مصر لاحتواء جدل هدم المقابر التاريخية بتطوير «أضرحة الصحابة وآل البيت»

مشروع حكومي يضم مدافن عمرو بن العاص والإمام الشافعي والسهمي والزبيدي

وزير السياحة والآثار خلال اجتماعه لبحث تطوير مقابر جبل المقطم (وزارة السياحة والآثار)
وزير السياحة والآثار خلال اجتماعه لبحث تطوير مقابر جبل المقطم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لاحتواء جدل هدم المقابر التاريخية بتطوير «أضرحة الصحابة وآل البيت»

وزير السياحة والآثار خلال اجتماعه لبحث تطوير مقابر جبل المقطم (وزارة السياحة والآثار)
وزير السياحة والآثار خلال اجتماعه لبحث تطوير مقابر جبل المقطم (وزارة السياحة والآثار)

بعد جدل امتد طويلاً بشأن هدم مقابر تاريخيّة وسط القاهرة، أعلنت الحكومة المصرية عن مشروع لتطوير ورفع كفاءة مقابر الصحابة وآل البيت بجبل المقطم.

وعقد وزير السياحة والآثار المصري، أحمد عيسي، اجتماعاً موسعاً، مساء (الاثنين)، مع عدد من قيادات الوزارة لـ«بحث ومناقشة مشروع تطوير ورفع كفاءة مقابر الصحابة وآل البيت والصالحين بجبل المقطم».

وأكد عيسى على «أهمية المشروع لما تتمتع به المنطقة التي توجد بها تلك المقابر من أهمية تاريخيّة وأثرية ودينية، فضلاً عن كونها جزءاً من النسيج العمراني للقاهرة التاريخية أحد المواقع الأثرية المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونيسكو»، بحسب إفادة رسمية من وزارة السياحة والآثار.

وخلال الاجتماع، وجه وزير السياحة والآثار المصري بتشكيل لجنة علمية أثرية فنية برئاسة الدكتور جمال عبد الرحيم، أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، بهدف «إعداد دراسة كاملة حول تلك المقابر الواقعة أسفل سفح جبل المقطم، ووضع تصور مشروع كامل لتطويرها وترميمها لما تتمتع من قيمة أثرية وحضارية، ومتابعة خط سير مسار الزيارة لهذه المقابر، وبما يتناسب وأهمية المنطقة الأثرية».

وأوضح عبد الرحيم، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المقابر الموجودة أسفل جبل المقطم، ترجع لفترة تاريخيّة تمتد من بدايات الفتح الإسلامي لمصر في القرن السابع الميلادي، وحتى القرن التاسع عشر»، مشيراً إلى أنها «تضم شواهد وأضرحة لآل البيت والمتصرفين والعلماء والصحابة».

وقال إنه «مع دخول عمرو بن العاص إلى مصر واستقراره وعدد من الصحابة في البلاد، تم اتخاذ منطقة أسفل جبل المقطم جبّانة لدفن الصحابة وعلماء الدين».

وأضاف أن «المقابر تضم مشاهد تنسب لآل البيت، ومشهداً لرؤية إخوة النبي يوسف، إضافة إلى ضريح الشافعي وغيره من الصالحين وعلماء الدين، وكذلك (حوش الباشا) الذي يضم مقابر أسرة محمد علي».

وتضم المنطقة عدداً من مقابر الصوفية، والعلماء ورجال الدولة من عصر أسرة محمد على، بالإضافة إلى عدد من المساجد، والقباب، والأضرحة والمشاهد التي من بينها مسجد وقبة الإمام الشافعي، وقبة الإمام الليث، وحوش الباشا، وتشير مصادر تاريخيّة إلى وجود مقابر عمرو بن العاص، وعبد الله بن الحارس الزبیدی، وابن حذافة السهمي، وأحمد بن طولون، وعمر بن الفارض وابن حجر العسقلاني.

بدوره، أكد أستاذ الآثار الإسلامية الدكتور مختار الكسباني، «أهمية مقابر المقطم التاريخية، التي تعود لبدايات دخول الإسلام إلى مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة يطلق عليها اسم بقيع مصر نسبة إلى عدد الصحابة الذين دفنوا بها».

