعد التجريب نعود للبداية، وتظل الشكاوى والقلق».

وأثار مقترح وزير التعليم المصري لتغيير نظام الثانوية العامة، واعتماد «شهادة البكالوريا المصرية» بدلاً منه، ضجة في الأوساط المصرية، الأمر الذي دعا الحكومة المصرية، لإجراء حوار مجتمعي لمناقشة التعديل الجديد. وقال الوزير في بداية جلساته، إن «نظام الثانوية العامة يحتاج إلى تعديل عاجل، فعدد المواد غير طبيعي، إلى جانب ما يمثله من ضغط تحولت معه الثانوية العامة إلى كابوس في المنزل المصري».

يقول الدكتور محب الرافعي، وزير التربية والتعليم المصري الأسبق، وعضو مجلس الشيوخ الحالي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الثانوية العامة تشهد تغييرات منذ عام 1905، الذي ظهر فيه اسم «البكالوريا» لأول مرة، «ومنذ ذلك التاريخ جاء التطوير والتغيير مدفوعاً بعدة أهداف؛ منها تحسين مستوى الطالب، أو محاولة مواجهة الدروس الخصوصية، لكن ذلك لم يتحقق فعلياً، ولم يقلل الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الأسر، وبالتالي كان بديهياً أن يصاحب كل نظام جديد جدلاً وأزمات».

وحول أزمات الثانوية العامة المستمرة، يقول: «الثانوية العامة بشكلها الحالي، رغم ما يناقش حالياً من تغيير اسمها إلى البكالوريا، لن يقلل من الضغوط، ما دامت الآليات كما هي ولم تتغير، وأبرزها المعلم غير المؤهل وبيئة التعلم غير الجيدة، وغياب الإدارة المدرسية الرشيدة، وعدم وجود امتحانات تقيس المهارات، وطالما أن النصف درجة يمكنه أن يحدد مستقبل الطالب ويغيّر مصيره، فهذه الآليات هي التي تحتاج إلى تغيير، وإذا لم تتطور فسوف تستمر الضغوط ويستمر العبء النفسي على الطلاب، وبالتالي ستظل الثانوية تمثل شبحاً ورعباً لهم ولأسرهم».

الثانوية العامة في مصر موضع جدل ونقاش مجتمعي متأزم (الشرق الأوسط)

وخاض امتحان الثانوية العامة في العام السابق 2024، أكثر من 750 ألف طالب وطالبة في الشعبتين الأدبية والعلمية بشعبتيها (العلوم والرياضة).

ويرى الوزير الأسبق أن المشكلة هي «أننا نبحث على التطوير دائماً فقط في المرحلة الثانوية، بينما الحل هي ألا تكون الثانوية العامة فقط المؤهلة للمرحلة الجامعية، والاتجاه إلى إقرار اختبارات القبول بالجامعات، مثلما يحدث عالمياً، بأن يتحدد الالتحاق بكلية ما وفق اجتياز الطالب اختبارات قبول وفق قدراته ومهاراته، وقتها ستزول الضغوط النفسية والمادية وتنتهي الأزمات المرتبطة بالثانوية كافة».

بدوره، يبيّن الدكتور رضا مسعد، رئيس قطاع التعليم العام الأسبق بوزارة التربية والتعليم وأستاذ التربية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الـ25 عاماً الأخيرة، شهدت 3 مشكلات رئيسية تعاني منها البيئة التعليمية، تتمثل في الغياب عن المدرسة، وانتشار الدروس الخصوصية، والغش، الذي تفاقم مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وحاول وزراء التعليم المتعاقبون معالجة هذه المشكلات من خلال إدخال تعديلات على نظام الثانوية العامة، واضعين في اعتبارهم أن عدم حل هذه المشكلات قد يطيح بهم من كرسي الوزارة».

