بوارج إريترية في سواحل السودان... رسائل في بريد إثيوبيا

البرهان يوجه دعوات للسيسي وأفورقي وموسيفيني لزيارة بورتسودان

رئيس إريتريا آسياس أفورقي مستقبِلاً الفريق عبد الفتاح البرهان في أسمرا سبتمبر 2023 (مجلس السيادة السوداني «فيسبوك»)
رئيس إريتريا آسياس أفورقي مستقبِلاً الفريق عبد الفتاح البرهان في أسمرا سبتمبر 2023 (مجلس السيادة السوداني «فيسبوك»)
TT

بوارج إريترية في سواحل السودان... رسائل في بريد إثيوبيا

رئيس إريتريا آسياس أفورقي مستقبِلاً الفريق عبد الفتاح البرهان في أسمرا سبتمبر 2023 (مجلس السيادة السوداني «فيسبوك»)
رئيس إريتريا آسياس أفورقي مستقبِلاً الفريق عبد الفتاح البرهان في أسمرا سبتمبر 2023 (مجلس السيادة السوداني «فيسبوك»)

في خطوة مفاجئة، رست الجمعة بوارج إريترية في السواحل السودانية، أثارت جدلاً كبيراً بشأن دواعيها في هذا التوقيت الذي تشهد فيه البلاد قتالاً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وبعد قرار أسمرا المفاجئ طرد دبلوماسي سوداني، وهي خطوة عدّها محللون سياسيون تعبيراً عن العلاقات القوية بين البلدين، ورسائل لدول إقليمية بوقوف إريتريا إلى جانب الجيش السوداني.

وفي سياق آخر، علمت «الشرق الأوسط»، من مصادر عليمة، أن رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أوفد مسؤولاً رفيع المستوى إلى القاهرة، يحمل رسالة إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي لزيارة بورتسودان، وشملت الدعوات أيضاً الرئيس الإريتري آسياس أفورقي والأوغندي يوري موسيفيني.

واستقبلت القوات البحرية السودانية القطع الإريترية التي جاءت بتوجيهات من الرئيس أفورقي، للتأكيد على «وقوفه مع الشعب السوداني الشقيق في هذه الظروف التي تمر بها البلاد»، وتوطيداً للعلاقات الراسخة بين الشعبين، وفق مسؤولين عسكريين سودانيين. وكان في استقبال الوفد الإريتري كبار قادة القوات البحرية السودانية.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن أعلنت الحكومة الإريترية أن القائم بالأعمال السوداني، خالد حسن، شخصاً غير مرغوب فيه، وأمهلته 3 أيام للمغادرة، انتهت بالتزامن مع وصول بوارجها إلى بورتسودان.

وقال وكيل وزارة الخارجية السودانية، حسين الأمين، في مؤتمر صحافي الخميس الماضي بمدينة بورتسودان العاصمة المؤقتة، إن بلاده تنتظر توضيحاً من أسمرا على قرار طرد سفيرها.

ويتمتع الجيش السوداني بعلاقات جيدة مع أفورقي، وسبق وأشاد بمواقفه مساعد القائد العام للجيش، الفريق ياسر العطا، بعدما هاجم زعماء دول عدد من الجوار السوداني، واتهمها صراحة بدعم ومساندة «قوات الدعم السريع» في الحرب ضد الجيش.

وقال رئيس وفد البحرية الإريترية في تسجيل مصور: «وصلنا في هذا الظرف الصعب لنؤكد أننا مع قضية السودان العادلة، ونقف دوماً مع قادة الجيش والبحرية والمشاة وسلاح الطيران»، مضيفاً: «نأمل في أن يتعدى السودان هذه المرحلة، وموقفنا ثابت في رفض التدخلات الأجنبية». وأكد المسؤول الإريتري تواصل العلاقات والزيارات بين البلدين التي تؤكد على الحلف الاستراتيجي القوي الذي يصب في مصلحة البلدين.

ويقول المحلل السياسي السوداني، صالح عمار، إن «العلاقة بين الرئيس الإريتري وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تطورت وقويت بشكل أكبر بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان بين الجيش والدعم السريع»، مضيفاً أن «هذا الأمر معلن مسبقاً».

رسالة إلى إثيوبيا

وعدّ خطوة إرسال إريتريا قطعاً من سلاح البحرية إلى السواحل السودانية «رسالة في بريد إثيوبيا ودول إقليمية أخرى»، مفادها أن العلاقات بين إريتريا والسودان قوية، و«أنها على استعداد لحمايته». وأرجع صالح الموقف الإريتري إلى ما يتردد من مزاعم عن وجود علاقات وثيقة تربط إثيوبيا ودولاً أخرى بـ«قوات الدعم السريع»، وهو ما تراه يشكل خطراً عليها.

