تجدد المعارك حول «سلاح الإشارة» في الخرطوم

قوات «الدعم السريع» تطلق أكثر من 500 أسير بينهم ضباط برتب رفيعة

البرهان يصافح جنوده في الجيش السوداني في مناسبة سابقة (وكالة أنباء العالم العربي)
البرهان يصافح جنوده في الجيش السوداني في مناسبة سابقة (وكالة أنباء العالم العربي)
TT

تجدد المعارك حول «سلاح الإشارة» في الخرطوم

البرهان يصافح جنوده في الجيش السوداني في مناسبة سابقة (وكالة أنباء العالم العربي)
البرهان يصافح جنوده في الجيش السوداني في مناسبة سابقة (وكالة أنباء العالم العربي)

تجددت، يوم السبت، المواجهات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» حول سلاح الإشارة في مدينة الخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة الثلاث، كما نفذت طائرات حربية غارات على تمركزات لقوات «الدعم السريع» في ولاية شمال دارفور. وقال شهود إن اشتباكات عنيفة دارت بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في محيط سلاح الإشارة المقابل لقيادة الجيش على الضفة الأخرى من النيل الأزرق، مشيرين إلى أن قوات «الدعم السريع» هاجمت مقر الجيش من محورين.

ونشر منتسبون للجيش مقطعاً مصوراً على مواقع التواصل الاجتماعي قالوا فيه إنهم صدوا هجوماً لـ«الدعم السريع» على سلاح الإشارة وكبدوهم خسائر في الأرواح والعتاد، وفق وكالة «أنباء العالم العربي». وتفرض قوات «الدعم السريع» حصاراً على مقر سلاح الإشارة منذ بدء القتال في منتصف أبريل (نيسان) من العام الماضي، ويحاول الجيش بين الحين والآخر فك الحصار عن مقره بالهجوم على قوات «الدعم السريع» من شمال مدينة بحري ومدينة أم درمان عبر جسر الحلفايا الذي يربط شمال أم درمان بمدينة بحري، لكن دون جدوى.

آثار الدمار في مدينة الفاشر غرب السودان (أ.ف.ب)

معركة الفاشر

وفي الفاشر بولاية شمال دارفور، قال سكان إن الجيش شن غارات جوية عنيفة على تمركزات لقوات «الدعم السريع» في مدينة كبكابية، مشيرين إلى تصاعد أعمدة الدخان من المنطقة مع سماع أصوات المضادات الأرضية. وذكروا أن وتيرة المعارك البرية والاشتباكات على الأرض تراجعت خلال اليومين الماضيين في الفاشر مع استمرار القصف الجوي وتبادل الضربات المدفعية بين الجانبين.

وتفرض قوات «الدعم السريع» حصاراً محكماً أيضاً على الفاشر، في مسعى للسيطرة عليها بعد أن أحكمت قبضتها على 4 من أصل 5 ولايات في إقليم دارفور، وسط تحذيرات دولية وإقليمية من اجتياح المدينة التي تؤوي ملايين النازحين الذين فروا من مدن الإقليم المضطرب جراء الصراع.

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أ.ف.ب)

ولاية الجزيرة

وفي ولاية الجزيرة بوسط البلاد، التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» منذ ديسمبر (كانون الأول)، حذرت «لجان مقاومة مدينة ود مدني» من ازدياد وتيرة الانتهاكات من طرفي القتال ومن القصف الجوي لطيران الجيش، مشيرة إلى تعتيم إعلامي وصعوبة بالغة في التواصل مع الأهالي والمواطنين. وأضافت في بيان: «ما زالت معاناة المواطنين تتواصل داخل ولاية الجزيرة نتيجة لانقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت للشهر الرابع على التوالي».

واندلع القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» على نحو مفاجئ في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد أسابيع من التوتر بين الطرفين، بينما كانت الأطراف العسكرية والمدنية تضع اللمسات النهائية على عملية سياسية مدعومة دولياً.

قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

إطلاق 500 أسير

أطلقت قوات «الدعم السريع» سراح أكثر من 500 أسير كانوا محتجزين في معتقلاتها، بينهم ضباط برتب رفيعة في الشرطة والجيش وجهاز الأمن، أسروا أو قبض عليهم في عدد من المناطق بالسودان، وتم تجميعهم في سجن «سوبا» جنوب الخرطوم، وهو من المناطق التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» منذ الأيام الأولى للحرب، بينما يقول الموالون للجيش إن معظم المفرج عنهم ضباط شرطة لم يكونوا مشاركين في القتال.

وأبدت قوات «الدعم السريع» عقب توقيع «إعلان أديس أبابا» بينها وبين تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) في 2 يناير (كانون الثاني) الماضي، استعدادها لإطلاق سراح 451 من أسرى الحرب المحتجزين عندها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، استجابة لطلب «تقدم»، لكن العملية لم تتم، لأن الجيش لم يظهر استعداده لتسلم الأسرى، وفق ما قالته قوات «الدعم السريع»، بينما يقول الجيش إنه لم يبلغ رسمياً بإطلاق سراح أسرى.

وأكد مصدر في قوات «الدعم السريع» لـ«الشرق الأوسط»، ما تداولته منصات إعلامية محلية، من أن المطلق سراحهم «أسرى» تم القبض عليهم أثناء انخراطهم في القتال، وليسوا معتقلين كما ذكرت تلك المنصات، وأنه استجاب لمبادرة من رجال طرق صوفية في منطقة «أبو قرون» شرق العاصمة الخرطوم. وقالت قوات «الدعم السريع» إنه أُطلق سراح 537 ضابطاً من الشرطة والجيش وجهاز المخابرات العامة، بينهم رتب رفيعة، سيتم تفويجهم إلى أماكن سكنهم وإقامة أسرهم.

وأضافت، في بيان يوم السبت، أنها «التزاماً بقواعد القانون الدولي الإنساني، وانفاذاً لمباردتها، أطلقت قبل ذلك سراح 202 من أسرى الجيش، وخاطبت الصليب الأحمر الذي شرع في التنفيذ، لكن الجيش أخذ يماطل وعرقل عملية التسليم والتسلم»، مؤكدة أن الجيش رفض استلام أسراه.

وتابعت قوات الدعم السريع أنه بعد رفض الجيش تسلم أسراه اقترحوا رسمياً على اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن تقوم قوات الدعم السريع بإطلاق سراح الأسرى بصورة منفردة، حفاظاً على أرواح موظفي اللجنة الدولية وعلى أرواح الأسرى، «واستلمنا منهم رداً مكتوباً على خطابنا بتاريخ 4 يونيو الجاري، ملحقاً بالبروتوكول الخاص بإطلاق سراح الأسرى».

آلية للجيش السوداني في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

معتقلات مجهولة

ويحتفظ كل من الجيش وقوات الدعم السريع بأعداد كبيرة غير محصاة من الأسرى في معتقلات مجهولة، وأبرز الذين أسرتهم قوات الدعم السريع، المفتش العام للجيش الفريق ركن مبارك كجو، الذي تم أسره منذ اليوم الأول للحرب، وأيضا ً رئيس «حزب المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم» أنس عمر، ورئيس «تحالف التيار الإسلامي العريض» محمد علي الجزولي، وهو أحد أتباع تنظيم «داعش»".

ودأبت قوات الدعم السريع على اعتقال كل من تعثر عليه من قادة الإسلاميين، وضباط الجيش والشرطة والأمن، بمن فيهم المتقاعدين، إلى جانب إظهار أعداد من الأسرى أثناء استجوابهم بعد القبض عليهم، فيما دأب الجيش على اعتقال كل من يشتبه في أنه على علاقة بقوات الدعم السريع.

وأصدرت محاكم في عدد من أنحاء البلاد التي يسيطر عليها الجيش أحكاماً بالاعدام والسجن المؤبد على مدنيين تحت ذريعة العلاقة مع قوات الدعم السريع. كما ألقت الاستخبارات العسكرية القبض على صحافيين، أبرزهم صديق دلاي الذي اعتقل على خلفية مقال انتقد فيه اغتيال أحد أقاربه من قبل الاستخبارات العسكرية، فيما اعتقلت قوات الدعم السريع الصحافي طارق عبد الله، دون تقديم مبررات للاعتقال.

