السودان: مع الحرّ والحرب نقص حاد في المياه

أطفال يمشون 14 كيلومتراً يومياً لجلبها... وموجات النزوح فاقمت أزمة فقدانها

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)
سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)
TT

السودان: مع الحرّ والحرب نقص حاد في المياه

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)
سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

ينعكس التغير المناخي في السودان نقصاً في مياه الشرب فاقمت من حدته الحرب الدائرة منذ أكثر من عام في البلاد.

يقول رب الأسرة عيسى، المقيم في مخيّم «سرتوني» للنازحين بولاية شمال دارفور غرب البلاد، الذي يضم أكثر من 65 ألف شخص، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «منذ بداية الحرب (أبريل - نيسان 2023) يسير اثنان من أطفالي مسافة 14 كيلومتراً يومياً لجلب المياه».

ويتركز في إقليم دارفور، الشاسع، العدد الأكبر من مراكز إيواء النازحين في البلاد التي تسببت الحرب الأخيرة فيها بارتفاع عددهم داخلياً ليقترب من 10 ملايين نازح.

أرشيفية من بورتسودان خلال أزمة مياه في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

ويضاف النقص في المياه إلى أزمات أخرى كثيرة يعانيها السودانيون في حياتهم اليومية... إذ إن في البلد الذي دمَّرت النزاعات على مدى عقود بناه التحتية، للتغير المناخي تداعيات تتمثل في أمطار غزيرة تليها موجات قيظ مع وصول الحرارة صيفاً إلى حدود 50 درجة مئوية.

في أبريل 2023 عندما اندلعت حرب جديدة بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سارع الدبلوماسيون والعاملون في المجال الإنساني إلى مغادرة السودان. فتراجع بشكل كبير مستوى المساعدات إلى الفئات الضعيفة. وهذا ما حصل في «سرتوني».

ويوضح عيسى أن إحدى منظمات العمل الإنساني الإيطالية التي كانت مسؤولة عن محطات مياه الشرب في المخيّم، توقفت عن العمل بسبب الحرب.

لكن حتى قبل اندلاع النزاع الأخير، حذَّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن «26 في المائة من سكان السودان يسيرون لأكثر من 50 دقيقة للعثور على مياه ويُعرضون أنفسهم لمخاطر أمنية، لا سيما النساء».

وفي قرية شقرة في دارفور أيضاً، التي يقيم فيها 40 ألف نازح، تكثر الشكوى من نقص المياه، حسب المتحدث باسم «تنسيقية النازحين» آدم رجال.

صهريج ماء على عربة (أ.ف.ب)

يقف نازحون بغالبيتهم من النساء والأطفال، ينتظرون دورهم للحصول على مياه وهم يحتمون من أشعة الشمس الحارقة في ظل بعض الأشجار.

ويقول رجال: «بعد الحرب ورغم تضاؤل مصادر المياه، يصطفّ الناس في طوابير يصل طولها إلى 300 متر للحصول على مياه الشرب».

وباستثناء المناطق المتاخمة للأنهار في السودان، وعلى رأسها نهر النيل، يعتمد سكان البلاد على مصدرين للمياه: الأمطار والمياه الجوفية.

لكن على صعيد الأمطار، تشهد منطقة القرن الأفريقي الأوسع التي تشمل السودان، منذ نهاية عام 2020 أسوأ موجة جفاف في تاريخها منذ أربعين عاماً.

وتسببت خمسة مواسم متتالية انحسرت خلالها الأمطار، في نفوق الملايين من رؤوس الماشية وتدمير محاصيل، ودفعت ملايين الأشخاص إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الماء والغذاء في أماكن أخرى.

وبالنسبة إلى المياه الجوفية، يقف نقص الوقود، بسبب الحرب، عائقاً أمام استخراج المياه خصوصاً في المناطق البعيدة عن مصادر الماء العذب مثل إقليم دارفور، في ولاية القضارف شرق السودان.

ويقول دبلوماسي أوروبي مطّلع على الشأن السوداني، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «حتى لو توفرت المياه، إذا تعطلت المضخة أو لم يكن الوقود متوفرا، لن تتمكن من الوصول إليها».

بائع مياه ينتظر دوره لتعبئة خزانه والذهاب لبيعها للمواطنين في بورتسودان (أ.ف.ب)

ويوضح: «المياه موجودة، لكن عمقها يصل إلى أكثر من 60 متراً، مما يعرقل الوصول إليها باستخدام مضخة يدوية».

ويأتي الدبلوماسي على ذكر مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور البالع عدد سكانها 1.5 مليون نسمة، وحيث تدور اشتباكات عنيفة منذ الأسبوع الأول من مايو (أيار) بين طرفي الحرب، مع حصار شديد ونقص في مصادر الماء والغذاء.

