زيادة مصروفات المدارس الخاصة تعمّق الأزمات المادية لأسر مصرية

نسب الارتفاع تصل إلى 25 %

محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم المصري خلال اجتماع مع قيادات الوزارة ومديري المديريات (وزارة التعليم المصرية)
محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم المصري خلال اجتماع مع قيادات الوزارة ومديري المديريات (وزارة التعليم المصرية)
TT

زيادة مصروفات المدارس الخاصة تعمّق الأزمات المادية لأسر مصرية

محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم المصري خلال اجتماع مع قيادات الوزارة ومديري المديريات (وزارة التعليم المصرية)
محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم المصري خلال اجتماع مع قيادات الوزارة ومديري المديريات (وزارة التعليم المصرية)

«كأولياء أمور نضطر إلى دفع مصروفات المدرسة المُبالغ فيها، والاستجابة للزيادات التي تقررها إدارتها لأجل مصلحة أولادنا»، قالتها المصرية الأربعينية لبنى يوسف، وهي أم لثلاثة أبناء يدرسون بمرحلة التعليم الأساسي في إحدى المدارس الخاصة للغات بحي مدينة نصر (شرق القاهرة)، في إشارة إلى قيام مدرسة أطفالها برفع المصروفات من 16 ألفاً و600 جنيه مصري العام الماضي إلى 20 ألف جنيه للعام الدراسي المقبل (الدولار يساوي 48.56 جنيهاً في البنوك المصرية)، بنسبة تقدر بنحو 22 في المائة، رغم أن نسبة الزيادة السنوية التي حددتها وزارة التربية والتعليم المصرية لفئة مدرستها تبلغ 12 في المائة.

وأعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية، قبل أيام، اعتماد شرائح المصروفات بالمدارس الخاصة بجميع أنواعها (عربي - لغات)، والمدارس التي تطبق مناهج ذات طبيعة خاصة (دولية)، كنوع من التقنين لها قبل العام الدراسي المقبل (2024 - 2025).

ويبدأ العام الدراسي الجديد بالمدارس الحكومية والخاصة (عربي - لغات) والقوميات 21 سبتمبر (أيلول) وينتهي 5 يونيو (حزيران) 2025، بإجمالي 35 أسبوعاً دراسياً. وحدد قرار وزارة التعليم الزيادة السنوية بجميع المدارس بنسب تتراوح من 5 إلى 25 في المائة من مصروفاتها الحالية، السابق إقرارها العام الدراسي الماضي.

مقر وزارة التربية والتعليم المصرية (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

عودة للأم لبنى، التي أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية المدارس الخاصة لا تلتزم بضوابط المصروفات، وتقوم برفعها كل عام وفق هواها ودون محاسبة من أي جهة، وهو ما يزيد الأعباء المالية علينا، فدخل الأسرة لا يزيد سنوياً بنفس النسبة لكي نستطيع دفع الزيادات للمدارس».

وأضافت «يجب أن تكون هناك رقابة مشددة على مصروفات المدارس، وما نأمله أن يتم اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المدارس بالفعل». في إشارة منها لما جاء في قرار «التعليم» بحظر قيام أي مدرسة بتحصيل مصروفات أكثر من المقررة قانوناً بخلاف الشرائح أو إعادة تقييم المصروفات. وذكرت الوزارة أنه «حال ثبوت قيام أي مدرسة بمخالفة ذلك، فسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المدرسة والتي تصل إلى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري».

ويبلغ إجمالي عدد المدارس الخاصة في مصر 10 آلاف 450 مدرسة، تضم 88 ألفاً و644 فصلاً دراسياً، يدرس بها نحو مليونين و800 ألف طالب وطالبة، وفق كتيب «مصر في أرقام 2024»، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر في مارس (آذار) الماضي.

و«تشهد المدارس الخاصة إقبالاً من الأسر المصرية، خصوصاً الطبقة المتوسطة والعليا، لكونها تقدم خدمة تعليمية بجودة أعلى، وهذا الطلب المتزايد يمنح المدارس المبرر لرفع أسعارها»، بحسب الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، والذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «ارتفاع تكاليف التشغيل لبعض هذه المدارس مثل أجور بعض المعلمين الأجانب بالعملة الصعبة، يعد سبباً آخر لرفع رسومها».

من شرق القاهرة إلى غربها، قالت مي المرسي، ولية أمر لطالب في الشهادة الإعدادية، وطالبة في الصف الثالث الابتدائي بإحدى مدارس اللغات بمدينة 6 أكتوبر: «نعيش في قلق منذ أكثر من شهرين بسبب الزيادة العشوائية للمصروفات». وبينت أن مدرسة أولادها قررت زيادة المصروفات للعام الجديد من 36 ألف جنيه إلى 47 ألفاً «دون إبداء مبرر، ودون سند قانوني».

وأوضحت مي لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع صدور قرار وزارة التعليم أخيراً، تراجعت المدرسة وحددت المصروفات بـ40 ألف جنيه، وهو أيضاً رقم يفوق النسبة المقررة، كما أننا نتعرض للابتزاز لشراء كتب الأنشطة (البوكليت) التي يتم استبدالها بكتب الوزارة، وهي أيضاً مرتفعة السعر»، مُطالبة الوزارة بعمل منشورات بالقرارات الوزارية وإعلانها في المدارس بشكل واضح حتى لا يتم استغلال أولياء الأمور مجدداً.

