الجزائر: رحيل آخر قادة الولاية الأولى التاريخية

كان من أوائل مفجري الثورة وتقلد عدة مناصب بعد الاستقلال

العقيد الطاهر زبيري (الشرق الأوسط)
العقيد الطاهر زبيري (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: رحيل آخر قادة الولاية الأولى التاريخية

العقيد الطاهر زبيري (الشرق الأوسط)
العقيد الطاهر زبيري (الشرق الأوسط)

توفي العقيد الطاهر زبيري، آخر قائد للولاية التاريخية الأولى وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، اليوم (الأربعاء)، عن عمر ناهز 95 عاماً، إثر إصابته بمرض عضال ألزمه الفراش.

وبهذه المناسبة، قدم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تعازيه الخالصة في وفاة الزبيري، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية وعدة صحف محلية. كما تقدم وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، بتعازيه الخالصة إلى عائلة زبيري، وأكد ربيقة، الذي تنقل إلى منزل الفقيد لتقديم واجب العزاء، أن المجاهد الراحل «كان وسيظل رمزاً من رموز الوطنية، وقامة من قامات الثورة التحريرية المباركة»، كما أشاد الوزير بخصال الفقيد الذي تميز بـ«العزة والشموخ والمناقب الثورية الراقية، وروح الإخلاص للجزائر، والحرص على رقيها وازدهارها»، داعياً إلى «الحفاظ على ذاكرته، والعمل على أن يبقى نضاله وكفاحه راسخاً لدى الأجيال».

بدوره، تقدم رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، اليوم (الأربعاء)، بأصدق عبارات التعازي والمواساة إلى عائلة الزبيري، حسب ما أورده بيان لوزارة الدفاع الوطني، وقال إن الفقيد قدم دروساً في التضحية والوفاء للوطن.

وكان الفقيد قد انخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية، وكان من أوائل مفجري الثورة بها، وتقلد عدة مناصب ومسؤوليات بعد الاستقلال، ويعد الراحل من أبرز قادة الثورة الجزائرية، وآخر قائد للولاية التاريخية الأولى، كما شغل منصب قائد أركان الجيش الوطني الشعبي.

مسيرة نضالية حافلة

ولد الزبيري عام 1929 في سدراتة بمنطقة السوابع التابعة لبلدية أم العضائم بولاية سوق أهراس، ثم انتقل مع عائلته للعيش في مدينة الونزة بولاية تبسة، حيث عمل في المنجم، ثم انخرط مبكراً في النضال الوطني من خلال حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم المنظمة الخاصة عام 1947؛ حيث اعتقل وحكم عليه بالإعدام قبل أن يفر من السجن رفقة القائد التاريخي مصطفى بن بولعيد سنة 1955، ليتم تعيينه بعدها قائداً للفيلق الثالث بالقاعدة الشرقية، ثم قائداً للولاية التاريخية الأولى سنة 1960.

صورة التقطت للعقيد الطاهر زبيري قبل وفاته (متداولة على مواقع التواصل)

كان الفقيد من الرعيل الأول الذين فجروا الثورة في منطقة الونزة، حيث خاض معارك عدة، أشهرها معركة جبل أحمد في يناير 1955، التي أُسر فيها وأودع سجن الكدية بقسنطينة، وبعد عودته إلى صفوف جيش التحرير، تولى مسؤوليات متعددة في القاعدة الشرقية، حتى تعيينه قائداً للولاية الأولى التاريخية (1960-1962).

كما تقلد الراحل عدة مناصب رفيعة بعد الاستقلال، منها قائد الناحية العسكرية الخامسة (1962-1963)، وقائد الأكاديمية العسكرية بشرشال (1963)، ثم قائد أركان الجيش (1964-1967)، كما كان عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، وعضو مجلس الثورة (1965)، إضافة إلى عضويته في مجلس الأمة ضمن الثلث الرئاسي (2004).

وتكريماً لمسيرته النضالية؛ حاز الفقيد على وسام الاستحقاق الوطني برتبة أثير في أكتوبر 2018.

ترك الفقيد عدة مساهمات في كتابة تاريخ الثورة التحريرية، من بينها مذكراته التي حملت عنوان «مذكرات آخر قادة الأوراس التاريخيين 1929-1962»، التي جمع فيها بين السيرة الذاتية والوقائع التاريخية.


