حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

دفن جثامين 57 توفوا بضربة الشمس في «رحلة الموت هرباً من الموت»

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
TT

حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)

فقد الأمين أحمد، مدير «بنك النيل - فرع سوق ليبيا» بأم درمان، في لحظات، ثلاثة من أبنائه ماتوا أمام عينيه، تساقطوا واحداً تلو الآخر، لتعرضهم لـ«ضربة شمس»، في أثناء محاولة الأسرة عبور الحدود المصرية - السودانية عن طريق «التهريب»... الشباب الجامعيون الثلاثة كانوا ينوون إكمال دراستهم في مصر لتوقف جامعاتهم السودانية بسبب الحرب المستمرة.

يعيش الأمين، ويلقب بـ«الأخ» تحبباً، مع زوجته، ولم يتبق لهما من فلذات أكبادهما سوى صورهم وبعض الذكريات الجميلة... وطوال الوقت كان يردد: «الحمد لله، ربنا يتقبلهم ويجمعنا بهم في الجنة».

الأب المفجوع الأمين أحمد (الشرق الأوسط)

ويتسلل آلاف السودانيين الفارين من الحرب عبر الحدود المصرية، أملاً في الحصول على ملاذات آمنة، فمن لم يمت بأسلحة الطرفين، فقد يموت بالجوع وانعدام الأدوية والتطبيب وبالأمراض والأوبئة، فيضطرون للمغامرة ومواجهة خطر الصحراء، وربما جشع عصابات التهريب، أو قد يقعون في أيدي شرطة الحدود المصرية التي تعيدهم لبلادهم.

ويتطلب الدخول إلى مصر «تأشيرة دخول»، قد يستغرق الحصول عليها أكثر من ستة أشهر، أو في الحالة الأخرى الحصول على «تأشيرة استثنائية» تعرف بـ«الموافقة الأمنية»، وهي فوق قدرة معظم الراغبين في السفر، وتكلف أكثر من ألفي دولار للشخص الواحد.

وتستغل عصابات التهريب حاجة الناس للبحث عن أمان، وتفرض عليهم شروطاً قاسية، وتدخلهم إلى مصر متتبعة طرقاً صحراوية وعرة، غير مبالية بما قد يحدث لهؤلاء، فقد يسقط أحدهم من السيارة ولا أحد يتوقف لإنقاذه، وقد يضطرون للاختباء في الصحراء لساعات طويلة تجنباً لفرق حراسة الحدود، وحين وصولهم لمنطقة «الكسارات» يُتركون لمهربين آخرين، يستغلونهم مجدداً وقد يسرقون هواتفهم والأموال التي بحوذتهم، أو يفرضون عليهم رسوماً باهظة لإدخالهم إلى أسوان.

(الشرق الاوسط)

عن علاقة الأمين بأبنائه المتوفين يقول: «كانوا أصحابي وأصدقائي قبل أن يكونوا أبنائي، كانوا دنيتي التي فقدت، لكني الآن لا أملك إلا الاعتراف بأمر الله»، وموجهاً كلماته للذين يحاولون الفرار من الحرب من أبناء وطنه: «لا تسافروا في هذه الظروف، حتى لا تفقدوا أرواحكم، أو حيوات أعزائكم».

ويتابع والحزن يتقطر من عينيه دمعاً وتنهدات: «نصحت الراحلين بتأجيل السفر لما بعد عيد الأضحى، نقضي العيد في مدينة حلفا، لكنهم أصروا على السفر وأقنعوني»، ويتابع: «قبل أن أركب العربة نصف النقل كان قلبي يحدثني بأن ثمة شيئاً ما سيحدث، حاولت إثناءهم وفشلت، ثم توكلنا على الله وركبت معهم».