ويضيف: «ما لم تسمح (قوات الدعم السريع) بإنفاذ كميات الوقود، تتوقف محطات المياه عن العمل... وببساطة لن يتوفر الماء لجزء كبير من السكان».

وحسب منظمة «أطباء بلا حدود» الإغاثية، فقد «قُتل ما لا يقل عن 192 شخصاً، وأُصيب أكثر من 1230 منذ العاشر من مايو في الفاشر».

ويقول المسؤول الطبي للمنظمة في دارفور آدم أحمد شومو: «ترك معظم الناس منازلهم وذهبوا إلى المخيمات، خصوصاً مخيم (زمزم)، لكنهم يواجهون مشكلة كبيرة في توفير المياه وزيادة في تكاليف المعيشة مع انعدام الأمن».

من جهتها، حذرت منظمة «يونيسيف» من أن الاشتباكات المسلحة للسيطرة على خزان مياه «غولو» في غرب الفاشر، «تهدد بقطع المياه الآمنة والكافية لنحو 270 ألف شخص في المدينة والمناطق المحيطة بها».

في الخرطوم التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، حُرمت أحياء بكاملها من المياه. ويقول المتطوع بإحدى «لجان المقاومة»، وهي مجموعات عدة في أنحاء السودان اعتادت تنظيم مظاهرات مؤيدة للديمقراطية قبل الحرب الأخيرة، «إن محطة معالجة المياه بمنطقة سوبا في الخرطوم التي تخدم عدداً كبيراً من سكان العاصمة خرجت من الخدمة منذ بدء الحرب».

خزانات المياه المنقولة على العربات (أ.ف.ب)

ويضيف أن المواطنين يُضطرون منذ ذلك الحين إلى شراء «مياه غير معالَجة من عربات خشبية تجرها الحيوانات، وهو ما يعرِّضهم للأمراض».

وأوضح: «كنّا ننفق 6000 جنيه سوداني (نحو 5 دولارات) يومياً لشراء المياه».

ويقول صلاح، وهو متطوع آخر، إن أحياء بكاملها في مدينة بحري شمال العاصمة «ظلّت من دون مياه صالحة للشرب منذ عام».

وعلى البحر الأحمر في بورتسودان حيث مقر الوزارات المؤيدة للجيش، فضلاً عن مقرات الأمم المتحدة، يقول المواطن الصادق حسين إن نقص «المياه مشكلة كبيرة أيضاً»، معرباً عن قلقه مع حلول الصيف.

ومع الحرب وانتقال نازحين بأعداد كبيرة إلى المنطقة، بات السكان يشترون المياه العذبة التي تُنقل بواسطة عربات. ويقول طه طاهر، الخبير في الصحة البيئية: «تجب مراقبة تلوث» المياه، لكنه يأسف لعدم حصول ذلك، خصوصاً أن «المشكلة تفاقمت» مع العدد الكبير للسكان راهناً.

وعلى مدى عام تقريباً منذ بدء الحرب بين أبريل 2023 ومارس 2024، سجلت وزارة الصحة السودانية 11 ألف حالة إصابة بالكوليرا في مناطق عدة من البلاد.

ويلخص الدبلوماسي الأوروبي الوضع بالقول: إن «النظام الصحي انهار والناس يشربون المياه غير النظيفة».


مقالات ذات صلة

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

شمال افريقيا نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون لتقاسم حصص من مواد غذائية وزّعها برنامج الأغذية العالمي يوم 9 مايو 2023 (رويترز)

24 قتيلاً وعشرات الجرحى جراء قصف بمسيّرات على مدن دارفور

قُتل 24 مدنياً على الأقل وأُصيب العشرات، يومي الأحد والاثنين، في غارات منفصلة بطائرات مسيَّرة تابعة للجيش السوداني استهدفت مدن إقليم دارفور غرب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة» اللواء المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

انشقاق ضابط بارز بـ«الدعم السريع» وانضمامه للجيش السوداني

أعلنت «منصات إعلامية» انشقاق ضابط كبير في «قوات الدعم السريع»، هو اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، وانضمامه إلى الجيش السوداني.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجِّه من الجزائر رسالة سلام

 البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يتحدث في تجمع بالجزائر أمس (أ.ف.ب)

بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، أمس، جولة أفريقية تهدف إلى تعزيز حوار الأديان وقيم التسامح والتعايش السلمي، استهلها من الجزائر برسائل تدعو للسلام ونبذ العنف. وكان الرئيس عبد المجيد تبون في استقبال البابا في مطار العاصمة بمستهل جولته التي تشمل أيضاً الكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائية.

