حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

دفن جثامين 57 توفوا بضربة الشمس في «رحلة الموت هرباً من الموت»

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
TT

حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)

فقد الأمين أحمد، مدير «بنك النيل - فرع سوق ليبيا» بأم درمان، في لحظات، ثلاثة من أبنائه ماتوا أمام عينيه، تساقطوا واحداً تلو الآخر، لتعرضهم لـ«ضربة شمس»، في أثناء محاولة الأسرة عبور الحدود المصرية - السودانية عن طريق «التهريب»... الشباب الجامعيون الثلاثة كانوا ينوون إكمال دراستهم في مصر لتوقف جامعاتهم السودانية بسبب الحرب المستمرة.

يعيش الأمين، ويلقب بـ«الأخ» تحبباً، مع زوجته، ولم يتبق لهما من فلذات أكبادهما سوى صورهم وبعض الذكريات الجميلة... وطوال الوقت كان يردد: «الحمد لله، ربنا يتقبلهم ويجمعنا بهم في الجنة».

الأب المفجوع الأمين أحمد (الشرق الأوسط)

ويتسلل آلاف السودانيين الفارين من الحرب عبر الحدود المصرية، أملاً في الحصول على ملاذات آمنة، فمن لم يمت بأسلحة الطرفين، فقد يموت بالجوع وانعدام الأدوية والتطبيب وبالأمراض والأوبئة، فيضطرون للمغامرة ومواجهة خطر الصحراء، وربما جشع عصابات التهريب، أو قد يقعون في أيدي شرطة الحدود المصرية التي تعيدهم لبلادهم.

ويتطلب الدخول إلى مصر «تأشيرة دخول»، قد يستغرق الحصول عليها أكثر من ستة أشهر، أو في الحالة الأخرى الحصول على «تأشيرة استثنائية» تعرف بـ«الموافقة الأمنية»، وهي فوق قدرة معظم الراغبين في السفر، وتكلف أكثر من ألفي دولار للشخص الواحد.

وتستغل عصابات التهريب حاجة الناس للبحث عن أمان، وتفرض عليهم شروطاً قاسية، وتدخلهم إلى مصر متتبعة طرقاً صحراوية وعرة، غير مبالية بما قد يحدث لهؤلاء، فقد يسقط أحدهم من السيارة ولا أحد يتوقف لإنقاذه، وقد يضطرون للاختباء في الصحراء لساعات طويلة تجنباً لفرق حراسة الحدود، وحين وصولهم لمنطقة «الكسارات» يُتركون لمهربين آخرين، يستغلونهم مجدداً وقد يسرقون هواتفهم والأموال التي بحوذتهم، أو يفرضون عليهم رسوماً باهظة لإدخالهم إلى أسوان.

(الشرق الاوسط)

عن علاقة الأمين بأبنائه المتوفين يقول: «كانوا أصحابي وأصدقائي قبل أن يكونوا أبنائي، كانوا دنيتي التي فقدت، لكني الآن لا أملك إلا الاعتراف بأمر الله»، وموجهاً كلماته للذين يحاولون الفرار من الحرب من أبناء وطنه: «لا تسافروا في هذه الظروف، حتى لا تفقدوا أرواحكم، أو حيوات أعزائكم».

ويتابع والحزن يتقطر من عينيه دمعاً وتنهدات: «نصحت الراحلين بتأجيل السفر لما بعد عيد الأضحى، نقضي العيد في مدينة حلفا، لكنهم أصروا على السفر وأقنعوني»، ويتابع: «قبل أن أركب العربة نصف النقل كان قلبي يحدثني بأن ثمة شيئاً ما سيحدث، حاولت إثناءهم وفشلت، ثم توكلنا على الله وركبت معهم».

