«مذبحة أبو سليم» المُرتكبة بعهد القذافي... 27 عاماً في «دوامة التقاضي»

المحكمة العليا تعيد القضية إلى «استئناف طرابلس» للنظر فيها مجدداً

أهالي ضحايا «مذبحة سجن أبو سليم» يعبّرون عن استيائهم مما سموه بـ«المماطلة» في إصدار الأحكام القضائية (صفحة المحكمة على «فيسبوك»)
أهالي ضحايا «مذبحة سجن أبو سليم» يعبّرون عن استيائهم مما سموه بـ«المماطلة» في إصدار الأحكام القضائية (صفحة المحكمة على «فيسبوك»)
TT

«مذبحة أبو سليم» المُرتكبة بعهد القذافي... 27 عاماً في «دوامة التقاضي»

أهالي ضحايا «مذبحة سجن أبو سليم» يعبّرون عن استيائهم مما سموه بـ«المماطلة» في إصدار الأحكام القضائية (صفحة المحكمة على «فيسبوك»)
أهالي ضحايا «مذبحة سجن أبو سليم» يعبّرون عن استيائهم مما سموه بـ«المماطلة» في إصدار الأحكام القضائية (صفحة المحكمة على «فيسبوك»)

أعادت المحكمة العليا في العاصمة الليبية، طرابلس، قضية «مذبحة سجن أبو سليم» إلى «استئناف طرابلس» ثانيةً للنظر فيها من هيئة قضائية جديدة، لتتواصل «دوامة التقاضي» التي بدأتها إبّان نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، في دهاليز وردهات المحاكم.

وقبل قرابة 27 عاماً، اقتحمت مجموعةٌ من القوات الخاصة غالبية زنازين «سجن أبو سليم»، بضواحي العاصمة طرابلس، الذي كان يضم حينها 1269 معارضاً لنظام القذافي، وفتحت النيران عليهم فأردتهم قتلى، في قضية شهيرة ظلت متداولة في المحاكم الليبية.

وقررت الدائرة الجنائية بالمحكمة العليا في ليبيا (الأحد) إلغاء الحكم الصادر عن محكمة استئناف طرابلس بعدم اختصاصها بالنظر في قضية «مذبحة سجن أبو سليم»، وأحالت القضية إليها ثانية للنظر فيها من جديد.

وينظر إلى الجريمة التي روّعت الليبيين، وشغلتهم منذ ارتكابها في التاسع والعشرين من يونيو (حزيران) عام 1996 على أنها واحدة من جرائم القتل الجماعي الكاشفة لما يجري داخل ردهات وزنازين سجون ومعتقلات ليبيا، قديماً وحديثاً، قبل إسقاط نظام القذافي وبعده.

وحسب مستشار «رابطة ضحايا مجزرة أبو سليم» مصطفى المجدوب، فإن هناك 86 متهماً في القضية أبرزهم عبد الله السنوسي، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في عهد القذافي، بالإضافة إلى منصور ضو، رئيس الحرس الخاص بالنظام السابق.

السنوسي مدير الاستخبارات العسكرية في عهد القذافي (أرشيفية من رويترز)

وأبدى أهالي الضحايا (الأحد) «استياءً كبيراً» مما سموه بـ«المماطلة والتأخير» في إصدار الأحكام القضائية على «من أجرم في حق أبنائنا الذين قتلوا في أبشع مذبحة عرفها التاريخ».

ونوهت «رابطة الضحايا» بأن المحكمة العليا ألغت الحكم السابق الصادر عن محكمة استئناف طرابلس «بعدم الاختصاص، والتي أحالت بمقتضاه القضية للقضاء العسكري للمرة الثانية»، مشيرةً إلى أنها أحالت القضية إلى محكمة استئناف طرابلس للنظر فيها من هيئة جديدة.

وشُيّد «سجن أبو سليم» في عهد القذافي عام 1984، ليحل محل سجن «الحصان الأسود»، الباقي من فترة الاحتلال الإيطالي. ويقع داخل أسوار معسكر قيادة الشرطة العسكرية في العاصمة، ويتكون من سجنين عسكري ومركزي.

