ماذا تستهدف مصر من حضورها العسكري في الصومال؟

سفير مقديشو أعلن وصول معدات ووفود

الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
TT

ماذا تستهدف مصر من حضورها العسكري في الصومال؟

الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري ونظيره الصومالي يشهدان مراسم توقيع بروتوكول التعاون العسكري منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)

أثار حديث صومالي عن بدء وصول معدات ووفود عسكرية مصرية إلى مقديشو، تساؤلات عن أهداف وتداعيات الحضور العسكري المصري المتوقع في الصومال، في ضوء بروتوكول تعاون دفاعي بين البلدين وتوتر متصاعد مع إثيوبيا.

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يرون أن تلك الخطوة تستهدف تعزيز العلاقات بين البلدين عبر «تطبيق الاتفاقيات على أرض الواقع»، لافتين إلى أن الوجود العسكري المصري «سيكون لتدريب القوات الصومالية والمشاركة في قوات حفظ السلام»، في ضوء محددات أبرزها «دعم مقديشو في مواجهة الإرهاب والحفاظ على وحدة أراضيها».

وتباينت آراء الخبراء بشأن تداعيات الخطوة المصرية بين من يرى أنها «إجرائية ولا تستهدف أي تصعيد»، وآخرين قالوا إنها «ستحمل تعقيدات جديدة مع إثيوبيا المتوترة علاقاتها مع مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي، ومع الصومال بشأن وجودها في ميناءٍ تراه مقديشو يهدد سيادتها».

وحسب صحيفة «الصومال الجديد» فقد «وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان، الثلاثاء، إلى مطار آدم عدي الدولي في العاصمة الصومالية مقديشو، كان على متنهما معدات عسكرية وضباط ضمن إعادة تنظيم استراتيجي أوسع نطاقاً في منطقة القرن الأفريقي، حيث يسعى الصومال إلى تعزيز قدراته العسكرية من خلال الشراكات الدولية».

يأتي هذا في الوقت الذي «تستعد فيه مصر للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM)، والتي من المقرر أن تحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية الحالية (ATMIS) بحلول يناير (كانون الثاني) 2025»، وفق الصحيفة.

وبينما لم تعلق القاهرة، ثمَّن سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، في إفادة، الأربعاء، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

وعدَّ السفير الصومالي هذه الخطوة «مهمة وأولى الخطوات العملية لتنفيذ مخرجات القمة المصرية الصومالية» التي عُقدت في القاهرة مؤخراً بين الرئيسي المصري عبد الفتاح السيسي والصومالي حسن شيخ محمود (في 14 أغسطس «آب» الجاري)، والتي شهدت توقيع اتفاق دفاعي مشترك بين البلدين.

وفي 14 أغسطس، كشف الرئيس المصري، في مؤتمر صحافي مشترك في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، أنه «في هذا العام سيتم تجديد بعثة حفظ السلام في الصومال، وسنتقدم للمشاركة في هذه البعثة، والأمر متروك للدولة المضيفة (الصومال)، إن كانت ترغب أن نكون موجودين فسنكون».

السيسي يستقبل شيخ محمود في قصر الاتحادية خلال زيارته القاهرة منتصف الشهر الجاري (الرئاسة المصرية)

جاء الإعلان عن توقيع الاتفاقية بعد نحو شهر من إعلان التلفزيون الرسمي الصومالي، في تدوينة نشرها على منصة «إكس»، في 20 يوليو (تموز)، موافقة الحكومة الصومالية خلال «اجتماع استثنائي» لمجلس الوزراء، على اتفاقية دفاعية بين مصر والصومال.

كما يأتي الإعلان بعد أشهر من معارضة مصر توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير (كانون الثاني) الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاماً، مقابل اعتراف إثيوبيا بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً. وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

محددات

الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج، يرى أن مصر تستهدف من حضورها العسكري في الصومال 3 محددات: «أولاً مساعدة الجيش الصومالي ورفع كفاءته القتالية للتعامل مع عمليات (منظمة الشباب) الإرهابية عبر الخبرات الكبيرة للجيش المصري، وثانياً دعم وحدة الأراضي الصومالية برفع كفاءة قواتها المسلحة، وثالثاً تعزيز مشاركة مقديشو في تأمين قناة السويس من باب المندب».

واستبعد فرج أن «يكون الوجود المصري مرتبطاً بالتوازن العسكري مع دولة أو أخرى موجودة هناك»، ودلَّل على ذلك بعدم وجود قواعد عسكرية مصرية هناك كما هو حال الآخرين، متوقعاً ألا يثير هذا الأمر أي تداعيات، خصوصاً أن «الصومال دولة عربية طلبت حضور مصر بقوات حفظ السلام وسط علاقات استراتيجية للبلدين».

