السودان يطالب مجلس الأمن ببحث «عدوان الإمارات»

أبوظبي تناشده اتخاذ ما يلزم لإنهاء النزاع وتوصيل المساعدات للسودانيين

أرشيفية لـ«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
أرشيفية لـ«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
TT

السودان يطالب مجلس الأمن ببحث «عدوان الإمارات»

أرشيفية لـ«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)
أرشيفية لـ«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (رويترز)

تقدم السودان بطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لبحث ما سمّاه «عدوان الإمارات على الشعب السوداني»، ومساندتها «قوات الدعم السريع» في الحرب التي تخوضها مع الجيش، حسب دبلوماسي سوداني تحدث لوكالة الصحافة الفرنسية. فيما ناشدت الخارجية الإماراتية، المجلس الدولي، باتخاذ ما يلزم لإنهاء النزاع، ووصول المساعدات إلى جميع أنحاء السودان، معربةً عن قلقها العميق إزاء تصاعد العنف في شمال دارفور.

ووفقاً لمسؤول سوداني تحدث للوكالة الفرنسية، لم تذكر اسمه، قال: «تقدّم مندوبنا الدائم لدى الأمم المتحدة، الجمعة، بطلب لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث عدوان الإمارات على الشعب السوداني، وتزويد الميليشيا الإرهابية بالسلاح والمعدات».

كذلك أفادت وكالة أنباء السودان (سونا) بأن مندوب الخرطوم الحارث إدريس قدم الطلب «رداً على مذكرة مندوب الإمارات للمجلس»، وشدّد على أن «دعم الإمارات لميليشيا (الدعم السريع) الإجرامية التي شنت الحرب على الدولة يجعل الإمارات شريكة في كل جرائمها».

ويتصاعد التوتر منذ أشهر بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وبين الإمارات العربية المتحدة. ويتهم الجيش، أبوظبي، بدعم «قوات الدعم السريع» وقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) في النزاع الذي اندلع بينهما في أبريل (نيسان) 2023.

أبوظبي ترفض الاتهامات

ورفضت أبوظبي في رسالة إلى مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، هذه الاتهامات.

وقالت إن «كافة الادعاءات المتعلقة بتورط الإمارات في أي شكل من أشكال العدوان أو زعزعة الاستقرار في السودان، أو تقديمها لأي دعم عسكري أو لوجستي أو مالي أو سياسي لأي فصيل في السودان هي ادعاءات لا أساس لها من الصحة وتفتقر إلى أدلة موثوقة لدعمها»، وفق الرسالة التي نشرتها الخارجية الإماراتية على موقعها.

وأدت الحرب في السودان إلى مقتل الآلاف ودفعت البلاد البالغ عدد سكانها 48 مليون نسمة إلى حافة المجاعة، ودمّرت البنى التحتية المتهالكة أصلاً، وتسبّبت بتشريد أكثر من 8.5 ملايين شخص، حسب الأمم المتحدة.

آثار الدمار الذي لحق بأحد البنوك جنوب الخرطوم بسبب الحرب (أ.ف.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول)، طلب السودان من 15 دبلوماسياً إماراتياً مغادرة البلاد، بعدما اتّهم قائد بارز في الجيش، أبوظبي، بمساندة «قوات الدعم السريع». وتزامن مع ذلك خروج مظاهرات في مدينة بورتسودان (شرق) تطالب بطرد السفير الإماراتي.

من جهته، عبرت الإمارات، السبت، عن قلقها العميق إزاء تصاعد العنف في شمال دارفور بالسودان. ودعت الخارجية الإماراتية، في بيان، «جميع الفصائل المسلحة، بما في ذلك (قوات الدعم السريع)، والقوات المسلحة السودانية، لإنهاء القتال، والعودة إلى الحوار». وحث البيان «جميع الأطراف المتحاربة إلى الامتثال لالتزاماتهم بموجب القانون الإنساني الدولي واتخاذ إجراءات فورية حاسمة لتخفيف حدة التوتر وتجنّب انزلاق السودان إلى مستويات جديدة من عدم الاستقرار»، حسب البيان. كما دعا إلى «تعزيز الاستجابة الإنسانية الدولية وتقديم الإغاثة العاجلة للمحتاجين في السودان والدول المجاورة».