وأضاف: «المنطقة كانت لها قدسية لدى المصريين قبل الإسلام ولذلك اتخذت جبّانة للعلماء والصالحين، مرحباً بمشروع تطويرها لكونه يساهم في جذب السياحة الدينية والروحانية التي تشهد إقبالاً شديداً في الآونة الأخيرة».

من جانبه، أوضح عبد الرحيم أن «مشروع التطوير يستهدف تحويل المنطقة إلى مزارات سياحية حيث يبدأ مسار الزيارة من ضريح الإمام الشافعي، ويمر بالمقابر حتى جبل المقطم حيث (قبة السادات الوفائية)». وقال إن «السياحة الدينية اكتسبت زخماً كبيراً في الآونة الأخيرة، ومن هنا كان الاهتمام بتطوير مزارات للسياحة الدينية».

وشهدت السنوات الأخيرة جدلاً متكرراً وانتقادات بشأن هدم «مقابر تاريخيّة وتراثية» بمناطق مصر القديمة والإمام الشافعي، وعلى طريق صلاح سالم بوسط القاهرة، بدعوى تنفيذ مشاريع تطوير للمنطقة، لكن الحكومة المصرية دأبت على تأكيد «حمايتها للتراث، وأن ما تم هدمه غير مسجل بوصفه آثاراً».

وأشار الكسباني إلى أنه «لم يتم هدم مقابر تاريخيّة ولا تراثية»، وقال إن «ما تم هدمه هو عشوائيات استغلت مناطق تاريخيّة»، موضحاً أنه "«يجري حالياً تطوير المنطقة كلها وتحويلها إلى مزار سياحي».


مقالات ذات صلة

مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

شمال افريقيا نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

بواجهة مطلة على نهر النيل وأخرى على ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة، يقف مبنى جامعة الدول العربية شاهداً على أحداث تاريخية وتحولات سياسية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال تفقد «القيادة الاستراتيجية» الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر تفتتح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة

في إطار خطة تحديث البنية العسكرية للبلاد، تفتتح مصر، السبت، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا السلطات المحلية في مصر تواصل الخميس أعمال التطهير الشامل للأراضي الزراعية بمحافظة الشرقية  (الصفحة الرسمية للمحافظة على فيسبوك)

مقتل شخصين خلال أيام... ثعابين سامة تروع قرية مصرية

روعت ثعابين سامة سكان قرية مصرية وذلك بعد مقتل اثنين تعرضا للدغات أودت بحياتهما خلال فترة لا تتجاوز العشرة أيام

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
رياضة عربية محمد صلاح (أ.ف.ب)

أمام أستراليا… هل يكتب صلاح الفصل الأهم في تاريخ الكرة المصرية؟

يدخل قائد المنتخب المصري، محمد صلاح، مواجهة أستراليا في كأس العالم 2026 وهو يحمل أكثر من دافع، إذ يسعى لقيادة «الفراعنة» إلى دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخهم.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا الحكومة المصرية تؤكد استمرار تنفيذ خطة شاملة لتطوير منظومة السكك الحديدية (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)

زيادة جديدة بأسعار القطارات تثقل أعباء التنقل في مصر

بدأت هيئة سكك حديد مصر، الأربعاء، تطبيق زيادة جديدة في أسعار تذاكر القطارات المكيفة على مختلف الخطوط.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

الجزائر: نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 11.24 % حتى الثالثة عصراً

مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
TT

الجزائر: نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 11.24 % حتى الثالثة عصراً

مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)
مواطن جزائري يدلي بصوته داخل مركز اقتراع بمدينة عنابة (أ.ب)

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية الجزائرية 11.24 في المائة داخل الجزائر حتى الساعة الـ03:00 بعد زوال الخميس، بعد تصويت مليونين و610 آلاف و448 ناخباً من أصل 23 مليوناً و220 ألفاً و758 مسجلاً، فيما سجلت مشاركة الجالية الجزائرية في الخارج 9.46 في المائة، بعد إدلاء 72 ألفاً و443 ناخباً بأصواتهم، من أصل 854 ألفاً و285 مسجلاً في الكشوف، وفق ما أفاد به رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة»، كريم خلفان، خلال مؤتمر صحافي الخميس.