يصف الأمين رحلته بأنها «كانت قطعة من العذاب ومعاناة كبيرة»، ويقول: «لو كنت أعرفها بهذه القسوة، لما سافرنا مسافة كيلومتر واحد، لكنها إرادة الله». ويتابع: «كانت العربة التويوتا نصف النقل يطلقون عليها محلياً (بوكس) محملة بعدد كبير من المسافرين، وفي أثناء السفر تعطلت لساعتين في هجير الصحراء ورمالها الحارقة».

ويصف كيف مات أولاده: «كانت درجة الحرارة فوق الاحتمال، ورمال الصحراء سعير يصلي جلودنا، لكنا كنا مضطرين للانتظار، وهنا حدثت المأساة، بدأ أبنائي الثلاثة يتساقطون لم يحتملوا درجات الحرارة العالية، وأنا أراهم يموتون أمام عيني وعاجز عن إنقاذهم، فلا ظل يستظلون به، والريح كأنها آتية من جهنم».

ونادماً يقول الأمين: «لو أن سيارتنا وصلت منطقة الكسارات لما ماتوا، كنا سننقذهم»، والكسارات هي منطقة عند بوابة مدينة أسوان المصرية، تتوقف عندها سيارات المهربين. ويتابع: «أحمد (كان) يدرس علوم الكومبيوتر في سنته النهائية بجامعة الرباط، ومحمد (كان) يدرس الهندسة في سنته الثالثة، وأصغرهم مجدي ودرس التسويق في المستوى الأول بجامعة الرباط، هم ما كان متبقياً لي بعد أن فقدت ابنتي الوحيدة عام 2012».

نازحون من ولاية الجزيرة السودانية يصلون في مركبات مكتظة إلى مدخل مدينة القضارف بشرق البلاد في 10 يونيو 2024 وسط الصراع المستمر بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (أ.ف.ب)

ويقول القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمين أحمد واحد من بين عشرات الآباء الذين فقدوا أبناءهم في رحلة التهريب إلى مصر، وإنه تم دفن جثامين 57 سودانياً توفوا بضربات الشمس، أو العطش أو حوادث السير في الصحراء المصرية، ويتابع: «يتعرض المئات من السودانيين لأوضاع قاسية وهم في طريقهم إلى مصر، فالرحلة قاسية ومحفوفة بالمخاطر».

مشرحة أسوان

يتجمع أمام المشرحة العمومية في مدينة أسوان عشرات السودانيين، وهم يذرفون الدمع على أحباء فقدوهم، بعد أن كانوا يهربون بهم من الموت بالرصاص والقذائف والقنابل، الرجال تسيل دموعهم غزيرة، والنساء يلطمن الخدود وهنّ يلقينّ النظرة الأخيرة على ذويهن، بينما يتصايح الأطفال ويصرخون من هول الموقف.

ويحدث الطبيب خالد الجعلي «الشرق الأوسط» عن مأساة صديقه صلاح عوض، الذي توفي هو الآخر في أثناء رحلة الموت إلى القاهرة، ويقول: «أبلغ صديقي صلاح عوض - وهو شقيق فنان الحقيبة الراحل محمد أحمد عوض - أسرته المقيمة في القاهرة بأنه سيقضي عيد الأضحى معهم ليجتمع شمل الأسرة بعد غياب طويل»، ويتابع: «كان صلاح وهو طبيب أيضاً، يسعف بعض مرافقيه الذين تعرضوا لضربات الشمس، لكنه سرعان ما فقد الوعي، وفشلت كل الجهود لإنقاذه، فمات ووقع الخبر على أسرته صاعقاً»,

سودانيون نازحون من ولاية الجزيرة هرباً من القتال في 10 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

وقال شاب من سكان جزيرة توتي في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن 10 من أفراد عائلته توفوا دفعة واحدة، بينما لا يزال آخرون يتلقون العلاج في المستشفى، وتابع: «نزحنا من توتي إلى أسرتنا الممتدة في الخرطوم بحري، لكن الظروف ساءت فالمدينة محاصرة منذ اندلاع الحرب، ومقطوع عنها الكهرباء والمياه، وانعدمت فيها سبل الحياة، فقررنا اللجوء إلى مصر».