طالبات في مدرسة «الكلية الأميركية» بالقاهرة (حساب المدرسة على «فيسبوك»)

من جانبها أشارت داليا الحزاوي، مؤسسة «ائتلاف أولياء أمور مصر»، الخبيرة التربوية والاجتماعية، إلى أنه مع الإعلان عن شرائح زيادة المصروفات بالمدارس الخاصة، طالب أولياء الأمور بضرورة المتابعة الجيدة لتنفيذ هذه الزيادات، لأن هناك بعض المدارس تصر على عدم الالتزام، مما يشكل ضغوطاً كبيرة على الآباء، في ظل أزمة اقتصادية ترهق الجميع، خصوصاً أن هناك التزامات دراسية أخرى من كتب خارجية وزي مدرسي ودروس خصوصية وغيرها. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنه على الوزارة «إصدار تعليمات للمدارس بتحصيل المصروفات الدراسية على أقساط متباعدة، لتخفيف الأعباء عن كاهل ولي الأمر».

وهنا أكد رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» أن ارتفاع أسعار المدارس الخاصة، والمدارس الدولية التي تحصل مصروفاتها بالدولار ويتجاوز بعضها مبلغ المليون جنيه، له تداعيات وآثاره السلبية، منها توسيع الفجوة الاجتماعية وتعميق فجوة الدخل بين أفراد المجتمع، فالأسر القادرة على تحمل هذه المصروفات هي التي تتلقى التعليم الجيد، بينما الأسر ذات الدخل المحدود يُحرم أطفالها من فرص تعليمية أفضل، وبالتالي حدوث نوع من أنواع التباين الاجتماعي في المجتمع.

مدرسة «ريجينت» البريطانية (حساب المدرسة على «فيسبوك»)

وتتصدر المدارس الدولية قائمة الأعلى مصروفات دراسية، وبحسب وسائل إعلام محلية فإن مدرسة الكلية الأميركية القاهرة تتصدر قائمة هذه المدارس، حيث بلغت مصروفاتها نحو 810 آلاف جنيه العام الماضي.

ووفق «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء المصري، تم افتتاح أول مدرسة دولية بمصر في ديسمبر (كانون الأول) 2002 لتدريس المنهج الكندي، فيما ارتفع عدد المدارس الدولية من 168 مدرسة عام 2011 إلى 785 مدرسة في عام 2020.

ويبلغ متوسط نصیب الفرد من الإنفاق السنوي للأسرة على «التعليم» 5.7 في المائة من قيمة إنفاقها السنوي، بحسب كتيب «مصر في أرقام 2024». لكن عادل عامر أشار إلى أن نحو 50 في المائة من دخل الأسر المصرية المتوسطة وجّه إلى الإنفاق على التعليم خلال السنوات العشر الأخيرة، وزاد خلال العامين الأخيرين إلى نحو 75 في المائة.

وأوضح أن زيادة المصروفات تمثل عبئاً جديداً أمام الأسر المصرية، في ظل ارتفاع نسب التضخم، ما يمثل حملاً كبيراً للغاية على دخل الأسرة، في ظل محدودية الدخل وغلاء الأسعار، وبالتالي سيكون لقرار زيادة مصروفات المدارس تبعات اقتصادية سلبية على الأسر، منه لجوء بعض الأسر إلى سحب أبنائهم من المدارس الخاصة والالتحاق بالمدارس الحكومية، أو المعاهد الأزهرية، وهو ما حدث فعلياً.

أمام هذا العبء، ناشدت داليا الحزاوي أولياء الأمور بحتمية التفكير في تقليل النفقات الدراسية، من خلال الاستعانة بالأدوات المدرسية والزي المدرسي من العام الماضي، والاكتفاء بشراء الضروريات فقط، وتبادل الكتب الخارجية مع الجيران أو الأصدقاء نظراً لارتفاع أسعارها.

كما لفت محمد الأصمعي، أستاذ التخطيط التعليمي واقتصاديات التعليم، إلى أن الارتفاع الكبير لأسعار المدارس الخاصة والدولية له مدلول اقتصادي واجتماعي وثقافي، إذ يؤدي هذا الأمر إلى غياب التلاحم المجتمعي، بمعنى وجود فئات مجتمعية غير متجانسة وغير مترابطة، لا تربطها أي روابط ثقافية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه بالتالي ستكون لذلك عواقب مع وجود مجتمع تضاءلت بين أعضائه روابط التجانس، حيث «تتضخم البديلات الثقافية والخصوصيات مع غياب عموميات الثقافة، أو على أحسن تقدير ضعفها، والتي لا توحد أفراد المجتمع الواحد تجاه قيم محددة وسلوكيات منضبطة».


مقالات ذات صلة

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

قررت الثلاثينية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، عدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في القاهرة (رويترز)

تصاعد مطالب المصريين بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر»

مع دخول «التوقيت الصيفي» حيز التنفيذ في مصر بتقديم الساعة 60 دقيقة بدءاً من منتصف ليل الخميس-الجمعة، تصاعدت مطالبات بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

مصر: صعوبة تنفيذ بعض القوانين تقود حراكاً برلمانياً لتعديلها

تقود صعوبات تنفيذ عدد من القوانين المصرية حراكاً برلمانياً للمطالبة بـ«تعديل بعض موادها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

جاء ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

أحمد جمال (القاهرة)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.