هل انشق حزب البشير أم «غيّر جلده» استعداداً لما بعد الحرب؟

قيادي وصف نفسه برئيس الحزب يعين هيكلاً جديداً لـ«حزب المؤتمر الوطني» السوداني

البشير أثناء خطاب بالقصر قبل شهرين من سقوط نظامه في أبريل 2019 (أ.ب)
البشير أثناء خطاب بالقصر قبل شهرين من سقوط نظامه في أبريل 2019 (أ.ب)
TT

هل انشق حزب البشير أم «غيّر جلده» استعداداً لما بعد الحرب؟

البشير أثناء خطاب بالقصر قبل شهرين من سقوط نظامه في أبريل 2019 (أ.ب)
البشير أثناء خطاب بالقصر قبل شهرين من سقوط نظامه في أبريل 2019 (أ.ب)

تضاربت الآراء والتحليلات حول التعديلات التي أجراها قيادي أطلق على نفسه صفة «رئيس «حزب المؤتمر الوطني»»، بين كونها انقساماً وصراعاً داخلياً، وبين كونها إعادة هيكلة استعداداً للمرحلة القادمة لما بعد الحرب، أو محاولة لتغيير «جلد» الحزب الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثين عاماً، وأسقط بثورة شعبية أطاحت بحكمه، لكن المحللين السياسيين يرجحون أن القرارات الجديدة ربما تدرج في إطار الانشقاق الرأسي في الحزب المحلول.

وأسس الراحل حسن الترابي «حزب المؤتمر الوطني» عقب الاستيلاء على الحكم بانقلاب عسكري في 1989، ليكون واجهة إلى جانب التنظيم المعروف باسم الحركة الإسلامية، وأوكلت رئاسته لرئيس الحكومة آنذاك العميد عمر حسن البشير.

ويوم الأحد الماضي، نشرت صفحة تابعة للحزب وتناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، قرارات أصدرها القيادي بالحزب إبراهيم محمود، كون بموجبها قطاعات إدارية جديدة للحزب، مطلقاً على نفسه صفة «رئيس الحزب»، وبموجبها عين القيادي السابق بالحزب الحاج آدم يوسف رئيساً للقطاع السياسي، وحاج ماجد سوار ومريم جسور نائبين له، إضافة إلى عبد الكريم عبد الله في منصب أمين الاتصال السياسي، بينما تولى فضل المولى الهجا أمانة التعبئة السياسية، وضياء الدين سليمان محمود ممثلاً لقطاع الإعلام، وأكمل بقية قطاعات الحزب بمكلفين جدد، وبينهم أعضاء قدامى في الحزب، بعضهم كان متمرداً عليه، إلى جانب عدد من أعضاء بالحزب أطلق عليهم «أعضاء خبرة» وأبرزهم عمار باشري، السلطان سعد بحر الدين، الصحافي عبد الماجد عبد الحميد، عبد القادر محمد زين.

مظاهرات صاخبة خرجت في الخرطوم احتفالاً بسقوط نظام البشير 2019 (إ.ب.أ)

وقال الإسلامي المنشق أشرف عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الحزب الحالي هو أحمد هارون المختبئ في جهة غير معلومة، بعد فراره وقادة آخرين بالحزب من السجن بعد اندلاع الحرب، وتابع: «هارون لم يقم في أي وقت بتفويض إبراهيم محمود برئاسة الحزب».

ومحمود هو مقرب من المجموعة التي لجأت إلى تركيا بعد سقوط نظام حزبهم، وأبرزهم محمد عطا (مدير جهاز الأمن السابق وسفير السودان السابق في واشنطن)، ومها الشيخ (زوجة محمد عطا وقيادية في الحزب)، ومعتز موسى (آخر رئيس وزراء في عهد البشير)، وياسر يوسف (حاكم الولاية الشمالية السابق)، إلى جانب إبراهيم غندور (المقيم في إثيوبيا) وزير الخارجية السابق ونائب رئيس الحزب في عهد البشير.