ويصف الشاب «رحلة الموت هرباً من الموت» بقوله: «من بحري إلى عطبرة، ونحن مجموعة من النساء والرجال والأطفال وكبار السن، في 4 عربات نصف نقل، كنا نخشى حوادث السير، ولم نكن نتوقع أننا سنموت بالعطش أو ضربات الشمس، لو كنا نعلم لما سافرنا في هذا الوقت من العام».

وفي حادث سير ناتج عن السرعة الجنونية التي يقود بها المهربون، لقيت أسرة من شمبات حتفها (أم وابنها) بينما نجت طفلة سلمتها الشرطة المصرية لجدتها المقيمة في القاهرة.

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وفي تفسيره لكثرة الموت بضربات الشمس أو العطش، قال مصدر بقنصلية السودان في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن المتسللين عبر الحدود يخشون نقل المصابين إلى المستشفيات خوفاً من القبض عليهم بواسطة الشرطة، وإعادتهم للسودان مجدداً، فهم جميعهم متسللون عبر الحدود.

الخبير القانوني المعز حضرة طلب ممن أطلق عليهم «شرفاء القوات المسلحة» توفير الماء والغذاء للفارين من الحرب نحو مصر، وتكثيف البحث عن التائهين في الصحراء بواسطة المروحيات أو السيارات، وقال: «أغلب الحوادث تقع داخل الأراضي السودانية».

وتنطلق يومياً عشرات «البكاسي» المكتظة بالنساء والأطفال والشباب قاصدة مصر، لتجتاز صحراء تتجاوز حرارتها 50 درجة...حرارة تشوي الأجساد وتحيل الوجوه سوداء. ومع هذا فهي رحلة مكلفة جداً لا يستطيعها إلا القادرون، وتتراوح بين (150 - 200) ألف جنيه سوداني، نحو مائتي دولار للشخص الواحد.

ويتراص بين 15 و17 راكباً في صندوق السيارة، النساء والأطفال في المنتصف، ويحيط بهم الرجال الذين تتدلى أرجلهم خارج السيارة، ويتم تقييدهم بالحبال حتى لا يسقطوا في الطريق، فمن يسقط لا ينتظره أحد، ويقول الشهود: «أغلب الوفيات تحدث بسبب تعطل السيارات في لهيب الشمس، ما يعرضهم للموت بضربة الشمس أو العطش».


مقالات ذات صلة

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

هزّت انفجارات قوية العاصمة السودانية الخرطوم، السبت، وشوهد تصاعد أعمدة الدخان في محيط منشأة عسكرية شمال مدينة بحري.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

أكدت مصر والسودان «عمق العلاقات الأخوية» بينهما، ورفضا «محاولات الإساءة إلى العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

تثير الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تساؤلات عن فرص تحريك مقترح الهدنة الأميركي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

طرح عضو في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية السودانية بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

استقبل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وبحث معه «سبل الارتقاء بالعلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون المشترك بين البلدين، إلى جانب التشاور بشأن تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة»، حسب إفادة مصرية.

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الدورة الـ52 لـ«مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي» في بغداد. وأكد عبد العاطي خلاله أن «مصر تنظر إلى أمن العراق واستقراره باعتباره عنصراً محورياً في منظومة الأمن القومي العربي، انطلاقاً من الروابط التاريخية والمصالح المشتركة التي تجمع البلدين الشقيقين». وشدد على «دعم بلاده الكامل لسيادة العراق ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تدخلات في شؤونه الداخلية».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر زكي، الأحد، فإن الوزير عبد العاطي «نقل تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس الوزراء العراقي، معرباً عن التطلع إلى زيارته المرتقبة للقاهرة في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومشيداً بالزخم الذي تشهده العلاقات المصرية - العراقية، والتواصل المستمر على مختلف المستويات».

