ترتيب أممي لمحادثات غير مباشرة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في جنيف

تُستأنف خلال يناير المقبل وتركز على حماية المدنيين

رمطان لعمامرة (أ.ف.ب)
رمطان لعمامرة (أ.ف.ب)
TT

ترتيب أممي لمحادثات غير مباشرة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في جنيف

رمطان لعمامرة (أ.ف.ب)
رمطان لعمامرة (أ.ف.ب)

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن المبعوث الأممي إلى السودان، رمطان لعمامرة، بدأ الترتيب لتوجيه دعوات إلى طرفي النزاع السوداني: الجيش و«قوات الدعم السريع»؛ لاستئناف محادثات غير مباشرة بمدينة جنيف السويسرية خلال يناير (كانون الثاني) المقبل، تركز على ملف حماية المدنيين.

وانخرطت مجموعة «متحالفون من أجل إنقاذ الأرواح وتحقيق السلام في السودان (ALPS)»، في الأيام الماضية، في مشاورات جديدة مع جهات فاعلة في المجتمع المدني السوداني تمثل النساء والشباب والمنظمات، لأخذ تصوراتها وملاحظاتها وعرضها ضمن أجندة المحادثات المرتقبة.

ونقلت المصادر لــ«الشرق الأوسط» عن المسؤول الأممي أن «(قوات الدعم السريع) وافقت على استئناف المحادثات، فيما أبدى الجيش موافقة شبه مبدئية على المشاركة، دون تأكيد رسمي من جانبه حتى الآن».

البرهان مستقبلاً المبعوث الأممي إلى السودان رمطان لعمامرة في يناير الماضي (وكالة السودان للأنباء)

وقالت إن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لعمامرة، «سيقود بنفسه المحادثات بين الطرفين للوصول إلى اتفاق ملزم بخصوص حماية المدنيين، ربما يفتح الباب لتفاهمات في قضايا أخرى بشأن الأعمال العدائية».

وخلال المفاوضات التي جرت بجنيف في أغسطس (آب) الماضي، أفلحت مجموعة «ALPS»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر وسويسرا والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، في الحصول على موافقة قوية من طرفي القتال على تأمين إعادة فتح وتوسيع طرق الوصول الإنساني دون عوائق بناء على أسس «إعلان جدة»، مهدت لاحقاً لوصول محدود للإغاثة إلى المدنيين بمناطق النزاعات في دارفور وكردفان.

ورغم ذلك، فإن المتحدث الرسمي باسم وفد «الدعم السريع» المفاوض، محمد المختار النور، قال في تصريح مقتضب لــ«الشرق الأوسط»: «لم تصل إلينا دعوة رسمية بعد من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، رمطان لعمامرة، بخصوص المحادثات المزمعة. وفي حال تمت دعوتنا، فسنرد عليها بعد دراستها».

قائد «قوات الدعم السريع» السودانية محمد دقلو يصافح المبعوث الأممي رمطان لعمامرة في أوغندا (أرشيفية - إكس)

وحدّ غياب وفد الجيش السوداني عن المشاركة في تلك المحادثات من الوصول إلى اتفاق حول الآليات المقترحة من قبل الشركاء في المجموعة الدولية بشأن حماية المدنيين، المتمثلة في تلقي الشكاوى ومعالجة المشكلات الناشئة بشأن تنفيذ الالتزامات المتعلقة بذلك الملف بموجب الاتفاقيات القائمة.

وتعثرت اجتماعات تشاورية رفيعة المستوى جرت بين قادة «مجلس السيادة السوداني» ومسؤولين أميركيين ضمن اجتماعين منفصلين في جدة والقاهرة خلال الأشهر الماضية، ولم تتوصل إلى تفاهمات بشأن مشاركتهم في مفاوضات جنيف السابقة، فقد أصر هؤلاء على المشاركة بوفد يمثل الحكومة السودانية، لكن الجانب الأميركي تحفظ على ذلك.

ووفقاً للمصادر، فإن جولة المحادثات المرتقبة في يناير المقبل «ستركز على إحراز اختراق كبير يقود إلى حمل الطرفين المتقاتلين على حماية المدنيين من خلال الاتفاق على إجراءات وقف العدائيات على المستوى الوطني بوصفها مدخلاً لوقف إطلاق النار».

