بعد 13 عاماً من رحيله... كيف يتذكر الليبيون فترة حكم القذافي؟

بيت المال: الحديث عن سيرته اليوم بات يجلب حسرة غالبية المواطنين

الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية)
الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية)
TT

بعد 13 عاماً من رحيله... كيف يتذكر الليبيون فترة حكم القذافي؟

الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية)
الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية)

تدفع الظروف الحياتية الصعبة أحياناً بعض الليبيين إلى «الحنين» لفترة حكم نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، باعتبارها فترة أمن وسلام في صفوف المواطنين؛ لكنها لم تمنع آخرين من تذكر ما شهدته حقبته -التي دامت 42 عاماً- من «تنكيل وإعدامات». وهذا التباين حول شخص الرئيس -الذي انتهى مقتولاً، وألقي جثة هامدة في ثلاجة تبريد للخضراوات بمدينة مصراتة- لا يزال حاضراً في ذاكرة خصومه ومؤيديه، بعد مرور 13 عاماً على هذا الرحيل المأساوي.

القذافي وبوتين في طرابلس شهر أبريل 2008 (رويترز)

اتهامات بالجملة لنظام القذافي

بالنسبة لخصوم القذافي، فإنهم يتهمون نظام حكمه بالتسبب فيما آلت إليه الأمور في ليبيا من أزمات سياسية وأوضاع معيشية صعبة، وهو ما يعبِّر عنه القيادي بحزب «ليبيا النماء»، عبد الرؤوف بيت المال، الذي يرى أن الحديث عن سيرة القذافي اليوم «بات يجلب حسرة غالبية الليبيين على ما تبدد من أعمارهم، دون أن يتمتعوا بعوائد ثرواتهم النفطية خلال حكمه». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القذافي «لم يخلف وراءه أي نهضة عمرانية ولا مشروعات كبرى، كما لم يؤسس كوادر سياسية وإدارية؛ بل جرَّف ليبيا من مختلف الجوانب؛ وبالتالي لا يجد الليبيون شيئاً جيداً يتذكرونه به».

ورداً على كثير من الليبيين الذين يؤكدون أن أسعار السلع كانت رخيصة ومتوفرة في عهد القذافي، انتقد بيت المال هذه المقارنة، بقوله: «هم يتجاهلون مسؤوليته عن انتشار السلاح، مع قيامه بفتح مخازنه في الشهور الأخيرة من حكمه، أملاً في قمع الثورة التي اندلعت ضده».

من احتفال سابق بذكرى «الفاتح من سبتمبر» (أ.ف.ب)

حسنات العقيد

في المقابل، يرى المحلل السياسي الليبي، حسين السويعدي -وهو من مؤيدي حقبة القذافي- أن «هناك أسباباً عديدة تدفع الليبيين لتذكر عهد الرئيس الراحل والترحم عليه؛ من بينها إشعار الليبيين بسيادة بلادهم». وقال السويعدي لـ«الشرق الأوسط» مدافعاً عن النظام السابق: «بعد أشهر قليلة من ثورة (الفاتح من سبتمبر) 1969، تم إجلاء قوات المملكة المتحدة والولايات المتحدة عن ليبيا، ومن قبلها إخراج أكثر من 30 ألف إيطالي، كانوا يسيطروا على كثير من الأراضي الزراعية».

بعض الليبيين يؤكدون أن أسعار جُل المواد الغذائية كانت أرخص وأوفر في عهد القذافي (أ.ف.ب)

واستهجن السويعدي ما يردده البعض من أن سيرة القذافي والحنين لعهده تنحصر أساساً في انخفاض أسعار السلع الغذائية في حقبته، ورأى أن الأمر لا يتعلق بهذه النقطة فقط «رغم كونها حقيقة؛ بل هناك أيضاً ارتفاع متوسط دخل الفرد في عهده»، مضيفاً أن ذكرى القذافي «تتردد اليوم عندما تتم الإشارة لكثير من الوزراء الذين تستعين بهم الحكومتان المتنازعتان على السلطة في شرق البلاد وغربها، ويتم تعريفهم بأنهم كانوا وزراء خدموا في نظامه»؛ معتبراً أن هذا الأمر «يجهض أي حديث عن عدم اهتمام القذافي ببناء الكوادر القيادية والنهوض بالتعليم».