وتتفق مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، مع هذا التقدير، مؤكدةً «أنها تأتي في سياق ما بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك وستشمل دعم مصر للقوات الصومالية وتدريبها وربما تزويدها بالسلاح لمواجهة الإرهاب هناك حتى تستعيد مقديشو استقرارها» .

وعن المدى المتوقع لتلك المساعدة المصرية وتأثيرها، أكدت السفيرة منى عمر، أن «مصر لا تتدخل عسكرياً ولا تلجأ إلى القوة الخشنة، وهذا أسلوبها في التعامل مع الأزمات، لذا سيكون الواقع في الصومال قائماً على التدريب والمساعدة والمشاركة في قوات حفظ السلام»، فالصومال دولة استراتيجية لمصر ويجب أن تتعاونا معاً خصوصاً أن لهما مواقف مشتركة «رافضة للتحركات الإثيوبية الجديدة تجاه مقديشو أو الأمن المائي المصري»، وفق عمر، التي لفتت إلى أن مصر مشاركة بقوات حفظ سلام منذ سنوات طويلة في الصومال، وبالتالي، فهذا التعاون الجديد مبنيٌّ على علاقات البلدين وأهمية دعم استقرار مقديشو.

تعقيدات محتملة

وباعتقاد الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، فإن تلك المساعدات المصرية «تعد خطوة مهمة جداً في إطار تعزيز العلاقات المصرية-الصومالية، وتؤكد حضور القاهرة في الصومال في ظل تنامي دور إثيوبيا وتركيا وغيرهما من الدول»، لافتاً إلى أن مقديشو كانت بحاجة إلى تلك الخطوة لإعادة تأهيل القوات الأمنية والعسكرية وإرسال رسائل إلى الجانب الإثيوبي بأنها «لديها شركاء أقوياء ولا يمكن الاستهانة بها».

ويرى أن «تداعيات ذلك الحضور بلا شك ستكون معقدة»، مُرجعاً ذلك إلى «عدم تقبل الجانب الإثيوبي هذه الخطوة في ظل توتر علاقاته مع مصر، بشأن ملف سد النهضة خصوصاً أنه سيفهم الحضور المصري على أنه رسالة من مصر تفيد بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تهديد لأمنها المائي».

وهناك خلافات بين مصر والسودان من ناحية، وإثيوبيا على الجهة الأخرى، بشأن «سد النهضة» الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.


مقالات ذات صلة

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

العالم العربي قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بالخطر مع وصف المعارضة رئيس البلاد حسن شيخ محمود بـ«الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن، ولندن.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)

وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

بحث وفد حكومي مصري تعزيز الشراكة مع إريتريا، إلى جانب التنسيق بين القاهرة وأسمرة بشأن «أمن البحر الأحمر».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

دخلت واشنطن ولندن على خط الأزمة السياسية الصومالية بتسهيل حوار بين الحكومة والمعارضة، وسط تأزم الموقف المحيط بتمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود عاماً آخر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

تتزايد حالة القلق والترقب داخل أسر بحارة مصريين اختطفهم قراصنة صوماليون أثناء وجودهم على متن ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري دورية لقوارب عسكرية صومالية في ميناء مقديشو البحري (رويترز)

تحليل إخباري بعد حادث البحارة المصريين... مطالب عربية بتكثيف الجهود الدولية للتصدي للقرصنة

توالت المواقف العربية الداعمة لجهد دولي يهدف للتصدي للقرصنة في البحر الأحمر بعد عدة حوادث بالمنطقة كان أحدثها اختطاف ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية

محمد محمود (القاهرة )

ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
TT

ليبيا: براءة السنوسي من «قمع متظاهري فبراير» وإسقاط التهمة عن سيف القذافي

سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)
سيف الإسلام القذافي أثناء القبض عليه عام 2011 وإلى يساره العجمي العتيري (رويترز)

برّأت محكمة استئناف طرابلس عبد الله السنوسي، رئيس جهاز الاستخبارات السابق في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي وعدداً من رموزه، من بينهم منصور ضو، وذلك من تهمة قمع متظاهري (ثورة 17 فبراير)، كما أسقطت الجريمة عن سيف الإسلام القذافي لوفاته.

واغتيل سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير (شباط) الماضي، وحدّد النائب العام هوية ثلاثة متهمين بالتورط في قتله، لكنه لم يكشف عن أسمائهم حتى الآن.