وفي عام 2015، صدر حكم الإعدام بحق السنوسي، المسجون راهناً في طرابلس، في قضية «مذبحة أبو سليم». وبعد مداولات عدة قضت محكمة استئناف طرابلس في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2019 بإسقاط التهمة عن المدانين لانقضاء مدة الخصومة، لكن المحكمة العليا بالبلاد نقضت الحكم قبل نحو عام، وأعادت المحاكمة بإسنادها لدائرة جنايات جديدة.

وبعد مداولات عديدة، قضت محكمة استئناف طرابلس في منتصف يونيو (حزيران) 2022، بعدم اختصاصها بالنظر في قضية «المذبحة»، وأحالت ملفها إلى القضاء العسكري «لعدم الاختصاص الولائي للمحكمة المدنية». ووفق ما أفادت هيئة الدفاع الموكلة من قِبل أسر الضحايا لـ«الشرق الأوسط»، آنذاك، فإن هيئة المحكمة رأت أن «حيثيات القضية في مجملها ذات طابع عسكري، وتم إحالة ملفها إلى القضاء العسكري للاختصاص والنظر فيها».

غير أن الدائرة الجنائية بالمحكمة العليا بطرابلس، قررت (الأحد) إعادة قضية «مذبحة سجن أبو سليم» إلى محكمة استئناف طرابلس، وطالبت بالنظر فيها مجدداً، لتستمر «دوامة التقاضي»، وسط مطالب أسرة الضحايا بـ«القصاص العادل» لذويهم.

ويشكك موالون لنظام القذافي في وقوع هذه «المذبحة» بالشكل الذي رواه ناجون منها عقب إسقاط النظام السابق، ويربطون ذلك بالإفراج عن عدد من الذين اتهموا بالتورط فيها، ويستغربون الإبقاء على بعض قيادات النظام السابق في المعتقلات، بعد حصولهم على أحكام بالبراءة.


مقالات ذات صلة

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

شمال افريقيا مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات والشكوك التي أحاطت بمبادرتها الخاصة بليبيا، بعدما أثارت تسريبات عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)

اختطاف عساكر في جنوب ليبيا... و«الجيش الوطني» يلتزم الصمت

أثار إعلان مجموعة مسلحة، تُطلق على نفسها اسم «غرفة عمليات الجنوب»، اختطاف عدد من جنود «الجيش الوطني» الليبي في جنوب البلاد، موجة انتقادات وإدانات واسعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا السفير الليبي لدى إيطاليا مع أحد المواطنين المفرج عنهم بمقر السفارة في روما الجمعة (صفحة السفارة)

انتهاء أزمة 5 ليبيين حُكم عليهم بالسجن 30 عاماً في إيطاليا

أسدلت السلطات القضائية الإيطالية الستار على أزمة قانونية ودبلوماسية استمرت أكثر من عقد، بعدما قررت وقف تنفيذ أحكام بالسجن لمدة 30 عاماً بحق 5 مواطنين ليبيين.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بولس وتيتيه في لقاء سابق (البعثة الأممية)

تزاحم المبادرات السياسية في ليبيا... حل للأزمة أم تمديد لها؟

تتباين آراء سياسيين ليبيين بشأن ازدياد المبادرات الخارجية التي تستهدف حلحلة الأزمة السياسية لبلدهم المنقسم، وتتصدرها مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي يتوسط نائب قائد القيادة الأميركية في أفريقيا وبولس (حساب بولس على «إكس»)

واشنطن تضغط لتمرير مبادرتها السياسية في ليبيا... ورفض في مصراتة

تكثّف الولايات المتحدة مساعيها لتفعيل مبادرتها في ليبيا، سعياً إلى التقريب بين الفرقاء السياسيين، وسط تصاعد الرفض المحلي لها، لا سيما في مصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السودان يغلق باب الهدنة ويصف تصريحات مسعد بولس بـ«غير الدقيقة»

سودانية تجلس مع طفلها في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض - 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
سودانية تجلس مع طفلها في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض - 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

السودان يغلق باب الهدنة ويصف تصريحات مسعد بولس بـ«غير الدقيقة»

سودانية تجلس مع طفلها في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض - 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
سودانية تجلس مع طفلها في مخيم للنازحين قرب مدينة الأبيض - 25 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

بددت القيادتان العسكرية والدبلوماسية السودانية أي توقعات بشأن هدنة إنسانية، أو مفاوضات وشيكة مع «قوات الدعم السريع»، في أول رد فعل رسمي على تحميل واشنطن، القوات المسلحة، المسؤولية عن فشل محاولات وقف إطلاق النار.

