ماذا تستهدف مصر من حضورها العسكري في الصومال؟

سفير مقديشو أعلن وصول معدات ووفود

الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
TT

ماذا تستهدف مصر من حضورها العسكري في الصومال؟

الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)

أثار حديث صومالي عن بدء وصول معدات ووفود عسكرية مصرية إلى مقديشو، تساؤلات عن أهداف وتداعيات الحضور العسكري المصري المتوقع في الصومال، في ضوء بروتوكول تعاون دفاعي بين البلدين وتوتر متصاعد مع إثيوبيا.

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يرون أن تلك الخطوة تستهدف تعزيز العلاقات بين البلدين عبر «تطبيق الاتفاقيات على أرض الواقع»، لافتين إلى أن الوجود العسكري المصري «سيكون لتدريب القوات الصومالية والمشاركة في قوات حفظ السلام»، في ضوء محددات أبرزها «دعم مقديشو في مواجهة الإرهاب والحفاظ على وحدة أراضيها».

وتباينت آراء الخبراء بشأن تداعيات الخطوة المصرية بين من يرى أنها «إجرائية ولا تستهدف أي تصعيد»، وآخرين قالوا إنها «ستحمل تعقيدات جديدة مع إثيوبيا المتوترة علاقاتها مع مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي، ومع الصومال بشأن وجودها في ميناءٍ تراه مقديشو يهدد سيادتها».

وحسب صحيفة «الصومال الجديد» فقد «وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان، الثلاثاء، إلى مطار آدم عدي الدولي في العاصمة الصومالية مقديشو، كان على متنهما معدات عسكرية وضباط ضمن إعادة تنظيم استراتيجي أوسع نطاقاً في منطقة القرن الأفريقي، حيث يسعى الصومال إلى تعزيز قدراته العسكرية من خلال الشراكات الدولية».

يأتي هذا في الوقت الذي «تستعد فيه مصر للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM)، والتي من المقرر أن تحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية الحالية (ATMIS) بحلول يناير (كانون الثاني) 2025»، وفق الصحيفة.

وبينما لم تعلق القاهرة، ثمَّن سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، في إفادة، الأربعاء، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

وعدَّ السفير الصومالي هذه الخطوة «مهمة وأولى الخطوات العملية لتنفيذ مخرجات القمة المصرية الصومالية» التي عُقدت في القاهرة مؤخراً بين الرئيسي المصري عبد الفتاح السيسي والصومالي حسن شيخ محمود (في 14 أغسطس «آب» الجاري)، والتي شهدت توقيع اتفاق دفاعي مشترك بين البلدين.

وفي 14 أغسطس، كشف الرئيس المصري، في مؤتمر صحافي مشترك في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، أنه «في هذا العام سيتم تجديد بعثة حفظ السلام في الصومال، وسنتقدم للمشاركة في هذه البعثة، والأمر متروك للدولة المضيفة (الصومال)، إن كانت ترغب أن نكون موجودين فسنكون».

السيسي يستقبل شيخ محمود في قصر الاتحادية خلال زيارته القاهرة منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)

جاء الإعلان عن توقيع الاتفاقية بعد نحو شهر من إعلان التلفزيون الرسمي الصومالي، في تدوينة نشرها على منصة «إكس»، في 20 يوليو (تموز)، موافقة الحكومة الصومالية خلال «اجتماع استثنائي» لمجلس الوزراء، على اتفاقية دفاعية بين مصر والصومال.

كما يأتي الإعلان بعد أشهر من معارضة مصر توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير (كانون الثاني) الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاماً، مقابل اعتراف إثيوبيا بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً. وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

محددات

الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج، يرى أن مصر تستهدف من حضورها العسكري في الصومال 3 محددات: «أولاً مساعدة الجيش الصومالي ورفع كفاءته القتالية للتعامل مع عمليات (منظمة الشباب) الإرهابية عبر الخبرات الكبيرة للجيش المصري، وثانياً دعم وحدة الأراضي الصومالية برفع كفاءة قواتها المسلحة، وثالثاً تعزيز مشاركة مقديشو في تأمين قناة السويس من باب المندب».