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، إن الدائرة 13 بمحكمة استئناف طرابلس «قضت ببراءة موكلي وسيف الإسلام القذافي وعدد من رموز النظام السابق من التهم المنسوبة إليهم، في القضية رقم 630 المعروفة بـ(قمع متظاهري ثورة فبراير)».

وتعد قضية «قمع المتظاهرين» التي تأجلت عدة مرات من قبل، الأطول منذ سقوط نظام القذافي، لأسباب من بينها أن السنوسي مسجون في معتقل، كان خاضعاً حتى مطلع سبتمبر (أيلول) 2025، لـ«جهاز الردع» لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بقيادة عبد الرؤوف كارة ذي التوجه السلفي.

والسنوسي (74 عاماً)، هو عديل معمر القذافي، وأحد أبرز رجال نظامه السابق، ولا يزال يُحاكم في القضية المعروفة بـ«مذبحة سجن أبو سليم» في طرابلس، التي قُتل فيها نحو 1200 سجين عام 1996.

وقال العجمي العتيري، الآمر السابق لكتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تتولى حراسة سيف الإسلام في الزنتان حتى عام 2017: «بعد 15 عاماً من المداولات، برأت المحكمة (المغدور) سيف الإسلام والسنوسي».

وأضاف أن «النطق بالحكم جاء بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي»، وسط تأكيدات بأن هذه القضية كانت تُستخدم طيلة السنوات الماضية ذريعةً لمنعه من خوض الانتخابات الرئاسية.

واستغل العتيري الحكم، وقال: «أتمنى من النائب العام الصديق الصور أن يفعل ما فعلته المحكمة ويفصح عن مرتكبي جريمة اغتيال سيف القذافي، ومن يقف وراءها ومن دعّمها».

وكان السنوسي قد مثل، في 29 يناير (كانون الثاني) 2025، أمام محكمة استئناف طرابلس عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، بعد سلسلة طويلة من تأجيلات القضية، إثر رفض «جهاز الردع» مثوله هو وضو أمام القضاء.

وسبق لأنصار السنوسي أن اتهموا آمر «جهاز الردع» باحتجازه «رهينة»، مشيرين إلى أن سجانيه «يتخوفون من شعبيته حال إطلاق سراحه». وفي ظل الترتيبات الأمنية الجديدة بين «الجهاز» وحكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تنتظر قبيلة المقارحة الإفراج عن السنوسي.

والسنوسي زوج شقيقة صفية فركاش، الزوجة الثانية للرئيس الراحل معمر القذافي، وكان ضمن دائرته المقربة طوال فترة حكمه التي تجاوزت 42 عاماً، ولا يزال ملاحقاً من المحكمة الجنائية الدولية.

منصور ضو القائد السابق للحرس الشعبي بنظام معمر القذافي (أنصاره على فيسبوك)

أما منصور ضو، المودَع في سجن مصراتة العسكري غرب ليبيا، فكان آمراً لحرس القذافي برتبة عميد، وظل إلى جواره حتى اعتُقل معه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، لكنه نجا من القتل، ومنذ ذلك الحين ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بتهمة التنكيل بمتظاهري (ثورة 17 فبراير)، قبل أن تعلن المحكمة براءته الاثنين.

وكانت وزيرة العدل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حليمة عبد الرحمن، قد أمرت في نهاية عام 2022 بالإفراج الصحي عن منصور ضو، لكن «جهاز الردع» لم يسمح له بمغادرة سجنه.

وعقب إلقاء القبض عليه في سرت، وتعرضه للاعتداء الجسدي، نفى ضو، الذي كان يُعرف بأنه «الصندوق الأسود» لأسرار القذافي، أي علاقة له بقمع الاحتجاجات الليبية.


اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
TT

اتهامات بـ«الهدر المالي» تلاحق حكومات ليبيا ما بعد 2011

جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)
جانب من احتفالية نظمتها «هيئة الرقابة الإدارية» في طرابلس (الهيئة)

أعاد حديث رئيس «هيئة الرقابة الإدارية» في ليبيا عبد الله قادربوه بشأن مسؤولية الحكومات السابقة عن إنفاق تريليون ومليار دينار منذ عام 2011، الجدل والاتهامات المتعلقة بـ«الهدر المالي»، في ظل غياب الرقابة على المال العام.