وفي تصعيد لافت، اتهم رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، إسرائيل، بالضلوع في الحرب والوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، وذلك بعد ساعات من تصعيد آخر من جانب رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي أعلن رفضه لأي تفاوض أو هدنة حتى تحقيق «النصر العسكري».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة «فيسبوك»)

جاء ذلك على خلفية تحميل واشنطن، رئيس مجلس السيادة، المسؤولية عن وقف إطلاق النار وجهود إحلال السلام وإعلان هدنة إنسانية، وسط تبادل الاتهامات بين واشنطن والخرطوم بشأن مسؤولية تعثر جهود التوصل إلى هدنة، في حين رحبت «حكومة تأسيس» الموالية لـ«الدعم السريع» بالمبادرة الأميركية لوقف الحرب.

وكان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد اتهم مجلس السيادة السوداني، في إحاطة أمام مجلس الأمن، برفض مقترح أميركي لهدنة إنسانية شاملة قال إنها تضمن وصول المساعدات عبر خطوط القتال والحدود، وتمهد لوقف دائم لإطلاق النار وحوار سياسي يقود إلى انتقال مدني.

وأعلن بولس فرض الولايات المتحدة حزمة جديدة من العقوبات على 8 أفراد وكيانات قال إنها متورطة في شراء وتوريد الأسلحة التي أسهمت في إطالة أمد الحرب، إلى جانب جولة ثانية من العقوبات على السودان على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، داعياً إلى توسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان بدلاً من اقتصاره على دارفور.

اتهامات مباشرة لإسرائيل

تزامناً مع الحراك الدولي الرافض للحرب، صعَّد رئيس أركان الجيش لهجته، متهماً إسرائيل بالوقوف وراء الحرب الدائرة في بلاده.

فتاة سودانية مصابة في قصف تجلس على كرسي متحرك بفناء منزلها في الخرطوم في أبريل الماضي (أ.ب)

وقال العطا، مساء السبت، مخاطباً ضباط وجنود سلاح المدرعات، إن الجيش لا يقاتل «قوات الدعم السريع» وحدها، وإنما يواجه «مخلب الشر المتمثل في عناصر خفية سرية من الصهيونية العالمية في دولة الكيان الصهيوني».

وتابع: «تلك الجهات هي التي تحيك كل هذه المغامرات»، مضيفاً أن هذا التقدير يستند إلى معلومات من الأجهزة المختصة وتقارير دولية. وتعهد بنقل العمليات العسكرية قريباً من كردفان وصولاً إلى عمق إقليم دارفور، مؤكداً امتلاك الجيش الخطط والتجهيزات الكفيلة بتحقيق النصر.

وقبل هذا الخطاب، جدد البرهان رفضه لأي تسوية لا تنتهي بالقضاء على «قوات الدعم السريع».

وأضاف قائد الجيش الذي كان يُحدّث مصلين يوم الجمعة: «الجيش ليست لديه حلول وسطية ولا رمادية»، وقال إن الحل الوحيد يتمثل في «القضاء على الميليشيا المتمردة واستئصالها من كل أنحاء السودان».

وتابع: «أي حديث عن مفاوضات لا ينص على تفكيك (قوات الدعم السريع) وتسليم أسلحتها ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات لن ندخله».

وجدد البرهان التأكيد على استمرار ما وصفه باستراتيجية «الحفر بالإبرة»، وهي المقاربة التي دأب على استخدامها لوصف التقدم العسكري التدريجي، مشيراً إلى أن الجيش تمكن من استعادة ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم، وأن العمليات ستتواصل حتى إخراج «قوات الدعم السريع» من دارفور وكردفان أيضاً.

