البرهان: لا شروط مسبقة للحوار ونطالب بتنفيذ «اتفاق جدة»

السعودية قدمت 3 مليارات دولار والولايات المتحدة تطالب بـ«هدن إنسانية» في الفاشر

البرهان يدلي بخطابه في الأمم المتحدة بنيويورك 26 سبتمبر 2024 (إ.ب.أ)
البرهان يدلي بخطابه في الأمم المتحدة بنيويورك 26 سبتمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

البرهان: لا شروط مسبقة للحوار ونطالب بتنفيذ «اتفاق جدة»

البرهان يدلي بخطابه في الأمم المتحدة بنيويورك 26 سبتمبر 2024 (إ.ب.أ)
البرهان يدلي بخطابه في الأمم المتحدة بنيويورك 26 سبتمبر 2024 (إ.ب.أ)

اتهم رئيس مجلس السيادة قائد القوات المسلحة السودانية الفريق عبد الفتاح البرهان «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو، «حميدتي»، بأنها «خانت العهود» برفضها ما جرى الاتفاق عليه خلال محادثات جدة برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، مؤكداً أنه «لا يضع شروطاً مسبقة»، بل يطالب بتنفيذ التوافقات السابقة بين الطرفين.

وتزامن كلام البرهان مع نشاطات مكثفة في الأمم المتحدة على هامش أعمال الدورة السنوية الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث كشفت المملكة العربية السعودية أن مساعداتها بلغت أكثر من 3 مليارات دولار، بينما حضت الولايات المتحدة على التوصل إلى «هدن إنسانية»، لا سيما في الفاشر بدارفور.

وخلال مؤتمر صحافي في ختام مشاركته في نشاطات الجمعية العامة، قال البرهان إن بلاده «تتعرض لمؤامرة مشترِك فيها بكل أسف بعض القوى السياسية الداخلية وبعض القوى الإقليمية والدولية بغية تغيير السلطة بقوة السلاح»، مؤكداً أن «توجيه الأسلحة ضد المواطنين، بعد الثورة المجيدة، نتج عنه ما يمر به الشعب السوداني الآن».

وأوضح البرهان أن الحرب «خلَّفت آلاف القتلى وملايين النازحين والمشردين، وخلقت واقعاً إنسانياً فرضته هذه العصابة التي تهاجم السودانيين»، متحدثاً عن «استقطاب المرتزقة من كل أنحاء العالم ليقاتلوا في السودان». وقال: «نحن حريصون جداً على إيقاف هذه الحرب، وحريصون جداً على استعادة الأمن والسلم للسودانيين، وحريصون على الانخراط في أي مبادرة الهدف منها إيقاف الحرب». ووصف ما قُدِّم من مبادرات في السابق بأنها «لم تكن متوافقة مع الرؤية الوطنية، ولم تكن بصبغة سودانية؛ ولذلك لم تنجح المبادرات، بل فشلت لأنها لم تراعِ مطالب السودانيين». وأكد أن القوات المسلحة السودانية «لن تتخلى عن دورها في ردع المعتدين».

«ليست بين جنرالين»

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو أيام تحالفهما (أرشيفية)

ورداً على سؤالين لـ«الشرق الأوسط» بشأن ما إذا كان مستعداً للتفاوض مع «حميدتي»، قائد «قوات الدعم السريع» من دون أي شروط مسبقة على أساس «اتفاق جدة» الذي رعته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وبخصوص اتهامات المجتمع الدولي لـ«الجنرالين» بتقديم مصالحهما الشخصية على المصلحة الوطنية، قال البرهان: «نحن تحدثنا عن تنفيذ ما اتفقنا عليه في جدة. هذه ليست شروطاً مسبقة»، مذكِّراً بأن الطرفين اتفقا وكذلك الوسطاء وافقوا على «بنود محددة فيها خطوات متعلقة بالعمل العسكري والأمني، وفيها خطوات حتى متعلقة بمستقبل العمل السياسي. ووضعنا الآليات اللازمة للتنفيذ، واتفقنا على تشكيل القوات وقيادة القوات، واتفقنا على الميزانية، واتفقنا على كل شيء. نحن الآن نطالب بالتنفيذ. وهذه ليست شروطاً مسبقة». وأضاف: «نحن لن نجلس ما لم يُنَفَّذ ما اتفقنا عليه... لن نجلس مع من يخون العهود».