صورة أرشيفية لاحتفالات ليبيين في طرابلس بذكرى «الفاتح من سبتمبر» (الشرق الأوسط)

مشانق للمعارضين

بالعودة للحديث عن انخفاض الأسعار في حقبة القذافي، انتقد رئيس مجموعة العمل الوطني للدراسات الاستراتيجية، خالد الترجمان، التركيز على هذه النقطة تحديداً، بينما يتم «تجاهل الانتهاكات التي ارتكبت في عهده، بالإضافة إلى قمع المعارضة السياسية، والإعدامات العلنية لعدد من قياداتها».

وقال الترجمان لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «في عام 2011 ثار شبان كانوا في العقد الثاني من أعمارهم، لشعورهم بأن القذافي بدد ثروات بلادهم؛ كما ثار عليه آباؤهم لأنهم عاصروا فترة تعليق المشانق للمعارضين في الجامعات والساحات العامة»، لافتاً إلى «القوانين المجحفة التي كان يتم العمل بها، ومنها القانون رقم (4) لعام 1978، والمعروف بـ(البيت لساكنه)».

فبموجب هذا القانون تم تجريد قطاع كبير من أملاك المواطنين، باستثناء ما يعيشون عليه، أي منزل أو قطعة أرض واحدة فقط، وتم نقل ملكية بقية الممتلكات للمستأجرين دون أي مقابل.

وتحدث الترجمان الذي كان أحد قيادات الحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي عن تفاصيل «وقائع الإعدام» التي تمت في تلك الفترة، وطالت طلبة الجامعات والقيادات الوطنية «عقاباً لهم على تطلعهم لدولة مدنية، ورفضهم لممارسة القذافي قمع الحريات». وبهذا الخصوص قال الترجمان إن القذافي «لم يترك سوى المآسي ليتذكره الليبيون بها»، وذكر من بينها «الإعدامات، ومن سقطوا تحت التعذيب في السجون، مثل أحداث (أبو سليم) بطرابلس التي قتل فيها أكثر من 1200 من المعارضين عام 1996».

صورة أرشيفية للرئيس الراحل مع بعض أفراد عائلته (الشرق الأوسط)

غير أن السويعدي يرى في المقابل أن حقبة القذافي حملت الخير لليبيين، داعياً خصوم النظام لرصد ما سمَّاه «ازدياد أعداد المشاركين في ذكرى (ثورة الفاتح) كل عام، ليدركوا كيف يجتذب هذا التيار كثيراً من الأنصار كل يوم، بما في ذلك من شاركوا في الثورة ضده»، حسب تعبيره.

بالموازاة مع احتفالات مؤيدي القذافي بثورته التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1969، تنشط أصوات سياسية لتذكير الليبيين بإقحام العقيد لليبيا في قضايا بصمت تاريخها الحديث، كقضية تفجير طائرة «لوكربي»، و«حرب تشاد».

أما الناشط السياسي فايز العريبي، فيرى أن القذافي: «باعتباره كان حاكماً لدولة أفريقية، ولإدراكه بأهمية القارة السمراء التي تتصارع عواصم كبرى اليوم للسيطرة عليها، مثل موسكو وواشنطن وبكين، فقد أسس كثيراً من المشاريع الاستثمارية بعدد من دولها، بالإضافة لشركات وفنادق مملوكة للدولة الليبية».

العريبي أكد أن الحملات ضد نظام القذافي «تستهدف قطع الطريق على إمكانية ترشح ابنه سيف للانتخابات الرئاسية» (الشرق الأوسط)

وقال العريبي إن كثيراً من الحملات التي لا تزال تثار في وجه نظام القذافي «تستهدف التشويش على الشعبية الواسعة التي يتمتع بها نجله سيف الإسلام، وقطع الطريق على إمكانية ترشحه في الانتخابات الرئاسية».