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية دفع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتعزيز مشاركة الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار والتنمية بالعراق، والاستفادة من الخبرات المصرية في قطاعات التشييد والبناء والنقل والطاقة والزراعة والصناعات الدوائية، فضلاً عن زيادة حجم التبادل التجاري وتيسير نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق العراقية».

رئيس مجلس النواب العراقي خلال استقباله الوزير عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وحسب متحدث «الخارجية»، تناول اللقاء «سُبل تفعيل آلية التعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن، وتسريع تنفيذ المشروعات المشتركة، خصوصاً في مجالي الربط الكهربائي والنفطي، بما يدعم التكامل الاقتصادي ويُحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث».

وثمّن بدر عبد العاطي، خلال لقائه الزيدي، «جهود الحكومة العراقية في تعزيز الأمن الداخلي وترسيخ سلطة الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك حصر السلاح بيد الدولة»، وأشاد «بالنهج العراقي الحريص على عدم الانخراط في الصراعات الإقليمية أو السماح باستخدام أراضيه لتهديد دول الجوار»، مؤكداً «أهمية حماية العراق من تداعيات التوترات الإقليمية والحفاظ على مكتسباته في مجالي الأمن والتنمية».

أيضاً شملت المحادثات تطورات الأوضاع في سوريا واليمن، وانعكاسات التوترات الإقليمية على أمن الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز. واتفق الجانبان على «أهمية تكثيف التشاور والتنسيق بين البلدين خلال الفترة المقبلة».

من لقاء رئيس «تيار الحكمة الوطني» وعبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

بدوره، بحث رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي مع عبد العاطي سُبل تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصاً على الصعيد البرلماني.

ووفق متحدث «الخارجية» المصرية، أكد الوزير عبد العاطي «أهمية تعزيز التعاون البرلماني وتنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية، بما في ذلك البرلمان العربي»، معرباً عن التطلع إلى عقد الدورة الرابعة لـ«اللجنة العليا المصرية - العراقية المشتركة» بالقاهرة، فضلاً عن تعزيز مشاركة الشركات المصرية في مشروعات التنمية وإعادة الإعمار بالعراق.

كما أجرى عبد العاطي محادثات في بغداد مع رئيس «تيار الحكمة الوطني» عمار الحكيم، تناولت التطورات في سوريا واليمن وأمن وحرية الملاحة، بما في ذلك مضيق هرمز، مع تأكيد ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ومواصلة التنسيق المصري العراقي لدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وكذلك أبرز عبد العاطي خلال لقاء رئيس حزب «تقدم» العراقي محمد الحلبوسي، «الفرص الواعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وزيادة إسهامات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار».

عبد العاطي يلتقي رئيس وزراء العراق السابق ورئيس «ائتلاف الإعمار والتنمية» (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وثمّن وزير الخارجية المصري، خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي السابق ورئيس «ائتلاف الإعمار والتنمية» محمد شياع السوداني، «النهج العراقي القائم على تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية، وأهمية البناء عليه لتعزيز التنسيق المصري - العراقي في مواجهة التحديات المشتركة، والإسهام في احتواء التوترات وصون أمن المنطقة واستقرارها».


مسيّرات تستهدف مدناً وسدوداً بشرق السودان والجيش يتصدى

عائلات نازحة في مخيم بولاية كسلا (أرشيفية - رويترز)
عائلات نازحة في مخيم بولاية كسلا (أرشيفية - رويترز)
TT

مسيّرات تستهدف مدناً وسدوداً بشرق السودان والجيش يتصدى

عائلات نازحة في مخيم بولاية كسلا (أرشيفية - رويترز)
عائلات نازحة في مخيم بولاية كسلا (أرشيفية - رويترز)

استهدفت طائرات مسيّرة يرجح أنها لـ«قوات الدعم السريع»، مدينة القضارف الاستراتيجية، وبلدة «خشم القربة» في ولاية كسلا، ومحيط سدي ستيت وأعالي عطبرة بشرق السودان، وقال شهود عيان، إن المضادات الأرضية للجيش تصدت لتلك المسيّرات، وأطلقت نيرانها صباح الأحد، دون اتضاح حجم الخسائر أو المواقع التي قد تكون قد أصيبت.