أما فيما يتعلق باتهامات المجتمع ضد «الجنرالين»، فقال إن «هذه فرية... هذه ليست حرباً بين جنرالين»، بل هي «حرب موجهة ضد الشعب السوداني والدولة السودانية، ما علاقة الجنرال البرهان بهذا الأمر؟! هذه لها علاقة بمحمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي يريد أن يسيطر على السودان عن طريق تشريد أهله، وإحلال سكان آخرين مكانهم»، مشبهاً «اختزال الحدث بوصفه (حرب الجنرالين)، بما حدث في الصومال عندما اختزلوا ما حدث هناك في شَخْصَي (الرئيس الصومالي السابق) علي مهدي محمد و(الجنرال محمد فرح) عيديد؛ ولذلك لم يستقر السودان حتى الآن». وأضاف: «نحن نرفض هذا الحديث من أي جهة تتحدث عن حرب بين الجنرالين». وأكد أن الجيش السوداني «لن يسمح» بمحاولات تقسيم السودان إلى دويلات.

«خريطة طريق»

جانب من الاجتماع التشاوري حول السودان في يونيو 2024 (الجامعة العربية)

وكان البرهان تحدث أمام الجمعية العامة، يوم الخميس، فوصف «قوات الدعم السريع» بأنها «مجموعة تمردت على الدولة بدعم سياسي ولوجيستي محلي وإقليمي»، وبأنها تتحدى القرارات الدولية، ومنها عدم الامتثال للقرار الخاص بالفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وإذ أكد أن «حكومة السودان ماضية بعزم في سياساتها لتسهيل العمل الإنساني»، تَحَدَّثَ عن خريطة طريق لإنهاء الحرب في السودان تشمل أولاً إنهاء العمليات القتالية، مؤكداً أن ذلك «لن يحدث إلا بانسحاب الميليشيا المتمردة من المناطق التي احتلتها». وأضاف أن ذلك «تَعْقُبه عملية سياسية شاملة تعيد مسار الانتقال السياسي الديمقراطي، وتضع الحلول المستدامة لملكية وطنية تمنع تكرار الحروب والانقلابات العسكرية». ودعا إلى تصنيف «قوات الدعم السريع» «جماعة إرهابية».

اهتمام عالمي

ممثلون للاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات وسويسرا والأمم المتحدة في صورة جماعية في ختام مناقشات جنيف بخصوص السودان في أغسطس 2024 (إ.ب.أ)

وكان السودان موضع اهتمام كبير خلال اجتماعات الأمم المتحدة التي شهدت اجتماعاً وزارياً على هامش أعمال الجمعية العامة بعنوان «تكلفة التقاعس: الدعم العاجل والجماعي لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية في السودان والمنطقة» برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ومصر والأمم المتحدة والاتحادين الأفريقي والأوروبي، بهدف الدعوة إلى إنهاء الحرب، ودعم الاستجابة الإنسانية في السودان والمنطقة.

وتحدثت القائمة بأعمال منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة جويس مسويا، عن الحاجة إلى «دفعة دبلوماسية متضافرة لإحداث تغيير جذري في وصول المساعدات الإنسانية، من أجل توصيل الإغاثة بشكل آمن ومبسط وسريع من خلال جميع الطرق الممكنة، سواء عبر الحدود أم خطوط الصراع، ولتيسير العمل اليومي للمنظمات الإنسانية على الأرض لإنقاذ الأرواح».

وحضت الدول الأعضاء على دعم الجهود الرامية إلى زيادة حجم المساعدات عبر معبر أدري من تشاد، وتمديد العمل بهذا الطريق الحيوي إلى ما بعد فترة الأشهر الثلاثة الأولية المسموح بها. وأوضحت أنه في ظل نقص التمويل وأثره على تقويض جهود الاستجابة داخل السودان وفي البلدان المجاورة، تم تخصيص 25 مليون دولار من صندوق الأمم المتحدة المركزي للاستجابة للطوارئ لمعالجة ظروف المجاعة، وانعدام الأمن الغذائي الحاد في السودان.

هدنة في الفاشر

من آثار القصف في الفاشر (مواقع التواصل)

وطلبت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد من الأطراف المتحاربة قبول «فترات توقف إنسانية للقتال في الفاشر والخرطوم وغيرهما من المناطق المتضررة بشدة للسماح بتدفق المساعدات وفرار المدنيين».