واستبعد فرج أن «يكون الوجود المصري مرتبطاً بالتوازن العسكري مع دولة أو أخرى موجودة هناك»، ودلَّل على ذلك بعدم وجود قواعد عسكرية مصرية هناك كما هو حال الآخرين، متوقعاً ألا يثير هذا الأمر أي تداعيات، خصوصاً أن «الصومال دولة عربية طلبت حضور مصر بقوات حفظ السلام وسط علاقات استراتيجية للبلدين».

وتتفق مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، مع هذا التقدير، مؤكدةً «أنها تأتي في سياق ما بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك وستشمل دعم مصر للقوات الصومالية وتدريبها وربما تزويدها بالسلاح لمواجهة الإرهاب هناك حتى تستعيد مقديشو استقرارها» .

وعن المدى المتوقع لتلك المساعدة المصرية وتأثيرها، أكدت السفيرة منى عمر، أن «مصر لا تتدخل عسكرياً ولا تلجأ إلى القوة الخشنة، وهذا أسلوبها في التعامل مع الأزمات، لذا سيكون الواقع في الصومال قائماً على التدريب والمساعدة والمشاركة في قوات حفظ السلام»، فالصومال دولة استراتيجية لمصر ويجب أن تتعاونا معاً خصوصاً أن لهما مواقف مشتركة «رافضة للتحركات الإثيوبية الجديدة تجاه مقديشو أو الأمن المائي المصري»، وفق عمر، التي لفتت إلى أن مصر مشاركة بقوات حفظ سلام منذ سنوات طويلة في الصومال، وبالتالي، فهذا التعاون الجديد مبنيٌّ على علاقات البلدين وأهمية دعم استقرار مقديشو.

تعقيدات محتملة

وباعتقاد الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، فإن تلك المساعدات المصرية «تعد خطوة مهمة جداً في إطار تعزيز العلاقات المصرية-الصومالية، وتؤكد حضور القاهرة في الصومال في ظل تنامي دور إثيوبيا وتركيا وغيرهما من الدول»، لافتاً إلى أن مقديشو كانت بحاجة إلى تلك الخطوة لإعادة تأهيل القوات الأمنية والعسكرية وإرسال رسائل إلى الجانب الإثيوبي بأنها «لديها شركاء أقوياء ولا يمكن الاستهانة بها».

ويرى أن «تداعيات ذلك الحضور بلا شك ستكون معقدة»، مُرجعاً ذلك إلى «عدم تقبل الجانب الإثيوبي هذه الخطوة في ظل توتر علاقاته مع مصر، بشأن ملف سد النهضة خصوصاً أنه سيفهم الحضور المصري على أنه رسالة من مصر تفيد بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تهديد لأمنها المائي».

وهناك خلافات بين مصر والسودان من ناحية، وإثيوبيا على الجهة الأخرى، بشأن «سد النهضة» الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.


مقالات ذات صلة

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

توترات سياسية تتصاعد في الصومال، مع إعلان المعارضة اعتزامها الاحتجاج أسبوعياً بعد انتهاء عيد الأضحى، وسط مطالبات أممية وأوروبية بالتوصل لحل

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على فيسبوك)

«الجامعة العربية» ترفض قرار «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس

حذرت جامعة الدول العربية من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح «إقليم أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة

فتحية الدخاخني (القاهرة )
العالم العربي مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية، حالة من الذعر، عقب تداول مقطع فيديو لثلاثة من أبنائهم.