مقالات ذات صلة

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

شمال افريقيا آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

فيما رفض مصدر عسكري التعليق على الأمر، تحدثت تقارير إخبارية عن وجود ثلاث «مسيرة قتالية» أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي قيادات عسكرية بمدينة زوارة الليبية في الثاني من أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي يوسّع لقاءاته بقيادات أمنية لاحتواء توترات العاصمة الليبية

سعياً للتصدي لأي تصعيد، التقى محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي عدداً من القيادات العسكرية بمدينة زوارة، بهدف «دعم الاستقرار وفرض الأمن».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

تشهد الساحة الليبية حالة احتقان متنامية حيال المقاربة الأميركية لإدارة الأزمة السياسية، لا سيما في ظل تحركات توصف بأنها «مثيرة للجدل» يقودها مستشار ترمب.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة الأزمة الليبية الخاصة بمتابعة ناقلة الغاز الجانحة مع دبلوماسي روسي في طرابلس (وزارة المواصلات في غرب ليبيا)

«الرئاسي الليبي» يعزز مساعيه لاستقطاب ميليشيات غرب البلاد

تعددت تحركات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال الأيام الأخيرة، في مسعى لافت لاستقطاب أبرز التشكيلات المسلحة في غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي

علاء حموده (القاهرة)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.


ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وجد «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفسه أمام تساؤلات عديدة مجدداً بشأن حصوله فيما يبدو على «أسلحة جديدة» في ظل الحظر الدولي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

وجاءت هذه التساؤلات بعد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس، عن وجود ثلاث طائرات «مسيرة قتالية» جديدة أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا، يعتقد خبراء أنها «صينية وتركية الصنع»، دون نفي أو تأكيدات رسمية من «الجيش الوطني».

وتأتي هذه الأنباء في ظل سعي «الجيش الوطني» للتسلح، وتطوير أسلحته بقصد الدفاع عن سيادة البلاد، لكن قياداته دائماً ما تشكو الحظر الأممي وتداعياته.

طائرات في عرض عسكري بحضور حفتر في شرق ليبيا مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وأمام أحاديث متضاربة بشأن إدخال الجيش أسلحة جديدة إلى ترسانته، فضّل مصدر عسكري ليبي عدم التحدث في هذا الأمر؛ لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الملف «حساس وليس في سلطاتي الخوض فيه»، لتبقى الحقيقة معلقة أمام صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت الطائرات، بحسب «رويترز»، الخميس.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة خبراء، قالت إنهم بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية «يرجحون» أن تكون إحدى المسيرات هي الطائرة فيلونغ - 1 (إف إل - 1) صينية الصنع، وهي طائرة استطلاع وهجوم متطورة. واتفق الخبراء الثلاثة على أن الطائرتين الأخريين تبدوان من طراز «بيرقدار تي بي 2» التركية الصنع، وهي طائرات أقل قوة، لكنهم لم يستبعدوا أن تكونا من طرازات أخرى.

ولا ينقطع الحديث عن سباق تسلح محموم بين طرفي النزاع في ليبيا، التي تخضع لحظر تصدير السلاح وفق قرار أممي، إبان الحرب الأهلية التي أعقبت «الثورة» ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

الباحث العسكري محمد الترهوني فضل التذكير بقرار مجلس الأمن الدولي بتخفيف حظر التسلح على ليبيا في مطلع عام 2025، والذي يسمح بتوريد أسلحة ومعدات لأغراض «الدفاع ومكافحة الإرهاب»، بناءً على طلب حكومي، مشيراً إلى أن هذا القرار «أسهم في رفع مستوى التسليح والجاهزية».

ورأى الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة اقتناء الطائرات المسيرة «منطقية وضرورية»، بالنظر إلى ما أثبتته هذه الطائرات من كفاءة وفاعلية في ميادين القتال في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «التحديات الأمنية على الشريط الحدودي مع دول الساحل والصحراء، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود».