ولا يعرف على وجه الدقة الأعداد الحقيقية للأسرى والمعتقلين من قبل الطرفين المتقاتلين، لكن التقديرات تشير إلى أنهم بالآلاف، بينهم رتب رفيعة من الطرفين، فيما راجت تقارير أنهم يستخدمون كدروع بشرية. وأعلنت قوات الدعم السريع في يونيو (حزيران) 2023 أنها أطلقت سراح 100 من أسرى الجيش و25 جريحاً، فيما لم تصدر عن الجيش أي تصريحات عن إطلاق أسرى تابعين للدعم السريع.


مقالات ذات صلة

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

خاص من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
أفريقيا سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.


قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
TT

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)
جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

أدى قصف جوي استهدف مناطق للتعدين الأهلي عن الذهب في أقصى شمال السودان، بالقرب من الحدود مع مصر، يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى وسط المعدنين التقليديين، في وقت لا تزال فيه الحصيلة الدقيقة للضحايا غير معروفة بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المستهدفة.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها توثق غارات نفذتها طائرات حربية أو طائرات مسيرة استهدفت بصورة مباشرة مواقع التعدين المنتشرة حول منطقة جبل العقيدات. وتعد هذه المنطقة، إلى جانب الجبل الأحمر، من أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال السودان، حيث يعمل آلاف المعدنين التقليديين، وتمتد أنشطة التعدين فيها حتى منطقة أوسيف بولاية البحر الأحمر شرقي البلاد. وبحسب إفادات عدد من العاملين في التعدين الأهلي، فإن طائرات حربية وطائرة مسيرة واحدة على الأقل شنت، يوم الثلاثاء، غارات مباشرة على مواقع مكتظة بالمعدنين، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في الحال وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وأشارت مصادر محلية إلى أن القصف تجدد مرة أخرى في ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء، الأمر الذي زاد من حجم الخسائر البشرية وحالة الذعر بين العاملين في المنطقة. وأظهرت مقاطع فيديو أخرى دوي انفجارات عنيفة ناجمة عن سقوط مقذوفات أطلقتها طائرات مجهولة الهوية، بينما كانت مجموعات كبيرة من المعدنين موجودة في مواقع العمل، وهو ما عزز المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا.

عامل يقوم بتشغيل آلة لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

وتسببت الهجمات في حالة واسعة من الخوف والهلع بين المعدنين، ما دفع المئات منهم إلى مغادرة مواقع التعدين سيراً على الأقدام خشية التعرض لغارات جديدة. ووفقاً لمصادر محلية، جرى نقل أعداد من الفارين بواسطة مركبات إلى سوق الأنصاري في مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل.

الجيش يصمت و«الدعم» يتهم

وفي الوقت الذي لم تصدر فيه الحكومة السودانية أو القوات المسلحة السودانية أي تعليق رسمي بشأن الحادثة حتى مساء الأربعاء، وجه تحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، اتهامات مباشرة إلى مصر بالوقوف وراء الضربات الجوية التي استهدفت مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي والأنصاري داخل الأراضي السودانية. وقال التحالف، في بيان نشره عبر موقعه على «فيسبوك»، إن المعلومات الأولية تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من المعدنين السودانيين بين قتيل وجريح، مضيفاً أن عدداً من الأشخاص ما زالوا عالقين تحت أنقاض آبار التنقيب، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع حصيلة الضحايا. كما دعا المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى متابعة ما وصفه بالانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الناتجة عن الهجوم الذي اعتبره اعتداءً على السيادة السودانية. ولم يتسن الحصول على تعليق من السلطات المصرية حتى ساعة نشر هذا الموضوع مساء الأربعاء.

أرشيفية لعمال يقومون بالتنقيب عن الذهب في السودان

وفي موازاة ذلك، تفاعل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مع مقاطع فيديو لمعدنين يناشدون السلطات السودانية بالتدخل العاجل لحمايتهم ووقف الهجمات، إلى جانب إطلاق عمليات إنقاذ للذين فروا باتجاه منطقة الأنصاري وسط مخاوف من تعرضهم لمخاطر الضياع في المناطق الصحراوية الوعرة.