ورجح عبد العزيز أن تكون تلك القرارات موقفاً من مجموعات داخل «حزب المؤتمر الوطني»، خاصة من أطلق عليهم «المسيطرين» على الحزب والمختفين داخل السودان، وهم أحمد هارون، وعلي كرتي (وزير الخارجية السابق 2010 و2015) وأسامة عبد الله (وزير سابق في عهد البشير) أو ما يطلق عليهم مجموعة «كوبر»، وقال: «هم يسيطرون في الخفاء، ويهمشون المجموعة اللاجئة في تركيا وإثيوبيا».

واستبعد عبد العزيز أن تكون الخطوة التي اتخذتها المجموعة التي يقودها إبراهيم محمود تبادل أدوار، مرجحاً أنهم قصدوا وضع قيادات الحزب المختفية أمام الأمر الواقع.

الانقسامات ليست جديدة

ولا تعد الانقسامات جديدة على «حزب المؤتمر الوطني»، فقد انقسم الحزب رأسياً في 1999، فيما عرف بـ«المفاصلة» التي أطاحت فيها مجموعة السلطة الموالية للرئيس البشير بزعيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي، الذي أنشأ بعد إطاحته من قبل تلاميذه «حزب المؤتمر الشعبي».

وتلا ذلك انقسام مجموعة أخرى بقيادة غازي صلاح الدين العتباني في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 وبمعيته أكثر من 31 من القيادات البارزة في الحزب، وكون «حركة الإصلاح الآن»، فيما شهد الحزب احتجاجات واسعة عرفت باسم «مذكرة الألف أخ» قبل أن تتم السيطرة عليها.

وفي مارس (آذار) 2018 – قبيل الثورة بعدة أيام ونتيجة للضغط الشعبي عليه – فوض البشير صلاحياته كرئيس للحزب لنائبه أحمد محمد هارون، لحين انعقاد المؤتمر العام التالي للحزب الحاكم، لكن الثورة الشعبية أطاحت بحكمه قبل انعقاد ذلك المؤتمر، ولم يصدر عن هارون أي تصريحات بتفويض صلاحياته لأي من قيادات الحزب.

مجموعات الحزب

ويتكون الحزب حالياً من ثلاث مجموعات رئيسية متنافسة، وهي «مجموعة المعتقلين» الذين كانوا يخضعون للمحاكمة، وفروا من السجن بعد اندلاع الحرب، ومنهم أحمد هارون، ومجموعة «المختفين» التي تعمل في السر وتدير الحزب وتسيطر عليه، وعلى رأسها علي أحمد كرتي وأسامة عبد الله وآخرون، و«مجموعة اللاجئين» الذين فروا من البلاد عقب سقوط حكمهم وعلى رأسهم مدير جهاز الأمن السابق محمد عطا المولى، وزوجته مها الشيخ، وآخر رئيس وزراء في عهد البشير معتز موسى، إلى جانب إبراهيم غندور الذي لجأ إلى إثيوبيا.

البشير مع بعض أعضاء فريقه العسكري في الأيام الأولى لاستيلائه على السلطة عام 1989 (أ.ف.ب)

ولا يعرف ما إن كان أفراد المجموعة الفارة من السجن لا تزال في داخل البلاد، أم تم تهريبهم إلى الخارج، ورغم تصريحات الداخلية السودانية لـ«الشرق الأوسط» أول من أمس، بأنها لن تسمح لهم بمغادرة البلاد، تناقلت الوسائط مقطع فيديو زعمت فيه أن القيادي بالحزب والفار من السجن نافع علي نافع وصل لتركيا، في وقت لا تزال أمكنة بقية الفارين من السجن مجهولة، بما فيها عمر البشير وأحمد هارون.

وفي أول اجتماع له بعد تكوينه في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أصدر مجلس السيادة الانتقالي برئاسة عبد الفتاح البرهان، قراراً قضى بحل «حزب المؤتمر الوطني» الذي كان يتزعمه الرئيس المعزول عمر البشير، وأمر بمصادرة أمواله ومنع رموزه من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات على الأقل.

واستعاد الحزب المحلول «نفوذه» بعد انقلاب أكتوبر 2021 ضد الحكومة المدنية التي تكونت بسقوط حكم الإسلاميين في السودان بالثورة الشعبية المعروفة بثورة ديسمبر 2018، والتي شارك فيها ملايين السودانيين المطالبين بإسقاط حكم الإسلاميين.