ويوضح المحلل السياسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن توتر العلاقات بين البلدين، الذي أدى إلى اتخاذ الحكومة الإريترية قراراً مفاجئاً بطرد السفير السوداني، جاء رد فعل على الزيارة التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد إلى بورتسودان، ولقائه قائد الجيش السوداني.

وقال إن «الموانئ السودانية على ساحل البحر الأحمر استقبلت خلال السنوات الماضية سفناً حربية وتجارية من روسيا وإيران وغيرهما من الدول في إطار التعاون المشترك مع السودان، لكن إريتريا ربما قصدت من هذه الزيارة في هذا التوقيت أن تشير إلى قوة تحالفها مع الجيش السوداني».

واستبعد أن يكون التحرك بتنسيق بين إريتريا وروسيا، أو ذا صلة بالصراع الدولي في منطقة البحر الأحمر، منوهاً بأن إريتريا لن تقدم على أي فعل يمكن أن يلحق الضرر بحلفائها الأساسيين في الإقليم.

بدوره، رأى المحلل السياسي، الجميل الفاضل، أن وجود القطع الحربية البحرية الإريترية ببورتسودان، في ھذا التوقيت، يعطي مؤشراً لمؤازرة الجيش معنوياً على الأقل في حربه ضد «الدعم السريع».

وقال: «منذ الطرد المفاجئ للقائم بالأعمال السوداني من أسمرا طرأت تطورات اتخذت طابعاً دراماتيكياً من خلال بث صور للقاء تم بين الرئيس آسياس أفورقي، وزعيم قبائل البجا السودانية، محمد الأمين ترك، وتبع ذلك بالطبع مباشرة زيارة البوارج الإريترية إلى ميناء بورتسودان».

وأضاف أن «ما يربط بين تلك الأحداث أنها جاءت في أعقاب الزيارة الغامضة لرئيس الحكومة الإثيوبية، آبي أحمد لبورتسودان». وأشار إلى أن «أسمرا بدأت تشعر بأنها مبعدة عن مساعي التسوية في السودان، وتحركها الأخير يعبر عن تململ ورفض لإبعادها عن الجهود الإقليمية والدولية الجارية حالياً على قدم وساق لإنجاح المبادرة الأميركية الساعية لإنهاء الحرب في السودان».


مقالات ذات صلة

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الاقتصاد وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

بعد شكواها من تراجع نصيب الفرد إلى ما دون خط الفقر، تتجه مصر إلى الاستعانة بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه» التي تثير مخاوف في ظل استمرار نزاع «سد النهضة».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

جددت الولايات المتحدة ودول أوروبية، في بيان مشترك، تأكيد الحاجة المُلحة لهدنة إنسانية في السودان، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
TT

صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

اطّلع الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، خلال زيارة إلى مدينة سبها بجنوب البلاد، على مستوى الجاهزية والاستعداد داخل الوحدات التابعة للمنطقة العسكرية، متعهداً التصدي لأي محاولة تستهدف الحدود الجنوبية.

وأجرى صدام، بحسب مكتب «القيادة العامة»، جولة ميدانية في سبها المعروفة بـ«عروس الجنوب»، مساء الخميس، لـ«الوقوف على سير العمل ومستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية بالمنطقة الجنوبية».

صدام حفتر خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

وتأتي هذه الزيارة على خلفية تقارير محلية ودولية عن اتساع نطاق عمليات تهريب الوقود والبشر، بالإضافة إلى تحركات لعناصر ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

وقالت «القيادة العامة» إن الجولة التي أجراها صدام حفتر بمقر المنطقة العسكرية الجنوبية، بحضور آمر المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء أحمد سالم، تخللها عقد اجتماع ضم ضباط وآمري الوحدات، والمناطق العسكرية بالمنطقة الجنوبية، جرى خلاله مناقشة آليات سير العمل، وسبل تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات.

ونقلت «القيادة العامة» عن صدام إشادته بـ«الجهود التي تبذلها الوحدات العسكرية في تأمين المنطقة الجنوبية، وما حققته من نتائج في دعم الاستقرار وحماية الحدود»، مشدداً على «أهمية مواصلة العمل لرفع مستوى الجاهزية والاستعداد الدائم، والتصدي بكل حزم لأي محاولات تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، بما يضمن الحفاظ على أمن المنطقة الجنوبية واستقرارها».

عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد في 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)

في المقابل، اتهمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» قوات «الجيش الوطني» بالاستعانة بعناصر تشادية لصد تقدمها في المناطق الجنوبية. واعتبرت الغرفة أن الاعتماد على من وصفتهم بـ«المرتزقة» وتمويلهم من الموارد الليبية، يعكسان «قصر نظر خطيراً، وعدم إدراك لتعقيدات المنطقة»، محذرة من تداعيات تسليح المجموعات العابرة للحدود على الأمن القومي الليبي، وأمن الإقليم بأكمله. غير أن مصدراً مقرباً من «الجيش الوطني» نفى ما وصفه بـ«ادعاءات» مسلحي «غرفة الجنوب»، وقال إن «القيادة العامة» سبق أن شكلت مع تشاد «قوة مشتركة» لحماية الحدود الجنوبية، بقصد السيطرة على الشريط الممتد بين البلدية على مساحة تقارب 1050 كيلومتراً.

ويأتي هذا التطور على خلفية صراعات يشهدها الجنوب الليبي، باعتباره ساحة خلفية لصراعات السلطة والمعارضة التشادية، ما أدى خلال السنوات التي تلت الانفلات الأمني في بعض دول الجوار الأفريقي، إلى ازدياد عمليات «اختراق الحدود» من قبل جماعات وُصفت بـ«المتمردة».

وخاضت قوات الجيش معركة حامية على الحدود مع تشاد، أطلقتها رئاسة أركان القوات البرية في بدايات أغسطس (آب) 2024، ضمن «خطة شاملة لتأمين الحدود الجنوبية، وتعزيز الأمن القومي».

جانب من لقاء صدام حفتر بضباط وآمري الوحدات والمناطق العسكرية في المنطقة الجنوبية يوم 1 يونيو (القيادة العامة)

وتعاني ليبيا من تسرّب المهاجرين غير النظاميين عبر الحدود الجنوبية المترامية، فضلاً عن كونها مسارات مفتوحة لتهريب الوقود المدعم إلى دول الجوار الأفريقي، وللمنقّبين عن الذهب بشكل غير مشروع.

وتشهد الحدود الليبية - التشادية صراعاً دموياً للتنقيب عن الذهب بشكل غير مشروع، وفق مصادر عسكرية. وسبق أن أطلق «الجيش الوطني» خطة لتأمين الحدود التي تطل على تلك الدول، بقصد القضاء على العصابات العابرة للحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وزعمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» أنها رصدت مطلع يونيو (حزيران) الحالي تحركات لعدد من صهاريج الوقود في محيط «بوابة مجدول» جنوباً باتجاه تشاد، ومنها إلى السودان، متهمة «الغرفة المشتركة» بشرق ليبيا بذلك.

وتسيطر «القيادة العامة» على مدن شرق ليبيا وغالبية مناطق الجنوب، وتقول حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، إن «لجنة إعادة تنظيم الجنوب»، برئاسة اللواء جمال العمامي، سبق أن نفذت «عملية أمنية نوعية استهدفت وكراً لتهريب الوقود في مدينة سبها».

وثمّن صدام «الدور الوطني» لأهالي وقبائل الجنوب في الحفاظ على سيادة ووحدة ليبيا، ودعمهم المستمر للقوات المسلحة، وقال بحسب قناة «ليبيا الحدث»، إنه تابع عن قرب ما تشهده مدينة سبها ومدن الجنوب من أعمال تطوير وإعمار خلال الفترة الأخيرة، والتي تعكس «مرحلة جديدة من العمل الجاد، والاهتمام الحقيقي بهذه المنطقة المهمة من الوطن».

وأكد صدام أن «ما تحقق حتى الآن ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار مستمر، وقد وجّهنا بمواصلة العمل لتنفيذ مشاريع أكبر وأكثر شمولاً خلال المرحلة المقبلة، بما يواكب تطلعات أهلنا في الجنوب»، مبرزاً أن «الجنوب سيظل حاضراً ضمن أولوياتنا حتى تُستكمل مشاريع البناء والتطوير، ويتحقق التغيير المنشود في مختلف المدن والمناطق».