واتهمت منصات إعلامية موالية للجيش، «قوات الدعم السريع»، وحمّلتها مسؤولية الهجمات، وقالت، إن الدفاعات تصدت للمسيّرات وأسقطتها، فيما قالت منصات موالية لـ«الدعم»، إن مسيّراته استهدفت «مواقع للجيش وتجمعات لقواته».

جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

ونقل شهود محليون سماعهم لأصوات المضادات الأرضية في سماء القضارف صباحاً، بالتزامن مع تقارير الاستهداف التي شملت المدينة وخشم القربة بولاية كسلا، وأعالي سدي عطبرة وستيت بين الولايتين الشرقيتين.

وجاءت الهجمات غداة انفجارات بمنطقة «الكدرو» العسكرية شمال الخرطوم بحري. وقال الجيش إن انفجاراً وقع عصر السبت بأحد مخازن الذخائر التابع لسلاح الأسلحة، نتج عن احتكاك ذخائر داخل المخزن، أعقبته انفجارات محدودة، وأوضح في صيغة أخرى للبيان، أن حريقاً اندلع في المخزن وأدى إلى انفجارات دون تحديد أسباب الحريق، مؤكداً احتواء الموقف وتأمين المنطقة، فيما قال شهود عيان، إن المنطقة العسكرية تعرّضت لهجوم بمسيّرات، وهي الرواية التي رددتها منصات موالية لـ«الدعم السريع»، دون تحقق مستقل يحسم سبب الحادث.

وهذه ليس المرة الأولى التي تستهدف فيها المسيّرات مدينة القضارف وشرق السودان، فقد سبق أن تعرضت المدينة ومطارها لهجمات بالمسيّرات خلال الحرب، ففي 9 أبريل (نيسان) 2024، استهدف مقر «جهاز المخابرات العامة» ومواقع أخرى بالمدينة، ووفقاً لتقارير محلية أصيب شخصان في الهجوم.

وفي 12 مايو (أيار) من العام نفسه، قالت مصادر عسكرية إن الدفاعات أسقطت مسيّرتين حاولتا استهداف مطار «ود زايد» وهو مطار المدينة، ويبعد عن مركزها بنحو 35 كيلومتراً.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي 11 يوليو (تموز) 2024، استهدفت مسيّرتان تجمعاً مؤيداً للجيش بمقر حكومة ولاية القضارف، ونقلت صحيفة «سودان تربيون» وقتها، أن المسيّرتين أخطأتا الهدف وسقطتا قرب «مستشفى النساء والتوليد» في حي الصداقة، وأصيب مدنيان جراء الحادث.

وتعرّض مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت وخزان خشم القربة لمحاولة استهداف بالمسيّرات في 15 سبتمبر (أيلول) 2026، وقالت مصادر عسكرية ومحلية حينها، إن الدفاعات اعترضت الطائرات دون خسائر بشرية أو أضرار إنشائية، ويرتبط المجمع بتوليد الكهرباء والري في شرق السودان.

وتقع ولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا، وتضم منطقة الفشقة السودانية التي تشهد نزاعاً بين البلدين، وفي سبتمبر الماضي اتهم رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى السيطرة على مناطق حدودية، بينها الفشقة ومناطق بالنيل الأزرق.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا مخاطباً قيادات عسكرية سودانية (سونا)

ودأبت الخرطوم على اتهام «أديس أبابا» بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق مسيّرات لصالح «الدعم السريع»، وهي اتهامات نفتها إثيوبيا، ولم تتوافر معلومات مستقلة تحدد مواقع إطلاق المسيّرات في هجمات الأحد.