وأوضح خلفان أن الانتخابات شهدت تنافساً على 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني؛ 395 مقعداً داخل الجزائر، و12 مقعداً مخصصة للجالية في الخارج.

وأوضح خلفان أن الشباب يمثلون 54 في المائة من إجمالي المترشحين، فيما تشكل النساء 21 في المائة، ويحمل 47 في المائة منهم مستوى جامعياً، في إطار توجه يهدف إلى توسيع مشاركة الشباب والمرأة، وتعزيز حضور الكفاءات داخل المؤسسة التشريعية.

ولفت رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» بالنيابة إلى أن الهيئة اعتمدت، لأول مرة، مؤشر التنافسية الانتخابية لقياس مستوى المنافسة بين القوائم في مختلف الدوائر الانتخابية، موضحاً أن المؤشر يتيح قراءة لحظوظ المترشحين، ويعكس مستوى التنافس في هذا الاستحقاق، مع استمرار عملية التصويت حتى إغلاق مكاتب الاقتراع.

ويبقى الرهان الأكبر في هذا الاستحقاق الانتخابي هو نسبة المشاركة في ظل حملة انتخابية باهتة جداً، حيث غابت التجمعات الشعبية الكبيرة؛ مما أجبر كثيراً من المترشحين على اتباع التواصل المباشر، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ في محاولة لاستمالة الناخبين. ويتخوف بعض الملاحظين من تسجيل نسبة عزوف كبيرة عن التصويت؛ بسبب التجاوب المحتشم جداً مع خطابات الحملة الانتخابية لمختلف المترشحين، فضلاً عن التوقيت الذي عُدّ غير مشجع؛ لأنه تزامن مع العطلة الصيفية.

وتتنافس 846 قائمة انتخابية تضم 9886 مترشحاً، منها 660 قائمة تحت رعاية 32 حزباً سياسياً، وقائمة واحدة تحت رعاية أكثر من حزب سياسي (تحالف)، و131 قائمة حرة، للظفر بـ407 مقاعد في «المجلس الشعبي الوطني (مجلس النواب)» لعهدة برلمانية تستمر 5 سنوات.


مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

مبنى «الجامعة العربية» بالقاهرة... شاهد على تحولات سياسية وتاريخية

نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
نبيل فهمي يتسلم مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

بواجهة مطلة على نهر النيل وأخرى على ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة، يقف مبنى جامعة الدول العربية شاهداً على أحداث تاريخية وتحولات سياسية، كان أحدثها انتقال القيادة من الأمين العام السابق أحمد أبو الغيط إلى الأمين العام الجديد نبيل فهمي الذي رفع علم الجامعة في ساحتها، معلناً بداية عهد جديد من العمل العربي المشترك.

ونشأة «الجامعة العربية» ككيان سياسي تسبق مقرها الحالي؛ إذ تم التوقيع على الصيغة النهائية لميثاق الجامعة في مارس (آذار) عام 1945 في البهو الرئيسي لـ«قصر الزعفران» بالقاهرة، من قبل رؤساء حكومات خمس دول عربية هي: العراق، وشرق الأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، ثم وقّعت المملكة العربية السعودية فيما بعد على النسخة الأصلية للميثاق المكون من 20 مادة حددت مقاصد «الجامعة» والأطر الأساسية لنظام عملها، وتلا ذلك تعيين عبد الرحمن عزام أميناً عاماً للجامعة.

أما تاريخ المقر الحالي للجامعة فيعود إلى خمسينيات القرن الماضي. وكان الموقع في السابق مقراً لثكنات عسكرية بريطانية. وبعد «ثورة 1952» وإخلاء المنطقة عرضت «بلدية القاهرة» في ذلك الوقت على «الجامعة العربية» استغلال جزء من الأرض. وبالفعل تم اختيار المعماري محمود رياض لإنشاء مبنى الجامعة عام 1955 على مساحة 13500 متر مربع، ليحل مقر «الجامعة العربية» محل ثكنات الجيش الإنجليزي ضمن ثلاثة مبانٍ، كان من بينها فندق ومقر للاتحاد الاشتراكي آنذاك.