يصف الأمين رحلته بأنها «كانت قطعة من العذاب ومعاناة كبيرة»، ويقول: «لو كنت أعرفها بهذه القسوة، لما سافرنا مسافة كيلومتر واحد، لكنها إرادة الله». ويتابع: «كانت العربة التويوتا نصف النقل يطلقون عليها محلياً (بوكس) محملة بعدد كبير من المسافرين، وفي أثناء السفر تعطلت لساعتين في هجير الصحراء ورمالها الحارقة».

ويصف كيف مات أولاده: «كانت درجة الحرارة فوق الاحتمال، ورمال الصحراء سعير يصلي جلودنا، لكنا كنا مضطرين للانتظار، وهنا حدثت المأساة، بدأ أبنائي الثلاثة يتساقطون لم يحتملوا درجات الحرارة العالية، وأنا أراهم يموتون أمام عيني وعاجز عن إنقاذهم، فلا ظل يستظلون به، والريح كأنها آتية من جهنم».

ونادماً يقول الأمين: «لو أن سيارتنا وصلت منطقة الكسارات لما ماتوا، كنا سننقذهم»، والكسارات هي منطقة عند بوابة مدينة أسوان المصرية، تتوقف عندها سيارات المهربين. ويتابع: «أحمد (كان) يدرس علوم الكومبيوتر في سنته النهائية بجامعة الرباط، ومحمد (كان) يدرس الهندسة في سنته الثالثة، وأصغرهم مجدي ودرس التسويق في المستوى الأول بجامعة الرباط، هم ما كان متبقياً لي بعد أن فقدت ابنتي الوحيدة عام 2012».

نازحون من ولاية الجزيرة السودانية يصلون في مركبات مكتظة إلى مدخل مدينة القضارف بشرق البلاد في 10 يونيو 2024 وسط الصراع المستمر بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (أ.ف.ب)

ويقول القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمين أحمد واحد من بين عشرات الآباء الذين فقدوا أبناءهم في رحلة التهريب إلى مصر، وإنه تم دفن جثامين 57 سودانياً توفوا بضربات الشمس، أو العطش أو حوادث السير في الصحراء المصرية، ويتابع: «يتعرض المئات من السودانيين لأوضاع قاسية وهم في طريقهم إلى مصر، فالرحلة قاسية ومحفوفة بالمخاطر».

مشرحة أسوان

يتجمع أمام المشرحة العمومية في مدينة أسوان عشرات السودانيين، وهم يذرفون الدمع على أحباء فقدوهم، بعد أن كانوا يهربون بهم من الموت بالرصاص والقذائف والقنابل، الرجال تسيل دموعهم غزيرة، والنساء يلطمن الخدود وهنّ يلقينّ النظرة الأخيرة على ذويهن، بينما يتصايح الأطفال ويصرخون من هول الموقف.

ويحدث الطبيب خالد الجعلي «الشرق الأوسط» عن مأساة صديقه صلاح عوض، الذي توفي هو الآخر في أثناء رحلة الموت إلى القاهرة، ويقول: «أبلغ صديقي صلاح عوض - وهو شقيق فنان الحقيبة الراحل محمد أحمد عوض - أسرته المقيمة في القاهرة بأنه سيقضي عيد الأضحى معهم ليجتمع شمل الأسرة بعد غياب طويل»، ويتابع: «كان صلاح وهو طبيب أيضاً، يسعف بعض مرافقيه الذين تعرضوا لضربات الشمس، لكنه سرعان ما فقد الوعي، وفشلت كل الجهود لإنقاذه، فمات ووقع الخبر على أسرته صاعقاً»,

سودانيون نازحون من ولاية الجزيرة هرباً من القتال في 10 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

وقال شاب من سكان جزيرة توتي في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن 10 من أفراد عائلته توفوا دفعة واحدة، بينما لا يزال آخرون يتلقون العلاج في المستشفى، وتابع: «نزحنا من توتي إلى أسرتنا الممتدة في الخرطوم بحري، لكن الظروف ساءت فالمدينة محاصرة منذ اندلاع الحرب، ومقطوع عنها الكهرباء والمياه، وانعدمت فيها سبل الحياة، فقررنا اللجوء إلى مصر».