جانب من مفاوضات جنيف لحل الأزمة في السودان (أرشيفية - حساب المبعوث الأميركي إلى السودان توم بيرييلو)

وقالت إن لعمامرة تحدث عن زيارة مرتقبة إلى مدينة بورتسودان؛ العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، خلال الأيام القليلة المقبلة، ومن المقرر أن يلتقي خلالها قادة «مجلس السيادة» وكبار المسؤولين في الحكومة السودانية.

وأضافت أن المبعوث الأممي سيوجه، خلال زيارته إلى بورتسودان، الدعوة مباشرة للحكومة السودانية للمشاركة في المحادثات، وأنه لم يستبعد أن تتمسك بشروطها السابقة، «لكنه أكد أن محادثات جنيف تستند في الأساس على ما تم التوصل إليه في (إعلان مبادئ منبر جدة)، وهو اتفاق لا خلاف عليه بين الطرفين».

وكانت «الدعم السريع» شاركت بوفد رفيع المستوى في محادثات جنيف السابقة، مؤكدة التزامها بتحسين حماية المدنيين، وضمان الامتثال لـ«إعلان جدة» وأي اتفاقيات مستقبلية أخرى، كما تعهدت لشركاء جنيف بإصدار توجيهات صارمة لقادتها وقواتها في الميدان للامتناع عن ارتكاب انتهاكات أو التعرض للعمليات الإنسانية التي جرى الاتفاق عليها.

وزير الخارجية السعودي في جدة إلى جانب ممثلين عن طرفي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق وقف النار (أرشيفية - رويترز)

ولا يزال المجتمع الدولي يرى أن المساعدات الإنسانية التي جرى تسييرها خلال الفترة القصيرة التي أعقبت محادثات جنيف «غير كافية»، داعياً إلى تحسين الظروف التي تمكّن من رفع نسبة الإغاثات والمعونات، وتتيح الوصول الإنساني إلى الملايين من المدنيين المتضررين من استمرار الحرب.

واندلعت الحرب بالسودان في منتصف أبريل (نيسان) 2023 بين رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، و«الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، واتسع نطاقها لتطول مناطق واسعة من البلاد، وتتسبب في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفقاً لتقارير من وكالات ومنظمات الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يدفع بقوات «النخبة» إلى جبهة «النيل الأزرق»

دفع الجيش السوداني، السبت، بوحدات قتالية من قوات «النخبة»، لإسناد قواته في خطوط المواجهة الأمامية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد، مع الحدود الإثيوبية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا «ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

«ييل» ترصد حشداً عسكرياً في قاعدة إثيوبية على حدود السودان

كشف تقرير مدعوم بصور للأقمار الاصطناعية لجامعة «ييل» الأميركية عن تصاعد كبير ومفاجئ في النشاط العسكري داخل قاعدة إثيوبية قرب الحدود السودانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في مخيم «أورا» بأسوسا في منطقة بني شنقول - جوموز في إثيوبيا (أ.ف.ب)

الحرب السودانية تقترب أكثر من الحدود الإثيوبية

قُتل 8 أشخاص على الأقل وأُصيب العشرات من المدنيين في هجمات بطائرة مسّيرة في منطقة سرو بولاية شمال كردفان غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

شمال افريقيا أرشيفية تُظهر سودانيين يفرون من العنف في دارفور إلى مدينة أدري التشادية (رويترز)

قصف على الحدود السودانية - التشادية يثير مخاوف من اتساع نطاق الحرب

قُتل 12 شخصاً وأصيب 7 آخرون، يوم الخميس، في قصف استهدف منطقة حدودية بين السودان وتشاد، وفق مصدر أمني تشادي، في حادثة أثارت توتراً جديداً بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

«الجامعة العربية» تُحذر من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

«الجامعة العربية» تُحذر من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

حذّرت جامعة الدول العربية من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة. وأعرب الأمين العام للجامعة نبيل فهمي، الاثنين، عن بالغ القلق إزاء التصريحات والخطط التي أعلنها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بشأن «التوسع في إقامة تجمعات يهودية جديدة في منطقتي النقب والجليل، وزيادة أعداد السكان اليهود فيهما، وما اقترن بذلك من توجهات تمس أوضاع البلدات العربية وصلاحيات أجهزة التخطيط والأراضي».

