السيسي وإردوغان يؤكدان تطابق مواقف مصر وتركيا تجاه القضايا الإقليمية

مباحثات في أجواء ودية ومذكرات تفاهم للتعاون في مختلف المجالات

TT

السيسي وإردوغان يؤكدان تطابق مواقف مصر وتركيا تجاه القضايا الإقليمية

جلسة ثنائية بين السيسي وإردوغان بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)
جلسة ثنائية بين السيسي وإردوغان بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

أكدت مصر وتركيا تطابق موقفهما بشأن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار في غزة، وإيصال المساعدات الإنسانية، وحل القضية الفلسطينية بما يضمن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس الشرقية، والتصدي للتعنت الإسرائيلي وعرقلة التوصل إلى هذا الحل.

وعكست المباحثات، التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة، الأربعاء، في أول زيارة له لتركيا منذ توليه الرئاسة في مصر عام 2014، تطابقاً في وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الأوضاع في غزة والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين، وملفات سوريا والسودان والقرن الأفريقي، مع تباين نسبي بالنسبة للوضع في ليبيا، لا سيما بشأن الوجود الأجنبي، ووجود ميليشيات ومرتزقة في البلد الجار لمصر.

ووقعت مصر وتركيا عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم للتعاون في مجالات الطاقة والصناعة والنقل والتجارة والاستثمار والتعاون المالي والدفاعي وغيرها، خلال الاجتماع الأول للمجلس الاستراتيجي رفيع المستوى للعلاقات بين البلدين، الذي عُقد برئاسة السيسي وإردوغان.

السيسي وإردوغان خلال المؤتمر الصحافي في أنقرة (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، في مؤتمر صحافي مشترك مع السيسي، عقب انتهاء المباحثات: «بحثنا خلال الاجتماع الأول للمجلس الاستراتيجي رفيع المستوى تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة»، مضيفاً أن زيارته للقاهرة في فبراير (شباط) الماضي كانت «نقطة تحول» في علاقات البلدين، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن «واصلنا حوارنا وتعاوننا على أعلى مستوى. وقد واصلنا خلال العام الماضي أيضاً تعزيز العلاقات الاقتصادية، ورجال أعمالنا ومستثمرونا يواصلون الإسهام في الاستثمارات في مصر، ونشجعهم على ذلك، وننتظر قدوم المستثمرين المصريين إلى تركيا»، مشيراً إلى أن هناك «إقبالاً كبيراً من الشعب المصري على الثقافة واللغة التركية، والعام المقبل سنحتفل بالذكرى المئوية لتأسيس علاقاتنا الدبلوماسية، وسنواصل البناء على العلاقات التاريخية بين البلدين».

جلسة ثنائية بين السيسي وإردوغان بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

وأكد إردوغان ثقته بأن التقدم الإيجابي في العلاقات «سيسهم في تعزيز السياحة أيضاً»، مضيفاً: «نريد زيادة تعاوننا في مجالات الغاز الطبيعي والطاقة النووية والطاقة المتجددة، وقد وقّعنا العديد من الاتفاقيات في مجالات التعاون المختلفة، التي ستزيد من تعزيز العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة، بعد أن اتفقنا خلال زيارتي للقاهرة على إعادة تشكيل المجلس الاستراتيجي»، مشيراً إلى أن مصر «بين أكبر 5 شركاء تجاريين لتركيا، ونمضي بخطوات جيدة في هذا الشأن، وسنزيد حجم التبادل بين البلدين».

بالنسبة للقضايا الإقليمية، قال إردوغان إن تعاون مصر وتركيا وإسهامهما في سلام واستقرار المنطقة «أمر ضروري للغاية، وقد تناولنا في اجتماعنا مشاكل المنطقة وسبل حلها، واتفقنا على استمرار التشاور بيننا، والوضع الداخلي في فلسطين كان محور اجتماعنا اليوم، وتركيا ومصر لهما موقف مشترك بشأن ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة فوراً، ووصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع»، مؤكداً أن هناك «تطابقاً في مواقفنا، ونحن على تشاور وثيق بشأن هذه القضايا، وستسهم زيارة أخي السيسي في تعزيز وتعميق هذا التشاور».

وأضاف أن ثلث المساعدات التي وصلت إلى غزة حتى اليوم كان 32 في المائة منها من تركيا، وعبّر عن شكره للسيسي على دور مصر في إيصال هذه المساعدات.

جانب من استقبال إردوغان للسيسي بالقصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

كما انتقد إردوغان صمت بعض الدول تجاه سياسة العدوان الممنهج، التي تواصلها حكومة نتنياهو، وقال إنه يجب أن يتم الحؤول دون أن توسع إسرائيل نطاق الحرب إلى دول أخرى بالمنطقة.