ويصف الشاب «رحلة الموت هرباً من الموت» بقوله: «من بحري إلى عطبرة، ونحن مجموعة من النساء والرجال والأطفال وكبار السن، في 4 عربات نصف نقل، كنا نخشى حوادث السير، ولم نكن نتوقع أننا سنموت بالعطش أو ضربات الشمس، لو كنا نعلم لما سافرنا في هذا الوقت من العام».

وفي حادث سير ناتج عن السرعة الجنونية التي يقود بها المهربون، لقيت أسرة من شمبات حتفها (أم وابنها) بينما نجت طفلة سلمتها الشرطة المصرية لجدتها المقيمة في القاهرة.

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وفي تفسيره لكثرة الموت بضربات الشمس أو العطش، قال مصدر بقنصلية السودان في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن المتسللين عبر الحدود يخشون نقل المصابين إلى المستشفيات خوفاً من القبض عليهم بواسطة الشرطة، وإعادتهم للسودان مجدداً، فهم جميعهم متسللون عبر الحدود.

الخبير القانوني المعز حضرة طلب ممن أطلق عليهم «شرفاء القوات المسلحة» توفير الماء والغذاء للفارين من الحرب نحو مصر، وتكثيف البحث عن التائهين في الصحراء بواسطة المروحيات أو السيارات، وقال: «أغلب الحوادث تقع داخل الأراضي السودانية».

وتنطلق يومياً عشرات «البكاسي» المكتظة بالنساء والأطفال والشباب قاصدة مصر، لتجتاز صحراء تتجاوز حرارتها 50 درجة...حرارة تشوي الأجساد وتحيل الوجوه سوداء. ومع هذا فهي رحلة مكلفة جداً لا يستطيعها إلا القادرون، وتتراوح بين (150 - 200) ألف جنيه سوداني، نحو مائتي دولار للشخص الواحد.

ويتراص بين 15 و17 راكباً في صندوق السيارة، النساء والأطفال في المنتصف، ويحيط بهم الرجال الذين تتدلى أرجلهم خارج السيارة، ويتم تقييدهم بالحبال حتى لا يسقطوا في الطريق، فمن يسقط لا ينتظره أحد، ويقول الشهود: «أغلب الوفيات تحدث بسبب تعطل السيارات في لهيب الشمس، ما يعرضهم للموت بضربة الشمس أو العطش».


مقالات ذات صلة

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

أكد فارس النور المستشار السياسي لحميدتي انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «استقلت من أجل بحث فرص جديدة للسلام والحوار».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

خاص العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد.

بهرام عبد المنعم (السودان)
خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

خاص من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.


قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
TT

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

أدى قصف جوي استهدف مناطق للتعدين الأهلي عن الذهب في أقصى شمال السودان، بالقرب من الحدود مع مصر، يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى وسط المعدنين التقليديين، في وقت لا تزال فيه الحصيلة الدقيقة للضحايا غير معروفة بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المستهدفة.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها توثق غارات نفذتها طائرات حربية أو طائرات مسيرة استهدفت بصورة مباشرة مواقع التعدين المنتشرة حول منطقة جبل العقيدات. وتعد هذه المنطقة، إلى جانب الجبل الأحمر، من أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال السودان، حيث يعمل آلاف المعدنين التقليديين، وتمتد أنشطة التعدين فيها حتى منطقة أوسيف بولاية البحر الأحمر شرقي البلاد. وبحسب إفادات عدد من العاملين في التعدين الأهلي، فإن طائرات حربية وطائرة مسيرة واحدة على الأقل شنت، يوم الثلاثاء، غارات مباشرة على مواقع مكتظة بالمعدنين، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في الحال وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وأشارت مصادر محلية إلى أن القصف تجدد مرة أخرى في ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء، الأمر الذي زاد من حجم الخسائر البشرية وحالة الذعر بين العاملين في المنطقة. وأظهرت مقاطع فيديو أخرى دوي انفجارات عنيفة ناجمة عن سقوط مقذوفات أطلقتها طائرات مجهولة الهوية، بينما كانت مجموعات كبيرة من المعدنين موجودة في مواقع العمل، وهو ما عزز المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا.