وأكد فهمي أن ما تتضمنه هذه الخطط من تمييز على أساس الهوية والانتماء القومي «يعكس تصاعداً خطيراً للنزعات العنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، ويكرس نهج التمييز والإقصاء على حساب مبادئ المساواة وحقوق المواطنين العرب».

كما يحذر من التداعيات المجتمعية والسياسية الخطيرة لمأسسة مثل هذه التوجهات وتحويلها إلى سياسات عامة.

وأشار الأمين العام للجامعة العربية في بيان، الاثنين، إلى أن هذه التطورات تأتي «في سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها التوسع الاستيطاني وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي ويهدد فرص التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة».

وشدد على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في التصدي لهذه السياسات والحفاظ على مقومات إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار «حل الدولتين» السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام الدائم في المنطقة.

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد أعلن، الخميس، عن خطة لتهويد منطقتي النقب والجليل وإنشاء 40 مستوطنة جديدة ونقل مليون يهودي إليهما، كما تحدث عن انضمام جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» إلى جهود ما وصفها بـ«مكافحة الأسلحة غير المشروعة» في صحراء النقب، وفق ما أوردت حينها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية.


أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
TT

أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

يراهن أنصار الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على مشاركة واسعة في احتفالات ذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر» هذا العام؛ إذ يعد الحدث أول اختبار سياسي وتنظيمي لتيارهم عقب اغتيال نجله سيف الإسلام القذافي في فبراير (شباط) الماضي بمدينة الزنتان.

ويسعى الموالون للنظام السابق، وفق متابعين، لإثبات أن تيارهم لا يرتكز على شخصية بعينها، بل على أفكار «الجماهيرية» وإرثها الذي يقولون إنه حاضر في وجدان قطاع واسع من الليبيين، مع توظيف المناسبة للمطالبة بكشف ملابسات مقتل سيف الإسلام، الذي اعتبره كثير من أنصاره «الوريث السياسي المحتمل لوالده».

جانب من احتفالات بني وليد الليبية بـ«ثورة الفاتح» (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

وفي خطوة تعكس رغبة هذا التيار في حشد الزخم وتأكيد حضوره قبيل الموعد، ضجت المواقع الإعلامية ومنصات التواصل القريبة منه والمحسوبة عليه بمقاطع وصور توثق استعدادات مبكرة في بعض المدن، تمثلت في تجهيز الأعلام الخضراء ورفع لافتات تحمل أبرز أقوال معمر القذافي وصوره، وكذلك صور سيف الإسلام قبل وفاته بل وطباعتها على بعض قطع الملابس.

وتوقع علي مصباح أبو سبيحة، رئيس «فريق المصالحة الوطنية» بتيار سيف الإسلام القذافي أن تكتسب احتفالات هذا العام «زخماً شعبياً واسعاً مقارنة بالأعوام السابقة»، نظراً لمقتل سيف الإسلام.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أنصار نظام القذافي عموماً، وتحديداً أنصار سيف الإسلام، سيسعون للوجود بقوة في الساحات لنفي ما يردده البعض من أن مقتله أضعف التيار الجماهيري وأنه سيتلاشى تدريجياً»، مشيراً إلى أن «تزايد أعداد المشاركين المتوقع هذا العام لا يمكن فصله عما تمر به البلاد من أزمات».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ولا يستبعد أبو سبيحة، وهو «رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن فزان»، وجود أطراف «قد تحاول إجهاض الاحتفال»، موضحاً أن هناك أصواتاً أعلنت صراحة أنها «ستقاوم هذا الاحتفال وتحاول منعه».

بدوره، أعرب الباحث السياسي والكاتب الليبي مصطفى الفيتوري عن «احتمالية اتساع رقعة الاحتفال جراء الغضب على غياب سيف الإسلام».

وتحدث الفيتوري، وهو من الموالين للنظام السابق، عن «استعدادات كبيرة للاحتفال في المناطق الموالية لنظام القذافي مثل بني وليد، وجنوب غربي ليبيا، وسبها، ومنطقة الجفرة».

واعتبر أن الانتشار الأمني المكثف في طرابلس منذ أسبوعين، والتابع في أغلبه لتشكيلات مسلحة لا لقوى نظامية، يعد «ورقة ضغط لترهيب المواطنين المؤيدين للنظام السابق ومنعهم من الاحتفال»، مستبعداً مع ذلك أي «احتكاك من شأنه تفجير الوضع في ظل الأزمات المعيشية الخانقة».