وعبّرت الخارجية الإماراتية عن قلقها البالغ إزاء تقارير بشأن «العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وارتفاع خطر المجاعة والقصف الجوي العشوائي، واستمرار معاناة وتشريد الآلاف من المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن».

سودانيون فروا من الصراع في دارفور أثناء عبورهم الحدود إلى تشاد في 4 أغسطس 2023 (رويترز)

وناشدت الإمارات، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، باتخاذ «ما يلزم من إجراءات لضمان إنهاء النزاع، ووصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق إلى جميع أنحاء السودان»، مؤكدة «موقفها الثابت المطالب بوقف فوري لإطلاق النار وحل سياسي للأزمة، ودعمها للعملية السياسية وجهود تحقيق التوافق الوطني نحو حكومة يقودها مدنيون».

كان مكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قال الجمعة إن ما لا يقل عن 43 شخصاً لقوا حتفهم في مدينة الفاشر ومحيطها بشمال دارفور جراء القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ 14 أبريل (نيسان) الحالي.

مجاعة في الخرطوم

وفي الخرطوم، تنحدر الأوضاع الإنسانية من الأسوأ إلى مستويات حرجة للغاية، يخشى معها ازدياد حالات الوفيات بصورة مضطردة، حسبما أفاد بذلك عدد من النشطاء المتطوعين في توفير المساعدات الغذائية للمواطنين في الأحياء الشعبية بمدن العاصمة.

وتعاني 5 محافظات بالخرطوم تقع تحت سيطرة «الدعم السريع» من انعدام حاد في مياه الشرب والغذاء، في حين يستمر انقطاع الكهرباء وخدمات الاتصالات والإنترنت لأكثر من 10 أشهر على التوالي.

دبابة مدمرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)

والأسبوع الماضي أعلنت غرفة طوارئ محلية أمبدة، شمال أم درمان، وفاة 3 أشخاص جوعاً من بينهم طفل بعد توقف الوجبات التي تقدمها المطابخ الخيرية. ووفقاً للغرفة، يفرض الجيش حصاراً شديداً على أمبدة التي تعد أكبر محلية بمدينة أمدرمان من حيث المساحة والتعداد السكاني، ويمنع التجار من إدخال المواد الغذائية إلى المنطقة بحجة وجود عناصر «الدعم السريع».

وقال المتحدث باسم غرفة جنوب الحزام، التي تضم أحياء جنوب الخرطوم، محمد كندش، إن العطش يضرب المنطقة، وإن المواطنين يصطفون في طوابير لساعات طويلة للحصول على المياه التي يتم سحبها من الآبار الجوفية، أو التوجه إلى شراء برميل من «التناكر»، ويصل سعره ما بين 7 إلى 10 آلاف جنيه سوداني، ما يعادل حوالي 7 دولارات.

وأضاف في إفادات على حساباتها بمنصات التواصل الاجتماعي أن كل الخدمات من المياه والكهرباء والاتصالات مقطوعة تماماً في جنوب الخرطوم، بالإضافة إلى الإشكالات التي يعاني منها المواطنون على المستوى الصحي. ويعيش عشرات الآلاف من المواطنين على وجبة واحدة توفرها غرف الطوارئ من الدعم المالي الذي تتلقاه من تبرعات الخيرين لشراء المواد الغذائية وتوزيعها على المواطنين في الأحياء السكنية.

مخاوف من انقطاع الاتصالات

ويخشى النشطاء من توقف خدمة الإنترنت التي تعمل بالأقمار الاصطناعية عبر أجهزة «ستار لنك»، نهاية أبريل (نيسان) الحالي، والتي تشكل الوسيلة الوحيدة المتبقية للتحويلات المالية من داخل وخارج البلاد.

وحسب غرف الطوارئ، لم تصل أي مساعدات إنسانية من التي دخلت البلاد خلال الفترة الماضية إلى الأعداد الكبيرة من المواطنين بولاية الخرطوم.