من جانبه، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن السنوات الماضية شهدت ازدهاراً في التواصل بين الشعبين المصري والتركي، لا سيما من خلال الحركة السياحية المتنامية، والعلاقات التجارية والاستثمارية، التي تشهد نمواً مطرداً، فضلاً عن زيادة الاستثمارات التركية المشتركة في مصر، لا سيما في مجال التصنيع.

وأضاف السيسي موضحاً: «شهدنا اليوم توقيع عدد من مذكرات التفاهم خلال اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي، الذي يهدف إلى تحقيق نقلة في التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والنقل والزراعة والسياحة»، مشيراً إلى أن هذه المذكرات ستضع إطاراً مؤسسياً جديداً للعلاقات بين البلدين.

السيسي وإردوغان (الرئاسة التركية)

وتابع الرئيس السيسي قائلاً: «مباحثاتنا تناولت كذلك تأكيد أهمية تيسير اتفاقية التجارة البينية، وتوسيع اتفاقية التجارة الحرة، بهدف زيادة حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بالإضافة إلى تعزيز الاستثمارات المتبادلة، ومنح التسهيلات الممكنة لرجال الأعمال الأتراك في ظل مناخ الاستثمار المتيسر في مصر، الذي مكنهم من زيادة حجم أعمالهم وبيع منتجاتهم في مصر والتصدير للخارج».

وأضاف الرئيس المصري: «لعل زيارتي اليوم، ومن قبلها زيارة الرئيس إردوغان للقاهرة، تعكس الإرادة المشتركة لبدء مرحلة جديدة من الصداقة والتعاون بين مصر وتركيا، استناداً لدورهما المحوري في محيطيهما الإقليمي والدولي، وبما يلبي طموحات وتطلعات شعبينا الشقيقين».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، أحمد فهمي، فإن زيارة الرئيس السيسي التاريخية لتركيا «تمثل محطة جديدة في مسار تعزيز العلاقات بين البلدين، وللبناء على زيارة الرئيس إردوغان التاريخية لمصر في فبراير الماضي، وتأسيساً لمرحلة جديدة من الصداقة، والتعاون المشترك بين البلدين، سواء ثنائياً أو على مستوى الإقليم، الذي يشهد تحديات جمة تتطلب التشاور والتنسيق بين البلدين».

وبخصوص الأزمات التي تعيشها المنطقة، قال الرئيس المصري إن «ما تعيشه منطقتنا والعالم اليوم من أزمات وتحديات بالغة، يوضح أهمية التنسيق والتعاون بين مصر وتركيا، وقد ناقشت مع الرئيس إردوغان سبل التنسيق والعمل معاً للمساهمة في التصدي للأزمات الإقليمية، وعلى رأسها معالجة المأساة الإنسانية التي يتعرض لها إخواننا الفلسطينيون في غزة، في كارثة غير مسبوقة قاربت على العام».

وأضاف السيسي قائلاً: «يهمني في هذا الصدد إبراز وحدة موقفي مصر وتركيا في المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، ورفع التصعيد الإسرائيلي الحالي في الضفة الغربية، والدعوة للبدء في مسار يحقق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

جانب من توقيع مذكرات التفاهم خلال اجتماع المجلس الاستراتيجي للتعاون بين مصر وتركيا (الرئاسة التركية)

كما لفت السيسي إلى أنه تم خلال اللقاء «تبادل وجهات النظر حول الأزمة الليبية؛ حيث اتفقنا على التشاور بين مؤسساتنا لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في ليبيا، مع تأكيد أهمية طي صفحة تلك الأزمة الممتدة، من خلال عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، وخروج القوات الأجنبية غير المشروعة والمرتزقة من البلاد، وإنهاء ظاهرة الميليشيات المسلحة حتى يتسنى لليبيا الشقيقة إنهاء مظاهر الانقسام، وتحقيق الأمن والاستقرار».

كما تمت مناقشة الأوضاع في سوريا؛ حيث أكد الرئيسان تطلعهما إلى «التوصل إلى حل للأزمة السورية التي أثرت على الشعب السوري الشقيق بشكل غير مسبوق»، وأعرب السيسي عن ترحيبه بمساعي التقارب بين تركيا وسوريا.

إردوغان مستقبلاً السيسي عند باب القصر الرئاسي في أنقرة (الرئاسة التركية)

وتابع السيسي: «استعرضنا أيضاً الأزمة في السودان، والجهود التي تبذلها مصر بالتعاون مع مختلف الأطراف لوقف إطلاق النار وتغليب الحل السياسي، كما بحثنا وباستفاضة الأوضاع في القرن الأفريقي، خصوصاً في الصومال؛ حيث اتفقنا على ضرورة الحفاظ على وحدته وسيادته وسلامة أراضيه ضد التحديات التي تواجهه».

وزار السيسي أنقرة، الأربعاء، بدعوة من إردوغان، في رد على زيارة الأخير للقاهرة في 14 فبراير الماضي، في أول زيارة يقوم بها لتركيا منذ توليه الرئاسة في مصر عام 2014، إذ تعد أول زيارة لرئيس مصري إلى تركيا منذ عام 2012.

وفي تقليد نادر الحدوث، استُقبل السيسي في مطار إسنبوغا في أنقرة؛ حيث كان في مقدمة مستقبليه عند سلم الطائرة، الرئيس إردوغان ثم اصطحبه والوفد المرافق إلى قصر «بيشتبه» الرئاسي؛ حيث أقيمت مراسم استقبال رسمية للرئيس المصري.

وأعرب الرئيس المصري عن سعادته بزيارته الأولى لتركيا ولقاء الرئيس رجب طيب إردوغان.


مقالات ذات صلة

موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

شمال افريقيا  جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)

موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

وضعت الحكومة المصرية الخميس، مواطنيها، أمام عدة خيارات «صعبة» في مواجهة ارتفاعات أسعار الطاقة عالمياً، بالتوازي مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا... قضية خلافية لا تهدد العلاقات بين القاهرة وأنقرة

على الرغم من أن مصر وتركيا قطعتا شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية على طريق التقارب والتعاون، برزت مؤخراً إلى السطح قضية الخلاف حول «الاتفاق التركي - الليبي».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية» بـ«منتدى مصر» الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

السيسي: الجهد العسكري مع السعودية دفاعي ولا يشمل هجوماً على اليمن

قال السيسي، مساء الأربعاء، إن «المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الرياض الأربعاء (واس)

ولي العهد يتسلَّم رسالة لخادم الحرمين من الرئيس المصري

تسلّم الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي السيسي متحدثاً خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية السبت (الرئاسة المصرية)

مواصفات الرئيس القادم تفتح جدلاً وحراكاً سياسياً واسعاً في مصر

فتح حسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، انتهاء فترته الرئاسية عام 2030، بالتزامن مع طرحه مبادرة لتأهيل المرشحين خلفه داخل «الأكاديمية العسكرية»، نقاشاً سياسياً

علاء حموده (القاهرة)

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

مصر تجدد رفضها مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (رويترز)

جدّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم الجمعة، رفض بلاده القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بشأن ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، وذلك خلال محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ورفضت القاهرة يوم الأربعاء اتفاقية صدّق عليها مجلس النواب الليبي، ومقرّه شرق البلاد، لتعيين الحدود البحرية مع تركيا، وقالت إن المصادقة لن يكون لها «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وتشكّل الاتفاقية التي جرى إقرارها يوم الثلاثاء جزءاً من نزاع ممتد منذ سنوات بسبب مطالبات متعارضة بالسيادة على مناطق بحرية وحقوق الاستكشاف والتنقيب عن موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، اليوم الجمعة، إن عبد العاطي شدد على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلّق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول».

وأضاف البيان أن الوزيرَيْن بحثا تطورات الأوضاع في ليبيا، وأكد عبد العاطي موقف مصر «الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان مع الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

ووفقاً للبيان، أكد فيدان «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا».

توصلت الحكومة الليبية في طرابلس بغرب البلاد إلى الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا في الأصل في 2019، لكن الحكومة في الشرق بقيادة القائد العسكري خليفة حفتر امتنعت عن الموافقة عليها لسنوات.

وتعارض اليونان وقبرص كذلك منذ فترة طويلة اتفاقية تعيين الحدود البحرية المبرمة بين ليبيا وتركيا، وتعتبرانها تعدياً على مطالبات بالسيادة على مناطق بحرية.


اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

اجتماع جنيف: لا حل عسكرياً في السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي في جنيف أنه لا يوجد «حل عسكري للأزمة السودانية»، داعياً الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، والانخراط في مسار سياسي شامل ذي مصداقية، مع وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج نيران الحرب.

وشدد المشاركون، ممثلو 22 دولة ومنظمات إقليمية ودولية، على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفض إنشاء حكومات موازية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته، محذرين من تفاقم الكارثة الإنسانية ومخاطر امتداد الصراع إلى دول الجوار.

وأكد نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، أن جهود المملكة لوقف الحرب وصون وحدة السودان تستند إلى «إعلان جدة» للالتزام بحماية المدنيين، الموقع في مايو (أيار) 2023، واتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد. وأكد أيضاً دعم الرياض المبادرات الإقليمية والدولية، بما فيها «المجموعة الخماسية»، للتوصل إلى حل سياسي يحفظ سيادة السودان ووحدة أراضيه، ويحقق السلام والاستقرار.


الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.