وفي المقابل، اتهمت أديس أبابا الجيش السوداني، بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي» واستضافة اجتماعات لجماعات إثيوبية مسلحة معارضة، وكانت «مجموعة الأزمات الدولية»، قد أوردت أن «آلاف المقاتلين من تيغراي، ضمن تشكيل يعرف بـ(الجيش 70)، قاتلوا إلى جانب القوات المسلحة السودانية ضد (الدعم السريع)، بعدما لجأوا إلى السودان خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022».

ونقلت «دويتشه فيله» الألمانية عن ماغنوس تايلور، المسؤول ببرنامج القرن الأفريقي في المجموعة أن «هؤلاء المقاتلين شاركوا في تقدم الجيش السوداني بشرق البلاد وصولاً إلى الخرطوم».

وعلى الجانب الآخر، نشرت «رويترز» في 10 فبراير (شباط) 2026 تحقيقاً عن معسكر في إقليم «بني شنقول - قمز» الإثيوبي، لتدريب مقاتلين لصالح «الدعم السريع»، استند إلى مقابلات مع 15 مصدراً ووثائق أمنية ودبلوماسية وصور أقمار اصطناعية.

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وثقت «هيومن رايتس ووتش» استخدام الطرفين الجيش و«الدعم السريع»، أنواعاً متعددة من المسيّرات، بينها طائرات صغيرة معدلة لإلقاء الذخائر، وطائرات مجنحة، ومسيّرات أحادية الاتجاه تنفجر عند الاصطدام، وشمل توثيقها استخدام الجيش مسيّرات «بيرقدار» التركية، بينما استخدام «الدعم السريع» مسيّرات هجومية أحادية، ومسيّرات مجنحة من طراز (CH-95) و(Fh-95 ) صينية الصنع.

وامتدت الهجمات إلى بورتسودان التي كانت تستخدمها الحكومة الموالية للجيش عاصمة مؤقتة، وتضررت في مايو 2025 مستودعات وقود ومرافق مرتبطة بدخول المساعدات في المدينة الساحلية.


موريتانيا: حزب معارض يرفع «3 لاءات» في وجه النظام

حزب «تواصل» المعارض رفع «3 لاءات» في وجه النظام (الحزب)
حزب «تواصل» المعارض رفع «3 لاءات» في وجه النظام (الحزب)
TT

موريتانيا: حزب معارض يرفع «3 لاءات» في وجه النظام

حزب «تواصل» المعارض رفع «3 لاءات» في وجه النظام (الحزب)
حزب «تواصل» المعارض رفع «3 لاءات» في وجه النظام (الحزب)

يحتدم التدافع السياسي في موريتانيا مع اقتراب موعد الحوار الوطني المرتقب قبل نهاية العام الحالي، حيث أعلن حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)»، وهو أكبر حزب معارض في البلاد، إشهار «اللاءات الثلاث» في وجه النظام الحاكم، وذلك لرفض «المأمورية الثالثة» و«التضييق على الحريات» و«الفساد».

وفي حين كان الحزب المعارض يعلن، السبت، عن سلسلة من الأنشطة الاحتجاجية خلال الفترة المقبلة، كان الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي يتجول في العاصمة نواكشوط، لزيارة مشروعات حكومية تراهن عليها الحكومة ضمن مشروع كبير لتنمية العاصمة ورفع مستوى حياة الناس، وتعهد خلال هذه الجولة بحماية المال العمومي ومحاربة الفساد.

في السياق ذاته، عقد «تحالف قوى الإنقاذ» المعارض مؤتمراً صحافياً، قال فيه إن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني «أنفق في 7 سنوات أكثر مما أنفقته البلاد في 60 عاماً»، منتقداً «السياسات الاقتصادية للنظام الحاكم».