ويشير مسعد إلى أن هذه التعديلات، وبينها مشروعات كانت ذات قيمة لتطوير الثانوية العامة، لم ترَ النور بسبب تعقد المشكلة ووجود عقبات إدارية وقانونية، أبرزها قانون التعليم في مصر، الصادر سنة 1981، الذي يحكم العملية التعليمية، «حيث نجد أن أي تغيير مقترح كان مخالفاً له»، وفق قوله.

ولفت إلى أن كل الوزراء السابقين بذلوا الجهد؛ لكنهم فشلوا في التطبيق، بسبب أنهم لم يضعوا القانون في حسبانهم، مبيناً أن تغييره يتطلب موافقة البرلمان بغرفتيه «النواب» و«الشيوخ»، وبقرار رئيس جمهورية، وذلك حتى يستطيع أي وزير تنفيذ التغيير الذي يريده.

ويرى المسؤول الأسبق أن مقترح البكالوريا الحالي لا جديد فيه إلا الاسم، منتقداً ما يذهب إليه المقترح من تعدد مرات «التحسين»، الذي يجب أن يكون مُحدداً لمرة واحدة فقط ووفق معايير معينة، لا تسمح لجميع الطلاب بتحسين مجموعهم، مع تجنب فكرة دفع المال مقابل ذلك، لأنه أيضاً مخالف للدستور والقانون، حيث إن التعليم مجاني في الدستور المصري، كما أن تعدد الامتحانات سيؤثر سلباً على تنسيق الجامعات.

في المقابل، يرى الخبير التربوي المصري، الدكتور حسن شحاتة، أستاذ علم المناهج في جامعة عين شمس، والذي شارك في الحوار المجتمعي الحالي حول قانون البكالوريا في أكثر من جلسة، أن «البكالوريا» بديل شرعي وعصري للثانوية العامة القديمة بمشكلاتها، حيث إنه آن الأوان لأن يكون هناك نظام تعليمي يضع مصر في مصاف ما هو موجود بالعالم.

ويبيّن شحاتة لـ«الشرق الأوسط»، أن «البكالوريا يمكنه منع أزمات الثانوية العامة، فهو يقلل عدد المواد التي يدرسها الطالب من 32 مادة إلى دراسة ربع هذه المواد فقط، وبالتالي يقلل العبء المعرفي، ويقلل الدروس الخصوصية، وهو أول نظام يطوّر المناهج ويضعها في إطار المنافسة، ويؤهل الطلاب للتعليم الجامعي، ويربطهم بسوق العمل».

وحول عدم نجاح أنظمة التعليم التي تم اقتراحها خلال العقود الماضية وما أثير حولها من جدل، يشير الخبير التربوي إلى أن «السبب أنها كانت تعديلات شكلية في الأساس، ولم تهتم بالمناهج وتأهيل الطلاب للتعليم الجامعي، بدليل رسوب الطلاب المتفوقين في سنواتهم الأولى بكليات الطب والصيدلة والهندسة، ولا تعبر الدرجات عن القدرات، بعكس نظام البكالوريا الذي يهتم بالقدرات والميول الخاصة بالمتعلم، وهو ما يخفف العبء على الطلاب وأولياء الأمور».

وعودة إلى الأم كريمة، التي تتمنى أن تشعر بنظام للثانوية العامة «مستقراً وغير مقلق»، مختتمة حديثها بسخرية: «سيذهب توأمي للبكالوريا العام المقبل... لكني أتمنى ألا أُعايش مع أحفادي في المستقبل أنظمة أخرى للثانوية بأزمات جديدة».


مقالات ذات صلة

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

علوم العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية. غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

تساعد في جمع وتنظيم ومشاركة وعرض المواد بطريقة إبداعية

جيريمي كابلان (واشنطن)
علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)
يوميات الشرق الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

شُطب معلّم سابق في مدرسة خاصة من السجل النقابي بعدما تبيَّن أنه كذب بشأن حصوله على شهادة من جامعة كامبريدج وعمله موظفاً قضائياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.