نبيل فهمي خلال رفع علم الجامعة العربية في ساحتها يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ومنذ ذلك الوقت شهد المقر اجتماعات عدة لمسؤولين ووزراء عرب، كان أبرزها القمة العربية الأولى عام 1964، والتي تم خلالها إقرار اجتماع مجلس ملوك ورؤساء الدول الأعضاء مرة واحدة على الأقل كل عام، وهو القرار الذي يعتبر فاتحة إضفاء طابع مؤسسي على آلية مؤتمرات القمة؛ نظراً لعدم وجود نص عليها في أحكام ميثاق الجامعة، بحسب موقع «الجامعة العربية».

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة والعميد السابق لـ«معهد البحوث العربية» التابع لجامعة الدول العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، لـ«الشرق الأوسط» إن تلك القمة كانت أبرز حدث شهده المقر الجديد للجامعة «لا سيما أنها جاءت في ظل أزمات عصفت بالمنطقة»، مشيراً إلى أنه رغم عقد قمتين عربيتين؛ الأولى في أنشاص بمحافظة الشرقية المصرية عام 1946، والثانية بالعاصمة اللبنانية بيروت عام 1956، فإن قمة القاهرة عام 1964 تعد أول قمة عربية رسمية.

ولا تعترف سجلات الجامعة بـ«قمة أنشاص» التأسيسية التي عُقدت في مايو (أيار) 1946 بدعوة من ملك مصر فاروق الأول في «قصر أنشاص» بحضور الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية، وهي: مصر، وشرق الأردن، والسعودية، واليمن، والعراق، ولبنان، وسوريا. وكان محورها الأساسي «دعم فلسطين». وكذلك لا تدخل ضمن الحصر الرسمي للقمم العادية قمة «التضامن العربي» في بيروت عام 1956 التي عُقدت لـ«دعم مصر ضد العدوان الثلاثي، وتأكيد سيادتها على قناة السويس».

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويلفت أستاذ العلوم السياسية إلى «حدث سياسي آخر كان المبنى شاهداً عليه؛ فعقب توقيع مصر اتفاق السلام مع إسرائيل تم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، لكن مصر أصرت على تشغيل المقر الحالي لينقسم الموظفون بين دولتين حتى عادت الجامعة إلى القاهرة مرة أخرى عام 1990».

وكانت قمة عُقدت في بغداد عام 1978 رداً على توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأعلنت رفض الاتفاقية، ونقل مقر الجامعة العربية، وتعليق عضوية مصر، قبل أن يعود المقر إلى مصر مرة أخرى.

نبيل فهمي وأحمد أبو الغيط داخل مبنى الجامعة العربية يوم الأربعاء (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وطوال السنوات الماضية، احتضن مقر الجامعة في القاهرة اجتماعات لوزراء ومسؤولين وأجانب، وشهد اتخاذ قرارات مهمة بشأن قضايا المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، من بينها اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب خلال حرب لبنان عام 2006، والدورة العادية لمجلس وزراء الخارجية العرب نهاية 2011، والتي تم خلالها اتخاذ قرار تعليق مشاركة وفود سوريا في اجتماعات مجلس الجامعة وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها. كما شهد المقر عودة سوريا لمقعدها بالجامعة العربية في اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في مايو (أيار) 2023.


الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
TT

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)
أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

بينما السودانيون منشغلون بحصر الدمار الذي طال البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة فادحة أخرى تشكَّلت بصمت داخل المزارع والحظائر؛ فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين المحسنة وراثياً» التي استغرق تطويرها نحو 50 عاماً، وتعرضت واحدة من أهم الثروات الإنتاجية لضربة قد يصعب تعويضها في المستقبل القريب.

ووفقاً لخبراء وشهود، تسبَّبت الحرب التي تخطَّت عامها الرابع في خسائر واسعة بقطاع الثروة الحيوانية، وفي فقدان نحو 320 ألف رأس من الأبقار الهجين في ولاية الخرطوم وحدها، تمثل نحو 80 في المائة من إجمالي القطيع الهجين البالغ حجمه أكثر من 400 ألف رأس في العاصمة؛ إما بالنهب والسرقة، وإما بانعدام الخدمات البيطرية. كما فقدت ولاية الجزيرة بوسط البلاد نحو 100 ألف رأس أخرى.

