«محور فيلادلفيا»... أزمة متصاعدة بين مصر وإسرائيل تبحث عن «حل وسط»

خبراء رجّحوا قبول القاهرة بانسحاب تل أبيب تدريجياً لإتمام الهدنة في غزة

محور فيلادلفيا (تايمز أوف إسرائيل)
محور فيلادلفيا (تايمز أوف إسرائيل)
TT

«محور فيلادلفيا»... أزمة متصاعدة بين مصر وإسرائيل تبحث عن «حل وسط»

محور فيلادلفيا (تايمز أوف إسرائيل)
محور فيلادلفيا (تايمز أوف إسرائيل)

تصاعدت حدة أزمة «محور فيلادلفيا» بين مصر وإسرائيل، حتى باتت عقبة رئيسية أمام اتفاق هدنة في قطاع غزة، وسط محاولات للبحث عن «حل وسط» يوازن بين رفض القاهرة وجود قوات إسرائيلية في الشريط الحدودي، وتمسك تل أبيب بالبقاء بداعي «منع تهريب السلاح لحركة (حماس)».

ودخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة محاولة تقديم «حل وسط»، عدّه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بمثابة «بادرة انفراجة»، مرجحين «قبول القاهرة بانسحاب إسرائيلي تدريجي من (محور فيلادلفيا) لإتمام اتفاق هدنة غزة، شريطة أن يؤدي ذلك إلى انسحاب كامل في المراحل التالية من صفقة الأسرى».

و«محور فيلادلفيا» هو شريط حدودي أنشأه الجيش الإسرائيلي خلال احتلاله قطاع غزة بين العامين 1967 و2005، يبلغ عرضه في بعض الأجزاء 100 متر، ويمتد لمسافة 14 كيلومتراً على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة. ويعدّ منطقة عازلة بموجب «اتفاقية كامب ديفيد» الموّقعة بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.

ومنذ نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصبح «محور فيلادلفيا» مثار تجاذبات بين مصر وإسرائيل، عقب تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ألمح فيها إلى رغبته «السيطرة على الشريط الحدودي»، ما عدته القاهرة «خطاً أحمر يهدد العلاقات بين البلدين»، حسب إفادة رسمية سابقة لرئيس هيئة الاستعلامات في مصر، ضياء رشوان.

وتصاعد الخلاف بشأن المحور الحدودي، في مايو (أيار) الماضي، مع سيطرة إسرائيل على معبر رفح؛ حيث أكدت مصر مراراً رفضها الوجود الإسرائيلي بـ«محور فيلادلفيا»، في وقت تمسكت فيه إسرائيل بالبقاء.

فلسطينيون يلعبون بالقرب من الحدود مع مصر في رفح على طول «محور فيلادلفيا» جنوب غزة (أ.ب)

معضلة رئيسية

وفي محاولة لحل الأزمة المتصاعدة، طلب الرئيس الأميركي، جو بايدن، من نتنياهو سحب قواته من المنطقة الحدودية بين مصر وغزة، حسبما نقله موقع «أكسيوس» الأميركي، الجمعة، عن 3 مسؤولين إسرائيليين، لم يسمهم، قالوا إن «نتنياهو قبل جزئياً طلب بايدن».

من جانبه، أكد نائب المدير العام لـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد إبراهيم الدويري، أن «(محور فيلادلفيا) يعد إحدى المعضلات الرئيسية والنقاط الخلافية في مفاوضات هدنة غزة»، واصفاً إياه بأنه «مفتاح التوصل لاتفاق الهدنة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تكثيف الرئيس الأميركي اتصالاته، أخيراً، مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي؛ «يستهدف الدفع باتجاه حل هذه المعضلة».