وأضاف الترهوني موضحاً أن الطائرات توفر «أدوات مراقبة وهجوم حديثة لتعزيز قدرة الجيش على التصدي للتهديدات وحماية الأمن الوطني».

وتوصل «الجيش الوطني» الليبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى اتفاق لشراء معدات عسكرية، بقيمة أربعة مليارات دولار من باكستان، تشمل طائرات مقاتلة من طراز «جيه إف - 17»، التي تم تطويرها بالتعاون مع الصين.

ويعتقد الترهوني أن الجيش عزز التعاون العسكري والتدريبي مع دول ذات وزن عسكري، مثل روسيا وبيلاروسيا وباكستان ومصر وتركيا، حيث حصل أفراد عسكريون ليبيون على دورات تدريبية متقدمة، ما رفع من «القدرة على التسليح والتأهب العملياتي».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وأشار الترهوني إلى الانفتاح الملحوظ للسلطات في شرق ليبيا على تركيا في المجالات العسكرية والاقتصادية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن زيارات نائب القائد العام للجيش، الفريق صدام حفتر، إلى أنقرة أسهمت في تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك لقاءات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين ووزير الدفاع.

ومنذ أعوام، قطع «الجيش الوطني» خطوات لتعزيز قوته، حيث أعلن إطلاق خطة «2030» لتطوير الجيش، كما استعرض قوته العسكرية في عرض ضخم في مايو الماضي، بمناسبة ذكرى إطلاق عملية الكرامة ضد الجماعات المتطرفة في شرق ليبيا.

ورغم ذلك، لا يستبعد محللون أن يبقى الحديث عن التسليح في ليبيا مفتوحاً على تساؤلات أخرى، في ضوء الصراع المستمر في البلاد بين شرقها وغربها، والقيود الدولية في مقابل الاحتياجات الأمنية المتصاعدة، علماً بأن «الجيش الوطني» خاض مواجهات مع تشكيلات مسلحة و«جماعات إرهابية» في شرق ليبيا وعلى حدودها الجنوبية من عام 2014.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد الجهة التي وردت منها الطائرات المسيرة أو متى حدث ذلك. ولم يرد «الجيش الوطني» الليبي وحكومتا الصين وتركيا، والشركتان المصنعتان للطائرات المسيرة، وهما «تشونغ تيان فيلونغ» الدفاعية التي تتخذ من مدينة شيآن مقراً، و«بايكار» ومقرها إسطنبول، على أسئلة تفصيلية. كما لم تعلق الحكومة التي ‌تتخذ من طرابلس مقراً أيضاً.


مصر: علاوات مالية حكومية لا تبدد المخاوف من الغلاء

المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
TT

مصر: علاوات مالية حكومية لا تبدد المخاوف من الغلاء

المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)
المصريون يشكون الزيادات المستمرة في الأسعار (إحدى أسواق منطقة السيدة زينب بالقاهرة - الشرق الأوسط)

تابع الشاب حسن شيبة (33 عاماً) بترقب، قرارات زيادة الرواتب والعلاوات الحكومية التي أعلنها رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مؤخراً على أن يبدأ تطبيقها بعد ثلاثة أشهر، ورغم سعادته بالزيادة فإن ذلك لم يثنه عن قراره البحث عن عمل آخر لتحسين دخله، مع الزيادات المستمرة في الأسعار، وهو يعمل حالياً «أوفيس بوي» في أحد البنوك.

وقال رئيس الوزراء المصري، ‌الأربعاء، ⁠إن الحكومة سترفع ⁠الحد الأدنى للأجور للعاملين ⁠في ‌القطاع ‌العام إلى ‌8 آلاف ‌جنيه مصري (149.62 دولار) ‌شهرياً ابتداء من يوليو (⁠تموز) ⁠2026، وهو ما يترتب عليه زيادة كل الدرجات الوظيفية.