ويقول خبراء إن هذه الأبقار المحسَّنة التي خسرها السودان جاءت بعملية تطوير امتدت لنحو خمسة عقود؛ ما يجعل فقدها لا يقف عند حدودها كماشية، بل الخسارة الأفدح هي «ضياع إرث وراثي يصعب تعويضه في المستقبل القريب»، لا سيما بعد الدمار الذي لحق بمراكز البحوث والإنتاج الحيواني خلال الحرب.

تعويض يحتاج إلى عقود

وقال وكيل وزارة الثروة الحيوانية، عمار الشيخ إدريس، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المربّين تمكنوا من نقل أبقارهم إلى ولايات لم تصل إليها الحرب، لكن نحو 80 في المائة من الأبقار الهجين الموجودة في الخرطوم قبل اندلاع القتال تعرَّضت للسرقة، متهماً «قوات الدعم السريع» بالضلوع في الأمر.

وأوضح أن المربين تكبدوا خسائر مالية ضخمة؛ إذ يبلغ متوسط سعر البقرة الواحدة نحو 15 مليون جنيه (نحو 3000 دولار). وأضاف: «ليست الأبقار وحدها، بل الماعز المحسنة وراثياً تعرَّضت أيضاً للسرقة والنهب».

وكشف عن خطة جديدة لتحسين سلالات الأبقار شرعت وزارته في تبنّيها، ويُنتظر أن يبدأ تنفيذها خلال الفترة المقبلة بالتنسيق مع الجامعات ومراكز البحوث، لإعادة بناء القطيع وتحسين تركيبته الوراثية.

نساء وأطفال يصطفون للحصول على وجبة غذاء مجانية في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان يوم 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال أستاذ الطب البيطري في الجامعات السودانية، فيصل عمر الزبير، لـ«الشرق الأوسط»: «استعادة القطيع الذي فقده السودان تحتاج إلى سنوات طويلة، وإمكانات مالية كبيرة، إلى جانب إرادة رسمية ودعم من الجهات المختصة في وزارتي الثروة الحيوانية الاتحادية وولاية الخرطوم».

وأشار إلى أن أكثر من 90 في المائة من أبقار ولاية الخرطوم كانت من السلالات الهجين عالية الإنتاجية في الألبان، ونتجت عن عملية تطوير استمرَّت خلال خمسة عقود، عبر برامج الانتخاب والتلقيح الاصطناعي، باستخدام سلالات «الهولشتاين فريزيان» الأوروبية الحلوب، بهدف تحسين التركيبة الوراثية للقطيع.

وتابع: «هذه الأبقار كانت تنتشر في مجمع «مشروع السليت للألبان»، إلى جانب مجمعات الإنتاج في الخرطوم وأم درمان».

واتهم بدوره «قوات الدعم السريع» بنهب جزء من الأبقار، لكنه أكد أن هناك أخرى نفقت لغياب الرعاية والخدمات البيطرية. ولفت إلى أن آلاف الأبقار سُلبت أيضاً في مناطق شمال الجزيرة، التي تُعدّ من أهم مناطق إنتاج الألبان في السودان، وكانت تسهم في سد الفجوة بولاية الخرطوم، بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، مستفيدةً من قربها الجغرافي من العاصمة.

وأضاف: «يحتاج السودان إلى عشرات السنين، ليعود إلى مستوى ما قبل الحرب، لأن السلالات التي فقدها كانت قد تأقلمت مع البيئة المحلية واكتسبت مناعة طبيعية، ولم تعد تحتاج إلى حظائر بالمواصفات التي تتطلبها الدول التي استُورِدَت منها في الأصل».

برامج التحسين الوراثي

وخلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت خروج أعداد كبيرة من الماشية من العاصمة، من بينها أبقار هجين.