وقال مقيمون في منطقة «الحاج يوسف» بمحلية شرق النيل إنه على الرغم من توفر السلع الضرورية من السكر واللحوم والخضروات، فإن ارتفاع الأسعار فوق طاقة الشراء بالنسبة لكثير من سكان المنطقة.

مسلحون من أنصار المقاومة الشعبية الداعمة للجيش السوداني في القضارف بشرق السودان (أ.ف.ب)

وقالت المواطنة فاطمة الحاج لــ«الشرق الأوسط»، إن الكثير من المواطنين لم يعد بوسعهم إعالة أسرهم بسبب توقف أعمالهم، وعلى وجه الخصوص من يعملون في قطاع الأعمال الحرة والأسواق.

وأفاد عدد من المواطنين بأحياء «الوحدة» و«التكامل» و«دار السلام» بـ«الحاج يوسف»، تحدثوا للصحيفة، بأن كل الأموال التي بحوزتهم نفدت تماماً، وأنهم اضطروا لبيع أثاثات منازلهم وحتى هواتفهم الجوالة لتوفير ثمن «الطعام».

وقال حامد الحاج جاد الله (55 عاماً) يعمل في بناء المنازل: «منذ اندلاع الحرب، لم أحصل على عمل، وكذلك أبنائي فقدوا كل وظائفهم». وأضاف: «نعيش على الكفاف ومساعدة الأهل بما يرسلونه لنا من مصاريف».

وكشف أحدث تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، السبت، عن مستويات مثيرة للقلق من انعدام الأمن الغذائي.

وقال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالإنابة، ثائر الشريدة: «نحاول التركيز على المناطق (الساخنة)، وأن 70 في المائة من السودانيين النازحين داخلياً ذهبوا إلى مدن السودان الأخرى الآمنة، ونسعى لتوفير الخدمات الأساسية التي من شأنها الحفاظ على التماسك الاجتماعي». وأشار المسؤول الأممي إلى أن الأزمة الإنسانية في اتساع مقارنة بالعام الماضي، وأن البرنامج بحاجة إلى مزيد من الجهد مع الجهات المانحة لتعزيز القدرة على الصمود والتعافي كجزء من استجابتنا الإنسانية. ووفق وكالات الأمم المتحدة، نصف سكان السودان في «حاجة ماسة» إلى المساعدات الإنسانية.


مقالات ذات صلة

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس، اليوم السبت، في ظل دعوات لتشديد قوانين الإقامة والجنسية، وترحيل المهاجرين غير النظاميين، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية.

وكان «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، الذي يعنى بقضايا الهجرة، قد دعا قبل أيام إلى المشاركة في مسيرة اليوم، رداً على مقترحات داخل البرلمان لتشديد قيود الإقامة، ودعواته لتكثيف حملات الترحيل.

ورفع المتظاهرون في المسيرة، التي انطلقت من أمام مقر نقابة الصحافيين إلى الشارع الرئيسي (الحبيب بورقيبة)، شعارات معارضة لسياسات الهجرة من بينها: «تونس: حدود مغلقة... سجون مفتوحة»، ورددوا: «لا مصالح أوروبية ضد الوحدة الأفريقية». كما طالبوا بالإفراج عن الناشطة المدافعة عن المهاجرين، سعدية مصباح، رئيسة جمعية «منامتي»، التي تقبع في السجن منذ نحو عامين في حملة إيقافات شملت نشطاء آخرين أيضاً.

وتخضع سعدية للتحقيق في مصادر التمويل الخارجي، وفي تهمة المساعدة على إيواء مهاجرين غير نظاميين للاستقرار في تونس. وكان قد صدر حكم ضدها بالسجن لثماني سنوات في مارس (آذار) الماضي. وينتقد منظمو المسيرة اليوم ما يعتبرونه «توظيفاً سياسياً» من السلطة والبرلمان للنقاش الدائر بشأن أزمة المهاجرين، ما أدى إلى صناعة «رأي عام» مناهض للمهاجرين.

وقال رمضان بن عمر، العضو في المنتدى، لوكالة الأنباء الألمانية: «نريد أن نقول إن هذا لا يمثل المجتمع، وأن هناك فضاءً مدنياً في تونس لا يزال متمسكاً بقيم الحرية والكرامة والعدالة، ويرفض العنصرية، والتخويف المبالغ فيه من المهاجرين».