عامل يقوم بتشغيل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

وتسببت الهجمات في حالة واسعة من الخوف والهلع بين المعدنين، ما دفع المئات منهم إلى مغادرة مواقع التعدين سيراً على الأقدام خشية التعرض لغارات جديدة. ووفقاً لمصادر محلية، جرى نقل أعداد من الفارين بواسطة مركبات إلى سوق الأنصاري في مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل.

الجيش يصمت و«الدعم» يتهم

وفي الوقت الذي لم تصدر فيه الحكومة السودانية أو القوات المسلحة السودانية أي تعليق رسمي بشأن الحادثة حتى مساء الأربعاء، وجه تحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، اتهامات مباشرة إلى مصر بالوقوف وراء الضربات الجوية التي استهدفت مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي والأنصاري داخل الأراضي السودانية. وقال التحالف، في بيان نشره عبر موقعه على «فيسبوك»، إن المعلومات الأولية تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من المعدنين السودانيين بين قتيل وجريح، مضيفاً أن عدداً من الأشخاص ما زالوا عالقين تحت أنقاض آبار التنقيب، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع حصيلة الضحايا. كما دعا المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى متابعة ما وصفه بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الناتجة عن الهجوم الذي اعتبره اعتداءً على السيادة السودانية. ولم يتسن الحصول على تعليق من السلطات المصرية حتى ساعة نشر هذا الموضوع مساء الأربعاء.

أرشيفية لعمال يقومون بالتنقيب عن الذهب في السودان

وفي موازاة ذلك، تفاعل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مع مقاطع فيديو لمعدنين يناشدون السلطات السودانية بالتدخل العاجل لحمايتهم ووقف الهجمات، إلى جانب إطلاق عمليات إنقاذ للذين فروا باتجاه منطقة الأنصاري وسط مخاوف من تعرضهم لمخاطر الضياع في المناطق الصحراوية الوعرة.

من جانبه، أعلن حزب الأمة القومي، برئاسة فضل الله برمة ناصر، أنه يتابع بقلق بالغ الأنباء المتعلقة باستهداف مناطق في شمال السودان وما ترتب عليها من خسائر بشرية بين المواطنين العاملين في قطاع التعدين الأهلي. واعتبر الحزب، في بيان رسمي، أن استخدام القوة العسكرية داخل الحدود السودانية يمثل تطوراً بالغ الخطورة من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة إذا لم يتم التعامل معه بصورة عاجلة.

وطالب الحزب بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف للكشف عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه، وضمان إنصاف الضحايا وتعويض المتضررين، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

كما جدد تمسكه بالحلول السلمية واحترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتأتي هذه التطورات بعد أشهر قليلة من حادثة مشابهة شهدتها منطقة وادي الأنصاري القريبة من الحدود السودانية المصرية، حيث قُتل تسعة أشخاص وأصيب 13 آخرون في مارس (آذار) الماضي.

ويعد السودان من أكبر الدول المنتجة للذهب في أفريقيا، إذ يقدر إنتاجه السنوي بنحو ستين طناً من المعدن النفيس. ويشكل التعدين الأهلي العمود الفقري لقطاع الذهب في البلاد، حيث يعمل فيه أكثر من مليوني شخص ويسهم بما يقارب ثمانين في المائة من إجمالي إنتاج الذهب السوداني.

عاجل مونديال 2026: إنكلترا تثأر من كرواتيا في فوز مثير 4-2