«25 يناير»... لماذا أصبح تاريخاً ملتبساً في مصر؟

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير بوسط القاهرة عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير بوسط القاهرة عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
TT

«25 يناير»... لماذا أصبح تاريخاً ملتبساً في مصر؟

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير بوسط القاهرة عام 2011 (أرشيفية - رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير بوسط القاهرة عام 2011 (أرشيفية - رويترز)

يُشكل تاريخ «25 يناير (كانون الثاني)» في مصر، ذكرى تنطوي على قدر من التباين والالتباس، بفضل التفسيرات «المتضاربة» التي يجسدها هذا التاريخ، من وجهة نظر نخب سياسية ومواطنين.

ورغم مرور 14 عاماً على «أحداث يناير» في 2011؛ فإن إحياء ذكرى ذلك التاريخ، يعكس خلافاً بين اتجاهين، أحدهما مناوئ لها لا يفضل وصفها بـ«الثورة» ويراها ذكرى للاحتفال بـ«عيد الشرطة»، بينما الآخر يتمسك بكونها «ثورة» حققت هدفها بالإطاحة بنظام حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

لكن «الإشكالية لم تعد في دلالات تاريخ (25 يناير)»، وفق سياسيين يرون أن التحدي الأكبر في «فقدان (ثورة 2011) زخمها بفضل تصاعد خطاب يراها سبباً رئيسياً في تحديات اقتصادية وسياسية تشهدها البلاد على مدى أكثر من عقد»، إلى جانب تحميلها مسؤولية «صعود تيار الإسلام السياسي وتولي جماعة (الإخوان) الحكم بعدها».

صعود تاريخ 25 يناير 2011 بوصفه «ثورة» جاء مع نجاح الاحتجاجات التي خرجت في ذلك اليوم ضد «نظام مبارك» ونجاحها في دفعه إلى التنحي بعد 30 عاماً من الحكم، غير أن تزامن التاريخ مع ذكرى احتفالات «عيد الشرطة» بمصر، أضفى جدلاً على مدار أكثر من عقد بسبب المعاني التي يجسدها هذا التاريخ.

وتحتفل مصر بعيد الشرطة في الخامس والعشرين من يناير، تخليداً لذكرى معركة الشرطة في الإسماعيلية (25 يناير 1952)، التي تصدت لهجوم من الاحتلال البريطاني وقتها، وأقرت الحكومة المصرية ذلك التاريخ، إجازة رسمية في البلاد منذ عام 2009، بوصفه «عيداً للشرطة» وفق «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية»، وبعد «أحداث يناير 2011» أُضيف إليه مناسبة الاحتفال بذكرى «الثورة».

وبحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور مصطفى السيد، «تتجاوز جدلية الاحتفاء بذكرى (25 يناير) مسألة الاعتراف بها بوصفها (ثورة)، وذلك لأن الدستور المصري الحالي منحها هذه الصفة، غير أن الإشكالية، في افتقادها للشعبية والقبول السياسي في الشارع المصري، بالمقارنة بذكرى (ثورة 30 يونيو/ حزيران 2013) التي أطاحت بنظام حكم جماعة الإخوان»، (وتصنف السلطات المصرية «الإخوان» جماعة إرهابية).

جانب من احتفالات المصريين في عام 2011 (أرشيفية)

وعرّف الدستور المصري الصادر في 2014 وتعديلاته في 2019، «أحداث 25 يناير»، بأنها «ثورة»، وجمع بينها وبين أحداث «30 يونيو»، مرتين في ديباجته.

ويعتقد السيد أن «الإعلام الرسمي في مصر لا يُفضل الاحتفال بذكرى (ثورة يناير)، ويركز في إحياء هذا التاريخ، بعدّه يوماً للاحتفال ببطولات الشرطة المصرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «كثيراً من روايات الإعلام الرسمي، ترى أن (ثورة 2011) السبب الرئيسي للأزمات الاقتصادية والتحديات التي تمر بها البلاد راهناً».

تزامن تاريخ «ثورة يناير» مع ذكرى احتفالات «عيد الشرطة»، يراه رئيس «كتلة الحوار» بمصر (كياناً سياسياً دُشّن من فعاليات الحوار الوطني)، باسل عادل، (وهو أحد الشباب الذين شاركوا في ثورة 25 يناير)، أفقد «ذكرى الثورة كثيراً من الزخم»، عادّاً «التاريخ غير موفق لتزامنه مع ذكرى وطنية ترتبط ببطولات جهاز الأمن في مصر»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاهتمام، ربما كان سيختلف، حال اختيار تاريخ آخر غير 25 يناير».