معمر القذافي (إ.ب.أ)

في المقابل، حرصت أصوات محسوبة على «ثورة 17 فبراير» على تذكير الأجيال الجديدة بـ«انتهاكات حكم القذافي الممتد 42 عاماً، مستحضرة ملفات الإعدامات الميدانية وقمع التعددية السياسية».

وأعلن وزير الثقافة الأسبق الحبيب الأمين دعمه لبيان «حراك العدالة الانتقالية»، الذي أكد أن الدعوة إلى الاحتفال بما سماه بـ«انقلاب سبتمبر 1969» تعد تمجيداً «لفعل أسقط الحياة الدستورية، وفتح البلاد لعقود من الاستبداد ومصادرة الحريات وانتهاك الحقوق ونهب الممتلكات».

ودعا بيان الحراك مؤسسات الدولة إلى منع أي مظهر رسمي «يمجد الاستبداد، وتطبيق القانون على من يحرض على العنف، واستصدار تشريع يجرم الاحتفاء بحقبة الاستبداد».

وقللت أصوات سياسية وشخصيات عسكرية شاركت في العمل المسلح لإزاحة نظام القذافي «من الضجيج المعتاد بذكرى الفاتح»، بحسب وصفها، معتبرة في تعليقات عبر منصات التواصل أن «الترحّم على أيام القذافي يأتي في الأغلب نكاية في القوى المتصدرة للمشهد شرقاً وغرباً، وبوصفه رسالة احتجاج على تدهور الأوضاع المعيشية لا أكثر».

جدير بالذكر أن ليبيا كانت تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي، قبل أن يقود القذافي حركة «الضباط الوحدويين» في الجيش الليبي، ليحكم البلاد نحو 42 عاماً منذ مطلع سبتمبر 1969.


بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
TT

بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

​طوت الدبلوماسية السورية نحو 14 عاماً من الغياب عن ليبيا إثر مباحثات أجراها وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الأحد، في العاصمة طرابلس بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون المشترك بين البلدين.

ويفتتح الشيباني خلال الزيارة سفارة بلاده في ليبيا، كما التقى والوفد المرافق له عدداً من المسؤولين الليبيين.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وكانت السفارة السورية في طرابلس قد أُغلقت عام 2012 بعد شهور من سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في أغسطس (آب) 2011، وذلك عقب اعتراف «المجلس الوطني الانتقالي» الذي تشكل في ليبيا آنذاك بالثورة السورية. ومنذ ذلك الحين انقطعت العلاقات بين البلدين خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وسعت الإدارة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، إلى فتح قنوات اتصال مع ليبيا عبر زيارة رسمية أجراها مسؤولون سوريون إلى طرابلس، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وآفاق التعاون المشترك في مختلف المجالات، في خطوة عدّها متابعون تستهدف رسم «علاقات جديدة تفيد البلدين».

«مرحلة جديدة»

وصل الشيباني والوفد المرافق له إلى مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، صباح الأحد، في مستهل زيارته الرسمية التي التقى خلالها عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

واستبق الشيباني لقاء الدبيبة بمباحثات أجراها مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، والذي كان في استقباله بالمطار.

الطاهر الباعور المكلف بتسيير شؤون الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس - الأحد (خارجية «الوحدة»)

وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بطرابلس، إن الشيباني والباعور عقدا مباحثات بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة «تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وسبل دفع العلاقات الليبية - السورية، وتعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وأشارت «الخارجية» إلى أن الجانبين بحثا «الإجراءات المتعلقة بإعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة طرابلس؛ بما يسهم في تعزيز التواصل الدبلوماسي بين البلدين، وتسهيل متابعة شؤون المواطنين، وتطوير أوجه التعاون الثنائي».

وتناولت محادثات الدبيبة مع الشيباني «إعادة تفعيل أطر التعاون الليبي - السوري، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتنشيط عمل اللجنة العليا المشتركة، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، ومعالجة عدد من القضايا المالية والمستحقات القائمة بين مؤسسات البلدين».

وتناول اللقاء أيضاً، بحسب مكتب الدبيبة، التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، وأوضاع الجاليتين والخدمات القنصلية، وملفات السجناء والموقوفين واللاجئين والنازحين، إضافة إلى إعادة افتتاح القنصلية السورية في بنغازي.

