بين ساركوزي والقذافي... من خيمة فخمة في باريس إلى سقوط مدوٍّ في طرابلس

الرئيس الفرنسي الأسبق يحاكم الاثنين المقبل بشبهات «التمويل الليبي» لحملته الانتخابية

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
TT

بين ساركوزي والقذافي... من خيمة فخمة في باريس إلى سقوط مدوٍّ في طرابلس

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الإليزيه 10 ديسمبر 2007 (رويترز)

أثار سعي نظام الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي إلى تحقيق مكانة دبلوماسية في مطلع القرن الـ21 الكثير من الشبهات حول مساهمته في تمويل الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي تبدأ محاكمته في هذه القضية، الاثنين المقبل.

ويواجه ساركوزي ووزراء سابقون تهماً بالفساد الدولي في محاكمة من المقرر أن تستمر حتى 10 من أبريل (نيسان) المقبل. لكن كيف مرت مراحل العلاقة بين ساركوزي والقذافي في تلك الحقبة، ومن خلالهما علاقة باريس وطرابلس، التي راوحت بين زيارة دولة أجراها الزعيم الليبي إلى باريس عام 2007 وصولاً إلى إطاحته ومقتله في 2011.

ليبيون يحتفلون في شوارع طرابلس بعد سقوط نظام القذافي (الشرق الأوسط)

بداية، يلفت حسني عبيدي، مدير «مركز دراسات العالم العربي والمتوسطي» في جنيف، إلى أنه عند وصول ساركوزي إلى الإليزيه سنة 2007، كانت ليبيا «عبارة عن دولة يغيب فيها القانون». ويتحدث عبيدي عن «رجال الخيمة»، في إشارة إلى مسؤولي الاستخبارات المحلية، الذين شكّلوا حلقة ضيقة حول القذافي أحيطت بـ«تعتيم كامل»، وتواصلوا مع حلقة ضيقة مماثلة أحاطت بساركوزي، مشيراً إلى أنه «لم تكن لمؤتمر الشعب العام (الليبي)، الموازي للبرلمان، أي صلاحية تذكر أو تأثير على القرارات التي يتخذها المحيطون بالقذافي».

حقائب أموال

خبِر الدبلوماسي الفرنسي، باتريك حايم زاده، النظام الليبي عن قرب، إذ خدم في طرابلس بين عامي 2001 و2004، وألّف كتاب «في قلب ليبيا القذافي». يقول حايم زاده إنه «كان من المتعارف عليه لنظام القذافي تمويل زعماء دول أجانب أو شخصيات سياسية في الحكم أو المعارضة، وغالباً عبر حقائب من النقود»، مشدداً على أنه يعود إلى القضاء الفرنسي «القول ما إذا كان ساركوزي أحد المستفيدين» من ذلك.

ويلفت حايم زاده إلى أن إعادة إطلاق الحوار بين فرنسا وليبيا سبقت وصول ساركوزي إلى الإليزيه عام 2007، فقد بدأ ذلك عام 2001 في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك، بعدما دان القذافي بشدة هجمات 11 سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة. واعتُبر موقفه حينها تبدلاً جذرياً من نظام مُتّهم بتفجير طائرة ركاب أميركية تحطمت في لوكربي الأسكوتلندية في ديسمبر (كانون الأول) 1988، وأخرى فرنسية تحطمت في النيجر في سبتمبر (أيلول) 1989، ما أسفر عن مقتل المئات، ووضع ليبيا تحت الحظر الدولي.

نظام القذافي اتّهم بتفجير طائرة الركاب الأميركية التي تحطمت في لوكربي الأسكوتلندية في ديسمبر 1988(أ.ف.ب)

لكن رغم تبدّل الموقف الليبي، بقيت بعض التحفظات قائمة «من الجانب الفرنسي، وذلك على خلفية النزاعات المعلّقة، والعقوبات الأممية والأوروبية والوطنية المفروضة»، حسب حايم زاده، الذي يشير إلى أن باريس استكشفت «محاور تعاون» تقتصر على مجالات غير استراتيجية، مثل الثقافة والسياحة.

«قناة مباشرة»

يؤكد حايم زاده أنه «خلال عام 2005، انضم ملحق أمني مرتبط بوزارة الداخلية خلال عام 2005 إلى السفارة الفرنسية في طرابلس، ما أتاح إنشاء قناة مباشرة بين وزارة الداخلية والمسؤولين الأمنيين الليبيين». ويقول بهذا الخصوص: «مع وصول نيكولا ساركوزي الى الإليزيه في 2007، اتخذت العلاقة منحى جديداً مع إقامة محاور جديدة للتعاون، وإمكانات لإبرام عقود مهمة، خصوصاً في المجال العسكري».

وكان من المتوقع أن تشكّل زيارة الدولة، التي أجراها القذافي لفرنسا في ديسمبر 2007، فرصة لتوقيع عقود بمليارات من اليورو. لكن ذلك لم يحصل، ما أثار توتراً في العلاقة بين الطرفين، حسب عبيدي، الذي يوضح أن هذا التشنج يعود، من المنظار الفرنسي، إلى أن «ليبيا بلد بكر. بلد يحتاج إلى بناء كل شيء. بلد يملك حقول نفط بالغة الأهمية. وأيضاً احتياطات من الذهب والفضة تسيل لعاب كل الحكومات الغربية».