بينما لا يرى عضو «لجنة العفو الرئاسي» بمصر، كريم السقا (أحد الشباب الذين شاركوا في ثورتي 25 يناير و30 يونيو)، تعارضاً في إحياء ذكرى «عيد الشرطة» و«ثورة 25 يناير» في يوم واحد، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «كلا الحدثين يجسد معاني وطنية متشابهة، تهدف للاستقرار والإصلاح»، مشيراً إلى أن «طبيعة الثورات، الانتقال من مرحلة الزخم الثوري والتغيير، إلى الثورة على التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتحويلها لطاقة تنموية للإصلاح والبناء».

وعلى صعيد الاحتفال الرسمي في البلاد، منحت الحكومة المصرية، العاملين بالدولة، إجازة رسمية، السبت، بمناسبة ذكرى «ثورة يناير» و«عيد الشرطة»، وبعث رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، ببرقية تهنئة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لـ«ثورة يناير»، أشار فيها إلى «جهود بلاده لدفع مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

كما حضر الرئيس المصري، الأربعاء الماضي، الاحتفال بذكرى «عيد الشرطة»، قائلاً إنه «يدرك حجم المعاناة والضغوط الاقتصادية» في مصر، محملاً الشعب مسؤولية الحفاظ على «أمن واستقرار مصر» إلى جانب السلطة.

ووفق رأي مصطفى السيد: «قد لا يحلو لقطاعات من المصريين الحديث عن (ثورة 2011) حالياً»، مشيراً إلى أن «هذه القطاعات ترى أن أي تحرك جماهيري سيسبب آثاراً سلبية على الاقتصاد»، عادّاً أن «ذكرى (ثورة يناير) لم تعد تحظى بشعبية أو قبول في الشارع راهناً»، لكنه قال إن ذلك «لا يعني الأفول الكامل لـ(ثورة يناير) حيث هناك مصريون يعتزون بذكراها ويرونها نجحت في الإطاحة بنظام مبارك».

ويؤيد ذلك، باسل عادل، الذي يعتقد أن «(ثورة يناير) باتت من أبرز الحجج التي يدعي البعض أنها السبب في وصول (الإخوان) للحكم»، إلى جانب افتقادها للشعبية والتأثير تدريجياً لـ«عدم تحقيقها إنجازاً ملموساً، وعدم تطوير جيل السياسيين الذين ارتبطوا بها لتعزيز وجودهم بالشارع»، «في مقابل حضور متصاعد لقيادات الحزب (الوطني المنحل) الذي قامت ضده الثورة».

بنايات في العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

ويختلف في ذلك، كريم السقا، عادّاً أن «مسار الثورة ما زال مستمراً، لكن بآليات وأدوات مختلفة»، وقال إن «تحقيق الشعارات التي رفعها المتظاهرون في يناير (العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية)، لا يتطلب بالضرورة استمرار حالة الزخم الثوري والتغيير، لكن يمكن تحقيقها بالاستقرار والتنمية والانتقال لمرحلة البناء والإصلاح السياسي والاقتصادي».

وفي اعتقاد السقا، أن «ثورة 30 يونيو» مثّلت نقطة التحول لـ«ثورة 25 يناير»، من مسار الزخم الثوري إلى مرحلة أخرى، قائمة على البناء والإصلاح والتنمية، وفق مصالحة مجتمعية، تضمن مشاركة جميع الأطراف، مشيراً إلى أن «استمرار الحالة الثورية، قد يشكل عائقاً لتحقيق هدف الثورة من الإصلاح والبناء»، ودلل على ذلك «ببعض دول الجوار، التي ساءت أوضاعها الداخلية باستمرار نزعة التغيير والثورة».

وفاقمت الحرب الإسرائيلية على غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبعض الأحداث في المنطقة، من الأزمة الاقتصادية بمصر؛ حيث تراجعت توقعات السياحة، وانخفضت إيرادات قناة السويس بعد هجمات شنها الحوثيون في اليمن، على سفن تجارية في البحر الأحمر.

وبحسب عادل فإن «استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في بعض دول المنطقة، التي شهدت ثورات مثل مصر، من العوامل التي باتت ترى (أحداث يناير) تُشكل فزاعة واقعية أمام أي حديث عن الثورة».


مقالات ذات صلة

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

شمال افريقيا وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

عصام فضل (القاهرة)
رياضة عربية أحمد حسام ميدو (حساب اللاعب على «إكس»)

من النقد إلى الإيقاف: كيف خرج «ميدو» من المشهد الإعلامي؟

عقب انتقادات وتشكيك وجههما أحمد حسام (ميدو) لمنتخب «الفراعنة» ومنظومة الإدارة الرياضية في مصر وجد المُحلل الحالي نفسه خارج الشاشات بقرار منعه من الظهور الإعلامي

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاثة بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

قناة السويس تراهن على «هدوء التوترات» لاستعادة إيراداتها

قال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأحد إن القناة شهدت خلال النصف الثاني من عام 2025 تحسناً نسبياً وبداية تعافٍ 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».