وتحدث بايدن هاتفياً مع قادة قطر ومصر، مساء الجمعة، «ليضغط من أجل التوصل إلى اتفاق صعب المنال لوقف إطلاق النار في غزة»، حسبما نقلته «رويترز» عن البيت الأبيض. تزامنت الاتصالات مع جولة جديدة من المفاوضات في القاهرة. وأكد السيسي وبايدن «أهمية التزام الأطراف المعنية بتذليل العقبات وإبداء المرونة لإتمام اتفاق هدنة غزة»، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

دخان تصاعد بعد قصف جوي إسرائيلي بالقرب من الجدار الفاصل بين مصر ورفح في 6 مايو الماضي (أ.ب)

حل وسط

مقترحات حل أزمة «محور فيلادلفيا» لم تقتصر على الجانب الأميركي؛ حيث تداولت وسائل إعلام إسرائيلية حلولاً عدة، من بينها ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، السبت، بشأن «تقديم تل أبيب مقترحاً أمنياً يتضمن إنشاء حاجز تحت الأرض على الحدود بين قطاع غزة ومصر، مشابه للحاجز بين غزة والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل». ولفتت الصحيفة إلى أن «النقاش بشأن هذا المقترح بدأ قبل سيطرة الجيش الإسرائيلي على (محور فيلادلفيا) في مايو (أيار) الماضي»، مرجحة أن «يستغرق هذا الحل أمداً طويلاً للتنفيذ، ناهيك عن عقبة التمويل».

وأكد مصدر مصري مطلع على سير المفاوضات «عدم صحة المقترحات التي تتداولها وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن إنشاء أبراج أو جدار تحت الأرض». لكنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك انفراجاً عاماً في المشهد. هناك تقبّل من القاهرة لبعض الأفكار التي طرحت من الجانب الإسرائيلي والأميركي». وأوضح أن «هناك مفاوضات تقنية تجري بشأن الخرائط التي تحدد أماكن انتشار الجيش الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن «تل أبيب وافقت من حيث المبدأ على الانسحاب من محور فيلادلفيا ومعبر رفح».

وقال المصدر المصري إن «الولايات المتحدة تتحدث مع مصر عن انسحابات تدريجية للقوات الإسرائيلية من المحور وضمانات وتعهدات في هذا الصدد، وهي أفكار تقبّلت القاهرة بعضها كحل وسط، ويمكن البناء عليها في مفاوضات الهدنة التي ستبدأ، الأحد، في القاهرة». ولفت إلى أن «هناك مسارين للتفاوض، الأول متعلق بمحور فيلادلفيا، والثاني بشأن الترتيبات الأمنية في معبر رفح».

وغادر وفد إسرائيلي القاهرة، الجمعة، بعد تسليم مصر خرائط للمواقع المقترحة بوجود القوات الإسرائيلية فيها داخل قطاع غزة و«محور فيلادلفيا» خلال المرحلة الأولى من الهدنة، من المفترض أن تعرضها القاهرة على «وفد حركة (حماس) خلال لقائه في مصر».

فلسطينيون يشقون طريقهم أثناء فرارهم من البريج بعد أوامر إسرائيلية بإخلاء المنطقة (رويترز)

إنجاز هدنة

من جهته أكد الدويري أن «مصر ترفض بشكل مطلق استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي غير المبرر سواء في (محور فيلادلفيا) أو معبر رفح»، و«هذا يُعد أهم الشروط المصرية إذا كانت هناك رغبة إسرائيلية أو أميركية في إنجاز اتفاق الهدنة»، على حد قوله، مؤكداً أن «هذا موقف مصري واضح وصريح لا يقبل تنازلات وغير مرتبط بموقف أو رأي حركة (حماس)».

لكن في الوقت نفسه، أوضح الدويري أن «الهدف الأسمى، وهو التوصل إلى الهدنة، قد يتيح المجال أمام إمكانية مناقشة مقترحات عملية في هذا المجال، شريطة أن تؤدي في النهاية وفي توقيت محدد إلى انسحاب إسرائيلي نهائي من محور فيلادلفيا».

في سياق ذلك، قال الخبير الاستراتيجي رئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، العميد سمير راغب، إن «بايدن اقترح انسحاب إسرائيل بعمق كيلومترين، لكن إسرائيل وافقت على كيلومتر واحد»، مشيراً إلى أن «مصر يمكن أن تقبل بانسحاب تدريجي في المرحلة الانتقالية في إطار التسويات النهائية، لكنها بأي حال من الأحوال لن تقبل بوجود إسرائيلي دائم في المحور الحدودي». ولفت إلى أن «القاهرة رفضت وضع أبراج في (محور فيلادلفيا)، كما رفضت وضع أجهزة الاستشعار حتى قبل حرب غزة، وهي ترفض أي اتهامات إسرائيلية تتعلق بتأمين الحدود أو الاعتداء على سيادتها على أراضيها».