وتابع بن رمضان موضحاً أن الدولة «مرتاحة لانحراف النقاش العام إلى مسائل لا تعد أولوية حيوية للشعب التونسي، مثل الوضع الاقتصادي والاجتماعي».

وعرض نواب في البرلمان التونسي في فبراير (شباط) الماضي مقترحاً لتعديل قانون، يهدف إلى تشديد شروط الحصول على الجنسية لغير الحاملين لإقامات قانونية. وجاء في وثيقة المقترح أنه يهدف إلى «تفادي كل تهديد للأمن والسلم الاجتماعيين، والحفاظ على التوازن الديموغرافي للبلاد».

وبدأت تونس عمليات ترحيل واسعة، بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ودول أوروبية، للآلاف من المهاجرين المنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. وغادر 8853 مهاجراً إلى بلدانهم في 2025 مقابل حوالي سبعة آلاف في 2024 ضمن برنامج الإعادة الطوعية، وإعادة الإدماج الذي تموله المنظمة الدولية للهجرة وشركاؤها المانحون.


الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي، والذي يهدف إلى مناقشة الوضع الإنساني في السودان.

وأعلنت رفضها القاطع لتنظيم المؤتمر دون موافقتها أو التشاور معها بشأن جميع الترتيبات المتعلقة به. ويأتي هذا في وقت تستعد فيه القوى السياسية والمدنية السودانية لعقد اجتماع تحضيري في أديس أبابا؛ بهدف التوصُّل إلى رؤية مشتركة حول الملف الإنساني لعرضها خلال المؤتمر.

ويُعقَد المؤتمر بمبادرة من ألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وفرنسا والاتحاد الأفريقي، مع مشارَكة لدول «الآلية الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، والإمارات ومصر. وسارعت وزارة الخارجية السودانية إلى انتقاد النهج الذي اتبعته الحكومة الألمانية، عادّةً أنَّه يضع الدولة السودانية في موضع مساواة مع «قوات الدعم السريع». وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي، أنَّ السفيرة السودانية في برلين، إلهام إبراهيم محمد أحمد، سلَّمت مسؤولة ملف أفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية، جيسا براوتيغام، مذكرةً رسميةً، مساء الجمعة، تضمَّنت موقف الحكومة الرافض لانعقاد المؤتمر دون مشاركتها أو التشاور معها بشأن ترتيباته.

نازح سوداني يقول إنه سُجن وعُذِّب في سجون «قوات الدعم السريع» في مأوى مؤقت ببلدة الطويلة بدارفور (أ.ف.ب)

وأكدت المذكرة أنَّ أي محاولة لمناقشة الشأن السوداني دون إشراك حكومته تُعدُّ انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن كونها تجاوزاً لسيادة الدول والأعراف الدبلوماسية المعروفة. كما حذَّرت السفيرة من أنَّ استبعاد الحكومة السودانية يُفقد المؤتمر قيمته العملية، ولن يسهم في تحقيق السلام أو الاستقرار. وأعربت السفيرة كذلك عن قلق بلادها من دعوة دول متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في النزاع للمشاركة في المؤتمر، عادّةً أن ذلك يُضعف مصداقيته ويشجِّع التدخلات التي تُؤجِّج الصراع وتُقوِّض الأمن والاستقرار في السودان والمنطقة.

وجدَّدت الحكومة السودانية التزامها بالحلِّ السلمي، استناداً إلى خريطة الطريق التي قدَّمها سابقاً رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إضافة إلى مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية استعداد الحكومة للانخراط بإيجابية في أي جهود إقليمية أو دولية جادة تحترم سيادة السودان ووحدته. كما أشارت إلى أنَّ استبعادها من المؤتمر قد يدفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الدول المُنظِّمة والراعية له، استناداً إلى مبدأ «المعاملة بالمثل».