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر تطول المواصلات العامة

هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
TT

إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر تطول المواصلات العامة

هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)
هيكلة جديدة لجداول تشغيل حافلات النقل العام في مصر (هيئة النقل العام بالقاهرة)

طالت إجراءات «التقشف الحكومي» في مصر وسائل المواصلات، مع الإعلان عن هيكلة جداول تشغيل قطارات السكك الحديدية وحافلات النقل العام بهدف «ترشيد الإنفاق العام للحد من تداعيات الحرب الإيرانية».

وتناول وزير النقل المصري، كامل الوزير، خلال اجتماع موسع مع رؤساء الهيئات والشركات التابعة للوزارة، السبت، آلية العمل خلال المدة المقبلة قائلاً: «ستكون تحت شعار (تخفيض النفقات إلى أقصى حد وتعظيم الايرادات إلى أقصى حد)، والتنفيذ الفوري لقرارات مجلس الوزراء بشأن ترشيد استهلاك الطاقة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، ورفع كفاءة الأصول بما يدعم الاقتصاد القومي، مع الحفاظ على المستويات المتميزة للخدمات التي تقدمها وسائل وقطاعات النقل المختلفة في جميع البلاد».

وقررت الحكومة إجراءات «استثنائية» لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي ضمن حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والكافيهات في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، و«العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى.

كما أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في وقت سابق أنه «يتم غلق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، في السادسة مساءً، على أن يُكمل الوزراء أعمالهم الإدارية من منازلهم إن احتاجوا لذلك».

ووجَّه وزير النقل، السبت، بإعادة هيكلة جداول التشغيل الخاصة بقطارات السكك الحديدية بما يتناسب مع حجم الركاب لكل خط من الخطوط، وبما يسهم في استمرار تقديم خدمات مميزة لجمهور المواطنين، وكذلك المتابعة الدورية من قيادات الهيئة القومية للأنفاق لانتظام العمل بخطوط (مترو أنفاق القاهرة) الثلاثة، والقطار الكهربائي الخفيف، خصوصاً مع خطة الوزارة لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل النقل الجماعي بدلاً من السيارات الخاصة.

وزير النقل المصري خلال اجتماع السبت لمتابعة آلية ترشيد استهلاك الطاقة (مجلس الوزراء المصري)

كما وجه أيضاً بـ«استبدال حافلات النقل ذات نسب الإشغال المنخفضة بـ(ميني باص) حديث يقدم أعلى مستويات الخدمة لجمهور الركاب، وبما يسهم في تخفيض استهلاك الوقود، وخفض تكلفة التشغيل».

وبحسب أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «وسائل النقل العام من الممكن أن تلعب دوراً في ترشيد استخدام الوقود». وقال: «لو كانت هناك وسائل نقل جماعي تعمل بشكل منتظم ومريح للمصريين، أعتقد أنه من الممكن أن يقلل المواطنون الطاقة عبر تركهم سياراتهم الخاصة والتنقل بهذه الوسائل».

أضاف إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن يكون لدى الدولة المصرية خطط لتشغيل النقل العام، بحيث تستوعب فاقد الطاقة، ولو تم فرض تنظيم على السيارات الخاصة في المستقبل، لكان هناك نقل عام بديل بشكل جيد». ويوضح إبراهيم أن «قرار هيكلة جداول التشغيل في الحافلات العامة والقطارات هام جداً»؛ لكنه يراه «جاء متأخراً، وكان يجب ترشيد الخطوط منذ سنوات من قبل حدوث أي أزمة في الطاقة»، مشيراً إلى «أهمية أن يلعب النقل العام الآن دوراً في ترشيد الطاقة من وسائل النقل الصغيرة أو الخاصة».

تشغيل القطارات سيخضع لحجم الركاب لكل خط من الخطوط (الشرق الأوسط)

وشهدت مصر تطوراً في منظومة النقل على مدار السنوات الماضية، حيث تم دعم المدن بمحاور ربط إضافية، وتحديث وسائل النقل بشكل عام، بعد إضافة وسائل نقل جديدة تعمل في مصر لأول مرة مثل، (المونوريل والقطار السريع)، بجانب التوسع في استخدام «مترو الأنفاق» في القاهرة، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل المصرية.

وتحدث إبراهيم عن أنه «يجب أن نفرق بين الترشيد والمنع في أمر وسائل النقل العام والقطارات، فلا بد أن يكون هناك حد أدنى من أجل انتظام العمل في الدولة».

وطبقت الحكومة المصرية زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، الشهر الماضي، وقبلها رفعت أسعار المحروقات بنسبة تجاوزت الـ30 في المائة.