وفي «مقام الشهيد» بأعالي العاصمة، ترحم البابا على أرواح شهداء ثورة التحرير، وقال: «في النهاية، سينتصر العدل على الظلم، ولن تكون للعنف، رغم ما يبدو، الكلمة الأخيرة». ثم توجه إلى مقر الرئاسة، حيث أجرى محادثات مع الرئيس تبون الذي قال: «في وقتٍ تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار مناطق عديدة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، نجد في قداستكم صوتاً شجاعاً ومرافعاً وفياً عن السلام}.


أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)
طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، بينما تبدأ هذه الامتحانات في المناطق الخاضعة لهيمنة «قوات الدعم السريع» في يونيو (حزيران).

ويبلغ عدد الطلاب المشاركين في امتحانات الاثنين 564 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه؛ منهم 156 ألفاً في ولاية الخرطوم.

ومع تعثر جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة لامتحانات الشهادة الثانوية في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع»، تعهدت وزارة التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 مايو (أيار) المقبل للطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء الامتحانات الحالية.

وزير التربية والتعليم السوداني يقرع جرس بدء امتحانات الشهادة الثانوية (الشرق الأوسط)

وشهد حاكم الخرطوم أحمد عثمان حمزة، يرافقه وزير التعليم و التربية الوطنية التهامي الزين حجر، انطلاق الجلسة الأولى للامتحانات بمدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية بنات.

وقال حمزة إن التنسيق المحكم بين السلطات المحلية في الولاية والأجهزة الأمنية أتاح إجراء الامتحانات في وقتها، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من طلاب دارفور الذين نزحوا إلى العاصمة الخرطوم تمكنوا من الجلوس للامتحانات.

وقال التهامي إن من بين الطلاب الممتحنين 60 ألفاً خارج السودان في 14 دولة، تم توزيعهم على 74 مركزاً. وعّد أن زيادة عدد الطلاب الممتحنين هذا العام بنحو 300 ألف مؤشر على استقرار العملية التعليمية وعودة الحياة إلى طبيعتها بعد الحرب.

مديرة مدرسة بحري الحكومية للبنات قبل بدء الجلسة الأولى للامتحانات (الشرق الأوسط)

من جانبه أكد الناطق باسم الشرطة السودانية فتح الرحمن التوم لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم وضع خطة محكمة لتأمين امتحانات الشهادة الثانوية في جميع مراحلها، مشيراً إلى أن الشرطة عقدت اجتماعات متواصلة خلال الفترة الماضية مع الجهات ذات الصلة لعقد الامتحانات في أوضاع مستقرة وآمنة.

وفي وقت سابق، قالت وزارة التربية والتعليم، في بيان صحافي، إن طلاب ولايات دارفور يحظون بالاهتمام، حيث تم تسجيلهم وتمكينهم من الجلوس للامتحانات، مع تكوين لجنة إشرافية اتحادية لمتابعة أوضاعهم وتقديم الخدمات لهم، خصوصاً في الولايات المستضيفة مثل الشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض.


المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وسّع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، من وتيرة لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة وعديدة خلال الأسبوعين الماضيين، في إطار تحوّطه من «إقصاء» متوقع على خلفية «مقترح أميركي» يستهدف إسناد رئاسة مجلسه إلى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني».

ومنذ الإعلان عن المقترح الأميركي المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترمب، يسارع المنفي إلى عقد اجتماعات بعسكريين وسياسيين وقادة تشكيلات مسلحة على نحو غير معهود فسّره متابعون بأنه «سعي لتكوين جبهة معارضة تدعم بقاءه في السلطة».

ويقضي المقترح بتولي صدام رئاسة «المجلس الرئاسي» الجديد بدلاً من رئيسه الحالي المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وهو الأمر الذي رفضه محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وغالبية أعضاء مجلسه في اجتماع عُقد الأسبوع الماضي.

وفي إطار اتّساع الفجوة بين الدبيبة والمنفي، عقد الأخير اجتماعاً في طرابلس وُصف بـ«المهم» مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة مساء الأحد، تناول بحسب مكتبه «جملة من القضايا الوطنية الراهنة».

عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وقال مكتب المنفي إن الحاضرين في الاجتماع «أكدوا دعمهم الكامل للجهود التي يقودها رئيس المجلس على مختلف الأصعدة، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة»، كما شددوا على «ضرورة المضي قدماً في إصلاح المؤسسات وترسيخ قيم المساءلة».

وتعد مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، المدينة الليبية الثالثة الأكبر بعد طرابلس وبنغازي، وتضم تباينات واسعة في الآيديولوجيا والتوجهات السياسية، سواء المؤيدة له أو المطالبة بإقالة حكومته.