وذهبت تحليلات تناولتها وسائط التواصل الاجتماعي إلى أن ما حدث «انشقاق» جديد في الحزب، يقوده مساعد البشير الأسبق ونائب رئيس الحزب إبراهيم محمود، بينما ذهبت تحليلات أخرى إلى أن الأمر ربما يكون «حيلة» من حيل الإسلاميين السودانيين للعودة للواجهة بأسماء جديدة، واستعداداً لمرحلة ما بعد الحرب.

ويتهم «حزب المؤتمر الوطني» بأنه كان يقف خلف انقلاب الجيش ضد حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ويستدلون على ذلك بأن قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان أعاد لقادة الحزب وأعضائه ممتلكاتهم وأموالهم التي تمت استعادتها من قبل لجان التفكيك، وأتاح لهم العودة للسيطرة على مفاصل الدولة مجدداً.

كما يتهم الحزب بـ«إشعال شرارة» الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» من خلال سيطرة الضباط الموالين له على زمام الأمور داخل الجيش، والذي قضى بإبعادهم من السلطة واستعادة ممتلكاتهم وأموالهم التي جنوها باستغلال السلطة لصالح الحكومة، وهو الحزب الوحيد الذي تقاتل «تنظيماته وكتائب ظله» إلى جانب الجيش ويرفض بشكل قاطع وقف الحرب والتفاوض مع قوات «الدعم السريع».

ويتهم حزب المؤتمر الوطني بأنه كان يقف خلف انقلاب الجيش ضد حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ويستدلون على ذلك بأن قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان، أعاد لقادة الحزب وأعضائه ممتلكاتهم وأموالهم التي تمت استعادتها من قبل لجان التفكيك، وأتاح لهم العودة للسيطرة على مفاصل الدولة مجددا.

كما ويتهم الحزب بـ"إشعال شرارة" الحرب بين الجيش والدعم السريع من خلال سيطرة الضباط الموالين له على زمام الأمور داخل الجيش، لدعم السريع، والذي قضى بابعادهم من السلطة واستعادة ممتلكاتهم وأموالهم التي جنوها باستغلال السلطة لصالح الحكومة، وهو الحزب الوحيد الذي تقاتل "تنظيماته وكتائب ظله" إلى جانب الجيش ويرفض بشكل قاطع وقف الحرب والتفاوض مع قوات الدعم السريع.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي خلال لقائه عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في جدة (واس) p-circle 00:17

محمد بن سلمان والبرهان يستعرضان مستجدات أوضاع السودان

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، مستجدات الأوضاع الراهنة في السودان.

«الشرق الأوسط» (جدة)

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.


مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
TT

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط، بعدما تحولت نقطةً متكررة لإنقاذ المهاجرين وانتشال الضحايا، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر التي تحيط بمحاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي» عبر قوارب متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة.

وأعلنت رئاسة الأركان البحرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، الأربعاء، عن إنقاذ 106 مهاجرين غير نظاميين، كانوا على متن قاربين في عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تعرضهم لظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وضمت المجموعة مهاجرين من جنسيات متعددة، بينها اليمن والسودان وبنغلاديش، إضافة إلى عدد من النساء، حيث جرى نقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، قبل أن تتولى فرق الهلال الأحمر تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني اللازم لهم.

وحمّلت السلطات الليبية شبكات تهريب البشر، أو ما وصفتهم بـ«العصابات الإجرامية» مسؤولية هذا الحوادث، مشيرة إلى أنها تدفع بالمهاجرين نحو البحر في قوارب خشبية أو مطاطية بدائية، غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، في رحلات غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان قبل بلوغ شواطئ «الحلم الأوروبي»، الذي يطاردهم من دول النزاع والفقر.

جثة مهاجر غير نظامي لحظة انتشالها في شاطئ بمدينة طبرق الليبية الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

ولم تكن هذه هي عملية الإنقاذ الأولى في محيط طبرق خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من هذه العمليات. فقد أعلن الهلال الأحمر الليبي، الثلاثاء، تقديم مساعدات إنسانية لـ41 مهاجراً من جنسيات مختلفة بعد إنقاذهم من رحلة بحرية شاقة في عرض المتوسط، وسط تزايد البلاغات عن قوارب تواجه أعطالاً، وظروفاً خطيرة أثناء محاولتها الوصول إلى أوروبا.