ومن بين المقترحات الإسرائيلية لحل الأزمة «تركيب أجهزة استشعار وكاميرات على الحدود المصرية - الفلسطينية، أو إقامة أبراج مراقبة على الحدود»، حسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، التي أكدت «رفض مصر الاقتراحين، بدعوى أن أي عدد من أبراج المراقبة في المحور من شأنه أن يمنح إسرائيل سيطرة عسكرية هناك».

جنود إسرائيليون داخل قطاع غزة (رويترز)

تفاؤل حذر

وبين الحين والآخر تتكرر المزاعم الإسرائيلية بشأن عمليات تهريب السلاح عبر الحدود مع قطاع غزة، مستهدفة «تبرير بقائها في (محور فيلادلفيا)»، وهي مزاعم سبق أن نفتها مصر مراراً. وقال الدويري إن «القاهرة اتخذت إجراءات متكاملة أدت إلى إغلاق الأنفاق كافة في هذه المنطقة، ما يعني وقف أي عمليات تهريب ممكنة».

وسبق أن نفت مصر أكثر من مرة مزاعم إسرائيلية عن استخدام الأنفاق الحدودية في التهريب. وذكر رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية في بيان صحافي، يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه في إطار جهود مصر لمكافحة «الإرهاب» في سيناء، «عملت على تقوية الجدار الحدودي مع قطاع غزة الممتد لـ14 كيلومتراً، عبر تعزيزه بجدار خرساني طوله 6 أمتار فوق الأرض و6 أمتار تحت الأرض، فأصبح هناك 3 حواجز بين سيناء ورفح الفلسطينية، يستحيل معها أي عملية تهريب لا فوق الأرض ولا تحت الأرض».

ووفق المصدر المصري المطلع فإن «القاهرة تقبلت بعض الأفكار والرؤى، وحركة (حماس) أحيطت علماً بالتفاصيل وقدمت لها خريطة كاملة بأماكن الانسحابات الإسرائيلية، وسيبدأ العمل في الفترة المقبلة على مراجعة هذه المسائل».

ونفى المصدر المصري ما يتردد في وسائل الإعلام الإسرائيلي عن «اتجاه القاهرة وتل أبيب لتعديل معاهدة السلام بينهما أو البروتوكول الأمني». وقال إنه «لا صحة لهذا الكلام، والعمل حالياً يتم على خرائط تفصيلية واضحة لأماكن انتشار الجيش الإسرائيلي والترتيبات الأمنية المتعلقة بالانسحاب من ممرات نتساريم وديفيد ومعبر رفح ومناطق التماس الاستراتيجية المجاورة لمصر». وأضاف: «بينما تبدو الأمور جيدة بالنسبة لمصر وإسرائيل يظل التفاؤل حذراً بشأن التوصل لاتفاق نهائي لهدنة في غزة».


مقالات ذات صلة

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي العلَم الإسرائيلي ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة 14 أغسطس 2025 (رويترز) play-circle

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة في الضفة الغربية

دعا الاتحاد الأوروبي حكومة إسرائيل لوقف مشروع إقامة مستوطنة جديدة بالضفة الغربية، ووصف الخطوة بأنها «استفزاز خطير».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ) play-circle

جنود إسرائيليون يقتلون صبياً فلسطينياً في الضفة الغربية

قال الجيش الإسرائيلي إن جنوداً قتلوا بالرصاص فلسطينياً كان يرشقهم بالحجارة في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

استبقت البعثة الأممية لدى ليبيا برئاسة هانا تيتيه «أي تهديد» قد تحدثه الميليشيات المسلحة في غرب البلاد لعرقلة العملية السياسية، وتحدثت عن تواصل مع تلك التشكيلات لمنع «أي استخدام للقوة» قد يُفشل المسار الانتخابي المرتقب، في خطوة تشكك عسكريون ومحللون في جدواها.