هوس القذافي

كان القذافي، الذي حكم ليبيا منذ عام 1969، «مهووساً» بأمر وحيد: اكتساب شرعية لدى الدول الغربية. وفي هذا السياق، يشير عبيدي إلى أن نصب خيمة فخمة للزعيم الليبي في حديقة مقر الإقامة الرسمي، أواخر عام 2007، كان المؤشر على «إعادة تأهيل من الباب العريض». وفي حين كان من المقرر أن يمضي القذافي ثلاثة أيام في باريس، فإنه مدّد إقامته، واستضاف المثقفين والفنانين والسياسيين على التوالي. لكن الصناعيين الفرنسيين لم يجنوا ثمار زيارة الدولة هذه.

كان القذافي «مهووساً» بأمر وحيد: اكتساب شرعية لدى الدول الغربية (أ.ف.ب)

ورغم ذلك، أثار تجدد العلاقة بين فرنسا وليبيا حالاً من «النشوة» لدى باريس في بدايته، حسب جلال حرشاوي، الباحث المساعد في المعهد البريطاني «رويال يونايتد سرفيسز»، في تصريحاته لوكالة الصحافة الفرنسية. وفي صيف 2007، تمكّن ساركوزي من تأمين الإفراج عن خمس ممرضات بلغاريات، وطبيب فلسطيني، أمضوا ثمانية أعوام من التوقيف والتعذيب، على خلفية اتهامهم بحقن مئات الأطفال الليبيين بـ«فيروس السيدا» بشكل متعمد.

انحدار وسقوط

بعد ذلك، اكتشف ساركوزي أن القذافي ليس سهل المعشر على الدوام. ويؤكد حرشاوي أن النظام الليبي بنفسه بدأ يختبر في تلك الحقبة «شكلاً من أشكال التدهور»، موضحاً أن الفساد «بدأ يبلغ مستويات غير مسبوقة، والقذافي الذي كان يدعي أنه قادر على ضبطه، فقد السيطرة... لقد حصل نوع من التآكل البطيء للوضع، مع ترك العديد من المقربين من القذافي السفينة، وقام بعضهم باللجوء إلى فرنسا». وفي مارس (آذار) 2011، ألقى سيف الاسلام، نجل القذافي، قنبلة سياسية في اتجاه الرئيس الفرنسي بقوله: «يتوجب على ساركوزي أن يعيد المال الذي قبله من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».

سيف الإسلام طالب ساركوزي بأن يعيد المال الذي قبله من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية (الشرق الأوسط)

بهذا الخصوص يرى حرشاوي أن تمويل ليبيا لحملة ساركوزي «أمر معقول تماماً... نظراً إلى تقليد شراء طغاة أفارقة لسياسيين في فرنسا»، في إشارة على وجه الخصوص إلى مساهمة الرئيس الغابوني السابق، علي بونغو، بتمويل حملات انتخابية لساسة، أبرزهم شيراك، عام 1981. لكن الرئيس الفرنسي الراحل نفى هذه التهمة.

وشدد حرشاوي على أنه «من السخافة بمكان الاعتقاد أن الولايات المتحدة قادت التدخل العسكري ضد القذافي عام 2011 لمجرد إرضاء الرئيس ساركوزي، الراغب في طمس قضية التمويل» الليبي لحملته.

في مارس (آذار) 2011، أجاز مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة، استخدام القوة في ليبيا لحماية المدنيين في مواجهة القوات الموالية للقذافي. وفي أغسطس (آب) من العام ذاته، تمكن المتمردون من السيطرة على طرابلس. لكن بقي القذافي متوارياً حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حين عثر عليه، وأُردي على أيدي مسلحين قرب سرت.

ومنذ سقوط القذافي، لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة معترف بها دولياً، مقرّها في طرابلس، وأخرى منافسة في الشرق تحظى بدعم المشير خليفة حفتر.


مقالات ذات صلة

سيول: محكمة تزيد عقوبة السجن بحق الرئيس السابق يون إلى 7 سنوات

آسيا الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول (أ.ب) p-circle

سيول: محكمة تزيد عقوبة السجن بحق الرئيس السابق يون إلى 7 سنوات

قضت محكمة ‌استئناف في كوريا الجنوبية، الأربعاء، بزيادة عقوبة السجن بحق الرئيس السابق، يون سوك يول، إلى 7 سنوات...

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق أم الطفلين زعمت أن أحدهما مصاب بسرطان العين (بيكساباي)

سجن أُم أسترالية زعمت إصابة طفلها بالسرطان لتعيش «حياة باذخة» بالتبرعات

حُكم على أُم أسترالية بالسجن أكثر من 4 سنوات، بعد أن زوَّرت تشخيص إصابة ابنها البالغ من العمر 6 سنوات بالسرطان، لجمع التبرعات، وتمويل نمط حياتها الباذخ.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
المشرق العربي صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

تونس: محاكمة صحافيَّين عُرفا بانتقادهما الشديد للرئيس سعيد

مثل الصحافيان مراد الزغيدي وبرهان بسيّس، اليوم الثلاثاء، أمام محكمة الاستئناف في تونس.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.