يفرض ملف الميليشيات في العاصمة الليبية، طرابلس، نفسه على المشهد العام كلما وقعت اشتباكات مسلحة في غرب البلاد. ويتساءل سياسيون ومحللون حول قدرة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على إخراج هذه التشكيلات المسلحة من العاصمة، تنفيذاً لقرار سابق كانت قد اتخذته بهذا الشأن.
وكان وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية»، عماد الطرابلسي، تعهد في مؤتمر صحافي بإخلاء العاصمة من التشكيلات كافة في شهر رمضان أو بعده مباشرة. ورغم تأكيد الطرابلسي على تقبل ودعم قادة التشكيلات لقرار الإخلاء وعودة عناصرهم لمقارهم وثكناتهم، استبعد عدد من السياسيين والمراقبين قدرة الوزير على تنفيذ قراره، وأرجعوا ذلك لعدم إعلانه من البداية عن ملامح واضحة لخطة إخراجها.
وتحدث عضو مجلس النواب الليبي، طلال الميهوب، عن طبيعة عمل تلك التشكيلات المسلحة في الغرب الليبي، وما تتحصل عليه عبر فرض سيطرتها على مواقع النفوذ بالعاصمة، وخاصة التي تضم وزارات ومؤسسات سيادية. وتوقع الميهوب، وهو رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «يقتصر الإخلاء الذي تحدث عنه الطرابلسي على انسحاب التشكيلات من تمركزاتها بوسط العاصمة فقط، مع إمكانية إعادة انتشارها في أي منطقة وفي أي وقت».
وأخيراً تداولت تقارير إعلامية محلية ودولية أنباء عن مشروع أميركي يستهدف تدريب ودمج تلك التشكيلات المسلحة في المؤسسات الأمنية والعسكرية بهدف توظيفها مستقبلاً في مواجهة التوسع الروسي شرق البلاد.
وأرجع الباحث في مؤسسة «غلوبال أنيشاتيف»، جلال حرشاوي، تعهد الطرابلسي بإخلاء العاصمة من التشكيلات «لرغبته في تهدئة الرأي العام وطمأنته حول الوضع الأمني، وذلك على خلفية الحادث المفجع الذي وقع في مساء 17 فبراير (شباط) الماضي بحي أبو سليم، جنوب العاصمة، بمقتل 10 أفراد، بعضهم ينتمون لجهاز دعم الاستقرار».

وقال حرشاوي لـ«الشرق الأوسط» إن «اندلاع هذا العنف الصارخ هو ما أجبر الطرابلسي على تقديم هذا الوعد غير المنطقي». وتساءل عن الوسائل والآليات التي يمتلكها الطرابلسي لفرض رؤيته على أرض الواقع «كون أي خطة أمنية لا تكتسب أي أهمية دون قوة مسلحة قادرة على تنفيذها».
واستبعد حرشاوي ما يردده البعض عن رغبة واشنطن في تجميع المسلحين بالمنطقة الغربية لتوظيفهم بمواجهة النفوذ الروسي في ليبيا، وقال: «إذا كانت لدى واشنطن مشكلة بهذا الصدد، فإن الحل محاربة العناصر الروسية الموجودة في ليبيا، وإلا سوف تستمر روسيا في التوسع».
وتوقع حرشاوي «عودة تلك التشكيلات لمقارها في ضواحٍ متاخمة لوسط العاصمة».
وحادثة أبو سليم التي وصفت بـ«المجزرة» لا تزال غامضة، في ظل عدم معرفة هوية مرتكبيها أو دوافعهم، وتشكك قطاع كبير بكونها أحد فصول صراع المجموعات المسلحة على النفوذ بالعاصمة، خاصة أن المنطقة التي وقعت فيها الجريمة يسيطر عليها جهاز «دعم الاستقرار» التابع للمجلس الرئاسي.
أما مدير مركز الأمة للدراسات الاستراتيجية الليبي، محمد الأسمر، فذهب إلى وقوف ترتيبات أمنية داخلية تتصل بحالة التوتر في العلاقة بين التشكيلات، بعضها ببعض، وراء صدور قرار الإخلاء. وتحدث الأسمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن وجود توتر جراء استمرار تمركزات كل من «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، وكذلك تمركزات «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كاره بالعاصمة. وقال إن «الجميع يتذكر كيف أوقعت الاشتباكات التي جرت بينهما في أغسطس (آب) الماضي أكثر من 50 قتيلاً».
ويرى أنه في «إطار الترضية» تم الحديث عن إخراج التشكيلات كافة، للحد من نشوب صراعات بينها، وما تسبب فيه من إحراج للحكومة كون أن الفصيلين تابعان بشكل أو آخر لها. وتندلع اشتباكات مسلحة في طرابلس من وقت لآخر تسفر عادة عن سقوط ضحايا.
وحدد الطرابلسي 7 من التشكيلات التي وصفها بـ«الأجهزة الأمنية» التي تم التوافق مع قياداتها على الخروج من العاصمة، وفي مقدمتها «جهاز الردع»، و«جهاز دعم الاستقرار»، و«اللواء 444 قتال».
إلا أن الأسمر انتقد بدوره خطة الطرابلسي، التي ترتكز بشكل كبير على «إنهاء وجود تمركزات لتلك التشكيلات بوسط العاصمة أو إقامتهم لكمائن هناك. وهو الأمر الذي لم يعد مرصوداً منذ بداية العام الحالي». وتابع: «الخطة طبقاً لما عرض بمؤتمر صحافي سابق للطرابلسي لم تشر للحل الرئيسي، وهو تفكيك التشكيلات وتسليم سلاحها ودمجها بالمجتمع، كما دعا ونص أغلب الاتفاقيات والمبادرات الأممية». وأضاف: «يغيب عنها أيضاً عدم فرض أي ضوابط تتعلق باستخدام تلك التشكيلات لسلاحها، ما يعني إمكانية تجدد صراعاتهم المتكررة بالمناطق القريبة من معسكراتهم في ضواحي العاصمة».