فخلال اجتماعات الأعضاء المشاركين بـ«المحور الأمني» في «الحوار الهيكل» أواخر الأسبوع الماضي، قالت البعثة الأممية ضمن ردودها على استفسارات تتعلق بكيفية المضي في تنفيذ «خريطة الطريق» إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة الرئيسية والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية «بهدف ثنيها عن استخدام القوة أو التلويح بها للتأثير على العملية السياسية».

وأضافت أن «الأهم» هو «الشروع في إصلاحات في قطاع الأمن». كما أشارت إلى أن «الجهود ستتركز على وضع ترتيبات أمنية تضمن بيئة آمنة لإجراء الانتخابات، معزَّزة بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين».

وفي حين عدَّ مراقبون أن هذا الحديث «محاولة لتقليص تهديد الميليشيات»، فقد أثار شكوك البعض في إمكانية تحققه فعلياً على أرض الواقع.

عناصر تابعة لـ«اللواء 444» في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للواء)

وعدّ مصدر عسكري ليبي، تحفظ على ذكر اسمه، أن سياسات البعثة «لا تعالج الواقع المعقد»؛ وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أي مسار سياسي لن ينجح إلا إذا انطلق من خيار ليبي - ليبي خالص، يحترم إرادة المواطنين، ويضع حداً للتدخلات الخارجية» التي وصفها بأنها «مضيعة للوقت».

واسترسل في حديثه قائلاً: «الميليشيات لا تملك مصلحة حقيقية في الانخراط في تسوية سياسية جادة؛ لأن الاستقرار يعني نهاية نفوذها ومصادر تمويلها»، عادّاً أن هدفها الأساسي «هو كسب مزيد من الوقت للسيطرة على مؤسسات الدولة ونهب ثروات الليبيين»، حسب تعبيره.

ميليشيات «ترتدي ربطات عنق»

وتشهد ليبيا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في 2011، تفككاً أمنياً وعسكرياً واسعاً، مع سيطرة ميليشيات على مؤسسات حكومية ومنافذ اقتصادية، خصوصاً في غرب البلاد. ودارت فيها اشتباكات مسلحة كثيرة، كما سبق وأطلق مسلحون النار على مقار للمفوضية العليا للانتخابات عشية إجراء انتخابات بلدية في مناطق بغرب وجنوب ليبيا في أغسطس (آب) 2025.

وقد أسهمت ترتيبات حكومة «الوفاق» السابقة، وفق خطة أممية سابقة، في «شرعنة» وجود هذه التشكيلات سياسياً وأمنياً عبر إدماجها مؤقتاً تحت أسماء رسمية، دون تفكيك حقيقي للأسلحة أو لهياكلها التنظيمية، حسب متابعين.

ووصف الدكتور أحمد الأطرش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طرابلس، ما تسعى إليه البعثة الأممية بأنه «جرعات مسكنة» لامتصاص غضب الشارع، دون معالجة جذور الأزمة. وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن السبب الذي يمنع الأمم المتحدة من إنهاء نفوذ هذه التشكيلات منذ سنوات إذا كانت تمتلك القدرة على ذلك؛ مضيفاً: «الدول الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تمتلك أدوات القوة الناعمة والخشنة لذلك».

وحذّر من أن الميليشيات ستظل عائقاً أمام أي عملية سياسية أو تشكيل حكومة انتقالية، بعدما تغولت على مفاصل الدولة بدعم سلطات توفر لها الغطاء، حتى أصبح بعض قادتها «ميليشيات ترتدي ربطات عنق»، في إشارة إلى تولي قادة منهم مناصب عسكرية وأمنية رفيعة في غرب ليبيا.

ويبدو أن نهج الأمم المتحدة حيال الميليشيات «يواجه مأزقاً بسبب غياب الدعم الدولي الفاعل»، وهي رؤية جلال حرشاوي، الباحث في الشأن الليبي بالمعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، الذي يعتقد أن «النجاحات المحدودة التي حققتها البعثة منذ 2011 كانت مرتبطة بالدعم المباشر لدول قوية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا».

ويذهب حرشاوي إلى القول: «البعثة اليوم تعمل شبه معزولة، مما يقلل من قدرتها على التأثير في المرحلة المقبلة».