كما سبق ذلك إعلان آخر يوم الاثنين عن إنقاذ 36 مهاجراً غير نظامي، 23 مصرياً و13 سودانياً، إضافة إلى نساء وأطفال دون السن القانونية، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحول السعي وراء «الحلم الأوروبي» تجربةً إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

ويلحظ طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، أن مناطق شرق ليبيا، لا سيما طبرق، باتت تشهد في الآونة الأخيرة موجة خروج ملحوظة لقوارب الهجرة غير النظامية، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض هذه القوارب يتم اعتراضها وإعادتها، في حين ينجح بعضها الآخر في مواصلة الرحلة.

ناجون من أحد قوارب الموت في مدينة طبرق الليبية (الهلال الأحمر الليبي)

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أن ليبيا ما زالت تمثل أحد أهم ممرات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وما تبعه من حالة انقسام أمني وسياسي سمحت بازدهار شبكات التهريب عبر السواحل والصحراء.

وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين، الذين جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى الأراضي الليبية منذ بداية عام 2026 نحو 4407 مهاجرين، بينهم 181 خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على استمرار محاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، رغم تصاعد المخاطر البحرية. وتقدر المنظمة أن مئات المهاجرين فقدوا حياتهم، أو اختفوا في مسارات وسط البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

في غضون ذلك، لا تزال شواطئ طبرق تستقبل المزيد من الجثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها السبت، أسفر عن مصرع ستة أشخاص على الأقل وإنقاذ أربعة آخرين. ومنذ ذلك الحادث، تتوالى عمليات انتشال الجثث على فترات متقطعة، حيث تم العثور على 12 جثة، من بينها مهاجرون مصريون وسودانيون.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، فقد سُجل وجود 939638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

إلا أن رئيس «جهاز مكافحة الهجرة»، في شرق ليبيا، اللواء صلاح الخفيفي، قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الأرقام الرسمية المتاحة لدى السلطات في شرق ليبيا، تشير إلى أن «مراكز الاحتجاز تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي، وقد تم ترحيل 41 ألف شخص العام الماضي».

وتعيد هذه الحوادث المتكررة تسليط الضوء على المفارقة القاسية، التي يعيشها آلاف المهاجرين، بين حلم الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، وبين واقع بحري شديد الخطورة، تتحول فيه الرحلة من أمل بالنجاة مواجهةً مفتوحةً مع الموت في عرض المتوسط.


تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

تعطل «سيستم» التأمينات الاجتماعية يبرز تحديات «التحول الرقمي» في مصر

لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)
لقطة من افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية في محافظة الجيزة هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات المصرية)

وسط انتقادات برلمانية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين، أبرز تعطل أنظمة (سيستم) هيئة التأمينات الاجتماعية المستمر منذ نحو شهر، تحديات «التحول الرقمي» في مصر مع تكرار المشكلات التقنية.

ويواجه النظام الإلكتروني للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عطلاً فنياً على مستوى المحافظات، ما أدى إلى تعطل عدد من الخدمات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، وتوقف استخراج العديد من المستندات الأساسية، بينها صرف مستحقات عدد من أصحاب المعاشات.

وأثار استمرار العطل انتقادات برلمانية، وتقدم عدد من أعضاء مجلس النواب، بينهم سحر البزار، بسؤال برلماني إلى رئيس الوزراء، مطالبين بتوضيحٍ بشأن ما تم رصده من شكاوى متزايدة حول تأخر صرف المعاشات وتعطل عدد من خدمات منظومة التأمينات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أصحاب المعاشات، باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجاً واعتماداً على هذا الدخل مصدراً أساسياً للمعيشة.

وزير الاتصالات المصري رأفت هندي خلال افتتاح أحد مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية هذا الأسبوع (وزارة الاتصالات)

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلس بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب، موجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بتعطل منظومة الخدمات داخل هيئة التأمينات الاجتماعية في أعقاب تطبيق نظام التحول الرقمي الجديد (CRM).