يبلغ راتب شيبة، الذي يسكن في منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، 8 آلاف جنيه حالياً، لكنه لا يتحصل فعلياً إلا على 6 آلاف جنيه (الدولار نحو 54 جنيهاً) فقط، بعد خصم التأمينات والضرائب وغيرها من البنود، لافتاً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه تزوج حديثاً وليس لديه أطفال، ومع ذلك لا يستطيع العيش بهذا المبلغ «بعد دفع إيجار المنزل وفواتير المياه والكهرباء، لا نستطيع استكمال الشهر... لم نعد نشتري اللحمة أو نأكل طبق سلطة مع ارتفاع أسعار الخضراوات».

وعادة ما تتبع زيادة الرواتب في مصر زيادة جديدة في أسعار السلع بفعل تحريك التجار لها، حسب أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، الدكتور عاطف وليم، منتقداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الفجوة الزمنية بين إعلان الحكومة للزيادة وبدء تطبيقها «ذلك يجعل التجار يحركون السعر مرتين، مرة عند الإعلان عنها ومرة عند بدء تطبيقها».

وكانت الحكومة وعدت قبل أسابيع، بزيادة «استثنائية» في الرواتب، غير أنها جاءت مساوية في قيمتها المادية للزيادة السابقة في العام المالي 2025- 2026، التي رفعت الحد الأدنى للرواتب من 6 آلاف جنيه إلى 7 آلاف جنيه.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الزيادة الأخيرة فعلياً ستكون أقل من الزيادات الماضية، بالنظر إلى القيمة الحقيقية للزيادات والعلاوات (القوة الشرائية) وليس قيمتها المادية المعلنة، لافتاً إلى أن ما يستطيع المواطن الحصول عليه مقابل الألف جنيه العام الماضي، لن يستطيع الحصول عليه هذا العام في ظل زيادة معدلات التضخم، خصوصاً مع التوقع أن ترتفع نسبته بقفزة كبيرة، تأثراً بالقرارات الحكومية لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وكانت الحكومة قررت رفع أسعار المحروقات في مارس (آذار) الماضي، بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة، وانعكست الزيادة في ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات. وبلغ معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وانتقد بعض النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي قيمة الزيادات المعلنة، التي لا تتوافق مع التداعيات الاقتصادية للحرب على ميزانية المواطن، بعد ارتفاع البنزين وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه.

وكان الحد الأدنى للأجور السابق (7 آلاف جنيه) يُعادل نحو 146 دولاراً حين كان سعر الدولار يساوي 48 جنيهاً، بينما سيعادل الحد الأدنى للأجور الجديد (8 آلاف جنيه) نحو 148 دولاراً بعد ارتفاع سعر الدولار إلى 54 جنيهاً.

وتضمنت القرارات الحكومية صرف علاوة دورية (زيادة سنوية في الراتب) بقيمة 12 في المائة، وصرف زيادة 750 جنيهاً شهرياً للعاملين في القطاع الطبي، و1000 جنيه شهرياً حافزاً للمعلمين.

تنتظر المدرسة الأربعينية رحاب الزيات، الزيادة الجديدة في الراتب والحافز التعليمي، لمساعدتها في الصمود أمام ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادات الأسعار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نقدر للحكومة الزيادات لكنها للأسف لن تكافئ الزيادات التي يشهدها العالم ومصر من ضمنه، بسبب الحرب أو الزيادات الأخرى بسبب التضخم». لدى رحاب 3 أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، وتقطن في مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية.

ويرى عاطف وليم أن أزمة مصر الاقتصادية أعمق من تداعيات الحرب الإيرانية، قائلاً: «ستنتهي الحرب لكن ستستمر الأزمة التي تكونت على مدار سنوات مع إنفاق الحكومة موارد الدولة على مشروعات لن تحصل على العائد منها سوى بعد سنوات، في حين زادت الديون وفاتورة الدين وابتلعت الموارد، ونعاني من نقص مستمر في الرواتب بقيمتها الحقيقية رغم الزيادات المعلنة، منذ عام 2014».