من جانبه، أعلن حزب الأمة القومي، برئاسة فضل الله برمة ناصر، أنه يتابع بقلق بالغ الأنباء المتعلقة باستهداف مناطق في شمال السودان وما ترتب عليها من خسائر بشرية بين المواطنين العاملين في قطاع التعدين الأهلي. واعتبر الحزب، في بيان رسمي، أن استخدام القوة العسكرية داخل الحدود السودانية يمثل تطوراً بالغ الخطورة من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة إذا لم يتم التعامل معه بصورة عاجلة.

وطالب الحزب بإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف للكشف عن ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه، وضمان إنصاف الضحايا وتعويض المتضررين، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

كما جدد تمسكه بالحلول السلمية واحترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتأتي هذه التطورات بعد أشهر قليلة من حادثة مشابهة شهدتها منطقة وادي الأنصاري القريبة من الحدود السودانية المصرية، حيث قُتل تسعة أشخاص وأصيب 13 آخرون في مارس (آذار) الماضي.

ويعد السودان من أكبر الدول المنتجة للذهب في أفريقيا، إذ يقدر إنتاجه السنوي بنحو ستين طناً من المعدن النفيس. ويشكل التعدين الأهلي العمود الفقري لقطاع الذهب في البلاد، حيث يعمل فيه أكثر من مليوني شخص ويسهم بما يقارب ثمانين في المائة من إجمالي إنتاج الذهب السوداني.


حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

حراك شعبي ضد «توطين المهاجرين» يثير غضب «طوارق ليبيا»

جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرة الرافضة لتوطين الأجانب في ليبيا (أ.ف.ب)

انتابت أوساط الطوارق في ليبيا موجة غضب واسعة، عقب رفع شعارات خلال حراك شعبي مناهض لـ«توطين المهاجرين غير النظاميين»، ربطت بين هذا الملف وقضية «الأرقام الإدارية» التي يحملها آلاف من أبناء المكون «التارقي» في جنوب البلاد.

ويحمل هؤلاء أرقاماً إدارية مؤقتة تُستخدم لإثبات الهوية منذ سنوات، لكنها لا تمنح أصحابها الحقوق السياسية أو الامتيازات الاجتماعية، التي تكفلها الأرقام الوطنية، وهو ملف ظل محل جدل متواصل منذ عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

مظاهرة ضد توطين المهاجرين في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور)

ومع تصاعد الاحتجاجات الرافضة لما يصفه منظموها بمحاولات توطين المهاجرين داخل ليبيا، منذ مطلع يونيو (حزيران) الحالي، أثار تداول شعارات عُدَّت موجهة ضد قضية حاملي الأرقام الإدارية، وتحدثت عن تمرير «التوطين» من خلالها، ردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وقال موسى أحمد، أحد حاملي الأرقام الإدارية من الطوارق، إن بعض الشعارات التي رُفعت خلال مظاهرة أمام المنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، الثلاثاء، «استهدفت هذه الفئة بصورة مباشرة»، عادَّاً أن ربط قضيتهم بملف التوطين يمثل تحريضاً ضد مواطنين يسعون إلى تسوية أوضاعهم القانونية.

في السياق ذاته، أكد الناشط إبراهيم المعيقلي أن الأرقام الإدارية مُنحت عبر إجراءات رسمية معتمدة، في حين طالب المدون أحمد جمعة الشريفي باعتذار علني عن هذه الشعارات، مشدداً على أن الفصل في الملف يظل اختصاصاً قضائياً بالدرجة الأولى.

من لقاء سابق في الزنتان بحضور أعضاء من المجلس الاجتماعي لقبائل طوارق ليبيا (الصفحة الرسمية للمجلس)

هذا الغضب عدَّته الناشطة المهتمة بهذا الملف، خديجة عنديدي، «مُبرَّراً»، محذرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مغبة «استمرار استغلال معاناة آلاف الأسر الليبية، التي عانت لعقود من التهميش والحرمان من حقوقها الأساسية، وتحويل قضيتها مادةً للمزايدات السياسية».

ووجد هذا السخط تضامناً حقوقياً من جانب منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، برئاسة ناصر الهواري، الذي رأى أن أصحاب الأرقام الإدارية «ليبيون في الأصل، ويجب العمل على منحهم الجنسية والهوية الوطنية»، مشيراً إلى أن كثيراً منهم «شاركوا في الدفاع عن البلاد، ومن بينهم كفاءات أكاديمية وإدارية، ويستحقون تسوية أوضاعهم القانونية».