المقترح الأميركي

من جهتها، رفضت وزارة الخارجية السودانية ما ورد في إحاطة بولس، ووصفت حديثه عن رفض مجلس السيادة للمقترح الأميركي، بأنه «غير دقيق»، مؤكدة أن الحكومة تعاملت بإيجابية مع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب منذ اندلاعها، وذكّرت بتوقيعها إعلان جدة في مايو (أيار) 2023 - بعد شهر من اندلاع الحرب - وبموافقتها على هدن إنسانية، إلى جانب مبادرة قدمتها لمجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، لحماية المدنيين وتهيئة الظروف لوقف الحرب.

سيارات عليها آثار رصاص وقصف في ميدان بالخرطوم - 11 يونيو 2026 (رويترز)

وقالت الوزارة في بيان صحافي، إنها قدمت بالفعل رداً تفصيلياً على المقترحات الأميركية في إطار المشاورات الجارية مع واشنطن، لكنها شددت على أن أي مسار جاد لإنهاء الحرب يجب أن يبدأ بوقف تزويد «قوات الدعم السريع» بالسلاح والمرتزقة، معتبرة أن استمرار «الدعم الخارجي» هو العامل الرئيسي في إطالة أمد النزاع.

وبالمقابل، أعلنت الحكومة الموازية التي يقودها تحالف «تأسيس» تأييدها الكامل لما خرجت به جلسة مجلس الأمن، ورحبت بالدعوة التي قدمتها دول «الرباعية»؛ الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، لإقرار هدنة إنسانية تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية.

وقال وزير الخارجية والتعاون الدولي في تلك الحكومة، عمار أمون، في بيان، إن حكومته مستعدة للتعاطي مع جميع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، متهماً ما أطلق عليه «سلطة بورتسودان» برفض المقترح الأميركي الخاص بضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة مستدامة.

ورحب بيان أمون بالعقوبات الأميركية الجديدة، وجدد تمسك الحكومة التي تتخذ من نيالا بجنوب دارفور عاصمة موازية بحل تفاوضي ينتهي بقيام سلطة مدنية ديمقراطية.


الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)

خصصت الجزائر 25.4 مليار دولار لميزانيتها العسكرية في عام 2025، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة بعام 2024، لتظل البلاد، وبفارق شاسع جداً، المستثمر العسكري الأول في أفريقيا من دون أن تكون في حالة حرب، مستحوذة على ما يقارب 44 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري الأفريقي، وفق تقرير حديث نشره «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويمثل الإنفاق العسكري الجزائري 25 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي، حسب التقرير نفسه. وهو ثاني أعلى معدل في العالم بعد أوكرانيا. ويأتي هذا في وقت واصلت الاعتمادات المالية العسكرية الإجمالية في أفريقيا، منحاها التصاعدي خلال عام 2025 لتصل إلى 58.2 مليار دولار بزيادة 8.5 في المائة مقارنة بالعام السابق و45 في المائة منذ عام 2016، في طفرة يرى «معهد ستوكهولم»، أن منطقة شمال أفريقيا تتصدرها بنفقات دفاعية بلغت 35 مليار دولار، وبنمو سنوي قدره 9.3 في المائة.

رئيس أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

وبعيداً عن التقرير المعد من طرف المرجع الأكثر موثوقية لبيانات التسلح والإنفاق العسكري وصناعة السلاح في العالم، حافظت ميزانية الدفاع في الجزائر على ارتفاعها في قانون المالية لسنة 2026، وذلك بنسبة تناهز 20 في المائة، أي ما يعادل نحو 25 مليار دولار، من إجمالي ميزانية وطنية عامة تُقدر بنحو 135 مليار دولار. وتُعد هذه الميزانية العسكرية الأضخم في تاريخ الجزائر، التي تحقق عائدات غير مسبوقة منذ أزمة أوكرانيا، بفضل مبيعات غازها في السوق الأوروبية. واعتماد هذا الحجم من الإنفاق يؤكد «المنحى الدفاعي» للبلاد في سياق يتسم بتوترات حادة مع دول الساحل.

