بين ساركوزي والقذافي... من خيمة فخمة في باريس إلى سقوط مدوٍّ في طرابلس

الرئيس الفرنسي الأسبق يحاكم الاثنين المقبل بشبهات «التمويل الليبي» لحملته الانتخابية

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
TT

بين ساركوزي والقذافي... من خيمة فخمة في باريس إلى سقوط مدوٍّ في طرابلس

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)

أثار سعي نظام الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي إلى تحقيق مكانة دبلوماسية في مطلع القرن الـ21 الكثير من الشبهات حول مساهمته في تمويل الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي تبدأ محاكمته في هذه القضية، الاثنين المقبل.

ويواجه ساركوزي ووزراء سابقون تهماً بالفساد الدولي في محاكمة من المقرر أن تستمر حتى 10 من أبريل (نيسان) المقبل. لكن كيف مرت مراحل العلاقة بين ساركوزي والقذافي في تلك الحقبة، ومن خلالهما علاقة باريس وطرابلس، التي راوحت بين زيارة دولة أجراها الزعيم الليبي إلى باريس عام 2007 وصولاً إلى إطاحته ومقتله في 2011.

ليبيون يحتفلون في شوارع طرابلس بعد سقوط نظام القذافي (الشرق الأوسط)

بداية، يلفت حسني عبيدي، مدير «مركز دراسات العالم العربي والمتوسطي» في جنيف، إلى أنه عند وصول ساركوزي إلى الإليزيه سنة 2007، كانت ليبيا «عبارة عن دولة يغيب فيها القانون». ويتحدث عبيدي عن «رجال الخيمة»، في إشارة إلى مسؤولي الاستخبارات المحلية، الذين شكّلوا حلقة ضيقة حول القذافي أحيطت بـ«تعتيم كامل»، وتواصلوا مع حلقة ضيقة مماثلة أحاطت بساركوزي، مشيراً إلى أنه «لم تكن لمؤتمر الشعب العام (الليبي)، الموازي للبرلمان، أي صلاحية تذكر أو تأثير على القرارات التي يتخذها المحيطون بالقذافي».

حقائب أموال

خبِر الدبلوماسي الفرنسي، باتريك حايم زاده، النظام الليبي عن قرب، إذ خدم في طرابلس بين عامي 2001 و2004، وألّف كتاب «في قلب ليبيا القذافي». يقول حايم زاده إنه «كان من المتعارف عليه لنظام القذافي تمويل زعماء دول أجانب أو شخصيات سياسية في الحكم أو المعارضة، وغالباً عبر حقائب من النقود»، مشدداً على أنه يعود إلى القضاء الفرنسي «القول ما إذا كان ساركوزي أحد المستفيدين» من ذلك.

ويلفت حايم زاده إلى أن إعادة إطلاق الحوار بين فرنسا وليبيا سبقت وصول ساركوزي إلى الإليزيه عام 2007، فقد بدأ ذلك عام 2001 في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك، بعدما دان القذافي بشدة هجمات 11 سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة. واعتُبر موقفه حينها تبدلاً جذرياً من نظام مُتّهم بتفجير طائرة ركاب أميركية تحطمت في لوكربي الأسكوتلندية في ديسمبر (كانون الأول) 1988، وأخرى فرنسية تحطمت في النيجر في سبتمبر (أيلول) 1989، ما أسفر عن مقتل المئات، ووضع ليبيا تحت الحظر الدولي.

نظام القذافي اتّهم بتفجير طائرة الركاب الأميركية التي تحطمت في لوكربي الأسكوتلندية في ديسمبر 1988(أ.ف.ب)

لكن رغم تبدّل الموقف الليبي، بقيت بعض التحفظات قائمة «من الجانب الفرنسي، وذلك على خلفية النزاعات المعلّقة، والعقوبات الأممية والأوروبية والوطنية المفروضة»، حسب حايم زاده، الذي يشير إلى أن باريس استكشفت «محاور تعاون» تقتصر على مجالات غير استراتيجية، مثل الثقافة والسياحة.

«قناة مباشرة»

يؤكد حايم زاده أنه «خلال عام 2005، انضم ملحق أمني مرتبط بوزارة الداخلية خلال عام 2005 إلى السفارة الفرنسية في طرابلس، ما أتاح إنشاء قناة مباشرة بين وزارة الداخلية والمسؤولين الأمنيين الليبيين». ويقول بهذا الخصوص: «مع وصول نيكولا ساركوزي الى الإليزيه في 2007، اتخذت العلاقة منحى جديداً مع إقامة محاور جديدة للتعاون، وإمكانات لإبرام عقود مهمة، خصوصاً في المجال العسكري».

وكان من المتوقع أن تشكّل زيارة الدولة، التي أجراها القذافي لفرنسا في ديسمبر 2007، فرصة لتوقيع عقود بمليارات من اليورو. لكن ذلك لم يحصل، ما أثار توتراً في العلاقة بين الطرفين، حسب عبيدي، الذي يوضح أن هذا التشنج يعود، من المنظار الفرنسي، إلى أن «ليبيا بلد بكر. بلد يحتاج إلى بناء كل شيء. بلد يملك حقول نفط بالغة الأهمية. وأيضاً احتياطات من الذهب والفضة تسيل لعاب كل الحكومات الغربية».