سكان من مدينة أم درمان يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي... 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في المقابل، انتقدت أوساط مدنية سودانية موقف الحكومة الرافض، عادّةً أن المؤتمر يركز أساساً على حشد التمويل لمواجهة الكارثة الإنسانية التي أدت إلى نزوح ملايين المواطنين؛ نتيجة الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

ويأتي «مؤتمر برلين» تزامناً مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، ويمثل امتداداً لسلسلة من المؤتمرات التي عُقدت في باريس ولندن وواشنطن، والتي هدفت جميعها إلى دعم العمليات الإنسانية، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء النزاع. ولم تتم دعوة الحكومة السودانية ولا الحكومة الموازية المرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» للمشارَكة في مؤتمر برلين، حيث اقتصرت الدعوات على الأطراف المدنية غير المنخرطة في النزاع. ومن المتوقع أن يشارِك في المؤتمر نحو 40 شخصية سودانية من قادة القوى السياسية والمدنية، من بينهم ممثلون عن «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)»، إلى جانب أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ولجان مقاومة وغرف طوارئ، وذلك برعاية دولية تشمل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة «إيغاد». وأفادت مصادر مشارِكة في المؤتمر بأنَّ النقاشات قد تشمل محاولة تقريب وجهات النظر بين القوى المدنية بشأن وقف الحرب، مع التأكيد على أنَّ الهدف الأساسي يتمثَّل في جمع مزيد من التمويل لدعم العمل الإنساني في السودان.

وفي سياق متصل، أعلنت قيادات في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالي للحكومة السودانية مقاطعتها المؤتمر. كما كان نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، قد عبَّر الأسبوع الماضي، عن رفضه للمؤتمر، عادّاً أنَّه لا يعكس إرادة الشعب السوداني ولا يلبي تطلعاته.


ليبيا تعتمد «ميزانية موحدة» للمرة الأولى منذ 13 عاماً

توقيع ممثلي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاتفاق المُوحَّد (المصرف المركزي)
توقيع ممثلي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاتفاق المُوحَّد (المصرف المركزي)
TT

ليبيا تعتمد «ميزانية موحدة» للمرة الأولى منذ 13 عاماً

توقيع ممثلي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاتفاق المُوحَّد (المصرف المركزي)
توقيع ممثلي مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاتفاق المُوحَّد (المصرف المركزي)

قطعت ليبيا أول شوط على طريق «توحيد الميزانية»، في خطوة تعدُّ الأولى نوعها منذ أكثر من 13 عاماً، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وأمنياً، وذلك بعد إعلان مصرف ليبيا المركزي، السبت، اعتماد ميزانية مُوحَّدة ضمن اتفاق جرى توقيعه بين ممثلين لمجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة».

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وفي خطوة قوبلت بترحيب محلي وأميركي، جاء إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، اعتماد اتفاق طال الجدل حوله، بحضور ممثلي المجلسَين، وصندوق التنمية وإعادة الإعمار، حيث شكر مؤسسات الدولة، ومَن وصفهم بـ«شركائنا الدوليين على دورهم في تحقيق الإنجاز الوطني المفصلي».

ويُنظَر إلى أهمية هذا الاتفاق ليس بوصفه فقط توحيداً لأوجه الصرف والإنفاق في بلد يعاني انقساماً سياسياً منذ عام 2011، بل أيضاً بوصفه خطوةً أوليةً على طريق طي صفحة «الإنفاق الموازي»، أي الصرف خارج القنوات الرسمية، الذي قُدِّرت قيمته بنحو 59 مليار دينار خلال عام 2024.

ناجي عيسى محافظ مصرف ليبيا المركزي (متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي)

وأوضح عيسى، في كلمة خلال مراسم التوقيع، أنَّ هذا الاتفاق «يؤسِّس لمرحلة من الوضوح والانضباط المالي، عبر إنجاز هذا المسار التاريخي، الذي يُوحِّد الإنفاق العام في بلادنا». كما عبر «المركزي»، في بيان لاحق، عن تأكيد «التزامه التام بمبادئ الإفصاح والشفافية المصاحبة لتنفيذ هذا الاتفاق في بنوده كافة، بما يضمن وضوح البيانات المالية، وتعزيز الثقة في إدارة الموارد العامة».

وسارعت الولايات المتحدة للترحيب بتوقيع ميزانية وطنية مُوحَّدة للمرة الأولى في ليبيا منذ أكثر من عقد، في خطوة وصفتها بـ«الإنجاز المهم ضمن خريطة طريق السلام والتوحيد الوطني».