وتسببت الحرب كذلك في توقف برامج التحسين الوراثي للأبقار والخراف والماعز، التي كانت تعتمد على التلقيح الاصطناعي لإنتاج سلالات محسَّنة من الألبان واللحوم، بعد تعرّض المراكز المتخصصة لأضرار كبيرة، من بينها «مركز التلقيح الاصطناعي السوداني التركي» بمدينة المناقل في ولاية الجزيرة.

وكان السودان قد بدأ، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، تنفيذ برامج لتحسين السلالات المحلية باستخدام أبقار «الفريزيان»، لرفع الإنتاجية وتحسين الأداء التناسلي وزيادة إنتاج الألبان واللحوم المخصصة للتصدير.

نساء وأطفال متجمعون للحصول على كميات من المياه بولاية النيل الأبيض يوم 25 يونيو 2026 (د.ب.أ)

ويشير مسؤولون في قطاع الثروة الحيوانية إلى أن شركة «زادنا العالمية» كانت من أبرز الجهات العاملة في استجلاب الأبقار المحسَّنة وراثياً، وتمتلك مزارع كبيرة في مناطق مختلفة بولاية الخرطوم، ضمن برامج تطوير التركيبة الوراثية للقطيع.

ولم تقتصر آثار الحرب على فقدان الأبقار، بل امتدت إلى المربين أنفسهم، الذين تحدثوا عن خسائر كبيرة وانعدام الأمل في تعويض ما فقدوه، مطالبين وزارة الثروة الحيوانية بدعمهم وخفض أسعار الأعلاف التي ارتفعت ارتفاعاً كبيراً، حتى يتمكنوا من المحافظة على ما تبقى من قطعانهم.

وقال مربي الأبقار علي محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يمتلك، قبل الحرب، نحو 600 بقرة هجين في مزارع شمال مدينة بحري، لكن لم يعد يتبقى لديه سوى 70 بقرة.

وأضاف: «مع اشتداد المعارك، نُقل القطيع إلى منطقة كرري بأم درمان؛ حيث ذُبحت عشرات الأبقار لتوفير الغذاء في ظل انعدامه، فيما نفقت أعداد أخرى بسبب غياب الرعاية البيطرية»، مضيفاً أن أبقاره لم تتعرض للسرقة.

قطاع الألبان وصادرات اللحوم

من جهته، قال رئيس غرفة الألبان بولاية الخرطوم، محمدين العوض، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الألبان تأثر بشدة نتيجة فقدان الأبقار الهجين، مضيفاً: «مزارع وحظائر التربية تحولت إلى خراب، سُرقت منها مولدات الكهرباء وخزانات المياه وغيرها من المعدات، كما ارتفعت معدلات البطالة وسط العاملين في القطاع، وغالبيتهم من الشباب».

وفيما يتعلق بالثروة الحيوانية على المستوى القومي، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن السودان يمتلك نحو 107 ملايين رأس من الماشية، بينما تُقدَّر أعدادها الفعلية بنحو ضعف هذا الرقم.

وأوضح أن مساهمة قطاع الثروة السودانية في الصادرات تراجعت بقوة بعد الحرب، نتيجة توقف صادرات اللحوم والجلود بسبب تدمير المسالخ والمعامل وعدم استيفاء الاشتراطات الفنية للتصدير.

وتابع: «الوزارة تعتزم، خلال السنوات الثلاث المقبلة، زيادة الصادرات، عبر افتتاح أربعة مسالخ جديدة، إلى جانب إعادة تأهيل ثلاثة مسالخ أخرى».

واستطرد قائلاً إن حكومته تمنع بشكل قاطع تصدير الأصول الحيوانية (إناث الإبل والماشية): «لكن ظروف الحرب فتحت الباب لعمليات تهريب واسعة إلى بعض دول الجوار». وأضاف: «كذلك أثَّرت الحرب تأثيراً مباشراً على الثروة الحيوانية في إقليمَي كردفان ودارفور؛ ما أدى إلى تراجع الإمدادات الواردة منهما».

وكشف إدريس عن طرح وزارته 40 مشروعاً غير تقليدي لتطوير القطاع، يتضمن إنشاء مدن للإنتاج الحيواني، بتكلفة تُقدَّر بمليار دولار للمدينة الواحدة، إلى جانب برامج تحسين السلالات وإعادة بناء قطاع الثروة الحيوانية.