وأكد الدبيبة أهمية «فتح مرحلة جديدة من العلاقات... تقوم على المصالح المشتركة والتعاون العملي، ومعالجة الملفات العالقة بما يخدم مواطني البلدين».

الطاقة والاستثمار

أشارت وزارة الخارجية السورية إلى أن الوزير الشيباني اجتمع أيضاً مع وزير النفط والغاز الليبي، خليفة عبد الصادق، ورئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار، علي محمود حسن.

وبحث الجانبان خلال الاجتماع «التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والاستثمار، وسبل توسيع الشراكة وتبادل الخبرات في القطاعات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين».

يُذكر أن العلاقات السورية - الليبية خلال الفترة الماضية، شهدت تطوراً ملحوظاً في مجالات التعاون والتنسيق بين البلدين، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ففي أغسطس 2025، أعلن الوفد التقني الدبلوماسي السوري إلى ليبيا رفع علم بلاده على مبنى سفارة دمشق في طرابلس، تمهيداً لإعادة افتتاحها.

وكان الشيباني قد التقى في الرابع من الشهر الحالي، القائم بأعمال سفارة ليبيا في دمشق وليد حسن عمار، حيث بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

كما التقى الشرع مع الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، في أبريل (نيسان) 2025، وبحثا عدداً من الملفات المشتركة، كما اتفقا على تفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية.

خطوة تحمل «أبعاداً عملية»

بحسب وزارتي الخارجية السورية وتلك التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، تأتي زيارة الشيباني في إطار الحرص المشترك على تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع البلدين، والارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق الثنائي، بما يحقق تطلعات البلدين والشعبين الشقيقين.

ونوهت «الخارجية» في طرابلس بأن مباحثات الباعور والشيباني تطرقت إلى «استكمال الإجراءات المتعلقة بتفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية المشتركة، والتوقيع على الاتفاقية المنظمة لأعمالها، بما من شأنه فتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتنموية، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك».

ويرى الباحث التركي في العلاقات الدولية، مهند حافظ أوغلو، أن الانفتاح المتبادل بين طرابلس ودمشق «يعكس مساعي الدولتين للخروج من أزماتهما عبر صياغة خريطة علاقات خارجية مغايرة؛ فليبيا تجد في دمشق نافذة لتوسيع شراكاتها الإقليمية، بينما تسعى سوريا لاختراق عمق شمال أفريقيا عبر البوابة الليبية».

وذهب أوغلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخطوة الدبلوماسية تحمل أبعاداً عملية تتجاوز البروتوكول، لا سيما في معالجة الملفات العالقة المرتبطة بالوجود السوري في ليبيا من لجوء، و(عسكريين) وترتيبات إدارية»، معتقداً أن «هدف الجانبين هو بناء شراكة قائمة على المنافع المتبادلة وتجنب أخطاء الماضي عبر التنسيق المشترك».

ملف المفقودين والمحتجزين

كان وفد ممثل لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، قد التقى الشرع بدمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2024، حيث ناقش الطرفان العلاقات الدبلوماسية ومسائل الطاقة والهجرة غير النظامية.

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في دمشق - 28 ديسمبر 2024 (منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»)

وفي منتصف أغسطس الحالي، استقبلت ليبيا وفداً برئاسة القائم بالأعمال السوري سمير الشلبي، استهدف بحث التحديات التي تعيق تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن بينها صعوبات منح التأشيرات للسوريين وبعض الإجراءات الجمركية على الصادرات الليبية إلى سوريا.

مقاتلون سوريون يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية - 15 أغسطس (صفحة «حراك ضد التوطين»)

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من السوريين الذين نُقلوا من قبل تركيا للقتال في ليبيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت اسم «الفيلق الأفريقي».

وفي منتصف أغسطس الحالي، احتشد عدد من المقاتلين السوريين قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة» بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وتحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن أهمية زيارة الشيباني إلى ليبيا ولقائه رئيس الحكومة، وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «من الضروري أن يكون ملف السوريين المفقودين والمحتجزين في ليبيا ضمن أولويات الزيارة، والمطالبة بقوائم السوريين الموجودين في مؤسسات الإصلاح والتأهيل وبقية أماكن الاحتجاز، للمساعدة في حسم مصيرهم، وهل هم محتجزون أم فُقدوا خلال رحلات البحر».