وأجرت قوات من «الجيش الوطني» عمليات انتشار في 10 يوليو (تموز) 2024 بجبال تيبستي في المنطقة الحدودية الجنوبية مع تشاد، والتي تعد إحدى بؤر التوتر بين البلدين، وذلك في معركة وقع فيها عدد من القتلى من الجانبين. وقالت «الكتيبة 676 مشاة»، التابعة للقوات البرية بالجيش حينها، إن عناصرها «فرضت سيطرتها على عدد من المواقع، التي كانت تتمركز وتتجمع فيها العصابات الإجرامية العابرة للحدود».


تجنيد القاصرين في ليبيا... المجموعات المسلحة تواصل «انتهاك» القوانين الدولية

حلقة نقاشية حول إشراك الأطفال وتجنيدهم في النزاعات المسلحة الليبية... فبراير 2025 (المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان)
حلقة نقاشية حول إشراك الأطفال وتجنيدهم في النزاعات المسلحة الليبية... فبراير 2025 (المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان)
TT

تجنيد القاصرين في ليبيا... المجموعات المسلحة تواصل «انتهاك» القوانين الدولية

حلقة نقاشية حول إشراك الأطفال وتجنيدهم في النزاعات المسلحة الليبية... فبراير 2025 (المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان)
حلقة نقاشية حول إشراك الأطفال وتجنيدهم في النزاعات المسلحة الليبية... فبراير 2025 (المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان)

عاد ملف تجنيد الأطفال في ليبيا ليفرض نفسه مجدداً على أجندة النقاشات السياسية والحقوقية، بوصفه أحد أبرز تداعيات الانقسام السياسي واستمرار انتشار التشكيلات المسلحة، وسط دعوات متزايدة إلى إقرار تشريع يجرّم هذه الممارسة، ويضع حداً لاستغلال القُصّر في النزاعات.

وأعادت توصيات «الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، والصادرة مطلع الأسبوع، تسليط الضوء على هذه الظاهرة، بعدما نصّت بوضوح على ضرورة «حظر تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، والعمل على تجفيف مصادر الدخل التي تغذّي الصراع وتساعد على استمراره».

وقالت عضوة «الحوار المهيكل»، حواء زايد، لـ«الشرق الأوسط»، إن قضية تجنيد الأطفال استحوذت على جانب كبير من نقاشات مسار حقوق الإنسان والمصالحة، مشيرة إلى أن الظاهرة «منتشرة على نطاق واسع في ليبيا، ومرتبطة بحالة الانقسام السياسي وانتشار التشكيلات المسلحة».

صعوبة رصد التجنيد

تواجه جهود رصد حالات تجنيد الأطفال والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها تحديات كبيرة، بسبب نقص المعلومات الموثّقة، وصعوبة الوصول إلى البيانات، وفق تقارير حقوقية دولية.

تعمل بعض المجموعات المسلحة في العاصمة الليبية طرابلس على استقطاب الأطفال في انتهاك صارخ للقوانين (اللواء 111 مجحفل)

وسبق أن حثّت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا على إنشاء آلية مؤسسية، تُمكّن الدولة من رصد الانتهاكات ومعالجتها، في ضوء أنباء عن تجنيد الأطفال.

وقال مصدر عسكري ليبي لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم رصد حالات لتجنيد فتيان تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً داخل بعض المجموعات المسلحة، رغم أن القوانين العسكرية الليبية، الصادرة في عهد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، تحدد سن التجنيد القانونية بـ18 عاماً.

وعدّ المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول لوسائل الإعلام، الظاهرة لا تقتصر على ليبيا، وإنما ترتبط بمختلف مناطق النزاعات حول العالم، حيث يُسهم توافر التمويل والسلاح في استقطاب الأطفال، والزج بهم في الصراعات.

الأمر نفسه أكده حقوقيون، ومن بينهم رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة، الذي أوضح أن منظمته الحقوقية رصدت خلال العامين الماضيين عدداً من الحالات المرتبطة بإشراك قُصّر في أعمال عسكرية وأمنية.

وقال حمزة لـ«الشرق الأوسط» إن من بين الحالات التي تم توثيقها وفاة طفل كان منخرطاً في أحد التشكيلات المسلحة، بالإضافة إلى رصد طفل يقود آلية عسكرية مصفحة ومسلحة داخل محطة وقود، فضلاً عن حالات أخرى مشابهة سُجّلت خلال الاشتباكات التي شهدتها طرابلس في عامَي 2024 و2025.

ويكاد يكون التدهور الاقتصادي وتراجع مستويات المعيشة القاسم المشترك في تفسير أسباب الظاهرة؛ إذ يدفعان بعض الأطفال إلى الالتحاق بالمجموعات المسلحة، بحثاً عن مورد مالي أو شعور بالانتماء والقوة، وهي الرؤية التي أيّدتها حواء زايد.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال اجتماع مسار المصالحة وحقوق الإنسان في «الحوار المهيكل» الليبي... أبريل الماضي (البعثة الأممية)

ويشير حقوقيون إلى أن استقطاب الأطفال القُصّر يبدأ أحياناً مقابل رواتب شهرية، تتراوح بين 900 وألف دينار، ولا يقتصر دورهم على حمل السلاح، وإنما يشمل أيضاً نقل الإمدادات والمهام اللوجستية، وخدمات الدعم داخل التشكيلات المسلحة. (الدولار يساوي 6.37 دينار في السوق الرسمية، و8.38 دينار في الموازية).

وحذّرت حواء زايد من خطورة استمرار هذه الظاهرة، بوصفها تغذّي احتمالات تجدد الصراع، وتحرم البلاد من كوادر مدنية نتيجة التسرب من التعليم، وهو ما تحتاج إليه البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية.

تجنيد القُصّر الأجانب

لا يقتصر خطر التجنيد على الأطفال الليبيين فقط، فقد سبق أن سلّطت لجنة التحقيق الأممية بشأن ليبيا، في تقرير قدمته عام 2023، الضوء على ما عدّته أسباباً معقولة للاعتقاد باستمرار تجنيد أطفال سوريين، تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً ضمن جماعات مسلحة، تنشط في البلاد منذ أواخر عام 2019.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات داخل الأوساط السياسية والحقوقية إلى إقرار إطار قانوني واضح يجرّم تجنيد الأطفال.

وكانت وزيرة العدل بحكومة «الوحدة»، حليمة عبد الرحمن، قد أعلنت في وقت سابق توصية قدمتها إلى مجلس النواب لإضافة نص مشدد إلى قانون العقوبات، يجرّم تجنيد الأطفال أو إشراكهم في المنازعات المسلحة.

وزيرة العدل الليبية (الوحدة)

من جهته، لا يجد عضو البرلمان الليبي، فهمي التواتي، بديلاً لمواجهة هذا الواقع سوى «الحاجة إلى إصدار قانون يجرّم تجنيد الأطفال، في جميع التشكيلات العسكرية والأمنية والمجموعات المسلحة دون استثناء، بما ينسجم مع التزامات ليبيا الدولية في مجال حماية حقوق الطفل».

وسلّط التواتي الضوء، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على رؤيته للقانون المنشود، وقال إنه «ينبغي أن يتضمن تعريفاً واضحاً للطفل، بعدّه كل شخص لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر، مع حظر مطلق لتجنيد أو تدريب أو استخدام الأطفال في الأعمال العسكرية أو الأمنية، أو أي أنشطة مساندة لها»، لافتاً إلى ضرورة «فرض عقوبات جنائية رادعة على الجهات، والأفراد المتورطين في هذه الممارسات».

وأشار البرلماني الليبي إلى أن التشريع يجب أن يشمل أيضاً برامج لإعادة التأهيل النفسي والتعليمي والاجتماعي للأطفال المتضررين، فضلاً عن إنشاء آليات رقابة، ومتابعة تضمن التطبيق الفعلي لأحكامه.

ويرى مراقبون أن نجاح أي جهود لمعالجة الظاهرة لن يتوقف عند إصدار القوانين فحسب، وإنما يتطلّب بالأساس معالجة جذور الأزمة، المرتبطة بالفقر والبطالة والانقسام السياسي وانتشار السلاح؛ وهي العوامل التي جعلت آلاف الأطفال في مناطق النزاع أكثر عرضة للاستقطاب، والاستغلال طوال السنوات الماضية.

Your Premium trial has ended


ليبيا: تفكيك شبكة عابرة للحدود «متورطة» في الاتجار بالبشر

فرق الهلال الأحمر في طبرق تقدم الخدمات الإنسانية لمهاجرين بعد إنقاذهم من الغرق (الهلال الأحمر)
فرق الهلال الأحمر في طبرق تقدم الخدمات الإنسانية لمهاجرين بعد إنقاذهم من الغرق (الهلال الأحمر)
TT

ليبيا: تفكيك شبكة عابرة للحدود «متورطة» في الاتجار بالبشر

فرق الهلال الأحمر في طبرق تقدم الخدمات الإنسانية لمهاجرين بعد إنقاذهم من الغرق (الهلال الأحمر)
فرق الهلال الأحمر في طبرق تقدم الخدمات الإنسانية لمهاجرين بعد إنقاذهم من الغرق (الهلال الأحمر)

أمرت النيابة العامة الليبية بحبس خمسة عشر مهاجراً غير نظامي، انخرطوا في «شبكة ضالعة عبر الحدود في تهريب المهاجرين، والاتجار بالبشر، وممارسة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان».

وبدأت عملية تفكيك الشبكة، بحسب النيابة، «عقب تحريات أجرتها مديرية أمن طرابلس بعد ورود معلومات، تشير إلى تجمع إجرامي يمتهن الاتجار بالبشر، وتنسيق تهريب المهاجرين مع عصابات نشطة في دول الجوار».

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وقالت النيابة العامة، مساء الخميس، إن «الشبكة ضالعة في احتجاز بعض المهاجرين لحمل ذويهم على دفع مبالغ مالية نظير إطلاق سراحهم»، منوهة بأن النشاط الإجرائي للتشكيل قاد مديرية الأمن إلى إثبات صحة الواقعة، ثم ضبط المتهمين متلبسين بالجرم المنسوب إليهم.

وحددت النيابة العامة ملامح الشبكة الدولية، التي تورطت في الاتجار بالبشر، مشيرة إلى أن مأمور الضبط القضائي بمديرية الأمن تمكن من توقيف المطلوب محمد كوندي، الذي يحمل الجنسية الغانية.

عدد من المهاجرين غير النظاميين بعد ضبطهم في أجدابيا الاثنين الماضي (مديرية أمن أجدابيا)

وواجه المحقق المتهمين كافة بواقعة «إنشاء تشكيل غرضه تنسيق عمليات الهجرة غير المشروعة، والاتجار بالبشر مع منظمات إجرامية نشطة في دول البحر الأبيض المتوسط، ودول منطقة الساحل الأفريقي وجنوبه». وانتهت النيابة إلى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق، ووجهت بضبط بقية أفراد التشكيل الإجرامي من مواطنين وأجانب.

وسبق أن أمرت النيابة في مارس (آذار) 2025 بحبس أربعة متهمين، ينتمون إلى شبكة تمتهن تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في مدينة زلة (750 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة طرابلس)، بتهمة التسبب في وفاة عشرة مهاجرين من جراء التعذيب، الذي مارسه الخاطفون على 164 مهاجراً.

وتكثر في ليبيا عمليات خطف المهاجرين وتعذيبهم، بقصد الحصول على فدىً مالية من أسرهم. ففي نهاية يناير (كانون الثاني) 2025، فجّر العثور على 263 مهاجراً كانوا محتجزين في «مكان سري» بشرق ليبيا نحو 8 أشهر، ويخضعون للتعذيب، حالة من الغضب العام، وفتح الباب لمطالبات شعبية وحقوقية للسلطات المحلية بإقرار «قانون رادع» لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر.

فرق الهلال الأحمر في طبرق تقدم الخدمات الإنسانية لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق بالمتوسط في 24 مايو الماضي (الهلال الأحمر)

وكان مكتب النائب العام الليبي، المستشار الصديق الصور، قد كشف في وقت سابق عن «عصابة إجرامية»، احتجزت 263 مهاجراً من الصومال وإريتريا وإثيوبيا، بقصد إرغام ذويهم على دفع فدى لإطلاق سراحهم، وتراوحت المبالغ المطلوبة ما بين 10 و17 ألف دولار للمهاجر الواحد.

ويهدف المهاجرون الذين يتسللون إلى ليبيا إلى الهروب في قوارب نحو السواحل الأوروبية. وفي هذا السياق، أعلن خفر السواحل الإيطالي عن غرق قارب كان يقل عشرات المهاجرين غير النظاميين في السابع من يونيو (حزيران) الحالي.

وكان القارب قد غرق على بعد نحو 45 ميلاً بحرياً جنوب شرقي مالطا بعد انطلاقه من السواحل الليبية، بحسب مصادر بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في طرابلس وخفر السواحل الإيطالي، حيث كان يقل 60 مهاجراً، غرق منهم 10 وتم إنقاذ 48 آخرين.

ولا تزال أفواج المهاجرين غير النظاميين تتدفق عبر الحدود الليبية المترامية إلى داخل البلاد، في وقت تُواصل فيه السلطات عمليات الترحيل، وفق برنامج «العودة الطوعية»، الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.