تسهيل أم تعطيل؟

يقول خبير أمن المعلومات، المهندس إسلام غانم، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهم العناصر التي تسبب مشكلات تتعلق بالتحول الرقمي هو العامل الاقتصادي، موضحاً: «تقوم المؤسسات بشراء نظام تشغيل أقل تكلفة، وقد يتبين بعد ذلك عدم ملاءمته للاستخدامات، أو ضعف جودته».

وتابع قائلاً: «في بعض المؤسسات يقوم المحاسبون بتحديد نظام التشغيل الذي تشتريه المؤسسة بالاختيار بين عروض شركات مختلفة انطلاقاً من التكلفة، دون الالتفات لرأي خبراء التكنولوجيا والمعلومات».

واعتبر عضو مجلس النواب فريدي البياضي، في طلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، الأربعاء، أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد عطل فني عابر، بل هو «فضيحة إدارية ورقمية مكتملة الأركان، دفعت ثمنها الفئات الأضعف، وفي مقدمتها أصحاب المعاشات والأسر التي تنتظر مستحقاتها، والمواطنون الذين فوجئوا بأن حقوقهم أصبحت معلقة على جملة واحدة: السيستم واقع».

وقال البياضي في طلب الإحاطة إن «التحول الرقمي لا يكون بتعطيل الناس، ولا بإغلاق أبواب المصالح العامة في وجوه المواطنين»، مضيفاً أن الحكومة «لا يجوز لها أن تنفق أموالاً طائلة على منظومات يفترض أنها لتسهيل الخدمة، ثم تكون النتيجة النهائية هي شلل كامل في الأداء ووقف حال الناس».

افتتاح مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي بالقرية الذكية بمحافظة الجيزة قبل أيام (وزارة الاتصالات المصرية)

العراقيل والحلول

ويرى خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، محمد حمزة، أن التحول الرقمي في مصر يواجه تحديات مركبة، أبرزها «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق؛ فما زال الإنترنت والخدمات الرقمية غير مستقرة أو بطيئة، ما يعرقل استخدام الأنظمة الإلكترونية».

وأشار أيضاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى نقص المهارات الرقمية كأحد المعوقات، قائلاً: «يحتاج جزء كبير من المواطنين والموظفين إلى تدريب أفضل». كما تحدث عن ارتفاع تكلفة التحول الرقمي الذي قال إنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة في الأجهزة والبرامج والتدريب والصيانة والتأمين الإلكتروني.

واستطرد: «البيروقراطية ومقاومة التغيير يقفان عائقاً أمام انطلاق التحول الرقمي؛ فبعض الجهات ما زالت تعتمد على الإجراءات الورقية التقليدية مما يبطئ الانتقال، فضلاً عن مشكلة عدم تكامل البيانات بين الجهات المختلفة، ويؤدي ذلك إلى وجود قواعد بيانات منفصلة بين الجهات المختلفة ينتج عنها تكرار إدخال البيانات».

وهو يرى أن مصر في حاجة إلى تحديثات تشريعية؛ «لأن التطور التكنولوجي السريع يتطلب قوانين تنظم المعاملات الرقمية وتحمي الحقوق، وتضمن الأمن السيبراني وحماية البيانات».

وتحدث حمزة عن خسائر تتسبب فيها مشكلات التحول الرقمي، منها «تعطيل أو بطء الخدمات والأنشطة، وما يصحبه من خسائر مالية، وانخفاض الإنتاج، وزيادة تكلفة التشغيل؛ حيث تضطر الوزارات إلى العودة للنظام الورقي. وأحياناً يؤدي تكرار الأعطال إلى فقدان ثقة المستثمرين بالأنظمة التكنولوجية».

وبحسب تصريحات أدلى بها مصدر مسؤول بالهيئة القومية للتأمينات لوسائل إعلام محلية، الثلاثاء، فإنه «يتم حالياً تطبيق نظام إلكتروني جديد على مستوى الجمهورية، وهو ما صاحبه ظهور بعض التحديات التشغيلية خلال مرحلة الإطلاق الأولى»، مؤكداً أن «الفرق الفنية تبذل جهوداً مكثفة للانتهاء من تشغيل السيستم الجديد بشكل كامل»، متوقعاً عودة الخدمات تدريجياً خلال الفترة القريبة المقبلة.