وشهدت الميزانية الدفاعية تطوراً لافتاً ونمواً متسارعاً في النفقات العسكرية منذ عام 2020. ففي سنة 2023 بلغت نحو 22 مليار دولار، حيث أعلنت الجزائر آنذاك عن رغبتها في تحديث قواتها المسلحة وتطوير قطاع الدفاع لمواجهة التحديات الأمنية المحدقة بها.

عتاد عسكري حديث (وزارة الدفاع)

وتشكل حدود الجزائر مع دول جنوب الصحراء تهديداً كبيراً لأمنها منذ عقود، ويرجع ذلك، حسب الخبراء، إلى غياب الاستقرار في بعض هذه الدول، وتغلغل الجماعات المتطرفة، وتجارة السلاح والمخدرات، فضلاً عن النشاط البارز لشبكات الهجرة غير الشرعية. وتم إطلاق جرس الإنذار منذ الهجوم على المنشأة الغازية بمنطقة تيقنتورين بالقرب من الحدود الليبية، سنة 2013، حيث تسلل متطرفون مسلحون يتحدرون من عدة جنسيات، واحتجزوا عشرات الفنيين الأجانب في مصنع الطاقة. وانتهت العملية بمقتل المعتدين والعديد من العمال الأجانب.

وتعيش العلاقات بين الجزائر وبامكو توتراً شديداً منذ حادثة الطائرة المسيرة المالية التي أسقطها الجيش الجزائري مطلع أبريل (نيسان) 2025، وسط دعم وتضامن معلن من النيجر وبوركينا فاسو مع مالي. ويضاف إلى هذا المشهد، على الحدود الشرقية للجزائر، الخطر الناجم عن غياب الاستقرار في ليبيا التي تعيش وضعاً أمنياً فوضوياً منذ عام 2011.

أما غرباً، فيبرز الخلاف مع المغرب الذي قُطعت العلاقات الدبلوماسية معه منذ صيف 2021، ويشهد هو الآخر سباقاً نحو التسلح، حيث يتواجه البلدان حول قضية الصحراء الغربية.

من العرض العسكري بمناسبة الاستقلال (رئاسة الجمهورية)

طفرة الغاز

ويأتي التمويل المتزايد للميزانية العسكرية الجزائرية، حسب الخبراء، مدفوعاً بشكل خاص بارتفاع أسعار المحروقات جراء الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن صعوبات الإمداد التي تواجهها الدول الأوروبية، مما أدى إلى زيادة صادرات الغاز نحو أوروبا وإنعاش خزينة الدولة. فبعد فترة من تراجع احتياطاتها المالية، أعادت الجزائر ملء خزائنها مستفيدة من أزمة الطاقة وانتعاش أسعار النفط.

وقد تضاعفت الميزانية العسكرية لتتجاوز بكثير الميزانيات التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، وهي الفترة التي كان يباع فيها برميل النفط بـ150 دولاراً. وسعى الجيش الجزائري، بفضل الانتعاشة المالية التي عرفتها البلاد، إلى التحديث ورفع قدراته في مجال الاستخبارات العسكرية.

وفي الوقت الذي تسلط فيه التقارير الدولية الضوء على التطور التاريخي للميزانية الدفاعية للجزائر، تبرز الحصيلة العملياتية للجيش الجزائري خلال السداسي الأول من سنة 2026 بوصفها مبرراً ميدانياً وموضوعياً لحجم هذا الإنفاق لحماية أمن واستقرار البلاد.

جانب من تدريبات الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

ففي بيان نشرته السبت، أكدت وزارة الدفاع أن القوات المسلحة «واصلت في سياق تنفيذ مهامها الدستورية مضاعفة جهودها اللوجستية والعملياتية لاجتثاث فلول الإرهاب والتصدي بكل حزم للجريمة المنظمة عابرة الحدود». مشيرة إلى أن هذه الجهود «أثمرت منذ بداية العام قتل 23 إرهابياً وتوقيف 147 شخصاً بشبهة دعم الإرهاب، مع استرجاع 49 قطعة سلاح ناري وكميات كبيرة من الذخيرة».

