ما هي سيناريوهات التعامل العربي مع الوضع في سوريا؟

وسط ازدياد المخاوف من توسيع الصراع بالمنطقة

أشخاص يحتفلون على متن سيارة وهم يحملون علم المعارضة السورية عند معبر المصنع الحدودي (رويترز)
أشخاص يحتفلون على متن سيارة وهم يحملون علم المعارضة السورية عند معبر المصنع الحدودي (رويترز)
TT

ما هي سيناريوهات التعامل العربي مع الوضع في سوريا؟

أشخاص يحتفلون على متن سيارة وهم يحملون علم المعارضة السورية عند معبر المصنع الحدودي (رويترز)
أشخاص يحتفلون على متن سيارة وهم يحملون علم المعارضة السورية عند معبر المصنع الحدودي (رويترز)

ردود عربية رسمية مع إعلان فصائل المعارضة المسلحة إسقاط الرئيس بشار الأسد، غلبت عليها متابعة تطورات الوضع في دمشق والتأكيد على الوقوف مع خيارات السوريين، وسط مطالبات بينها بدء عملية سياسية متكاملة، وتحذيرات من الانزلاق للفوضى.

وتأسيساً على المشهد السوري الحالي الذي يحيطه «غموض وعدم يقين بشأن مستقبله»، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط»، فإن التعامل العربي الرسمي لن يتجه صوب موقف موحد، وسيكون أغلبه يتطور ويتفاعل مع الوقت انتظاراً لمزيد من وضوح الرؤية، لافتين إلى أن هناك مسارين محتملين لأي سيناريوهات عربية الأول: دعم المؤسسات والمسار الانتقالي، والثاني: استعادة الحضور العربي واعتراف بالواقع ومتابعة تطوراته، وعدم تركه لأي تدخلات غير عربية، وسط تباين بشأن مقعد «الجامعة العربية» وتجميده لحين وصول سلطة جديدة أو القبول بقادة المرحلة الانتقالية الحالية.

وأعلنت المعارضة السورية، الأحد، أنها حررت دمشق، وأسقطت حكم الرئيس بشار الأسد الذي امتد 24 عاماً، بينما قال رئيس الحكومة السورية محمد الجلالي، إنه «مستعد للتعاون» مع أي قيادة يختارها الشعب ولأي إجراءات «تسليم» للسلطة، مع إعلان فصائل المعارضة البدء بدخول العاصمة.

ودعت «الخارجية السعودية»، في بيان، المجتمع الدولي للوقوف بجانب سوريا دون التدخل في شؤونها الداخلية، وتضافر الجهود للحفاظ على وحدة سوريا وتلاحم شعبها، بما يحميها من الانزلاق نحو الفوضى والانقسام.

كما أكدت مصر في إفادة لـ«الخارجية»، أنها «تتابع باهتمام كبير التغير، وتؤكد وقوفها إلي جانب الدولة والشعب السوري ودعمها سيادة سوريا»، ودعت إلى «بدء عملية سياسية متكاملة وشاملة تؤسس مرحلة جديدة من التوافق والسلام الداخلي».

زحمة سيارات لسوريين عائدين إلى بلادهم من لبنان على أثر سقوط النظام السوري (أ.ب)

وأعلنت قطر في بيان صحافي لـ«الخارجية» أنها أيضاً «تتابع باهتمام بالغ تطورات الأوضاع في سوريا،»، مؤكدة ضرورة الحفاظ على المؤسسات الوطنية ووحدة الدولة بما يحول دون «انزلاقها نحو الفوضى». وشددت على وقوفها الثابت إلى جانب الشعب السوري وخياراته.

عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني، أكد، الأحد، أنه بلاده «تقف إلى جانب الأشقاء السوريين وتحترم إرادتهم وخياراتهم»، وفق بيان للديوان الملكي، بينما شدد وزير الخارجية، أيمن الصفدي، عبر منشور بمنصة «إكس»، على أن بلاده «تتابع تطورات الأوضاع في سوريا، وستقدم كل إسناد ممكن للشعب السوري الشقيق في جهوده إعادة بناء وطنه ومؤسساته سيدعم أي عملية سياسية يطلقها الشعب السوري لحفظ حقوقه»، مؤكداً «ضرورة حماية سوريا من الانزلاق نحو الفوضى».

بينما أكدت الحكومة العراقية، المؤيدة للأسد، في بيان على لسان متحدثها، باسم العوادي، أنها «تتابع مُجريات تطوّر الأوضاع في سوريا، وتواصل الاتصالات الدولية مع الدول الشقيقة والصديقة، من أجل دفع الجهود نحو الاستقرار، وحفظ الأمن والنظام العام والأرواح والممتلكات للشعب السوري الشقيق».

وشددت على «أهمية عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري، أو دعم جهة لصالح أخرى»، مؤكدة أن «التدخل لن يدفع بالأوضاع في سوريا إلا إلى المزيد من الصراع والتفرقة، وسيكون المتضرر الأول هو الشعب السوري».

رجل يحمل سلاحاً خلال الاحتفالات بسقوط النظام السوري (رويترز)

وبشأن ردود الفعل، قال الكاتب اللبناني، بشارة خير الله، إن «هناك ترحيباً عربياً ودولياً بنهاية وسقوط نظام بشار الأسد»، مؤكداً أن «التعامل العربي يبدأ بالاعتراف وقبله بالترحيب».

ووفق المفكر المصري، الدكتور عمرو الشوبكي، فإن هناك مسارين للسيناريوهات العربية، بشأن سوريا، الأول: دعم المؤسسات والمسار الانتقالي والسلمي للسلطة، والثاني استعادة الحضور العربي وعدم تركه أي تدخلات غير عربية، بما يشمله من الاعتراف بالأمر الواقع والتعامل مع تطوراته بما يحفظ استقرار وسلامة سوريا وأمن المنطقة.

والمؤشرات الحالية، بحسب الشوبكي، تشي بأن هناك إقراراً بخيارات السوريين بصرف النظر عن المخاوف من الفصائل المسلحة والتي سيجري التعامل معها على أساس الممارسات، مؤكداً أن الاشتباك مع تطورات الأحداث السورية هو الأهم للدول العربية في إطار الموقف العربي المساند لبقاء الدولة، حتى لا نفاجئ بما حدث في العراق وليبيا من تدخلات غير عربية في ظل غياب العرب.

والعقبة أمام تنفيذ السيناريوهات العربية، ظهور الفوضى وإحياء تنظيمات مسلحة بالمنطقة، وفق تقدير المحلل السياسي الأردني، منذر الحوارات.

ورغم تلك التحديات، فإن الدول العربية بدأت بالفعل التواصل مع شخصيات المعارضة السورية من نحو أسبوع، وسيكون هناك جهود عربية تبذل لإبعاد المعارضة عن أي مسار للهيمنة الإقليمية عليها أو الاقتتال الداخلي، وستتجه لتطبيق مسار سياسي مبني على خارطة سياسية مطروحة منذ سنوات من الأمم المتحدة يجب تطبيقها حالياً، بحسب الحوارات.

أحد عناصر الفصائل السورية المسلحة في حماة (أ.ف.ب)

أما المحلل السياسي الأردني، صلاح العبادي، فقال إن الدول العربية كانت ولا تزال تقف إلى جانب الشعب السوري منذ 2011 وما تلاها مع انطلاق بداية اللجوء السوري إلى كثير من الدول العربية وبعد أن سقط النظام السوري فإن الدول العربية الآن معنية بعودة الأمن والاستقرار لسوريا، وأن يتم احتواء الأحداث بسرعة من خلال إجراء انتخابات رئاسية انتقالية، لمرحلة يشوبها الأمل نحو الاستقرار.

ومع استقرار الوضع، ستتجه الأنظار، بحسب العبادي، إلى عودة اللاجئين وإعادة إعمار سوريا، إذ إن العبء الأكبر سيكون على دول الجوار التي استضافت اللاجئين، وهو ما يتطلب أن تلعب دوراً في تسهيل عودتهم، متوقعاً أن يركز الدور العربي على توحيد المعارضة السورية وتقديم خريطة طريق للحل السياسي، إذ إن أي انقسام داخلي قد يفسح المجال أمام القوى الأجنبية لتعزيز نفوذها.

وكان الموقف العربي قبل إعلان خطوة إسقاط الأسد، «غير حاسم» بشأن الخطوات المتسارعة، وفق الخبراء، لأسباب بينها عدم وجود يقين بشأن التطورات، وبدا ذلك من الحديث العام بشأن سوريا في مخرجات القمة الخليجية مطلع الشهر الحالي، وتأجيل اجتماع الوزراء العرب الذي كان مقرراً، الأحد، بشأن سوريا لموعد لاحق، قبل أن يتضح أكثر عبر اجتماع وزراء الخارجية العرب مع مجموعة «آستانة»، السبت بالدوحة.

ويرى الشوبكي، أنه طبيعي أن يكون هناك نوع من الحذر والتريث والمخاوف المشروعة، وهذا جعل التعامل العربي يبدو رسمياً متمهلاً حتى رأينا لقاء الدوحة واستدعاء «مسار آستانة»، وبحث التطورات، موضحاً «لكن الآن بدأ مسار جديد في سوريا، وبدأ تجاوز ذلك الأمر، ويجب أن يكون الموقف العربي أكثر اشتباكاً ودعماً لسوريا».

وباعتقاد المفكر المصري، فإن هذا الموقف لن يؤثر في مقعد سوريا في «الجامعة العربية»، وسيسلم لمندوب النظام الجديد حسب خيارات الشعب السوري، وهو ما يراه خير الله، قائلاً إن مقعد سوريا موجود في جامعة الدول العربية بمعزل عمن يشغله، والأيام كفيلة بتبيان وبلورة الصورة بشكل أوضح.

في المقابل، يرى العبادي أنه من الطبيعي أن تتجه الدول العربية حالياً لتجميد مقعد سوريا في جامعة الدول العربية، أو أن يبقى المقعد شاغراً حتى انتخاب رئيس لسوريا بشكل رسمي، لكن هذا الأمر يحتاج إلى مدة زمنية لا تقل عن عام.

وبينما لم تعلق «الجامعة العربية» على موقف عضوية دمشق، قالت في بيان صحافي، الأحد: «نتابع باهتمام بالغ التطورات المتسارعة في سوريا، ونطالب كل الأطراف بإعلاء مفاهيم التسامح والحوار»، مطالبة الأطراف السورية بـ«الحفاظ على وحدة البلاد، ورفض التدخلات الأجنبية بجميع أشكالها».


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.