هوس القذافي

كان القذافي، الذي حكم ليبيا منذ عام 1969، «مهووساً» بأمر وحيد: اكتساب شرعية لدى الدول الغربية. وفي هذا السياق، يشير عبيدي إلى أن نصب خيمة فخمة للزعيم الليبي في حديقة مقر الإقامة الرسمي، أواخر عام 2007، كان المؤشر على «إعادة تأهيل من الباب العريض». وفي حين كان من المقرر أن يمضي القذافي ثلاثة أيام في باريس، فإنه مدّد إقامته، واستضاف المثقفين والفنانين والسياسيين على التوالي. لكن الصناعيين الفرنسيين لم يجنوا ثمار زيارة الدولة هذه.

كان القذافي «مهووساً» بأمر وحيد: اكتساب شرعية لدى الدول الغربية (أ.ف.ب)

ورغم ذلك، أثار تجدد العلاقة بين فرنسا وليبيا حالاً من «النشوة» لدى باريس في بدايته، حسب جلال حرشاوي، الباحث المساعد في المعهد البريطاني «رويال يونايتد سرفيسز»، في تصريحاته لوكالة الصحافة الفرنسية. وفي صيف 2007، تمكّن ساركوزي من تأمين الإفراج عن خمس ممرضات بلغاريات، وطبيب فلسطيني، أمضوا ثمانية أعوام من التوقيف والتعذيب، على خلفية اتهامهم بحقن مئات الأطفال الليبيين بـ«فيروس السيدا» بشكل متعمد.

انحدار وسقوط

بعد ذلك، اكتشف ساركوزي أن القذافي ليس سهل المعشر على الدوام. ويؤكد حرشاوي أن النظام الليبي بنفسه بدأ يختبر في تلك الحقبة «شكلاً من أشكال التدهور»، موضحاً أن الفساد «بدأ يبلغ مستويات غير مسبوقة، والقذافي الذي كان يدعي أنه قادر على ضبطه، فقد السيطرة... لقد حصل نوع من التآكل البطيء للوضع، مع ترك العديد من المقربين من القذافي السفينة، وقام بعضهم باللجوء إلى فرنسا». وفي مارس (آذار) 2011، ألقى سيف الاسلام، نجل القذافي، قنبلة سياسية في اتجاه الرئيس الفرنسي بقوله: «يتوجب على ساركوزي أن يعيد المال الذي قبله من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».

سيف الإسلام طالب ساركوزي بأن يعيد المال الذي قبله من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية (الشرق الأوسط)

بهذا الخصوص يرى حرشاوي أن تمويل ليبيا لحملة ساركوزي «أمر معقول تماماً... نظراً إلى تقليد شراء طغاة أفارقة لسياسيين في فرنسا»، في إشارة على وجه الخصوص إلى مساهمة الرئيس الغابوني السابق، علي بونغو، بتمويل حملات انتخابية لساسة، أبرزهم شيراك، عام 1981. لكن الرئيس الفرنسي الراحل نفى هذه التهمة.

وشدد حرشاوي على أنه «من السخافة بمكان الاعتقاد أن الولايات المتحدة قادت التدخل العسكري ضد القذافي عام 2011 لمجرد إرضاء الرئيس ساركوزي، الراغب في طمس قضية التمويل» الليبي لحملته.

في مارس (آذار) 2011، أجاز مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة، استخدام القوة في ليبيا لحماية المدنيين في مواجهة القوات الموالية للقذافي. وفي أغسطس (آب) من العام ذاته، تمكن المتمردون من السيطرة على طرابلس. لكن بقي القذافي متوارياً حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حين عثر عليه، وأُردي على أيدي مسلحين قرب سرت.

ومنذ سقوط القذافي، لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة معترف بها دولياً، مقرّها في طرابلس، وأخرى منافسة في الشرق تحظى بدعم المشير خليفة حفتر.


مقالات ذات صلة

لأسباب «إنسانية»... السماح لبولسونارو بقضاء عقوبة السجن في الإقامة الجبرية موقتاً

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو (أ.ف.ب)

لأسباب «إنسانية»... السماح لبولسونارو بقضاء عقوبة السجن في الإقامة الجبرية موقتاً

أذن قاضٍ في المحكمة العليا البرازيلية للرئيس السابق جايير بولسونارو بقضاء عقوبته في الإقامة الجبرية داخل دارته، لأسباب إنسانية.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق بيل كوسبي في المحكمة بنورستاون في بنسلفانيا لمواجهة النطق بالحكم في قضية اعتداء جنسي... 24 سبتمبر 2018 (أ.ف.ب)

إدانة بيل كوسبي بالاعتداء الجنسي... وإلزامه بدفع 59 مليون دولار

أدانت هيئة محلفين في ولاية كاليفورنيا الأميركية الممثل الكوميدي بيل كوسبي بالاعتداء الجنسي في محاكمة مدنية، يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا أفراد من الشرطة يقفون حراساً خلال مسيرة في وسط لندن ببريطانيا - 15 مارس 2026 (د.ب.أ)

اتهام إيرانيَين بمراقبة كنيس ومراكز ثقافية يهودية في بريطانيا لصالح طهران

أعلن القضاء البريطاني أن إيرانيَين يُشتبه بمراقبتهما أشخاصاً وأماكن مرتبطة بالجالية اليهودية في لندن لصالح إيران، شملت أهدافهما كنيساً يهودياً ومراكز ثقافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الأفارقة في قابس التونسية (أ.ف.ب)

منظمات تونسية تطالب برفض الدعوى بحق مناهضين للعنصرية

دعا محامو الدفاع عن الناشطة التونسية المناهضة للعنصرية، سعدية مصباح، وعدد من المنظمات الحقوقية إلى رفض الدعوى بحقّها، خلال جلسة محاكمتها.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.