«فسيفساء جبهات القتال المتغيرة» في السودان

شهادة من بلاد يشعر أهلها أن العالم يتجاهل مأساتهم

إيمان وأيمن التوأمان داخل وحدة سوء التغذية بمستشفى الأطفال بأم درمان (نيويورك تايمز)
إيمان وأيمن التوأمان داخل وحدة سوء التغذية بمستشفى الأطفال بأم درمان (نيويورك تايمز)
TT

«فسيفساء جبهات القتال المتغيرة» في السودان

إيمان وأيمن التوأمان داخل وحدة سوء التغذية بمستشفى الأطفال بأم درمان (نيويورك تايمز)
إيمان وأيمن التوأمان داخل وحدة سوء التغذية بمستشفى الأطفال بأم درمان (نيويورك تايمز)

في كل شهر، منذ اندلاع الحرب الأهلية الكارثية في السودان، في أبريل (نيسان) 2023، تزداد الأخبار سوءاً، ويُجبر مزيد من الناس على النزوح أو يواجهون المجاعة أو القتل. وبصفتي مراسل الشؤون الأفريقية الرئيسي لصحيفة «نيويورك تايمز»، وأعمل من كينيا، تابعت الصراع من كثب، لكن كتابة تقرير من داخل السودان عما يجري بدت لي مستحيلة.

كان الحصول على تأشيرات لدخول السودان أمراً صعباً؛ إذ لم يتمكن سوى عدد قليل من الصحافيين من الدخول منذ بدء الحرب. لكن، ذات يوم في ربيع هذا العام، وبعد لقاء صدفة مع أحد معارفي القدامى، وجدت طريقة للدخول. وفي أبريل الماضي سافرت إلى بورتسودان، العاصمة الفعلية للبلاد في زمن الحرب، بصحبة المصور إيفور بريكت، وجون، مستشار شؤون السلامة لدى «نيويورك تايمز».

قلق في مكتب الهجرة

في مكتب الهجرة بالمطار، راقبت بقلق شديد جوازات سفرنا (بالمصادفة، كلها آيرلندية) يجري تمريرها بين ثلاثة مسؤولين. وكان عمال في مجال الإغاثة قد حذّرونا سابقاً من احتمال رفض دخولنا، رغم وجود تأشيرات.

وأخيراً، حصلنا على ختم الدخول من آخر مسؤول تسلّم جواز السفر.

لقد تمزّق السودان جراء الحرب الدائرة بين الجيش الوطني ومنافسه شبه العسكري (الدعم السريع)، وتشظت ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة إلى فسيفساء متقلبة بين جبهات القتال المتحركة. ومع ذلك، استمرت بيروقراطيتها.

قضينا أيامنا الأولى في الاجتماعات، وملء الاستمارات، وإقناع المسؤولين بإصدار التصريح الذي نحتاج إليه لكتابة تقاريرنا بحرية. وكان الانتظار محبطاً، خصوصاً لإيفور بريكيت، المصور الصحافي. وفي إحدى الأمسيات، في ميناء «بورتسودان»، احتفلت العائلات في آخر أيام عيد الفطر في ضوء المساء الخافت، لكن كان على إيفور ترك كاميرته في السيارة، والاكتفاء برؤية المشهد يتكشّف أمامه.

أسعار تنافس لندن ونيويورك

تحوّل ميناء بورتسودان، الذي كان ذات يوم ميناءً هادئاً، إلى مدينة غارقة بأعداد الفارين من القتال. ارتفعت الإيجارات إلى مستويات تقارب أسعارها في لندن ونيويورك، ووصلت الأسعار إلى مستويات باهظة. ففي فندق «كورال بورتسودان»، وهو فندق متداعٍ، كان الأرقى في المدينة، ذات يوم طلبنا ثلاث شطائر ومشروبات غازية وقهوة على الغداء، فبلغت قيمة الفاتورة 90 دولاراً أميركياً، دفعتها بكومة من الجنيهات السودانية، عملة البلاد المنهارة، التي حملتها معي في حقيبة تسوق.

محمود إسماعيل (39 عاماً) جندي في الجيش السوداني في أثناء تغيير ضمادته من قِبل طبيب في مستشفى عسكري في بورتسودان (نيويورك تايمز)

بعد أسبوع من وصولنا، مسلحين بأوراق السفر وكتابة تقارير من العاصمة السودانية الخرطوم، انطلقنا 500 ميل إلى الغرب؛ إذ اندلعت الحرب قبل عام. كان الطريق وعراً ومليئاً بالحفر، وتقطع بنا المسير جراء العواصف الرملية التي هبّت دون سابق إنذار، ما أُجبرنا أحياناً على التوقف التام. وبعد قضاء ليلة في مدينة عطبرة، اتجهنا جنوباً بمحاذاة النيل نحو الخرطوم، ومررنا بـ25 نقطة تفتيش، وفي مرحلة ما جرى اصطحابنا إلى مكتب استخبارات للفحص.

وعند الغروب، وصلنا إلى أم درمان، واحدة من ثلاث مدن تشكل العاصمة الكلية للخرطوم؛ إذ تغطي قشرة رقيقة من الحياة الطبيعية عنف الحرب.

الدمار في الخرطوم يذكّرني بالذي حدث في الموصل والرقة، المدينتين العراقيتين أيام تنظيم «داعش»، في عامي 2017 و2018.

المصور الفوتوغرافي إيفور بريكيت

في الجزء الشمالي من المدينة، الذي لم يتأثر بالقتال نسبياً، كان الأطفال يلعبون كرة القدم على جانب الطريق، ويتسوّق الناس من محال البقالة. ومع ذلك، دوّى صوت المدفعية وتصاعدت أعمدة الدخان الأسود من معركة على الجانب الآخر من النهر.

روح الضيافة رغم الحرب

على مدار الأيام الخمسة التالية، لم نقابل أجنبياً واحداً، ولم تكن هناك فنادق. لذلك، مع حلول الظلام في ليلتنا الأولى، تجوّلنا في الشوارع بحثاً عن غرفة للإيجار، لكن مساعينا فشلت واحدة تلو الأخرى، إلى أن وجد مترجمنا عبد الرحمن الطيب، أخيراً، منزلاً بالقرب من منزله كان مهجوراً قبل عام، كان كل شيء في داخله مغطى بالغبار والرمل الناعم.

إلا أنه في غضون دقائق، حضرت مجموعة من الجيران، وبروح الضيافة التي يشتهر بها السودان، ساعدوا في تنظيف غرفة لننام فيها.

صبيحة اليوم التالي، انتظرنا خمس ساعات حتى ظهر مرافق عسكري، لنتمكن من بدء العمل. كان حجم الدمار مروعاً؛ إذ قال المصور إيفور إن ذلك يذكّره بدمار الموصل والرقة، المدينتين العراقيتين اللتين صوّر فيهما حرباً ضد تنظيم «داعش» في عامي 2017 و2018 لصحيفة «نيويورك تايمز». بالنسبة لي، كان هذا تحولاً مأساوياً لمدينة كنت فخوراً بها ذات يوم، وزرتها لأول مرة منذ ما يقرب من 25 عاماً.

مشهد لمدينة الخرطوم مسرح أعنف المعارك... في حين يظهر من الجانب الآخر من نهر النيل «مستشفى علياء» التخصصي في أم درمان (نيويورك تايمز)

صعدت إلى نقطة مراقبة في مبنى مستشفى مدمر مرتدياً سترة واقية، ونظرت عبر النيل إلى البقايا الغريبة لوسط مدينة الخرطوم. عبر الخط الأمامي، رأيت بقايا محترقة لمباني المكاتب الشاهقة، إذ أجريت مقابلات مع مسؤولين في السابق، ومبنى فندق مهجوراً أقمت فيه ذات يوم.

يمكنني رؤية ركن جسر معلّق يؤدي إلى «جزيرة توتي»، وسط النيل. وكنت قبل خمسة عشر شهراً شاهدت أزواجاً يضحكون ويلتقطون صور «سيلفي» تحت الجسر. وقد أصبحت المنطقة الآن تحت سيطرة مقاتلين من «قوات الدعم السريع»، وهي القوة شبه العسكرية التي تقاتل الجيش الوطني السوداني للسيطرة على المدينة والبلاد.

ويعاني سكان العاصمة من نقص في كل شيء؛ الدواء والمياه النظيفة والغذاء بأسعار معقولة والأمان. كما أنهم بحاجة إلى الاهتمام. وعلى الرغم من أن الإنترنت كان متقطعاً، فإن الناس يعلمون أن حرب السودان لم تحظَ بتغطية كبيرة، وشعروا أن محنتهم يجري تجاهلها. وكان البعض حريصاً على التحدث، بغض النظر عن ظروفهم.

حسن وأمه

في مستشفى «النو»، وهي منشأة مزدحمة بصورة كارثية بالقرب من الخطوط الأمامية، التقينا صبياً يبلغ من العمر 14 عاماً يُدعى حسن آدم، أُصيب برصاصة في معدته قبل أيام قليلة، وقد بدأ لتوه الأكل مرة أخرى. بدا حسن يعاني من سوء تغذية شديد، خصوصاً عندما جلس على السرير، في حين كانت والدته تعد طبقاً من الطعام.

كان إيفور يلتقط صورة لحسن بهدوء، نُشرت لاحقاً في الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى جانب مقالي، في حين أشار إليه حسن لمشاركته الطعام. وحسب إيفور، بدا أن هذه الإيماءة اللطيفة تجسّد صمود وكرامة كثير من الناس الذين التقيناهم.

ثم جاءت واحدة من أصعب اللحظات في جناح سوء التغذية، إذ جلست مع أم شابة، وهي تحتضن توأمها البالغين من العمر سبعة أشهر. كان كلاهما يعاني من سوء تغذية حاد، وهما أحدث ضحايا المجاعة التي تلوح في الأفق بالسودان، التي يحذّر عمال الإغاثة من أنها قد تكون الأسوأ في المنطقة منذ عقود.

إيمان وأيمن التوأمان داخل وحدة سوء التغذية بمستشفى الأطفال بأم درمان (نيويورك تايمز)

ولأنني أب لتوأمين صغيرين، وكذلك صحافي، نظرت إلى الطفلين لوهلة وتخيّلت طفلاي مكانهما.


مقالات ذات صلة

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تحليل إخباري هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

أجمع خبراء عسكريون أن الحرب في السودان تقف أمام مرحلة تحول يمكن وصفها بـ«سباق تسلح نوعي»

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

خاص السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة كانت في طريقها إلى خارج البلاد.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا أفراد من الصليب الأحمر السوداني يعيدون دفن ضحايا الحرب في مقبرة محلية بالخرطوم يوم الأحد (أ.ب)

معارك عنيفة بالمُسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

شهدت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» مواجهات بطائرات مسيّرة على مدى يومين وسط أنباء عن مقتل وإصابة عشرات من المدنيين والعسكريين.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)

آثار سودانية تعود من قلب الحرب

تستعد الحكومة السودانية لفتح صندوق ظل مغلقاً طوال الحرب... حكاية آثار غابت أو «نُهبت» ثم ظهرت.

أحمد يونس (كامبالا)

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)
TT

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)
رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا تعيين أعضاء جدد بالمفوضية العليا للانتخابات، رغم التحذيرات الأممية؛ فيما قرّر مجلس النواب تأجيل استدعاءات لمسؤولين من «المصرف المركزي» وتشكيل لجنة فنية لمتابعة ملفات السيولة وسعر الصرف والمرتبات.

وعلى الرغم من تحذيرات البعثة الأممية لمجلس الدولة من اتخاذ أي «خطوات أحادية» فيما يتعلق بمفوضية الانتخابات، أعلن المجلس الأعلى اختياره 3 أعضاء جدد عن المنطقتين الغربية والجنوبية للبلاد لمجلس المفوضية، خلال ما وصفه بـ«عملية انتخابية نزيهة وشفافة».

واعتبر المجلس أن جلسته التي ترأسها محمد تكالة تؤكد على دوره في تسمية «المناصب السيادية»، بالتوافق مع مجلس النواب، وفقاً للاتفاقات السياسية المعتمدة، وبما يلبي تطلعات وطموحات الشعب الليبي.

ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من المفوضية أو مجلس النواب أو البعثة الأممية، وهي الأطراف الثلاثة التي رفضت مؤخراً وبشكل علني تحرك مجلس الدولة وحذرت منه.

وكان تكالة قد ناقش، مساء الاثنين، في العاصمة طرابلس مع محمد الشهوبي، وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، الوضع المالي وآلية الصرف المزمع اتباعها خلال المرحلة المقبلة في حال عدم اعتماد الميزانية العامة للدولة للعام الحالي، بالإضافة إلى المراحل المنجزة بمطار طرابلس العالمي، وبعض المشاريع الجاري تنفيذها بمختلف مناطق البلاد ونِسَب الإنجاز المحققة فيها.

من جهته، حوّل مجلس النواب جلسته الرسمية، الثلاثاء، بمقره في مدينة بنغازي شرق البلاد، إلى جلسة مغلقة برئاسة عقيلة صالح، وبحضور نائبيه الأول والثاني ومقرره.

وكان مجلس النواب قد أعلن في ختام جلسته، مساء الاثنين، تأجيل استدعائه محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسي، ونائبه مرعي البرعصي، ومجلس إدارة المصرف، وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان، والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جلسة مقبلة ومنحهم وقتاً للتجهيز لها بعد اعتذارهم لأسباب مختلفة.

كما قرّر المجلس بالأغلبية تشكيل لجنة فنية للقاء محافظ المصرف المركزي ونائبه ومجلس إدارته لمناقشة الأمور المطلوب الإجابة عنها أمام المجلس، ومنها نقص السيولة وسعر الصرف وتأخر المرتبات وكيفية معالجتها وحضورهم الجلسة المقبلة، على أن تقدم اللجنة تقريرها للمجلس في أسرع وقت. ورفع المجلس جلسته بعد تأجيل مقترح «مشروع قانون غسل الأموال ومكافحة الإرهاب» إلى جلسة مقبلة.

بموازاة ذلك، قال سفير الاتحاد الأوروبي نيكولا أورلاندو إنه ناقش، الثلاثاء، في طرابلس مع القائم بأعمال سفارة السعودية لدى ليبيا عبد الله السلمي التطورات الحالية في ليبيا والمنطقة، مشيراً إلى اتفاقهما على أهمية دعم خريطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة لتعزيز العملية السياسية وتعزيز استقرار ليبيا ووحدتها وازدهارها.

اجتماع المشير خليفة حفتر مع رؤساء أركان «الجيش الوطني» ببنغازي (القيادة العامة)

من جهة أخرى، عقد المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المتمركز في شرق البلاد، اجتماعاً موسعاً بمقره في بنغازي، بحضور نجله رئيس الأركان الفريق خالد حفتر ورؤساء الأركان العامة، لمناقشة آخر المستجدات العسكرية والأمنية. كما تم استعراض خطط العمل المستقبلية للرئاسات الهادفة إلى رفع مستوى الكفاءة القتالية وتعزيز الجاهزية الدائمة بكافة الصنوف والوحدات العسكرية.

بدوره، أكّد الفريق خالد حفتر أن حماية المواطن الليبي في الداخل والخارج هي على رأس أولويات القيادة، وشدّد في لقائه ببنغازي بشرق البلاد مع وفد من مشايخ وأعيان مدينة الكفرة بالجنوب على أن قوات الجيش «ستظل دائماً الدرع الحامية لكل الليبيين، ولن تتوانى عن اتخاذ كافة الإجراءات لضمان أمنهم وسلامتهم».

ونقل عن الوفد تقديره لتدخل قيادة الجيش وجهودها في ملف أبناء مدينة الكفرة الذين تم احتجازهم في الفترة الماضية على الحدود مع تشاد، ونتائج هذه الجهود التي أدّت إلى إطلاق سراحهم.

وفي إطار التعاون بين حكومة «الوحدة» وأنقرة، بحث وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج، بمقر الوزارة في طرابلس، مع وفد تركي من رجال الأعمال والصناعيين، آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري وتعزيز فرص الاستثمار والشراكة بين البلدين.

وقالت الوزارة، في بيان، مساء الاثنين، إن الاجتماع تناول سبل تطوير العلاقات الاقتصادية الليبية - التركية، واستعراض الفرص الاستثمارية الواعدة في السوق الليبية، وبحث آليات التعاون في مجالات الصناعة والزراعة والتخطيط العمراني وتنظيم المعارض والمؤتمرات، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص التركي.


اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
TT

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

تستضيف القاهرة، الأربعاء، الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان، ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

ورحّب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بمشاركة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان رمطان لعمامرة، في اجتماع «الآلية التشاورية»، مؤكداً خلال استقباله، الثلاثاء في القاهرة، «تطلع بلاده لأن تسهم مخرجات الاجتماع في دفع الجهود الدولية لاستعادة السلام والاستقرار داخل السودان».

وتضم «الآلية التشاورية»، التي جرى تشكيلها بعد اندلاع الحرب بالسودان، في منتصف أبريل (نيسان) 2023، خمس منظمات رئيسية متعددة الأطراف، هي الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة. وعقدت اجتماعات سابقة في مصر وجيبوتي وموريتانيا وبروكسل، من أجل تنسيق جهود مبادرات السلام في السودان.

محادثات موسعة للمبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة في القاهرة (الخارجية المصرية)

وشدّد وزير الخارجية المصري، خلال لقائه لعمامرة، على «أهمية أن تُسهم مخرجات اجتماع الآلية في دفع جهود استعادة السلام والاستقرار في السودان»، إلى جانب «تنسيق الجهود مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وعلى رأسها الآلية الرباعية الدولية»، حسب إفادة للخارجية المصرية.

وتعمل الآلية الرباعية، التي تضم «السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة»، من أجل وقف إطلاق النار في السودان. وسبق أن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري في واشنطن، في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأكّدت «ضرورة بذل كل الجهود لتسوية النزاع المسلح في السودان»، إلى جانب «الضغط على جميع الأطراف لحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وتهيئة الظروف لضمان أمن منطقة البحر الأحمر».

وأعاد عبد العاطي، خلال محادثاته مع لعمامرة، التأكيد على محددات الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية، وشدد على «أولوية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه»، إلى جانب «الأهمية البالغة للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، باعتبارها ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار».

وأشاد لعمامرة بالجهود السياسية والإنسانية المصرية تجاه السودان، إلى جانب «الدور النشط الذي تقوم به القاهرة لدعم المسارات الرامية لوقف إطلاق النار»، بالإضافة إلى «تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق عملية سياسية شاملة، بما يسهم في إنهاء معاناة الشعب السوداني وتعزيز فرص الاستقرار الداخلي»، حسب الخارجية المصرية.

وأكّد الاجتماع الأخير لآلية التشاور الدولية، الذي عقد في بروكسل يونيو (حزيران) الماضي، «التزام المجموعة بوحدة السودان وسلامة أراضيه، وسيادة الشعب السوداني». واتفق المشاركون على «ضرورة العمل الجماعي والمنسق لإسكات البنادق، واستعادة مسار الانتقال المدني، والتعامل العاجل مع مستقبل سكان السودان المتضررين من الحرب، ولا سيما النساء والشباب».

غير أن عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، لا يعوِّل كثيراً على اجتماع «آلية التشاور» الدولية في تحقيق اختراق لأزمة الحرب في السودان، وقال إن المبادرة تأسست لتوحيد مسارات الحل الإقليمية والدولية، «لكنها لم تحقق فائدة ملموسة طوال الفترة الماضية، خصوصاً أن محددات عملها تركز على الجوانب الأمنية والإنسانية، ولا تشمل المسار السياسي».

وأضاف حليمة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مسار الرباعية الدولية أفضل في تحقيق تقدم في عملية السلام بالسودان». واستطرد: «دول الرباعية تتبنى رؤية تشمل مسارات أمنية وإنسانية وسياسية، وهناك تعويل دولي على جهود هذه المبادرة في إنهاء الأزمة السودانية». ونوَّه في الوقت ذاته إلى أن «انعقاد الاجتماع الخامس في القاهرة يعكس الاهتمام الذي توليه مصر لاستعادة الاستقرار داخل السودان».

وحسب بيان الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي إلى الجهود والاتصالات المصرية الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين، كما استعرض «أوجه الدعم المصري المتواصل للشعب السوداني، في ظل استضافة مصر لأعداد ضخمة من الأشقاء السودانيين على أراضيها».

ويرى المحلل السياسي السوداني، الهندي عز الدين، أنه يمكن التعويل على آلية التشاور الدولية في دفع الجهود الإنسانية داخل السودان، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «مخرجاتها السابقة لا تعكس قدرتها على تحقيق اختراق سياسي في ملف السلام بالسودان».

وهو يعتقد أن أهمية اجتماع القاهرة تكمن في تنسيق جهود المنظمات الدولية الخمس متعددة الأطراف، عند بدء مسار الحل السياسي فعلياً داخل السودان.


سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بدأت السلطات الجزائرية بتنفيذ خطة تهدف إلى تفكيك شبكة المعارضين في الخارج وعزل أكثرهم راديكالية، عبر «إجراءات تهدئة» تقضي بإنهاء الملاحقات الأمنية وأحكام السجن الصادرة بحقهم، مقابل ما يمكن وصفه بـ«التوبة» عن نشاطهم الذي بات مزعجاً للمسؤولين ويجلب ضغوطاً خارجية على البلاد.

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت، الأحد، عما سمته «تسوية» لفائدة الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في وضعيات هشة وغير قانونية، مؤكدة أن الرئيس عبد المجيد تبون وجَّه نداء إلى هؤلاء الشباب «ممن دُفع بهم إلى الخطأ عمداً، من قبل أشخاص اعتقدوا واهمين أنهم سيسيئون إلى مصداقية الدولة، بهدف استعمالهم بالخارج ضد بلدهم، بينما معظم هؤلاء الشباب لم يقترفوا سوى جنح صغيرة، كالتخوف من مجرد استدعاء من قبل الشرطة أو الدرك الوطني لسماعهم حول وقائع لها علاقة بالنظام العام أو أشياء أخرى من هذا القبيل».

وجرى اعتماد هذه الخطوة في اجتماع لمجلس الوزراء عقد في اليوم نفسه، وكانت مشروطة بأن يتعهد «المعنيون» بها بـ«عدم العود»؛ بمعنى عدم تكرار الممارسات التي تسببت في تعرضهم لمشاكل مع الأجهزة الأمنية والقضاء. وستتكفل القنصليات الجزائرية في الخارج بتنفيذ الإجراءات المرتبطة بهذا القرار.

من هم المعنيون؟

لم توضّح الرئاسة من هم، على وجه التحديد، الأشخاص المعنيون بهذه الإجراءات، كما لم تذكر موعد الشروع في تنفيذها. غير أن الإشارة إلى تكفّل القنصليات الجزائرية في الخارج بها تؤكد أنها موجهة أساساً إلى الناشطين المعارضين في الخارج، وخصوصاً في فرنسا.

وينقسم هؤلاء إلى فئتين: الأولى تضم معارضين غادروا البلاد خلال السنوات القليلة الماضية تحت ضغط التضييق والملاحقات بسبب مواقفهم المعارضة للسلطة. أما الفئة الثانية فتتكون من معارضين يقيمون في الخارج منذ تسعينات القرن الماضي، بعد أن استقروا في عواصم غربية تحت ضغط الملاحقة أيضاً، على خلفية مواقفهم الرافضة لتدخل الجيش لوقف وصول «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» إلى السلطة عام 1992.

وأجمع الطيف السياسي المؤيد لسياسات الرئيس تبون على أن التدابير المعلنة في مجلس الوزراء «خطوة سيادية تعكس إرادة الدولة في التكفل بأبنائها، بعيداً عن الضغوط والحسابات الضيقة».

وأكد حزب «جبهة التحرير الوطني» (القوة الأولى في البرلمان)، في بيان، أن «هذا القرار السيادي لفائدة الجزائريين الموجودين في أوضاع هشة وغير قانونية، يشكل دليلاً واضحاً على العناية الخاصة التي توليها الدولة الجزائرية لأبنائها حيثما وجدوا، ومواصلة الدفاع عنهم بثبات ومسؤولية، بعيداً عن أي مساومات أو إملاءات خارجية».

وأوضح الحزب أن الإجراء «يمثل خطوة استراتيجية لقطع الطريق أمام المحاولات اليائسة، لاستغلال الفئات الهشة وتوظيفها في حملات دعائية مغرضة تستهدف صورة الجزائر ومواقفها السيادية».

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)

من جهته، عبّر «التجمع الوطني الديمقراطي»، في بيان، عن «ارتياحه العميق»، عاداً أن القرار «ينسجم مع السياسة المتبعة للحفاظ على وحدة الشباب وإشراكهم في مسار التنمية الوطنية».

بناء الثقة

وقالت «حركة البناء الوطني» في بيان: «هذه المبادرة تشكل خطوة إيجابية هامة لتعزيز التلاحم الوطني وتحصين الجبهة الداخلية، لكونها تسهم في ترسيخ الثقة والاستقرار والسكينة العامة، وإفشال مخططات الجهات التي تضمر العداء للوطن وتسعى إلى تشويه صورته وادّعاء الوصاية على الشعب الجزائري ومصالحه».

وأشادت «جبهة المستقبل»، في بيان، بـ«الخطوة السيادية الواضحة في معالجة ملف استغل من أطراف متعددة، للإضرار بصورة الوطن وخلق مسارات ضياع لشبابه»، مؤكدة أن الدولة الجزائرية «من خلال هذا القرار الذي يعيد الأمور إلى نصابها، وضعت حداً لمحاولات تحويل معاناة بعض أبنائها إلى أدوات ضغط ومنصات لتشويه سمعة البلد».

وأضافت: «هذا القرار يؤكد أن الجزائر اليوم تتعامل مع أبنائها بشكل مباشر ومسؤول، ووفق ما يليق بها كدولة مستقلة ذات سيادة وقرار، تقود ملفاتها بنفسها وتحدد مساراتها انطلاقاً من مصلحتها الوطنية الخالصة، في إطار علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية، لا على الضغوط والحسابات الضيقة».

من جانبه، اعتبر حزب «صوت الشعب» في بيان أن «هذا القرار الصائب والمعبر عن سمو الدولة الجزائرية، سيكون له أثر إيجابي كبير في بعث الطمأنينة لدى العديد من العائلات الجزائرية»، مشيراً إلى أن «هذه المبادرة الرئاسية تعكس القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري ورؤيته الحكيمة في مواجهة التحديات».

ويُستشفّ من خطاب الأحزاب أن المقصود هو فرنسا على وجه التحديد. فخلال التوترات التي تشهدها العلاقات الثنائية منذ صيف 2024، برز «ملف المعارضين» المقيمين في البلد المستعمِر سابقاً بشكل لافت، إذ طالبت الجزائر باريس بتسليم بعض رموز المعارضة الأكثر راديكالية، وفي مقدمتهم صانع المحتوى أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زاد».

صانع المحتوى الجزائري المعارض أمير بوخرص (متداولة)

وقد شكّل هذا الملف وحده أزمة حادة بين البلدين في أبريل (نيسان) 2025، إثر توجيه الادعاء الفرنسي تهمة «اختطافه واحتجازه» إلى ثلاثة جزائريين، من بينهم موظف في القنصلية الجزائرية بباريس، حيث تم سجنهم على ذمة التحقيق.

كما تتهم الجزائر فرنسا بـ«التساهل» مع «حركة تقرير مصير القبائل»، التي أَعلنت في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2025 من باريس «دولة القبائل المستقلة»، وتطالب بتسليم زعيم التنظيم فرحات مهني، المتهم بـ«الإرهاب».