«نهج مربك»

ورغم أن النهج الأممي يبدو واقعياً في نظر بعض المراقبين، فإن تواصل المجتمع الدولي مع تلك الميليشيات يثير تساؤلات أعمق لدى محللين، آخذين في الحسبان أن بعض قادتها مطلوبون دولياً أو أدانتهم تقارير دولية.

وانتقد المحلل العسكري محمد الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» ما عده «النهج المربك» للأمم المتحدة القائم على التواصل مع قادة ميليشيات مسلحة، رغم أن بعضهم مدرجون على «قوائم عقوبات دولية»، أو ملاحقون قضائياً.

وأوضح أن هذا التوجه يقوّض سيادة القانون، ويبعث برسائل سلبية للمؤسسات النظامية، ويكرّس منطق الإفلات من العقاب، ويُضعف مسار بناء الدولة؛ مشيراً إلى أن تجاهل خلفياتهم القانونية والأمنية يضعف كذلك الجهود الدولية الرامية للاستقرار.

مصافحة بين عبد الحميد الدبيبة ومحمد كشلاف (القصب) ضمن لقاء مع أعيان الزاوية (مكتب الدبيبة)

وقد أثار وضع قادة ميليشيات «معاقبين دولياً» تساؤلات حقوقية بعد استقبال رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لشخصيات مثل محمد كشلاف الملقب بـ«القصب»، المدرج على قوائم عقوبات مجلس الأمن، وهو ما انتقدته المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان ومركز بنغازي لدراسات الهجرة.

ويحذّر الأطرش من مغبة استمرار نهج التواصل الأممي مع الميليشيات، قائلاً إن هذا قد يؤدي إلى «انفجار شعبي»، في ظل استياء المواطنين من سطوتها، ووسط الانقسام السياسي القائم، وأزمات الوقود والسيولة وارتفاع سعر الدولار واستشراء الفساد.

ويخلص المصدر العسكري الليبي إلى أن دعم الأمم المتحدة لـ«مسار وطني جامع»، بعيداً عن التواصل المباشر مع التشكيلات المسلحة، هو «السبيل لإنهاء الانسداد السياسي، وفتح الطريق أمام استقرار حقيقي في البلاد».

ولا يرى المصدر بديلاً عن «دمج الميليشيات أو حلها» ضمن إطار وطني توافقي، يؤدي إلى بناء مؤسسات أمنية موحدة وخاضعة للدولة، بعيداً عن أي «شرعنة للأمر الواقع».


أبرز مراحل مفاوضات السد الإثيوبي (إطار)

صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صفحته بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صفحته بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

أبرز مراحل مفاوضات السد الإثيوبي (إطار)

صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صفحته بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صفحته بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

على مدار نحو 15 عاماً، عقب إعلان الحكومة الإثيوبية عزمها بناء «سد النهضة»، على رافد النيل الأزرق، دخلت مصر والسودان وإثيوبيا في نزاع مستمر، تخللته جولات تفاوض عديدة، على أمل الوصول لاتفاق يساعد أديس أبابا لاستكمال مشروعها بهدف توليد الكهرباء، ويجنب في الوقت نفسه دولتي المصب أضراراً متوقعة.

وجاءت مراحل هذا النزاع على النحو التالي:

* سبتمبر (أيلول) 2011 اتفق رئيسا وزراء مصر وإثيوبيا على تشكيل لجنة دولية لدراسة آثار السد على دولتي المصب.

* مايو (أيار) 2012 بدأت اللجنة أعمالها وضمت 10 خبراء مصريين وإثيوبيين وسودانيين و4 خبراء دوليين، وكانت مهمتها فحص الدراسات الهندسية الإثيوبية، وتأثير السد على مصر والسودان.

* مايو 2013 أصدرت اللجنة الثلاثية تقريرها، وطالبت بضرورة إكمال الدراسات لتقييم آثار السد، قبل توقف المفاوضات بعدما رفضت مصر تشكيل لجنة فنية من دون خبراء أجانب.

* يونيو (حزيران) 2014 اتفقت السلطات في مصر وإثيوبيا على استئناف المفاوضات، بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء إثيوبيا هيلي ديسالين على هامش قمة الاتحاد الأفريقي.