وقالت: «يجب على (قوات الدعم السريع) أن توقف على الفور هجومها المميت على الفاشر»، مضيفة أن «المسؤولية تقع على الطرفين، ويجب عليهما إزالة الحواجز أمام الوصول الإنساني على كل الطرق، ويشمل ذلك فتح معبر أدري بشكل دائم، وضمان حماية وسلامة العاملين الشجعان». وأعلنت تخصيص مبلغ إضافي قدره 424 مليون دولار للاستجابة الإنسانية الطارئة في السودان والدول المجاورة. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة أسهمت بملياري دولار منذ بداية هذا الصراع.

الدعم السعودي

من مساعدات «مركز الملك سلمان للإغاثة» في ولاية القضارف بالسودان (أرشيفية - واس)

وكشف المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» الدكتور عبد الله الربيعة، أن دعم المملكة للسودان بلغ «أكثر من 3 مليارات دولار»، مضيفاً أن «المركز ضاعف جهوده بعد نشوب الحرب حيث نفذ أكثر من 70 مشروعاً إنسانياً بتكلفة تجاوزت 73 مليون دولار بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى». وأضاف أن التحديات وتبعات الأزمة السودانية تستوجب تضافر الجميع لتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين دون قيود مع تنفيذ استجابة مستدامة ومنسقة ووصول آمن وغير مقيد إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.

وشدد على ضرورة تعامل المجتمع الإنساني مع الأزمة الإنسانية التي يشهدها السودان بعيداً عن الحسابات السياسية، مشدداً على أن ما يحدث «مأساة إنسانية تستوجب تجاوز الانقسامات». وأكد إمكانية «إحداث تغيير حقيقي يضمن تمتُّع جميع الشعب السوداني بفرص متساوية لإعادة بناء حياته.

ورأى مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون الأمم المتحدة عبيدة الدندراوي، أن «دول جوار السودان تقوم بجهود مضنية للتعامل مع تداعيات الأزمة، من خلال استقبال الملايين من الأشقاء السودانيين، ومشاركة مواردها المحدودة في ظل وضع اقتصادي عالمي بالغ الصعوبة». وكشف أن مصر استقبلت، منذ اندلاع الحرب، 1.2 مليون مواطن سوداني انضموا إلى نحو 5 ملايين سوداني يعيشون في مصر. وذكر أن الحكومة المصرية تقدم لهم مساعدات إغاثية عاجلة ومستلزمات طبية وخدمات أساسية.

ودعت المسؤولة في الاتحاد الأفريقي ميناتا ساماتي سيسوما الطرفين في السودان إلى وقف القتال، مؤكدة أنه «لا يمكن أن يكون هناك فائزون في هذه الحرب». وقال المفوض السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي إن «النازحين داخل السودان، الذين لا يجدون الرعاية والإغاثة، سيصبحون لاجئين. وقد عبر أكثر من مليوني شخص بالفعل إلى البلدان المجاورة، مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وهي بلدان تواجه أوضاعها الخاصة من عدم الاستقرار والهشاشة والتحديات الأخرى».


مقالات ذات صلة

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون يعملون في مزرعة مجتمعية بالقرب من مخيم فرشانا (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين

حذَّر «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، اليوم (الخميس)، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين؛ بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب) play-circle

مصر تتعهد باتخاذ «الإجراءات الضرورية» للحفاظ على وحدة السودان

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الأربعاء)، أن بلاده ستتخذ الإجراءات الضرورية للحفاظ على وحدة السودان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.


«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
TT

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)
رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

قال الرئيس الدولي لمنظمة أطباء بلا حدود، الدكتور جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات، مشيراً إلى تضرر عدد كبير من المستشفيات، أو خروجها عن الخدمة بالكامل، في ظل تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا، والحصبة، وهو ما يفرض ضغطاً هائلاً على منظومة صحية هشة أصلاً.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في وقت سابق إلى أن ما بين 70 و80 في المائة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة جراء الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023.