وكان قادربوه قد وصف، خلال احتفالية أقامتها الهيئة بالعاصمة الليبية طرابلس، هذا الرقم بـ«المخيف»، ما أعاد فتح باب النقاش بشأن مصير هذه الأموال وكيف أُنفقت، بالنظر إلى محدودية عدد السكان. و(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و8.28 دينار في الموازية).

جانب آخر من احتفالية «هيئة الرقابة» في طرابلس (الهيئة)

وفي محاولة للإجابة، أشار بعض المحللين إلى أن واقع الانقسام القائم منذ سنوات، وسعي كل حكومة للإنفاق العام «دون اهتمام بالتنمية أو تفعيل الرقابة»، أسهما في احتلال البلاد مرتبةً متقدمةً في قوائم الدول الأكثر فساداً، فيما أشار آخرون إلى أن «فاتورة التسليح، وما مرت به البلاد من فوضى أمنية، وتضخم باب الرواتب، أتت على هذه الأموال».

واعتبر وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق سلامة الغويل أن التقرير الذي استعرضته الهيئة «يمثل كشف حساب سياسياً ومالياً»، وأبدى تضامنه مع المواطن الذي قال إن «هذا الرقم يصدمه، وهو يصطف ساعات في طوابير أمام المصارف للحصول على سيولة، وأمام محطات الوقود، وينشد العلاج في الخارج».

وقدّر الغويل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «تبديد نحو 40 في المائة من الأموال المنفقة جراء الفساد بمختلف أشكاله»، مذكّراً بمقولة المبعوث الأممي الأسبق غسان سلامة: «كل يوم يولد مليونير جديد في ليبيا» جراء الفساد والتهريب.

واستند الغويل إلى «ما يُكشف من حين لآخر من شحنات وقود مهربة، وملفات فساد إداري ومالي في سفارات ليبيا»، منتقداً عدم مراجعة «الاعتمادات المستندية التي يستغلها تجار استيراد سلع غذائية بالسعر الرسمي للدولار، وبيعها بسعر السوق السوداء، فضلاً عن ضخامة الكميات بما يفوق احتياجات السوق بهدف تهريبها لمضاعفة أرباحهم».

ويتهم مراقبون، بعض الحكومات التي تعاقبت على ليبيا بـ«توظيف عوائد النفط لشراء الولاءات، لتعزيز موقعها في مواجهة خصومها».

وأقر الغويل بأن «المنافسة السياسية والعسكرية ألقت بظلالها على أموال الدولة»، معتبراً أن «ما أنفق عموماً خلال تلك الفترة، كان كفيلاً، لو وُجه بشكل صحيح لنقل ليبيا إلى مصاف الدول المتقدمة، غير أن أغلب الحكومات أدارت الوضع بشكل عشوائي دون خطط أو التزام بمعايير الشفافية».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض الجنوب، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وسجل الباحث في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» جلال حرشاوي اعتراضه على ما طرحه قادربوه، معتبراً أنه قدم خطاباً «تحركه المزايدة الشعبوية ويفتقر إلى الدقة المنهجية».

وأوضح حرشاوي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «جمع ميزانيات 15 عاماً دون التمييز بين سنوات الإقفال النفطي وسنوات الوفرة، وفي ظل تغير سعر الصرف، منهج مضلل يخدم التعمية».

ويرى أن «اتهام جميع الحكومات هو، في حقيقته، طريقة لعدم اتهام أي حكومة بعينها»، ودعا إلى «التركيز على إصدار تقارير مفصلة ومتاحة للعموم تركز على أحدث الاختلالات والتطورات، خاصةً أن التجاوزات المختلفة التي تضر بالاقتصاد الليبي باتت مقلقة».

ويعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي أن الرقم الذي ذكره قادربوه، رغم ضخامته، «مرشح للزيادة إذا احتُسبت ديون الدولة الداخلية»، ويرى، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «87 في المائة من هذه الأموال ذهبت للاستهلاك، ولم تنعكس في شكل تنمية حقيقية على البنية التحتية أو قطاعات الصحة والتعليم».

ولفت إلى أن «بند الرواتب وحده ناهز 73 مليار دينار في العام الماضي، جراء عمل نحو 2.6 مليون ليبي في وظائف حكومية غير منتجة في مجملها... إضافة إلى ما يخصص أيضاً لدعم المحروقات».

ووفقاً لتقرير «الهيئة الرقابية» لعام 2025، تجاوز إجمالي الدين العام 270 مليار دينار، مع توقعات بارتفاعه إلى 303 مليارات بنهاية 2026، موزعاً بين 186 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- بنغازي، و84 مليار دينار على «مصرف ليبيا المركزي»- طرابلس.