في سياق ذلك، شدد وزير النقل المصري، السبت، على قيادات النقل البحري بـ«الاستمرار في تنفيذ محاور الخطة الشاملة لتطوير صناعة النقل البحري كإحدى الركائز الأساسية لـ«رؤية مصر 2030» والتي تشمل تطوير وإنشاء الموانئ البحرية، واستعادة قوة الأسطول التجاري المصري، وتعزيز الشراكات مع المشغلين والخطوط الملاحية العالمية».

وحول استمرار «إجراءات التقشف الحكومي»، قال أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي «لا بد من ترشيد الجوانب كافة، وإجراء حزم قرارات تستهدف تقليص استهلاك الطاقة، وتوفير الموارد المالية الصعبة اللازمة لعمليات الاستيراد».

يأتي هذا في وقت تراقب فيه الحكومة المصرية أسواق الصرف والطاقة العالمية لضمان استقرار الإمدادات المحلية، مع التأكيد على أن استمرار خطط «التقشف» لمواجهة أزمات الطاقة مرهون بمدى استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية الدولية، وفق مراقبين.

وأكد وزير المالية المصري، أحمد كجوك في تصريحات، السبت، أن «الدولة ملتزمة بإجراءات وتدابير ترشيد الإنفاق، ونستهدف زيادة مخصصات بعض الجهات لتعزيز قدرتها على التعامل المرن مع الظروف الاستثنائية».


«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
TT

«فتاوى الغرياني» تشغل اللليبيين في ظل أزمات سياسية ومعيشية

الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)
الشيخ الصادق الغرياني (الصفحة الرسمية لدار الإفتاء)

تواصل فتاوى المفتي الليبي، الصادق الغرياني، شغل الليبيين في غرب البلاد على المستويين الشعبي والسياسي، إذ بات يُنظَر لها أخيراً على أنها تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والأسواق وحياة المواطنين اليومية، في ظلِّ أزمات سياسية ومعيشية متلاحقة، منذ عام 2011 وتستمر حتى يومنا هذا.

يُنظَر لفتاوى الغرياني على أنَّها تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد والأسواق وحياة المواطنين اليومية (أ.ف.ب)

وأثارت فتوى الغرياني الأخيرة، التي أجازت للتجار رفع الأسعار عند الدفع من خلال الوسائل الإلكترونية جدلاً شعبياً واسعاً، خصوصاً في وقت تعاني فيه ليبيا من شح السيولة، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، ما جعل هذه «الاجتهادات الاقتصادية» موضع نقاش حاد بين مؤيد ومعارض.

بين التأييد والرفض

معارضو الغرياني يرون في هذه الفتوى تناقضاً واضحاً مع مواقف سابقة نُسبت إليه قبل عامين، والتي كانت تحظر زيادة السعر عند استخدام البطاقة المصرفية، بوصفها استغلالاً للمواطنين، وهي أيضاً وجهة نظر «حراك سوق الجمعة» بالعاصمة طرابلس، الذي حذر فيه من «زيادة معاناة الناس».

رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في طرابلس محمد حميدة العباني (الصفحة الرسمية للهيئة)

وبينما عدّت هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية زيادة السعر «معاملة غير جائزة شرعاً»، تدخَّل المصرف المركزي لتوجيه الحرس البلدي باتخاذ إجراءات رادعة تجاه التجار، الذين يستغلون المواطنين بفروق الأسعار بين الدفع النقدي والدفع الإلكتروني، في خطوة تهدف إلى تعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني، وفق استراتيجية رسمية.

في المقابل، عدَّ مؤيدو الغرياني أنَّ دوره مهم، ويجب أن يتجاوز حدود رجل الدين، عادّين أن مواقفه تستجيب مع تطورات المشهد العام في ليبيا. وأمام الانتقادات حذَّر بعض الناشطين من أنَّ نشر آراء مخالفة لدار الإفتاء قد يؤدي إلى «فتنة وتأجيج الانقسامات»، بل عدَّه الناشط مروان الدرقاش أنَّه «يعطي ذريعةً للجرأة على مناكفة دار الإفتاء»، بحسب تعبيره.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وسط هذا الجدل، جاء تحذير عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابقة، نادية الراشد، من مخاطر توظيف الدين والفتاوى والآراء الفقهية في المجال الاقتصادي، في ظلِّ الصراع السياسي الدائر في ليبيا، عادّةً أنَّ هذه الممارسات تجاوزت حدود الجدل النظري لتلامس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وقالت الراشد لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخطورة لا تكمن فقط في تسييس الفتوى، بل في انعكاساتها العملية على حياة الليبيين، حيث باتت بعض الاجتهادات تُستخدم بوصفها أدوات ضغط، أو توجيهاً داخل المشهد الاقتصادي، بما يفاقم حالة الارتباك وعدم الاستقرار».