مرضى يتلقون العلاج في مستشفى بمدينة القضارف بشرق السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح عبد المنعم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن المدنيين يواجهون احتياجات ملحّة في مجالات رعاية الأمومة، والطفولة، وعلاج الإصابات، والرضوض، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، إضافة إلى الحاجة إلى مياه شرب آمنة، وخدمات الصرف الصحي، والدعم النفسي، ومساعدة الناجين من العنف الجنسي. وأفاد بأن الوصول إلى تقديم الخدمات الصحية لا يزال مقيّداً بشدة بسبب انعدام الأمن، والعقبات البيروقراطية.

وأضاف أنه رغم أن «أطباء بلا حدود» لا تتأثر مباشرة بهذه القيود، فإن منظمات إنسانية أخرى تواجه عائقاً إضافياً يتمثل في محدودية التمويل، وتقليص المساعدات.

كردفان والفاشر

وأشار إلى أن الاستجابة الدولية للنزاع في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وتراجعاً في الأولويات، وجموداً ناتجاً عن غياب الإرادة السياسية، مؤكداً الحاجة الماسة إلى تمويل عاجل، وضمان وصول آمن إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما في ذلك السكان في بؤر النزاع الحالية بولايات كردفان. ونوّه إلى أن العمل الإنساني مقيّد بإجراءات إدارية معقدة، وغير شفافة من أطراف النزاع، ما يبطئ إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، ويترك المجتمعات من دون الرعاية العاجلة التي تحتاجها.

مستشفى بشائر بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

وحول الأوضاع في مدينة الفاشر، أفاد المسؤول الدولي بأن بعض الأشخاص الذين نجوا من حصار «قوات الدعم السريع» للمدينة لمدة 500 يوم، ثم سيطرتها عليها لاحقاً، ووصلوا إلى منطقة طويلة على بُعد نحو 60 كيلومتراً، تلقوا الرعاية من فرق «أطباء بلا حدود»، وكانوا في حالة إنهاك شديد، ويعانون من سوء التغذية، والجفاف، فيما أصيب كثيرون بجروح خطيرة، من بينها طلقات نارية متقيّحة. وأضاف أن الناجين أفادوا بأنه خلال رحلات فرارهم شاهدوا جثثاً، وتعرضوا للتعذيب، وعمليات خطف مقابل فدية، والعنف الجنسي، والإهانات، وسُرقت جميع ممتلكاتهم. أما الذين بقوا داخل الفاشر حتى ما قبل 26 أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتمكنوا من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً، فقد واجهوا عنفاً مفرطاً شمل مجازر، وعمليات تطهير عرقي داخل المدينة، وعلى طرق الفرار منها.

100 حادثة عنف

وأشار عبد المنعم إلى القصف الذي تعرضت له المرافق الصحية، ومقتل مدنيين داخلها، مؤكداً أن أي هجوم، أو عرقلة تستهدف العاملين الصحيين، أو المنشآت الطبية، أو المساعدات الإنسانية تعرّض الأرواح للخطر، وتحرم المجتمعات من الرعاية التي تعتمد عليها. وأوضح أنه منذ أبريل 2023 وثّقت «أطباء بلا حدود» 100 حادثة عنف استهدفت كوادرها ومنشآتها ومركباتها وإمداداتها، شملت نهب وتدمير عيادات، وسرقة أدوية، واعتداءات، وتهديدات للعاملين الصحيين. كما أن تأخير منح التأشيرات، وطول إجراءات التصاريح أو منعها، والتغيّر المستمر في المتطلبات، كلها عوامل تعرقل إيصال الإمدادات الأساسية، وحركة الكوادر، وتقوّض الاستجابة الطبية في الوقت المناسب. وقال: «نحن لا نرصد خسائر المقاتلين، لكن منذ اندلاع النزاع وثّقت منظمة الصحة العالمية 198 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 170 من العاملين الصحيين، والمرضى، وإصابة أكثر من 400 آخرين». وكان وزير الصحة السوداني، هيثم محمد، قد أشار إلى أن خسائر القطاع الصحي بلغت نحو 11 مليار دولار، مؤكداً أنه مع عودة المواطنين إلى الخرطوم بعد النزوح بسبب الاشتباكات العنيفة، بدأ القطاع الصحي يتعافى تدريجياً من آثار الحرب.


«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
TT

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)
جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

أعادت جريمة العثور على «مقبرة جماعية» تضم جثامين 21 مهاجراً من جنسيات أفريقية، إلى أذهان الليبيين ملف الانتهاكات الجسيمة التي طالت «مهاجرين غير نظاميين»، خلال السنوات الماضية.