ويرى الفارسي أن «الخلل الهيكلي في الاقتصاد الليبي يسبق عام 2011، إذ يعود إلى الاتكال على عوائد النفط منذ اكتشافه في النصف الثاني من القرن الماضي، وتقصير الدولة في تنويع مصادر الدخل»، مؤكداً أن «الاتهام الحقيقي الموجه للميزانيات الليبية هو إهمال حق الأجيال القادمة في اقتصاد قوي ومتنوع».

وألقى بعض الناشطين المسؤولية على أجهزة الرقابة، معتبرين أن دورها انحصر في تدوين خسائر الهدر بدلاً من حماية المال العام.

ووصف رئيس حزب «التجديد الليبي» سليمان البيوضي، ما تم هدره بـ«الفرصة الضائعة لبناء دولة حديثة ومتطورة»، معتبراً إياه ترجمةً واضحةً لـ«سوء إدارة الموارد الوطنية»، ومحملاً المسؤولية «لعشر حكومات تعاقبت على إدارة ليبيا»، وحذر من أن «هذا النزف لن يتوقف ما دام الفساد متجذراً في الفضاء العام».


السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
TT

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية، وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية، استناداً إلى مبادرة قدمها إلى الأمم المتحدة العام الماضي رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لتحقيق السلام ووقف الحرب.

وقال وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم، في كلمته أمام المشاركين في المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، إن بلاده ملتزمة بمبادرة البرهان، عادّاً أنها تعكس التزام السودان بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وصولاً إلى توافق وطني شامل يفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

وأضاف الوزير، حسب بيان صحافي صادر عن وزارة الخارجية في وقت مبكر من صباح الاثنين، أن مبادرة البرهان حظيت بدعم وتأييد عدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، كما تضمنت خريطة طريق متكاملة لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام، تشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح، وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار.

رئيس «مجلس السيادة» السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

ووصف وزير الخارجية المنتدى بأنه «منصة دولية مهمة» لتبادل الخبرات ومناقشة التحديات المرتبطة بالتنمية الحضرية وبناء المدن الآمنة والقادرة على الصمود، مشيراً إلى أن شعار الدورة الحالية «إسكان العالم: مدن ومجتمعات آمنة وقادرة على الصمود»، يعكس بصورة مباشرة واقع السودان وتطلعات شعبه.

وقال إن بلاده تعيش ظروفاً استثنائية نتيجة الهجمات التي اتهم قوات «الدعم السريع» بشنها على المدن والبنية التحتية والمرافق الحيوية، مضيفاً أن السودان شهد دماراً واسعاً شمل المناطق السكنية والمنشآت الصحية وشبكات الكهرباء والمياه والمؤسسات التعليمية، ما أدى إلى نزوح الملايين، وفرض تحديات كبيرة أمام جهود إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل المدن والمجتمعات المتضررة.

كما كشف المسؤول السوداني عن شروع حكومته في تنفيذ برامج وطنية لإعادة تأهيل الخدمات الأساسية في المناطق التي بدأت تشهد عودة النازحين واللاجئين ضمن برامج العودة الطوعية «بدعم من عدد من الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية العاملة في المجال التنموي».

وأعلن كذلك إطلاق خطة لبناء مليون وحدة سكنية مخصصة للشباب من ذوي الدخل المحدود، ضمن مشروع لتوفير المأوى للمواطنين، رغم التحديات التي تواجهها البلاد، بهدف تعزيز الاستقرار المجتمعي وتوفير السكن الملائم للفئات المتأثرة بالحرب والنزوح.

وقدم سالم شرحاً للمشاركين حول «مبادرة السلام الشاملة» التي سلمتها الحكومة السودانية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن أواخر عام 2025، والتي تتضمن خريطة طريق لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام عبر وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار.

وكان وزير الخارجية قد ترأس الوفد السوداني إلى المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، بتنظيم مشترك مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وبمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء وممثلي المنظمات الدولية.

وفي نهاية العام الماضي، قدّم البرهان مبادرة سلام إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كشف عنها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول)، وقال إنها تتكامل مع المبادرة الأميركية - السعودية - المصرية - الإماراتية المعروفة بـ«مبادرة الرباعية».

ونصت المبادرة السودانية لإحلال السلام، التي عُرفت إعلامياً بـ«مبادرة البرهان»، على استعداد السودان للدخول في عملية سياسية تنسحب بموجبها قوات «الدعم السريع» من المدن، وتتجمع في مواقع يتم الاتفاق عليها في إقليم دارفور، قبل الشروع في أي مفاوضات.