ولا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد الطوارق، لكن «المجلس الأعلى لطوارق ليبيا» قدّر عدد الأسر الطوارقية، الحاملة لهذه الصفة، بنحو 14 ألف أسرة، تتوزع على مدن عدة في الجنوب، من بينها غات وأوباري.

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لتوطين المهاجرين السريين في ليبيا (أ.ف.ب)

في المقابل، رفضت الناشطة الحقوقية ثريا الطويبي، إحدى الوجوه البارزة فيما يعرف بـ«حراك ضد التوطين»، اتهامات التحريض والعنصرية، عادةً أن مطالب المحتجين تنحصر في ضرورة إخضاع ملفات حاملي الأرقام الإدارية للفحص القضائي الفردي.

وقالت الطويبي إن المحتجين لا يعترضون على أصحاب الأرقام الإدارية بصفتهم الشخصية، بل يطالبون بالتحقق من مدى استحقاق كل حالة على حدة، خصوصاً في ظل ما تقول إنه وجود وقائع تزوير موثقة في السجل المدني. وأضافت أن المطالبة بالفحص القانوني لا تعني رفض منح الحقوق للمستحقين، وإنما تهدف إلى ضمان سلامة الإجراءات القانونية، وفق منشور عبر صفحتها بموقع «فيسبوك».

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما يعلنه مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، بشكل دوري بشأن قضايا تزوير بيانات الأحوال المدنية والأرقام الوطنية. وكان المكتب قد أعلن أخيراً عن كشف وقائع تزوير في عدد من القيودات العائلية، ترتب عليها حصول أشخاص على أرقام هوية وطنية، ومزايا مخصصة للمواطنين الليبيين.

ويعيد الجدل الحالي إلى الواجهة قضية شائكة تعود إلى عقود؛ إذ يطالب أبناء الطوارق منذ عهد الزعيم الراحل معمر القذافي بالحصول على حقوق المواطنة الكاملة، واستخراج أرقام وطنية تمكنهم من المشاركة السياسية، والاستفادة من الخدمات العامة.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، شرعت السلطات الليبية منذ عام 2014 في منح أرقام إدارية مؤقتة لآلاف الأشخاص لحين تسوية أوضاعهم القانونية، غير أن الملف ظل عالقاً بسبب تعقيدات قانونية وإدارية متشابكة.

وكان أحدث تطور في هذا الملف، الذي استمر لعقود، هو تضمين ملف حاملي السجلات المؤقتة ضمن توصيات الحوار الليبي المهيكل، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلال الأشهر الماضية، حيث دعت التوصيات إلى دعم الإجراءات التي تضمن كرامة المسجلين في السجل المؤقت، وتنفيذ القرارات النافذة الصادرة قبل عام 2011، والفصل النهائي في ملفات السجل المدني خلال مدة لا تتجاوز سنة، بما ينهي حالات انعدام الجنسية، ويكفل الحقوق الأساسية خلال فترة التسوية.

وحسب اعتقاد عضو الحوار المهيكل، محمد إبراهيم ماخي، فإن ما توصل إليه الحوار المهيكل هو «معالجة جادة ومسؤولة لواحد من الملفات الشائكة، التي ظلت عالقة لسنوات، خصوصاً أنه يلامس حقوقاً قانونية وإدارية ترتبط بشريحة من المواطنين وأصحاب السجلات المؤقتة».

وأبدي ماخي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ثقته في أن البت في هذا الملف خلال عام «أمر ممكن وقابل للتطبيق شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية، والتزام واضح من الجهات التنفيذية المختصة بتنفيذ التوصيات، وفق إطار قانوني منظم وجدول زمني محدد».

ورداً على ما حدث في مظاهرة الثلاثاء، انتهي ماخي إلى «المطالبة بالتعامل مع الملف بعيداً عن التسييس، أو محاولات خلط الأوراق لأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى حلول عادلة ومنصفة تحفظ الحقوق المشروعة وتخدم المصلحة الوطنية العليا حسب القوانين المعمول بها في ليبيا».