علاء حموده (القاهرة)
العالم العربي قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بالخطر مع وصف المعارضة رئيس البلاد حسن شيخ محمود بـ«الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن، ولندن.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)

وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

بحث وفد حكومي مصري تعزيز الشراكة مع إريتريا، إلى جانب التنسيق بين القاهرة وأسمرة بشأن «أمن البحر الأحمر».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

البرهان يمنح السفير السعودي وسام النيلين من الطبقة الأولى

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يمنح السفير السعودي علي جعفر وسام النيلين من الطبقة الأولى (إعلام مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يمنح السفير السعودي علي جعفر وسام النيلين من الطبقة الأولى (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يمنح السفير السعودي وسام النيلين من الطبقة الأولى

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يمنح السفير السعودي علي جعفر وسام النيلين من الطبقة الأولى (إعلام مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يمنح السفير السعودي علي جعفر وسام النيلين من الطبقة الأولى (إعلام مجلس السيادة)

منح رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، السفير السعودي لدى بلاده علي جعفر، وسام النيلين من الطبقة الأولى بمناسبة انتهاء فترة عمله.

وأورد إعلام «مجلس السيادة» الانتقالي، الأربعاء، أن البرهان التقى السفير السعودي بمكتبه بحضور وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي، السفير معاوية خالد.

واستعرض اللقاء مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيزها وتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين، والتأكيد على دفعها نحو آفاق من التعاون المشترك.

وبحسب إعلام «مجلس السيادة»، منح البرهان السفير وسام النيلين من الطبقة الأولى «تقديراً لدوره المتعاظم في توطيد روابط الأخوة وتمتين العلاقات الثنائية الراسخة».

وأعرب البرهان عن «عميق تقدير السودان لمواقف القيادة السعودية الداعمة للمؤسسات الوطنية السودانية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية».

من جانبه، أعرب السفير السعودي عن اعتزازه بهذا التكريم، معبّراً عن شكره «لحكومة وشعب السودان على ما وجده من تعاون وتسهيلات خلال فترة عمله».


بوادر انفراجة في أزمة «قافلة غزة» بشرق ليبيا

ناشطان من قافلة الصمود المغاربية في ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
ناشطان من قافلة الصمود المغاربية في ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
TT

بوادر انفراجة في أزمة «قافلة غزة» بشرق ليبيا

ناشطان من قافلة الصمود المغاربية في ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
ناشطان من قافلة الصمود المغاربية في ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

تلوح في الأفق بوادر تهدئة في أزمة نشطاء «قافلة الصمود 2» المغاربية، التي أعلن منظموها أنها تهدف إلى «كسر الحصار على قطاع غزة»، بعد حالة جدل أثارتها محاولتهم تكرار عبور الأراضي الليبية باتجاه الحدود المصرية، رغم رفض السلطات في شرق ليبيا.

وبدت مظاهر التهدئة من خلال تحركات النشطاء الموجودين حالياً في مخيم على مشارف مدينة سرت، حيث قال الجزائري مروان بن قطاية، أحد قادة القافلة، في تسجيل مصور، فجر الأربعاء، إنهم عقدوا لقاءات مع الجهات الأمنية في شرق ليبيا وممثلي الهلال الأحمر الليبي، واصفاً الاجتماع بالإيجابي، مشيراً إلى الاتفاق على مواصلة الحوار لاستكمال بحث آليات تسليم المساعدات إلى الهلال الأحمر الليبي. وأضاف أن الهلال الأحمر الليبي أبدى استعداده لتقديم الضمانات اللازمة لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة، مع توجيه الشكر لليبيا من شرقها إلى غربها.

وكانت الحكومة المكلفة من البرلمان قد دعت، مطلع الأسبوع، إلى الالتزام بالضوابط المنظمة لعبور الحدود المصرية، التي تقتصر على حاملي الجنسية الليبية عبر المنافذ الرسمية، وهو ما أكدت عليه السلطات المصرية أيضاً، مع التشديد على أن تسليم أي مساعدات أو مواد إغاثية يتم عبر الهلال الأحمر الليبي، الذي يتولى بدوره تسليمها لنظيره المصري.