وأوضحت وزارة الدفاع أن هذه الحصيلة «تؤكد صوابية المقاربة المتبناة من طرف القيادة العليا لتحديث الجيش، ورفع جاهزيته الدائمة، لتأمين شريط حدودي ملتهب يمتد لآلاف الكيلومترات».


واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
TT

واشنطن لاحتواء مخاوف الليبيين من مبادرتها لحل الأزمة السياسية

مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)
مسعد بولس مستقبلاً الزوبي في واشنطن (منصة حكومتنا التابعة للوحدة)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات والشكوك، التي أحاطت بمبادرتها الخاصة بليبيا، بعدما أثارت تسريبات عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها مخاوف كثيرة من إطالة المرحلة الانتقالية وتكريس الانقسام، عبر تأكيدات أميركية رسمية بأن المبادرة المقترحة تستهدف توحيد المؤسسات الليبية، وتحظى بإشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

شكوك ورفض

على وقع شكوك ورفض قطاعات واسعة من الليبيين بشأن مبادرته، أكد مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، أن المبادرة التي تقودها واشنطن «هي عكس ما يُشاع عنها»، موضحاً في تصريحات تلفزيونية، مساء الجمعة، أنها تهدف إلى توحيد الليبيين ومؤسساتهم، وأنها «خطة ليبية - ليبية» يقتصر فيها الدور الأميركي على تسهيل الحوار بين الأطراف، نافياً بشكل قاطع أن تكون تمهيداً لتقسيم البلاد، أو لتأجيل الانتخابات إلى عام 2032.

نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتقوم المبادرة، وفق تسريبات لمصادر سياسية ليبية ودبلوماسية خلال الأشهر الماضية، على صيغة لتقاسم السلطة بين أبرز مراكز النفوذ في الشرق والغرب، عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة نائب قائد «الجيش الوطني»، صدام حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وقد أثارت هذه التصورات اعتراض قوى سياسية، خصوصاً في الغرب الليبي، اعتبرت أنها قد تؤدي إلى تكريس المحاصصة السياسية بين العائلات النافذة في ليبيا، وهو ما دفع واشنطن إلى تقديم مزيد من التوضيحات بشأن أهداف المبادرة.

عبد الحميد الدبيب رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وهنا عمد بولس إلى توضيح أن تفاصيل السلطة التنفيذية المقبلة، والأسماء التي ستقودها «متروكة بالكامل لليبيين والأطراف المتفاوضة من شرق وغرب البلاد»، مشيراً إلى أن المبادرة تتكامل مع خطة الأمم المتحدة؛ إذ تركز على معالجة المرحلة القصيرة والمتوسطة، بينما تتولى خريطة الطريق الأممية معالجة القضايا بعيدة المدى.

كما حرص المسؤول الأميركي على توجيه رسائل طمأنة إلى مختلف القوى الليبية، بالتأكيد على استمرار الدور الدستوري لكل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعلى ضرورة تمثيل الجنوب، وعدم اقتصار أي تفاهمات على الشرق والغرب، معتبراً أن المشهد في غرب ليبيا معقد، ويضم أطرافاً مؤسسية وشعبية وميدانية ينبغي أن تكون جزءاً من أي تسوية.

وبعد تسريبات أخرى واكبت الحديث عن مبادرة بولس، وتداولتها وسائل إعلام محلية بشأن احتمال عقد الانتخابات بعد 6 سنوات، جاء نفي بولس القاطع لهذه الأنباء، عاداً إياها «غير صحيحة»، وأكد أنها لن تتعدى سقف ثلاث سنوات.

رسائل طمأنة

بدت هذه الرسائل الأميركية من وجهة نظر سياسيين ومحللين، ومن بينهم القيادي في «حزب ليبيا النماء»، حسام فنيش، بأنها «محاولة واضحة لاحتواء موجة الانتقادات التي صاحبت المبادرة الأميركية، عبر تقديم رسائل طمأنة للقوى السياسية المتحفظة عليها».