* سبتمبر 2014 اجتمعت لجنة ثلاثية فنية تضم مصر وإثيوبيا والسودان؛ واتفقت على اختيار مكتبين استشاريين، أحدهما هولندي والآخر فرنسي، لعمل الدراسات المطلوبة بشأن السد.

* مارس (آذار) 2015 وقّع الرئيس المصري ونظيره السوداني ورئيس وزراء إثيوبيا، في الخرطوم، وثيقة «إعلان المبادئ»، تنص «على إعداد الدراسات الفنية اللازمة في مدة لا تزيد على 11 شهراً، وتعهد إثيوبيا بعدم الإضرار بدولتي المصب».

* ديسمبر (كانون الأول) 2015 وقّع وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا «وثيقة الخرطوم» التي تضمنت اتفاق التأكيد على إعلان المبادئ، وتكليف مكتبين فرنسيين، لتنفيذ الدراسات الفنية المطلوبة.

* أبريل (نيسان) 2018 الاجتماع التساعي الأول لوزراء الخارجية والمياه ورؤساء أجهزة المخابرات في مصر والسودان وإثيوبيا، لكن لم يتوصل الاجتماع لاتفاق.

* سبتمبر 2018 عقد وزراء الري بالدول الثلاث اجتماعاً للجنة الفنية، لكن لم يتوصل لاتفاق، ليتم إعلان إرجاء المفاوضات بعدها.

* فبراير (شباط) 2019 أعلنت الدول الثلاث استئناف التفاوض، بعد لقاء جمع قادة الدول الثلاث، على هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا.

* سبتمبر 2019 أعلنت وزارة الري المصرية تعثر المفاوضات وتعذر الوصول لاتفاق.

* نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 تدخلت الولايات المتحدة الأميركية بوساطة بين الدول الثلاث، وأعلنت استضافة 4 اجتماعات للوصول لاتفاق خلال شهرين.

* يناير (كانون الثاني) 2020 واشنطن تستضيف اجتماع الدول الثلاث، لتقييم نتائج الاجتماعات السابقة، وانتهى الاجتماع بتوافق مبدئي على بنود الاتفاق.

* يونيو 2020 مصر تتقدم بطلب لمجلس الأمن تدعو فيه للتدخل من أجل مواصل التفاوض بحسن نية، والاتحاد الأفريقي يعلن رعايته للمفاوضات.

* أبريل 2021 مصر والسودان تعلنان فشل مفاوضات الاتحاد الأفريقي التي عُقدت في العاصمة الكونغولية كينشاسا، بعد إصرار إثيوبيا على تنفيذ عملية الملء الثاني للخزان.

* يوليو (تموز) 2021 مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة لبحث أزمة سد النهضة بناء على طلب مصر.

* سبتمبر 2021 مجلس الأمن الدولي يصدر بياناً رئاسياً حث فيه «مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، ضمن إطار زمني معقول».

* يوليو 2023 اتفق الرئيس المصري مع رئيس وزراء إثيوبيا على استئناف التفاوض للانتهاء من الاتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان لملء وقواعد تشغيل السد، على أن تنتهي خلال 4 أشهر.

* ديسمبر 2023 أعلنت الحكومة المصرية توقف مسار مفاوضات السد الإثيوبي نتيجة لاستمرار أديس أبابا في مسار المفاوضات التي استمرت 13 عاماً.


ترحيب مصري - سوداني بعرض ترمب حول السد الإثيوبي

الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

ترحيب مصري - سوداني بعرض ترمب حول السد الإثيوبي

الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس المصري ونظيره الأميركي خلال توقيع وثيقة وقف الحرب في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

رحّبت دولتا مصر والسودان بعرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الوساطة مجدداً في قضية «سد النهضة»، للوصول إلى اتفاق بين دولتَي المصب، مصر والسودان، مع إثيوبيا.

وقال ترمب، مساء الجمعة، إن «واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل، ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد».

وثمّن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر». وأشار في تدوينة على حسابه الرسمي، السبت، إلى «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف»، مؤكداً أن «هذه هي الثوابت التي يتأسّس عليها الموقف المصري».