وتمكّن جهاز الأمن الداخلي، بالتعاون مع أجهزة أمنية أخرى في بنغازي بشرق ليبيا، من اكتشاف «مقبرة جماعية»، الثلاثاء الماضي، والعمل على انتشال الجثث التي تبيَّن أنها «قُتلت بعد تعرضها للاحتجاز والتعذيب داخل مزرعة يستخدمها مهرِّبو البشر سجناً غير شرعي».

ليبيتان تنتحبان بجوار حفرة يقول «اللواء 444 قتال» إنها تضم «مقبرة جماعية» في مقر مملوك للككلي مايو 2025 (من مقطع فيديو بثّه «اللواء»)

وعرفت ليبيا ظاهرة «المقابر الجماعية» على مستويات مختلفة تتعلق أحياناً بالمعارضين على خلفيات سياسية، أو المهاجرين غير النظاميين.

وحفل العام الماضي بالكشف عن عدد من «المقابر الجماعية» التي كانت تضم رفات مهاجرين غير نظاميين. فقد صُدم الليبيون بإعلان العثور على 19 جثة في فبراير (شباط) 2025، كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر.

وكشفت مديرية أمن الواحات بجنوب شرقي ليبيا، حينها، عن العملية التي وصفتها بأنها «شديدة القسوة وتخلو من الإنسانية»، بحضور عناصر من النيابة العامة.

وعقب مقتل عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، داخل معسكر التكبالي في مايو (أيار) 2025، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» المؤقتة بـ«الأمنية المعقدة»، أعلنت الحكومة العثور على «مقبرة جماعية» داخل مقر تابع لنجل الككلي في منطقة أبو سليم بطرابلس، استخرجت منها 10 جثث لرجال ونساء.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن «هذه الجريمة الخطيرة التي ارتُكبت في أجدابيا شرق ليبيا ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتندرج ضمن القضايا ذات الاهتمام لدى المحكمة الجنائية الدولية»، مستغرباً «عدم صدور أي بيان رسمي أو تعليق من حكومة شرق ليبيا أو وزارة داخليتها».

كان جهاز الأمن الداخلي في بنغازي قد قال إنه بعد جمع المعلومات والتأكد من تورط أحد الأشخاص من ذوي السوابق الجنائية، والذي يأوي مهاجرين غير قانونيين، داهمت قوات الأمن المزرعة الخاصة به وقبضت عليه.

وأشار إلى أنه جرى «العثور على عدد من المحتجَزين لديه، وقد تعرضوا لإطلاق نار وهم في حالة صحية سيئة، وجرى نقلهم إلى مستشفى الشهيد أمحمد المقريف المركزي التعليمي في أجدابيا».

وكانت سلطات شرق ليبيا قد تمكنت من القبض على تشكيل عصابي بتهمة «الاتجار بالبشر»، وقالت إنها نجحت في إنقاذ 47 مهاجراً مصرياً كانوا مخطوفين ويتعرضون للتعذيب والابتزاز المادي؛ في حين كشفت تقارير محلية ودولية عن «تدفق واسع» لأعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا عبر ليبيا.

وعمليات خطف المهاجرين غير النظاميين والاتجار بهم متكررة في ليبيا؛ ومن وقت إلى آخر تعلن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها ضبط تشكيلات عصابية و«تحرير» عشرات الضحايا من براثنها.

سوريون عائدون من طرابلس إلى بلادهم (وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة» المؤقتة)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس، مساء الأربعاء، ترحيل مجموعة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم من خلال رحلة عبر مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المعمول بها.

غير أن الحقوقي الليبي لملوم قال إن «رحلة السوريين الذين عادوا طوعاً إلى ديارهم شملت أكثر من 100 شخص، جُلّهم كانوا مقيمين في ليبيا منذ سنوات ومسجّلين لدى مفوضية اللاجئين، التي تكفلت بنفقات وتنظيم الرحلة».

وأشارت الوزارة إلى أنها تُواصل تنفيذ برنامجها الوطني بوتيرة منتظمة، كما ستستمر في هذه الرحلات الطوعية للسوريين خلال هذه السنة، بما يضمن معالجة هذا الملف بصورة منهجية وفعّالة، ووفقاً للإطار القانوني والإنساني المعتمد.