مسعد بولس نفى بشكل قاطع أن تكون المبادرة الأميركية تمهيداً لتأجيل الانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وقال فنيش لـ«الشرق الأوسط» إن نفي بولس بأن تكون المبادرة مدخلاً لتقسيم ليبيا أو لإطالة المرحلة الانتقالية، يعكس إدراك واشنطن لحجم المخاوف التي أثيرت منذ الكشف عن الخطة، سواء بشأن فرض ترتيبات سياسية من الخارج، أو تجاوز المؤسسات القائمة.

ويعتقد فنيش أن تأكيد بولس استمرار دور مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، والحديث عن ضرورة تمثيل الجنوب، يهدفان إلى توسيع قاعدة القبول بالمبادرة، وتقليل الاعتراضات عليها، لافتاً أيضاً إلى أن «الإشارة إلى إشراف الرئيس ترمب على المبادرة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ لأنها تعكس أن الملف الليبي يحظى باهتمام من أعلى مستوى داخل الإدارة الأميركية، وتمنح المبادرة ثقلاً سياسياً ورسالة بأن واشنطن جادة في الدفع نحو تسوية سياسية».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

وتبرز ملامح الجدية في المضي قدماً بهذه المبادرة إلى حيز التنفيذ، ومن وجهة نظر «حزب ليبيا النماء»، بخصوص حديث مستشار ترمب عن تأييد نحو 109 نواب ليبيين لمبادرته، بما يكشف عنه من متابعة دقيقة لما يدور في المشهد الليبي، والسعي إلى تجميع خيوط محلية تدعم مبادرته.

في المقابل، بدا أن بعض الشخصيات الليبية قرأت تصريحات بولس باعتبارها مؤشراً على انفتاح أميركي على إشراك طيف أوسع من القوى الليبية في أي ترتيبات مقبلة. وقال وزير الاقتصاد الليبي الأسبق، سلامة الغويل، إن حديث بولس «فتح نافذة يمكن البناء عليها»، بعدما أظهر استعداداً للاستماع إلى أصوات ليبية تتجاوز طرفي الحوار التقليدي، في اعتراف ضمني بأن ليبيا تضم قوى وطنية وسياسية واجتماعية متعددة، لا يجوز اختزالها في طرفين فقط.

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة (غيتي)

وقال الغويل لـ«الشرق الأوسط» إن المرحلة الحالية تتطلب إطلاق حوار وطني حقيقي يشارك فيه الجميع دون إقصاء، مع مراجعة التجارب السابقة وعدم إعادة إنتاجها، معتبراً أن ليبيا بحاجة إلى تسوية تحقق تمثيلاً سياسياً حقيقياً لكل المكونات السياسية والاجتماعية والأمنية، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.

وجاءت تصريحات بولس بالتزامن مع اهتمام متزايد من إدارة ترمب بالملف الليبي، حيث أكد نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، الجمعة، الأهمية الاستراتيجية لليبيا بالنسبة للأمن الإقليمي، وشدد على تعزيز التعاون بين البلدين في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، ضمن لقاء نائب وزير الدفاع الليبي، عبد السلام الزوبي، مع مسؤولين أميركيين.

بدوره، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن المبادرة الأميركية تجاوزت مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ، بعد انطلاق اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي. وقال بن شرادة إن «نقطة القوة في هذه المبادرة هو أنها انتقلت من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ بتواصلها مع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، والقطار بدأ بالتحرك»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الأطراف التي ستختار عرقلتها «قد تجد نفسها خارج مسار المرحلة المقبلة؛ لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا المعرقلين».

ورغم اتساع دائرة الاهتمام بمبادرة مستشار ترمب، بعد أول حديث علني متلفز عنها، فقد استدرك فنيش بأن هذه «التطمينات، ورغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لتبديد المخاوف»، مشيراً إلى أن «الحكم على المبادرة سيظل مرتبطاً بما ستتضمنه من تفاصيل عملية، ومدى توافقها مع الإرادة الليبية، وضمان ألا تتحول إلى إطار جديد لإدارة الأزمة، بدلاً من إنهائها».