«لاءات تواصل»

وقال رئيس حزب «تواصل»، حمادي ولد سيدي المختار، وهو أيضاً زعيم «مؤسسة المعارضة الديمقراطية»، في افتتاح «برنامج الدخول السياسي» بمقر الحزب في نواكشوط، إن حزبه يتمسك بـ«اللاءات الثلاث»: «لا للمأمورية الثالثة»، و«لا للتضييق على الحريات»، و«لا للفساد وتردي الخدمات»، مؤكداً أنها ستكون «أبرز عناوين» نشاطه للموسم السياسي المقبل.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب)

وركز ولد سيدي المختار في خطاب أمام أنصار حزبه، على «رفض المأمورية الثالثة» للرئيس الحالي ولد الشيخ الغزواني، التي يطالب بها عدد من أحزاب الغالبية الرئاسية الحاكمة، وقال إنها «تهدد الوحدة والانسجام، وليست في مصلحة الوطن ولا المواطن ولا النظام»، وتمثل «تراجعاً عن مكسب سياسي كبير» هو التناوب على السلطة.

وقال زعيم «مؤسسة المعارضة» إن المسؤولين الذين يطرحون فكرة «المأمورية الثالثة» ويدافعون عنها علناً «قد يكونون عرضة للمساءلة القانونية؛ لمخالفتهم المواد الدستورية المحصنة»، وذلك في إشارة إلى أن الرئيس ولد الغزواني أعيد انتخابه في 2024 لولاية رئاسية ثانية هي الأخيرة بموجب الدستور الحالي للبلاد.

كما انتقد ولد سيدي المختار ما قال إنه «تضييق على الحريات في ظل اعتقال ناشطين سياسيين وصحافيين، وملاحقة مُدوّني الخارج»، كما طالب بـ«وقف المشروعات غير المستعجلة وترشيد الإنفاق؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وفشل الحكومة في مواجهتها».

أرقام الإنفاق

وفي مؤتمر صحافي، قال «تحالف قوى الإنقاذ»، الذي يضم عدداً من الأحزاب السياسية المعارضة، «استناداً إلى مراجعة 67 قانوناً أصلياً للميزانية منذ 1960 حتى 2026، فإن إجمالي الإنفاق العام بلغ 13576 مليار أوقية، أنفقت البلاد 6163 ملياراً منها في السنوات الـ60 الأولى، مقابل 7413 ملياراً في السنوات الـ7 الأخيرة، أي بفارق نحو 1250 ملياراً».

وقال رئيس «التحالف»، النائب البرلماني محمد الأمين ولد سيدي مولود، إن «كل نظام أنجز بعض المشروعات، باستثناء النظام الحالي»، وسأل: «هل يوازي حجم الإنفاق حجم الإنجازات؟»، ليجيب: «لا؛ وألف لا». ورأى أن «من العار» ألا يَبني النظام ما بُني في 60 عاماً، وعزا ذلك إلى «قمع الحياة السياسية» وسجن نواب ونزع الحصانة عنهم و«تسييس القضاء». واتهم ولد سيدي مولود «طبقة ثرية فاسدة ظهرت في ظل النظام»، وقال إن «غالبية أفرادها كانوا معدمين وصاروا يملكون منازل في إسبانيا والمغرب»... ولم يقدم أدلة على ذلك.

جولة الوزير الأول

في المقابل، تفقد الوزير الأول، المختار ولد أجاي، مشروعات خدمية يجري العمل عليها في نواكشوط، شملت قطاعات الصحة والمياه والإسكان والشباب، وقال إن الحصول على الخدمات الأساسية وحماية المنشآت العمومية «حقوق أصيلة للمواطنين».

الوزير الأول متجولاً على مشروعات حكومية متعهداً بحماية المال العام (الوزارة الأولى)

وفي المركز الصحي الجديد بمقاطعة «دار النعيم»، انتقد الوزير الأول مسؤولين في المركز، وسأل: «كيف يتم رصد 700 مليون أوقية لإنشاء مرفق صحي دون تزويده بشبكة مياه واقتصاره على حاوية مياه فقط؟».

وقال ولد أجاي في حديث مع مسؤولين، وبحضور صحافيين، إن الحكومة استثمرت أموالاً معتَبرة في تمويل هذه المشروعات، «ولن نترك أحداً يفسدها»، متعهداً بـ«حماية المال العام ومحاربة الفساد».