ووجه السيسي خطاباً إلى الرئيس الأميركي تضمن «تأكيد الموقف المصري، وشواغل القاهرة ذات الصلة بالأمن المائي»، إلى جانب التأكيد على «الدعم المصري لجهود ترمب، والتطلع لمواصلة العمل من كثب معه خلال المرحلة المقبلة».

ودشنت أديس أبابا مشروع «سد النهضة» رسمياً في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط اعتراضات من مصر والسودان، للمطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظّم عمليات «تشغيل السد»، بما لا يضر بمصالحهما المائية.

وأشار الرئيس الأميركي إلى أنه «يدرك وفريقه الأهمية العميقة لنهر النيل لمصر وشعبها». وقال عبر حسابه على منصة «تروث سوشيال» إنه «يريد المساعدة في تحقيق نتيجة تضمن تلبية احتياجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد». وشدد على أنه «لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تضر بجيرانها في هذه العملية».

وقال رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

بينما لم يصدر موقف رسمي من الحكومة الإثيوبية بشأن عرض الرئيس الأميركي للوساطة في قضية «السد» وسط ترقب لموقف أديس أبابا.

واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020 بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان)، فإنها لم تصل إلى اتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي، السبت، مع نظيره البوسني، إلمدين كوناكوفيتش، أن «الرئيس السيسي يقدر اهتمام الرئيس ترمب بقضية مياه النيل». وأشار إلى أن «بلاده تدعم جهود الرئيس الأميركي للعمل من كثب لتحقيق المصالح للجميع، مع التأكيد على الشواغل المائية لدولتَي المصب».

وشدد عبد العاطي على «انفتاح بلاده للتعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل لتنفيذ مبادئ القانون الدولي، ومبدأ الإخطار المسبق وعدم إحداث ضرر»، عادّاً ذلك «أحد الثوابت الأساسية لبلاده».

وحول قضية السد الإثيوبي، قال الوزير المصري إن «إجمالي الموارد المائية لدول حوض النيل يبلغ 1600 مليار متر مكعب سنوياً، وبالتالي ليس هناك نقص في موارد المياه، إذا جرى تحسين استخدام الموارد المائية، وأن يكون التعاون قائماً على مبدأ تحقيق المكاسب للجميع، والابتعاد بشكل كامل عن الإجراءات الأحادية».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ووفق تقدير عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «ملف أزمة السد الإثيوبي سيشهد حراكاً خلال الفترة المقبلة بعد عرض الرئيس ترمب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التدخل الأميركي يعكس وجود إرادة لدى واشنطن لإنهاء تلك الأزمة». وأشار إلى أن «دعوة الإدارة الأميركية إلى استئناف التفاوض ربما جاءت بعد التواصل مع الحكومة الإثيوبية لإنهاء الخلاف القائم».

ويعتقد السفير صلاح حليمة أن «واشنطن مؤهلة إلى القيام بدور إيجابي في ملف أزمة السد الإثيوبي»، موضحاً أن «القاهرة ترحّب بتدخل واشنطن بالنظر إلى المسار السابق خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس ترمب، التي كادت تنتهي باتفاق لولا رفض الجانب الإثيوبي التوقيع عليه».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد، خلال العام الماضي، بعد جولات مختلفة، على مدار 13 عاماً، وذلك «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، حسب وزارة الري المصرية في وقت سابق.

بينما يخشى أستاذ القانون الدولي، العضو السابق في وفد الخرطوم بمفاوضات السد الإثيوبي، أحمد المفتي، «استمرار التعنت الإثيوبي في قضية السد»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «واشنطن سبق أن تدخلت في القضية، وكذلك مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، وجميع الأطراف طالبت أديس أبابا بالتعاون مع دولتَي المصب، غير أن الحكومة الإثيوبية لم تغيّر موقفها، وأكملت بناء السد بالإضافة إلى ملئه وتشغيله بشكل أحادي». ويرى المفتي أن «الحل الوحيد لتحريك هذا الملف هو اتخاذ موقف مصري-سوداني مشدد يجبر الحكومة الإثيوبية على التفاوض».