الموقف الليبي أعاد تأكيده وزير الخارجية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، عبد الهادي الحويج، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك آلية واضحة لتسليم المساعدات الإنسانية عبر الهلال الأحمر الليبي ونظيره المصري، مشدداً على رفض ما وصفه بمحاولات «المزايدة» على الموقف الليبي من القضية الفلسطينية.

نشطاء في قافلة «الصمود 2» في بيان مصور الأربعاء (لقطة مثبتة)

وأوضح الحويج أن حكومته أصدرت قرارات بمعاملة الفلسطينيين في مجالات التعليم والصحة والعمل، وأنها لا تدخر جهداً في دعم القضية الفلسطينية سياسياً وإنسانياً، مذكّراً بأن البرلمان الليبي جرّم التطبيع مع إسرائيل.

وأضاف أن الحكومة ترفض بشكل قاطع أي محاولة لإحراج ليبيا أو مصر، مؤكداً أن موقفها من «القافلة» واضح منذ البداية، ويتمثل في ضرورة تسليم أي مساعدات عبر الهلال الأحمر الليبي، الذي بدوره ينقلها إلى نظيره المصري، معتبراً أنه كان من الأجدى لسلطات غرب ليبيا تنظيم المساعدات وفق الضوابط القانونية والأمنية المعمول بها.

وتعيش ليبيا حالة من الانقسام السياسي بين حكومتين؛ إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان تسيطر على الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يثير فيها نشطاء يقولون إنهم «داعمون لغزة» جدلاً على مشارف مناطق نفوذ «الجيش الوطني»، في ظل تجربة «قافلة الصمود» الأولى في يونيو (حزيران) من العام الماضي، التي توقفت عند مدخل مدينة سرت، بعد تعثر إجراءات العبور والموافقات الأمنية، قبل إنهاء رحلتها باتجاه معبر رفح.

ورغم حديث النشطاء المنظمين، ومن بينهم «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، أن التحرك ذو طابع إنساني بحت يهدف إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة، منذ انطلاقها، الجمعة، من مدينة الزاوية (50 كيلومتراً غرب طرابلس)، فإن الجدل حول أهداف القافلة ودوافعها لا يزال مستمراً في الأوساط السياسية والحقوقية في ليبيا، بمشاركة نحو 300 متضامن من 28 جنسية،

وهنا قال عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، إن «القوافل التي يُفترض أن تكون إنسانية، تتحول أحياناً إلى أدوات لإثارة التوتر أكثر من كونها وسيلة لإيصال المساعدات»، مضيفاً أن «الدول التي تسعى إلى تضميد جراحها لا تحتاج إلى من يعبر أراضيها لزيادة الانقسام، بل إلى من يحترم استقرارها ويدعم وحدة أبنائها»، وفق منشور عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك»، الأربعاء.

أما السفير الفلسطيني لدى ليبيا عماد العتيلي فقد رفض ما أسماه «المزايدة على دور ليبيا»، موجهاً الشكر للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» والحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، ومشيداً «بدور مصر ودعمها لصمود غزة ووضع آليات عمل لإيصال المساعدات بطرق رسمية وشرعية».


ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
TT

ليبيا تراهن على تعافي السياحة رغم الانقسام وإهمال الآثار

موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)
موقع معبد زيوس الأثري في مدينة شحات شرق ليبيا (مراقبة آثار شحات)

تراهن السلطات في غرب ليبيا على تعافي القطاع السياحي، مستندة إلى ما تصفه بتحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية وتطور في البنية التحتية، غير أن هذا الرهان لا يزال يصطدم بانقسام سياسي ومؤسسي، إلى جانب شكاوى كثيرة بشأن هشاشة أوضاع المواقع الأثرية والمتاحف التاريخية.