ونقل مكتب المنفي عن وفد أعيان ومشايخ مصراتة «رفضهم القاطع لأي ترتيبات أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية»؛ في إشارة إلى مقترح بولس الذي يُنظر إليه على أنه «سيُقصي» المنفي من المشهد السياسي الراهن.

وبينما ذهب الوفد إلى أن «مثل هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لمرتكزات بناء الدولة»، دعا إلى «الالتزام الصارم بالمسارات الشرعية التي تضمن وحدة البلاد وصون مؤسساتها».

ويأتي رفض «أعيان ومشايخ مصراتة» للمقترح الأميركي مستنداً إلى التخوف مما يصفونه بـ«عسكرة الدولة، ورفض الحكم الشمولي»، بجانب معارضة «أي مسار أو تسوية سياسية تُفرض من الخارج؛ مع التمسك بالمسار الدستوري والانتخابي».

ويُرجع مصدر سياسي بغرب ليبيا موقف الأعيان والمشايخ إلى رفضهم تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي؛ إذ «يرون في ذلك تفريطاً في الدولة المدنية وتمكيناً للعسكر؛ لا سيما في ذكرى هجوم (الجيش الوطني) على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019».

وقال المصدر السياسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «يخوض عملية إقناع لحلفائه لدفعهم إلى قبول صدام لتولي المنصب المقترح؛ على أن يكون مقر المجلس الرئاسي الجديد في مدينة بنغازي وليس طرابلس تفادياً للحساسيات وتجنباً للرافضين».

وكان مجلس أعيان ومشايخ مصراتة قد أصدر بياناً مطلع الأسبوع الجاري أكد فيه أن «أي تسوية لا تنبع من روح (ثورة 17 فبراير) ومطالب الشعب الليبي هي تسوية فاقدة للشرعية»، مشدداً على ضرورة الاحتكام إلى الشعب عبر الاستفتاء على الدستور، وتجديد الشرعية من خلال انتخابات برلمانية نزيهة، والتمسك بـ«خيار الدولة المدنية القائمة على أسس العدالة الانتقالية».

وانتهى مجلس الأعيان والمشايخ إلى أن مصراتة «تؤكد أنها لن تكون طرفاً في أي اتفاق ينتقص من تضحيات أهلها أو يفرط في مبادئ (ثورة 17 فبراير)».

وجاءت حكومة «الوحدة الوطنية» والمجلس الرئاسي بقيادة المنفي ونائبيه موسى الكوني وعبد الله اللافي إلى سدة السلطة التنفيذية في الخامس من فبراير 2021، بعد انتخابهم من قبل «ملتقى الحوار الليبي» الذي عقد في جنيف برعاية أممية.

والتقى المنفي سياسيين وقادة اجتماعيين وعسكريين وآمري تشكيلات مسلحة، لا سيما من المحسوبين باعتبارهم خصوماً للدبيبة، سعياً لما يراه متابعون «تكوين جبهة معارضة للمقترح الذي سيزيحه من السلطة لحساب صدام حفتر».

ويرسخ المنفي من وجوده في السلطة حالياً بلقاءات مع مسؤولين سودانيين، كما تسلّم دعوة رسمية من رئيس وزراء الهند لحضور القمة الهندية - الأفريقية.

وأوضح مكتب المنفي أنه تسلم، صباح الاثنين، دعوة رسمية من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، للمشاركة في أعمال القمة الرابعة لمنتدى الهند - أفريقيا المزمع انعقاده في العاصمة نيودلهي نهاية شهر مايو (أيار) المقبل، سلمها له السفير الهندي لدى ليبيا محمد حفظ الرحمن.

وعَدّ مكتب المنفي هذه الدعوة «تعزيزاً للحضور الليبي في المحافل الدولية، وترسيخاً لأواصر التعاون مع الشركاء الدوليين، لا سيما في الفضاءين الأفريقي والآسيوي، بما يسهم في دعم جهود التنمية وتوسيع آفاق الشراكات الاستراتيجية».

وكان المنفي قد استقبل بمقر رئاسة المجلس في العاصمة طرابلس، مساء الأحد، وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد، والوفد الرسمي المرافق له، بحضور السفير الليبي لدى السودان فوزي بومريز.

المنفي مجتمعاً بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أحمد مساء الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

وبحث اللقاء أوضاع الجالية السودانية في ليبيا، وملف النازحين السودانيين في ظل تداعيات الأزمة الراهنة في السودان، وأعرب الوزير عن «تقديره العميق» لمواقف الدولة الليبية وما تقدمه من دعم إنساني ورعاية للسودانيين.