وأضافت الراشد أن «هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تكرَّرت على مدى سنوات الصراع منذ 2011 بين مختلف الأطراف، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تأجيج الانقسام، وتعميق حالة الاستقطاب، بدلاً من الدفع نحو حلول تراعي المصلحة العامة، وتفصل بين الديني والسياسي والاقتصادي».

ويُعرف الغرياني بأنه من الشخصيات الدينية المثيرة للجدل في ليبيا منذ 2011، إذ تولّى منصب المفتي بقرار من «المجلس الوطني الانتقالي»، ثم رئاسة دار الإفتاء لاحقاً.

ولطالما أثار المفتي، الذي يعرف في شرق ليبيا بـ«المعزول»، جدلاً واسعاً؛ بسبب مواقفه السياسية والدينية، واتهامه بالانحياز لتيارات إسلامية خلال سنوات ما بعد الثورة في ليبيا، قبل أن يصوت البرلمان على عزله، وإلغاء دار الإفتاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وذلك على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف والتدخل السياسي، إلى جانب دوره في دعم قوانين مثيرة للجدل.

«اجتهادات فقهية» مثيرة للجدل

يأتي الحديث عن الفتاوى الدينية ضمن سلسلة اجتهادات للغرياني أثارت جدلاً في السابق، بينها حديثه قبل أشهر عن تحديد احتياجات المواطنين من السلع بوصفها وظائف الحكومة ووزارة الاقتصاد وليس المصرف المركزي، أي أنه فصل بين دور الدولة في التخطيط الاقتصادي ودور المصرف المركزي، وذلك في برنامجه «الإسلام والحياة» على قناة «التناصح».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى (الصفحة الرسمية للمصرف)

بهذا الخصوص، قال العضو السابق بمجلس المصرف المركزي الليبي، مراجع غيث، إن القضايا الاقتصادية «مسائل حساسة وفنية بطبيعتها، وأي تدخل من رجال الدين، أو غير المتخصصين فيها، يربك المشهد المالي، ويؤثر مباشرة على حياة المواطنين».

وأضاف غيث لـ«الشرق الأوسط» أن «سوء التقدير في هذه المسائل قد يؤدي إلى تداعيات ملموسة على الاستقرار الاقتصادي»، مؤكداً «ضرورة اعتماد القرارات الاقتصادية على الخبرة الفنية والتخصصية، بعيداً عن أي توجيهات غير مختصة».

ولم تستثنِ آراء الغرياني القطاع النفطي، التي يُنظَر لها في بعض الأحيان بوصفها «فتاوى شرعية»، إذ وجَّه أخيراً انتقادات لشركة «أركنو»، المتهمة بـ«الضلوع في تهريب النفط» وفق تقرير أممي، ورغم ما لقيته من قبول لدى شريحة من الليبيين، فإنَّها أثارت تساؤلات أخرى حول حدود دور الغرياني المجتمعي.

وأطلق الغرياني، في وقت سابق، فتاوى مثيرة للجدل، من بينها فتوى دعت إلى منح أنقرة الأسبقية في عمليات التنقيب عن النفط والغاز، وذلك لمساندتها حكومة «الوفاق» السابقة في طرابلس ضد قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، وأخرى أجازت عدم شراء سلع من دول عدّها «عدوة»، كما أنَّه أباح تحويل أموال الزكاة للجماعات المسلحة في غرب البلاد.

في هذا السياق، دعا الخبير الاقتصادي خالد الزنتوني، علماء الدين إلى «التركيز أولاً على تعزيز وحدة الوطن، ومحاربة الفساد والتهريب والاعتمادات الوهمية، والرشوة، وسوء الإدارة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأولويات الوطنية يجب أن تتقدم قبل أي ممارسات أخرى».

وانتهى الزنتوني إلى أهمية «فتح حوار ديني علمي مع المختصين في الاقتصاد والمالية والمصارف، والاستفادة من دراسات المؤسسات الإسلامية العربية والعالمية؛ لتطوير السياسات الاقتصادية، بما يحقِّق قناعات مشتركة متوافقة مع تعاليم الإسلام».


«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير لوكيل النيابة لدى «القطب الوطني لمكافحة الإرهاب» في فرنسا، أوليفييه كريستن، في وقت أعلن فيه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بأنَّ البلدين استأنفا التعاون الأمني، والتنسيق بشأن استقبال المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية بالترحيل.

مسؤول القطب القضائي المتخصص في الإرهاب بفرنسا (إعلام فرنسي)

أشار أوليفييه كريستن في مقابلة مع إذاعة «فرانس أنفو» إلى تحقيقات جارية، تتعلق بما وصفه بـ«إرهاب الدولة»، وخصّ بالذكر الجزائر وروسيا وإيران؛ مشيراً إلى أن هناك 8 قضايا تتعلق بـ«إرهاب الدولة» مفتوحة حالياً لدى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وتستهدف خصوصاً البلدان الـ3.

وأجاب المسؤول القضائي الفرنسي على قضايا مطروحة بحدة في فرنسا، بينما وجهت النيابة الاتهام إلى 4 أشخاص، يُشتبه في تورطهم في مشروع هجوم استهدف المقر الباريسي لـ«بنك أوف أميركا».

وقال كريستن: «فيما يتعلق بإرهاب الدولة الإيراني، لدينا 3 قضايا قيد المعالجة حالياً»، مضيفاً أن هناك «5 قضايا أخرى ترتبط أساساً بروسيا والجزائر». وأضاف أن التحقيقات الجارية «تندرج ضمن المنطق نفسه»، موضحاً أن «هذه الدول الأجنبية لا تقوم بالضرورة بتنفيذ عمليات مباشرة ضد السكان الفرنسيين، بل تستهدف بشكل أكبر معارضيها الموجودين على الأراضي الفرنسية. أما الحالة الوحيدة التي تستهدف بشكل أوضح السكان الفرنسيين فهي إيران، حيث تستهدف جزءاً من الجالية الفرنسية، التي تمثل بالنسبة لها أعداءها، خصوصاً الجالية اليهودية».

وزير الداخلية الفرنسي مع نظيره الجزائري خلال زيارته الجزائر في شهر فبراير الماضي (الداخلية الجزائرية)

وتُعدُّ الاتهامات المُوجَّهة ضد الجزائر ثقيلة، ومن شأنها أن تقوِّض أي مساعٍ للتهدئة، وتصبّ الزيت على النار في الخلافات التاريخية والسياسية المشتعلة، بحسب مراقبين جزائريين، رأوا أن إقحام مصطلح «إرهاب الدولة» في سياق الحديث عن الجزائر يُمثّل سابقةً قضائيةً وإعلاميةً قد تدفع بالعلاقات نحو نقطة اللاعودة.

توجه إلى نقطة اللاعودة

لم يذكر مسؤول النيابة الفرنسية المتخصصة في مكافحة الإرهاب هوية «المعارضين» الجزائريين في فرنسا، الذين يُفترَض أنهم مستهدفون من طرف سلطات بلدهم، غير أنه، قياساً على الجدل المتفجر منذ عام، يرجح أن يتعلق الأمر باليوتيوبر المعارض أمير بوخرص، الذي يُشكِّل بمفرده «أزمة داخل الأزمة» في العلاقات الفرنسية - الجزائرية.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ففي أبريل (نيسان) 2025، وجَّه الادعاء الفرنسي تهمة «الإرهاب» لموظف قنصلي جزائري في باريس، تتعلق بخطف واحتجاز بوخرص، الشهير بـ«أمير دي زاد» في أبريل 2024. وأمر بسجنه على ذمة التحقيق. وجدَّد قاضي التحقيق بمحكمة باريس، الأسبوع الماضي، حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار حفيظة الجزائر، التي هدَّدت رسمياً بنسف كل خطوات التقارب، التي تمت بين البلدين في المدة الأخيرة، خصوصاً ما تعلَّق برفع التجميد عن التنسيق الأمني بشأن الإرهاب بالساحل، كما هدَّدت بتراجعها عن قرار رفض استقبال رعاياها المعنيين بالطرد من فرنسا.

واللافت أنه في مقابل هذا التصعيد الفرنسي الجديد، يخيِّم صمت رسمي مطبق من الجانب الجزائري، بعد مرور 24 ساعة من تصريحات مسؤول الجهات القضائية المختصة بالقطب الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا.

وفي ظلِّ غياب أي رد فعل فوري، يرى مراقبون أن سكوت سلطات الجزائر قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، خصوصاً في ظلِّ تراكم الملفات العالقة، وغياب مؤشرات حقيقية تعكس رغبة مشتركة في احتواء الأزمات المتتالية.

وبحسب علي بوخلاف، الصحافي الجزائري المتابع بدقة لتطور الخلافات بين باريس ومستعمرتها القديمة، فإنَّه «لن تؤدي هذه التصريحات الخاصة بإرهاب الدولة إلا إلى تأزيم العلاقات بين البلدين، لا سيما أنَّ هذه التصريحات تحمل أبعاداً خطيرة». في حين قال عدلان مدَي، مراسل مجلة «لوبوان» الفرنسية بالجزائر، إن المسؤولين في فرنسا «اختاروا معسكر أمير دي زد، وعليهم الآن تحمُّل تبعات قرارهم».

بدوره، كتب الموقع الإخباري الجزائري «إنترلينيي» بهذا الخصوص: «في كل محاولة لتدفئة العلاقات بين الجزائر وباريس، تظهر حبّة رمل تعرقل سير الآلة. والمثير للانتباه أن هذه الحبّة تأتي دائماً من الجهة نفسها»، مشيراً إلى أنَّ تصريحات أوليفييه كريستن حول تحقيقات بشأن إرهاب الدولة، تشمل خصوصاً الجزائر، «لن تسهم في تهدئة الوضع».

تهدئة رسمية مقابل تصعيد إعلامي

الموقع الإخباري «الجزائر 54» المؤيد لسياسات الحكومة، أوضح من جهته أن إقحام اسم الجزائر في سياق جيوسياسي مطبوع بحرب تشنها إسرائيل وحليفها الأميركي، «يندرج ضمن العداء الصريح الذي تضمره الدولة العميقة في فرنسا تجاه الجزائر، وهذه الحلقة الجديدة من الاستهداف تعيدنا إلى حملات العداء التي شهدتها سنوات العشرية السوداء، والتي قادتها الدولة العميقة الفرنسية، وأذناب الحنين إلى الحقبة الاستعمارية ضد الشعب الجزائري ومؤسساته».

الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز (مراسلون بلا حدود)

وأضاف الموضع ذاته قائلاً: «يجسد هذا التجاوز الفاضح لأوليفييه كريستن الوجه الحقيقي لنظام فرنسي يعيش حالة من الاحتضار، ويسقط ضحية لنموذجه الاستعماري الجديد تجاه الجزائر وشعبها. ويأتي هذا في وقت تسارع فيه دول أوروبية أخرى، على غرار بلجيكا، وسويسرا والبرتغال وإسبانيا، وإيطاليا، الخطى نحو تعزيز وتمتين علاقاتها مع الجزائر، التي باتت تُعدّر، أكثر من أي وقت مضى، فاعلاً وشريكاً موثوقاً لا يمكن الاستغناء عنه»، في إشارة إلى طلب أوروبي متزايد على الغاز الجزائري، في سياق تداعيات الحرب الجارية في الشرق الأوسط.

ومن المفارقات، أن هذا الفصل الجديد من التوتر جاء في اليوم نفسه، الذي أكد فيه وزير الداخلية، لوران نونيز، أن زيارته إلى الجزائر، التي تمت في فبراير (شباط) الماضي، بدأت تعطي نتائج إيجابية، مؤكداً في مداخلة عبر قناة «بي أف تي في» الفرنسية أن العلاقات مع الجزائر «دخلت مرحلة الاستئناف التدريجي»، وذلك بعد أزمة دبلوماسية حادة تجاوزت مدتها 18 شهراً، اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

وتناول المسؤول الفرنسي في حديثه عودة التنسيق الفعلي ضمن 3 محاور استراتيجية تُشكِّل العمود الفقري للتعاون الثنائي، وهي: الأمن، والقضاء، ومكافحة الهجرة غير النظامية. وفي تصريح مباشر يعكس هذا التوجه، أكد نونييز قائلاً: «إن التعاونَين الشرطي والقضائي، وكذا التنسيق في ملف الهجرة مع الجزائر بدأت تشق طريقها من جديد».

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفي مقابل هذا الانفتاح، تجنَّب نونيز الخوض في تفاصيل الملفات السياسية ذات الحساسية العالية، على غرار قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر بتهمة «تمجيد الإرهاب»، عادّاً أنَّها «ملفات سيادية، تقع ضمن الاختصاص الحصري لوزارة الشؤون الخارجية».