ويبدي نصر الدين الفزاني، وزير السياحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة، تفاؤلاً بانتعاشة سياحية في البلاد، متحدثاً عن تحسن أمني منذ عام 2021، وتطوير الطرق والجسور والتوسع في المطارات، إلى جانب نمو الفنادق والمنتجعات والمرافق الترفيهية في عدد من المدن الليبية، بما أسهم في تنشيط الحركة السياحية، وفق تصريحات محلية أدلى بها مؤخراً.

الدبيبة خلال افتتاح المتحف الوطني في طرابلس ديسمبر الماضي (حكومة الوحدة)

لكن هذا التفاؤل يواجه، حسب متابعين للشأن الليبي، تحديات متراكمة، أبرزها الانقسام المؤسسي بين حكومتين ووزارتين للسياحة، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الفزاني، والأخرى في شرقها برئاسة علي قلمة.

* غياب استراتيجية حكومية موحدة

ترى عضوة المؤتمر الوطني السابق نادية الراشد أن الحديث عن انتعاش القطاع السياحي في ليبيا لا يزال يقتصر على «مؤشرات تعافٍ جزئي ومحلي، وليس الازدهار السياحي المستقر والشامل على مستوى البلاد»، عادّةً أن أي تحسن يظل هشاً في ظل الأوضاع الراهنة.

وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «غياب استراتيجية حكومية موحدة ومتكاملة في دولة تعاني الانقسام السياسي والمؤسسي، يجعل من الصعب تحقيق نهضة سياحية حقيقية ومستدامة»، مشيرة إلى أن «تعدد السلطات يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف ثقة المستثمرين والسياح، فضلاً عن تأثيره السلبي على حماية المواقع الأثرية، وتطوير الخدمات والبنية السياحية».

واستقبلت ليبيا خلال الربع الأول من العام الحالي سياحاً من أكثر من 52 جنسية، حسب الوزير الليبي، الذي قال إن معدلات نمو الفنادق والمطاعم والمنتجعات تراوحت بين 50 و52 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأكد أن ليبيا تمتلك مقومات متنوعة تشمل السياحة الشاطئية والثقافية والصحراوية، فضلاً عن شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

تماثيل وتحف أثرية بمتحف شحات (وكالة الأنباء الليبية)

غير أن الأرقام الحكومية تشير أيضاً إلى أن عدد السياح الوافدين إلى ليبيا من مختلف دول العالم بلغ 1257 سائحاً، بارتفاع نسبته 60 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، وفق «مركز التوثيق والمعلومات السياحي» (حكومي).

* ضعف الحماية ونقص التجهيزات

يتقاطع الطموح الليبي بإنعاش القطاع السياحي مع شكاوى كثيرة بشأن أوضاع مواقع أثرية في شرق البلاد وغربها، تتعلق بضعف الحماية ونقص التجهيزات، رغم ما تمثله من قيمة تاريخية عالمية، علماً بأن حكومة «الوحدة» افتتحت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي متحفاً وطنياً جديداً في العاصمة طرابلس.

ويبرز مثال مدينتي شحات وغدامس بوصفهما من أبرز المدن الأثرية في ليبيا والعالم العربي، لما تضمانه من إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. فمدينة شحات، المعروفة تاريخياً باسم «قورينا»، كانت إحدى أهم مدن الحضارة الإغريقية والرومانية في شمال أفريقيا، وتضم معابد ومسارح ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

واجهة معبد زيوس قرب مدينة شحات (أ.ف.ب)

غير أن المطالب لا تنقطع منذ عقود بإقامة متحف يليق بآلاف القطع الأثرية النادرة في شحات، التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، والمحفوظة داخل مبنى ومخازن بدائية، تعود إلى الحقبة الإيطالية، وتفتقر إلى أبسط معايير الحماية، وفق ما قال عادل بوفجرة، مراقب آثار شحات.