وقال كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، إن «الميزانية التي جاءت بعد أشهر من التسهيلات الدبلوماسية الأميركية ستعمل على تعزيز الاستقرار المالي، وحماية قيمة الدينار الليبي، وتقوية المصرف المركزي، كما ستضمن توفير التمويل اللازم للمؤسسة الوطنية للنفط لزيادة الإنتاج والإيرادات، ودعم مشروعات التنمية في أنحاء البلاد كافة».

وجدَّد بولس استمرار الدعم الأميركي لتوحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة.

مسعد بولس أشاد بقرار اعتماد الميزانية الموحدة (أ.ف.ب)

وفي أول رد فعل رسمي، لفت رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، السبت، إلى أنَّ «المستفيد الأول من هذا الاتفاق هو المواطن الليبي»، مبرزاً أنَّه «إذا التزمت جميع الأطراف بتنفيذه، فسينعكس مباشرة على تحسن مستوى المعيشة، واستقرار الأسعار، واستعادة قوة الدينار الليبي».

وأشاد الدبيبة بجميع الأطراف التي أسهمت في هذا التوافق، وعلى رأسها المصرف المركزي، ومندوبو مجلسَي «النواب» و«الأعلى للدولة»، كما ثمّن دعم وزارة الخزانة الأميركية الفني، وأشاد بدور المستشار الأميركي في دعم جهود الوساطة السياسية، التي أسهمت في الوصول إلى هذا الاتفاق.

أما الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، فقد وصفت الاتفاق بأنه «خطوة تمثل تحولاً مهماً على طريق توحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد»، وجدَّدت التزامها الكامل بالتنسيق المستمر مع المصرف والمؤسسات ذات العلاقة كافة؛ لضمان حُسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية.

وفى غياب أي تعليق رسمي من رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أكد نائبه الأول، فوزي النويري، «أهمية التزام المصرف المركزي في إجراءاته وقراراته كافة بأحكام القوانين النافذة، واعتماد التوافق الوطني مرجعيةً أساسيةً».

وكادت جهود توحيد الميزانية تتبخر قبل أيام، إثر إعلان صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، برئاسة بلقاسم حفتر، رفضه مخرجات اجتماع المسار الاقتصادي في تونس لتوحيد الميزانية، لكن مستشار الرئيس الأميركي سارع إلى الاتصال بنجل المشير خليفة حفتر لتأكيد أهمية وضع ميزانية مُوحَّدة في ليبيا لعام 2026؛ بقصد تعزيز الاستقرار المالي في البلاد.

وتزامن ذلك مع توصيات أصدرها «صندوق النقد الدولي» بضرورة التوصُّل إلى موازنة واقعية، وضبط الإنفاق، وتعزيز الشفافية، خصوصاً فيما يتعلق بميزانية شرق البلاد، ضمن بيان عقب مشاورات ليبية مع وفد فني تابع للصندوق في تونس.

الدبيبة يعلن عودة تجمع دول الساحل والصحراء من طرابلس (الدبيبة)

في شأن آخر، أعلن الدبيبة، السبت، استئناف تجمع دول الساحل والصحراء لعمله من مقره الرسمي بالعاصمة طرابلس، بحضور 11 وزير خارجية من الدول الأعضاء بعد سنوات من انتقاله خارج البلاد، مؤكداً أن توافد الوفود الأفريقية يعكس استعادة ليبيا مكانتها الإقليمية، وحالة الاستقرار الأمني والتعافي التي تشهدها الدولة.

وأوضح الدبيبة أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود الحكومة لتهيئة الظروف لعودة المؤسسات والبعثات الدبلوماسية الدولية، بالتوازي مع مسارات الإعمار والتنمية. وشدَّد على أنَّ عودة «التجمع» تمثِّل خطوةَ استراتيجيةَ لتعزيز التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني بين دول القارة لمواجهة التحديات المشتركة للشعوب الأفريقية.

ويضم التجمع، الذي تأسَّس عام 1998 في طرابلس؛ بهدف تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي والأمني، نحو 28 دولة.