وقال بوفجرة لـ«الشرق الأوسط»: «تفتقر صالة العرض والمخازن التي تضم تلك الآثار إلى أنظمة لمواجهة الحرائق أو الفيضانات، ما يجعل القطع الأثرية عُرضة للتآكل بفعل الرطوبة والحشرات والتقلبات الجوية». مشيراً إلى «أهمية توفير بوابات إلكترونية وأنظمة مراقبة حديثة لحماية هذه الآثار، خصوصاً في ظل القيمة التاريخية الكبيرة للمقتنيات الموجودة بالموقع».

قطعة أثرية من الموزاييك في الموقع الأثري سيرين قرب شحات (أ.ف.ب)

وذهب بوفجرة إلى أن إنشاء متحف أثري حديث لم يعد مطلباً ثقافياً فحسب، بل «ضرورة وجودية» لحماية إرث تاريخي، يمكن أن يسهم في دعم التنمية المستدامة، وتنشيط السياحة الثقافية بالمنطقة، داعياً الدولة إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه آثار شحات وصونها للأجيال المقبلة.

أما غدامس، الملقبة بـ«لؤلؤة الصحراء»، التي تشتهر بعمارتها الصحراوية التقليدية وواحاتها التاريخية، فما تزال تحاول التعافي من خروجها من قائمة التراث العالمي المعرض للخطر العام الماضي، وذلك بعد ستة أعوام من إدراجها، فيما تستمر الشكاوى من نقص البنية الأساسية، مقابل وعود حكومية بالتطوير.

* تحديات بالجملة

ينقل رئيس «جهاز تطوير غدامس»، عبد السلام هيبة، لـ«الشرق الأوسط» جانباً من هذه التحديات، قائلاً إن «متحف غدامس الأثري، المقام داخل قلعة قديمة، يحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير للحفاظ على مقتنياته التاريخية». موضحاً أن مشروع تطوير المتحف أُدرج ضمن خطط الجهاز لعام 2026، في حال توفر التمويل اللازم، ومشيراً إلى أن «البدء في هذا المشروع أصبح ضرورة ملحة تخدم أيضاً أهداف التنمية المستدامة في البلاد».

يُشار إلى أن جذور المتحف تعود إلى عام 1928 إبان الوجود الإيطالي، بينما يرجع مبناه الحالي إلى العهد العثماني قبل إعادة تصميمه لاحقاً على هيئة قلعة، ويضم نحو 365 قطعة أثرية، بينها أدوات من العصر الحجري ومخطوطات نادرة ومحنطات لحيوانات وطيور.

وفي بنغازي كذلك، تقول مراقبة الآثار إن المدينة تفتقر إلى متحف وطني حديث، يحتضن موروثها التاريخي، عادّةً أن إنشاء صرح ثقافي متخصص أصبح «ضرورة ملحة» لحفظ القطع الأثرية وإتاحتها للباحثين والزوار.

في المقابل، أقرّ وزير السياحة بحكومة «الوحدة» بوجود تراجع في مستوى التنسيق مع مصلحة الآثار، منذ فصلها عن الوزارة عام 2013 وإلحاقها بمجلس الوزراء، موضحاً أن وزارته لم تعد تملك صلاحيات مباشرة داخل المدن الأثرية، ما أدى إلى تعطّل بعض ملفات تطوير المواقع التاريخية، في حين تقتصر مهامها على الترويج السياحي، بينما تتولى مصلحة الآثار أعمال الترميم والصيانة.

أعمدة أثرية بضواحي مدينة سوسة (أ.ف.ب)

غير أن نادية الراشد لا ترى حلاً شاملاً سوى «توحيد البلاد تحت حكومة واحدة ومؤسسات موحدة، وإطلاق إصلاح إداري شامل، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لوضع استراتيجية تنمية مستدامة حقيقية»، عادّةً أن الوضع القائم «يعرقل التخطيط طويل المدى، ويضعف فاعلية السياسات العامة».

وانتهت إلى التأكيد على أن «توحيد القرار السيادي والمؤسساتي هو المدخل الضروري لإنقاذ القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والآثار، وتحويلها إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة».