هل تؤثر «توترات» البحر الأحمر على مسار التقارب المصري - الإيراني؟

مشاورات بين شكري وعبداللهيان لمتابعة تطور العلاقات الثنائية

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال مباحثاتهما في جنيف  (الخارجية المصرية)
وزيرا خارجية مصر وإيران خلال مباحثاتهما في جنيف (الخارجية المصرية)
TT

هل تؤثر «توترات» البحر الأحمر على مسار التقارب المصري - الإيراني؟

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال مباحثاتهما في جنيف  (الخارجية المصرية)
وزيرا خارجية مصر وإيران خلال مباحثاتهما في جنيف (الخارجية المصرية)

في لقاء يعزز قائمة الاجتماعات المصرية - الإيرانية المكثفة في الآونة الأخيرة، التقى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، نظيره الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، الثلاثاء، على هامش المشاركة في الشق رفيع المستوى لاجتماعات مجلس حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية، حيث ناقش الوزيران «مسار العلاقات الثنائية بين البلدين»، والتطورات الخاصة بأزمة قطاع غزة.

وخلال اللقاء نقل شكري «قلق مصر البالغ لاتساع رقعة التوترات العسكرية في منطقة جنوب البحر الأحمر، والضرر المُباشر لمصالح عدد كبير من الدول، ومن بينها مصر»، وفق بيان للخارجية المصرية، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن مدى تأثير «توترات» البحر الأحمر على مسار التقارب المصري - الإيراني.

وشهدت الآونة الأخيرة عدداً من اللقاءات الرسمية المصرية الإيرانية، إذ التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي على هامش القمة العربية الإسلامية المُشتركة بالرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

كما التقى وزيرا خارجية البلدين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأجرى الوزيران منذ ذلك الحين اتصالات هاتفية عدة، زادت وتيرتها عقب اندلاع الحرب الأخيرة في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتقى كذلك عدد من الوزراء والمسؤولين المصريين نظراءهم الإيرانيين في مناسبات متنوعة، على هامش فعاليات دولية.

سفينة حاويات بالقرب من جسر قناة السويس المعروف باسم «جسر السلام» (هيئة قناة السويس)

قلق مصري بالغ

واتصالاً بالحرب الجارية في غزة، أكد شكري لنظيره الإيراني على أن تعقُّد أزمات الإقليم «يُلقي بظلاله على حالة الاستقرار لجميع شعوب المنطقة»، مُعرباً عن «قلق مصر البالغ إزاء اتساع رقعة الصراع في المنطقة بما ينذر بعواقب خطيرة على أمن واستقرار عدد من الدول العربية».

ونقل شكري «قلق مصر البالغ» لاتساع رقعة التوترات العسكرية في منطقة جنوب البحر الأحمر، والتي ترتب عليها تهديد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم ممراتها (قناة السويس المصرية) على نحو غير مسبوق، والضرر المُباشر لمصالح عدد كبير من الدول، ومن بينها مصر، ما يستلزم تعاون جميع دول الإقليم لدعم الاستقرار والسلام والقضاء على بؤر التوتر والصراعات في تلك المنطقة، وفق بيان الخارجية المصرية.

وتسببت عمليات الاستهداف التي ينفذها الحوثيون لسفن تجارية في مدخل البحر الأحمر في خسائر كبيرة لقناة السويس، إذ قدر الرئيس المصري، في تصريحات له الشهر الحالي، نسبة تراجع عائدات القناة «بنسبة بين 40 و50 في المائة». وأضاف الرئيس المصري أن «الممر الملاحي الذي كان يُدخل لمصر تقريباً نحو 10 مليارات دولار سنوياً تراجع بنسبة 40 إلى 50 بالمائة»، مؤكداً أنه «لا يشكو، ولكن يتحدث عن واقع».

وتعد قناة السويس من أهم القنوات والمضائق حول العالم، وهي أقصر طرق الشحن بين أوروبا وآسيا، وتعد من المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية لمصر.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أوردت وكالة «بلومبرغ» أن حركة الملاحة في قناة السويس تراجعت بنسبة 41 في المائة عن ذروة عام 2023، وسط تصاعد التوترات جنوب البحر الأحمر بسبب استهداف الحوثيين سفناً في إطار ما تقول إنه دعم لغزة. وكان أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، قد قال في تصريحات سابقة مطلع الشهر الحالي، إن إيرادات القناة انخفضت في يناير 46 في المائة على أساس سنوي، من 804 ملايين دولار إلى 428 مليوناً. وأضاف ربيع، في تصريحات تلفزيونية، أن 1362 سفينة عبرت القناة في يناير من هذا العام، مقابل 2155 سفينة في يناير 2023، بانخفاض 36 في المائة، مشيراً إلى أن هذه «أول مرة تمر فيها قناة السويس بأزمة بهذا الشكل».

الرئيسان المصري والإيراني خلال محادثاتهما في الرياض على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

العلاقات الثنائية

وقال المُتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، إن لقاء شكري وعبداللهيان في جنيف، شهد تأكيد الوزيرين على تطلع بلديهما لاستعادة المسار الطبيعي للعلاقات الثنائية، «اتساقاً مع الإرث التاريخي والحضاري للدولتين ومحورية دورهما في المنطقة»، كما أكدا أهمية هذا اللقاء لما «يمثله من خطوة هامة على هذا المسار».

وأشار متحدث «الخارجية المصرية» إلى أن اللقاء تطرق إلى مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، في إطار متابعة توجيهات رئيسي البلدين عقب لقائهما في نوفمبر الماضي، والتي قضت بأهمية «العمل المُشترك نحو تسوية القضايا العالقة بهدف تطبيع العلاقات، استناداً إلى مبادئ الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وبما يحقق مصالح الشعبين المصري والإيراني، ويدعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في محيطهما الإقليمي». كما تناول اللقاء التطورات الخاصة بأزمة قطاع غزة، وأشار الوزير المصري إلى حرصه على إطلاع نظيره الإيراني على الجهود المبذولة من قبل مصر لمحاولة التوصل إلى مسارات تهدئة تضع حداً لمعاناة الشعب الفلسطيني، وتتيح وصول المساعدات بصورة مستديمة تلبية لاحتياجات القطاع. وجدد الوزيران رفضهما الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، وتصفية القضية الفلسطينية، واتفقا على تكثيف الجهود من أجل الدفع نحو الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على استدامة وصول المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني في القطاع اتساقاً مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

مرحلة المراقبة

ومن جانبه، يرى خبير الشؤون الإيرانية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن مسار التقارب المصري - الإيراني «لم يغادر بعد مرحلة المراقبة المصرية للسلوك الإيراني في المنطقة»، مضيفاً أن هذه الحالة تشير إلى أن السلوك الإيراني «لم يتغير».

ولفت ناجي إلى أن اللقاءات بين المسؤولين المصريين ونظرائهم الإيرانيين لا تخرج عن مسارها المعتاد، وهو اللقاءات على هامش فعاليات واجتماعات إقليمية ودولية دون الانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً عبر زيارات ثنائية متبادلة على غرار ما جرى في مسار العلاقات المصرية التركية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن ما تقوم به إيران ووكلاؤها في المنطقة، خصوصاً في منطقة البحر الأحمر «يثير تحفظات ومخاوف مصرية عميقة»، خصوصاً أنه يجري في منطقة ذات أهمية استراتيجية لمصر، والإشارة إلى تلك المخاوف في البيان الرسمي لـ«الخارجية المصرية» حول لقاء شكري وعبداللهيان «مسألة لافتة، وتعكس حجم تنامي القلق المصري من هذا التصعيد».

وأعرب الخبير في الشؤون الإيرانية عن اعتقاده أن تغيير استراتيجية إيران في المنطقة رغم القلق المصري «مسألة صعبة»، مؤكداً أن إيران «تناور في البحر الأحمر لكن استراتيجيتها لم ولن تتغير»، وهو ما يؤكد معه أن مرحلة المراقبة المصرية للسلوك الإيراني «ستطول بعض الشيء» في ظل إصرار إيران على التنصل من المسؤولية عن الأعمال التي تقوم بها جماعة الحوثي في البحر الأحمر، رغم أن هذا الخطاب لا ينطلي على مصر أو على دول العالم كلها، فهناك كثير من الأدلة الثابتة بشأن إمداد إيران الحوثيين بالأسلحة والعتاد، وقد جرى ضبط كثير من السفن الإيرانية في هذا الصدد». لكنه توقع أيضاً أن «يستمر مستوى التواصل عند مستواه الحالي ما لم تحدث (تحولات جوهرية) في السلوك الإيراني بالمنطقة».

وكان رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة، محمد سلطاني فرد، قد قال خلال احتفال بالذكرى الـ45 للثورة الإيرانية، في وقت سابق، إن هناك «انفراجة في العلاقات المصرية - الإيرانية خصوصاً بعد انضمام البلدين صاحبتي التاريخ والحضارة إلى مجموعة (بريكس)».

وشارك في الاحتفالية التي نظمها مكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة منتصف الشهر الحالي، عدد من السياسيين والنواب المصريين، وبدا لافتاً تنظيم الاحتفالية للمرة الأولى في أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، بعدما اقتصر تنظيم احتفاليات مماثلة طيلة عقود على إقامتها في مقر إقامة رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية. وخلال تلك الاحتفالية وصف النائب السابق في البرلمان المصري، أسامة شرشر، لقاء الرئيسين المصري والإيراني بأنه «لقاء استراتيجي مهم جداً».

ويُشار إلى أنه في مايو (أيار) الماضي، وجّه الرئيس الإيراني، وزارة الخارجية في بلاده باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر، وكان البلدان قد قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف من جديد بعد 11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح.


مقالات ذات صلة

مشكلات تقنية تعرقل تفعيل قانون الضريبة العقارية الجديد بمصر

الاقتصاد حوافز للتسجيل وسداد الضريبة على العقارات في مصر (الشرق الأوسط)

مشكلات تقنية تعرقل تفعيل قانون الضريبة العقارية الجديد بمصر

قبل أيام من انتهاء مدة التسجيل الإلكتروني، ذي الحوافز الإعفائية للضريبة العقارية في مصر، تزايدت الشكاوى من صعوبات تقنية في عمليات التسجيل.

رحاب عليوة (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تطلّع بلاده إلى الارتقاء بالتعاون القائم مع شركة «أنغلو غولد أشانتي» المشغلة لـ«منجم السكري للذهب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

الربط الكهربائي السعودي - المصري يقترب من التشغيل

يقترب الربط الكهربائي السعودي - المصري أحد أكبر مشروعات الربط الكهربائي في المنطقة، من التشغيل بحسب إعلان مصري رسمي.

محمد محمود (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

يستلهم العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» فكرته من قصص السيدات اللواتي يتنقلن عبر مترو أنفاق القاهرة يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة )
أفريقيا أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ضغوط داخلية على إدارة ترمب للتدخل في إثيوبيا

ضغط أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي على إدارة ترمب للتدخل لوقف التصعيد في إثيوبيا، محذرين من أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022 بدأ يتفكك.

هبة القدسي (واشنطن)

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

تتطلّع مصر إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين، في إطار استراتيجية للتوسع في هذا القطاع وتعظيم إسهاماته في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تطلّع بلاده إلى الارتقاء بالتعاون القائم مع شركة «أنغلو غولد أشانتي» المشغلة لـ«منجم السكري للذهب» من شراكة ترتكز على تشغيل المنجم إلى «شراكة استراتيجية أشمل» في قطاع التعدين المصري.

جاء ذلك خلال لقاء السيسي، الاثنين، مع الرئيس التنفيذي للشركة، ألبرتو كالديرون، على هامش افتتاح أعمال «منتدى مصر للتعدين 2026»، وذلك بحضور رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وعدد من المسؤولين.

وتمتد «الشراكة الأشمل» التي تتطلّع إليها مصر إلى مجالات الاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وأكد الرئيس السيسي تقديره للشراكة مع شركة «أنغلو غولد أشانتي»، مشدداً على «اهتمام الدولة بدعم استثمارات الشركة في مصر وتوفير البيئة الملائمة لنمو أعمالها». وشهد اللقاء أيضاً استعراضاً لتطورات أعمال الشركة وخططها المستقبلية للتوسع في السوق المصرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في قطاع التعدين.

من جانبه، أشاد كالديرون بالدعم المتواصل الذي توليه الدولة المصرية للشركة، وما تبذله الجهات المعنية من جهود لتذليل أي تحديات قد تواجه أنشطتها في مصر. واستعرض تطورات استثمارات الشركة الرئيسية في مصر ومختلف الدول التي تنشط بها حول العالم، مؤكداً أن مصر تمثّل إحدى الوجهات الاستثمارية ذات الأولوية للشركة.

وصرَّح بأن «أنغلو غولد أشانتي» تعتزم ضخ المزيد من الاستثمارات في عدد من المواقع الواعدة بقطاع التعدين المصري، بما يعزّز من فرص اكتشاف وتطوير مشروعات جديدة على غرار «منجم السكري».

«منجم السكري» في الصحراء الشرقية المصرية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويقع «منجم السكري»، الذي يصفه تقرير للهيئة الوطنية للإعلام في مصر، بأنه «كنز مصر الذهبي»، في الصحراء الشرقية على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مرسى علم الساحلية، وتتولى تشغيله شركة «السكري لمناجم الذهب»، وهو مشروع مشترك بين الحكومة المصرية وشركة «أنغلو غولد أشانتي» التي استحوذت عام 2024 على شركة «سنتامين»، المشغل السابق للمنجم.

وحسب إفادة للمتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، الاثنين، شهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول آفاق توسيع برامج الاستكشاف التي تنفذها الشركة في مصر، ولا سيما في مجال تعدين الذهب.

وأكد السيسي حرص الدولة على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لدعم أنشطة الشركة وتيسير أعمالها، في إطار استراتيجية التوسع في قطاع التعدين.


الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
TT

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، برئاسة المدير الأسبق للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة إلياس زرهوني، وتحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، بمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

ويهدف المسعى، وفق السلطات، إلى تعبئة كفاءات المهجر وربطها بالجامعات والمؤسسات الوطنية للاستفادة من خبراتها في ملفات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والصحة والأمن الغذائي، بما يعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا ويدعم التنمية والحضور الدولي للجزائر.

الرئيس الجزائري خلال إلقاء كلمة أمام أعضاء مجلس علماء الجزائر في المهجر (الرئاسة)

ونظم الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، أول اجتماع مع «المجلس» بحضور جميع أعضائه، مؤكداً في كلمة بثتها الرئاسة، أن مستوى التنمية الذي تنشده الجزائر «يتطلب إشراك مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية»، ومشيداً بـ«مساهمة أفراد الجالية العلمية الوطنية المقيمة بالخارج في الارتقاء العلمي وتطوير الكفاءات في البلاد».

وجرى اللقاء بحضور عدد من أعضاء الحكومة وكبار مسؤولي الدولة.

«من الخبرة إلى القرار»

أوضح زرهوني، منسق المجلس، في تصريح للتلفزيون العمومي، أن دور الهيئة العلمية يتمثل في «تقديم دعم استراتيجي ملموس لسياسات الدولة، وتوثيق أفضل الممارسات العالمية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، ودعم الكفاءات الشابة التي تلقت تكوينها في الجزائر».

وتضم المجموعة أسماء بارزة؛ من بينها مريم مراد متخصصة علم المناعة وعلم الأورام بمستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، ويوسف كمال تومي مختص الروبوتات بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وياسمين بلقايد مديرة معهد «باستور» بفرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع منسق مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (الرئاسة)

وتتعلق الفكرة الأساسية للمجلس بالاستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية الجزائرية الموجودة في الخارج، وتوظيفها لخدمة احتياجات الجزائر وأولوياتها الوطنية، وتقديم المشورة للدولة بشأن المشروعات الكبرى ذات البعد العلمي أو التكنولوجي، وتقييم مدى جدواها.

كما تهدف الفكرة إلى ربط الباحثين والعلماء الجزائريين في المهجر بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية في الجزائر، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، ومتابعة التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية والتكنولوجيات الناشئة، والعمل على ملفات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى إعداد التوصيات والدراسات وخطط تطوير هذه المجالات، ورفعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.

وأكدت وزارة التعليم العالي أن المجلس «ليس هيئة أكاديمية بالمعنى التقليدي، وإنما يُفترض أن يكون حلقة وصل بين الخبرة العلمية الدولية التي تمتلكها الكفاءات الجزائرية في الخارج والأولويات والمشروعات الفعلية للدولة الجزائرية». كما شدد زرهوني على ضرورة الانتقال من الاتصالات واللقاءات الظرفية مع الجالية العلمية إلى «تعاون مؤسساتي ومنظم ودائم».

رئيس مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (وزارة التعليم العالي الجزائرية)

ووضعت السلطات تصوراً لآلية عمل المجلس وهو على النحو التالي: «تحدد الدولة المشكلات والتحديات الكبرى التي تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية، ثم يستعين المجلس بخبرات العلماء الجزائريين داخل الجزائر وخارجها لدراسة هذه الملفات، وتقييم الخيارات المتاحة، واقتراح الحلول والمشروعات، ثم رفع التوصيات إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تحويل المعرفة والخبرة إلى قرارات ومشروعات عملية».

ملاحظات نقدية

اللافت أن تركيبة المجلس لا تقتصر على تخصص أكاديمي واحد أو على مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وإنما تغطي مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجزائر؛ فهي تضم خبرات في الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والهندسة الآلية بما يمكن أن يخدم التحول الرقمي وتطوير الصناعة الذكية.

ويمكن أيضاً للمتخصصين في علوم المواد والهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية أن يسهموا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً، كما يمكن للخبرات الموجودة في مجالات المياه والبيئة والجيوفيزياء، أن تساعد في قضايا تحلية المياه وإدارة الموارد المائية وفهم الثروات والموارد الموجودة في باطن الأرض.

لكن على الرغم من الإشادة الكبيرة والحملة الدعائية التي رافقت إطلاق المشروع، فإنه واجه ملاحظات نقدية ومن أهل الاختصاص؛ ففي منشور طويل كتب أحمد ماحيجيبة، الباحث الجزائري في مركز الأرصاد الجوية الكندي: «هل ستكون هذه الكفاءات مجرد خزّان للخبرة التقنية؟ أم ستكون فعلاً شريكاً في صناعة القرار؟ والفرق بين الأمرين كبير».

وأشار إلى أن العالِم أو الخبير الذي عاش سنوات طويلة في منظومات ديمقراطية ومؤسساتية، يمكنه فيها انتقاد سياسة حكومته أو مؤسسته، ومناقشة القرارات التقنية، ومساءلة المسؤولين، «لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه تقديم خبرته العلمية للجزائر، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة حدود استقلاليته عندما تختلف خبرته مع القرار السياسي أو الإداري».

رئيس المجلس العالمي لجزائريي المهجر أثناء إطلاقه بباريس في مارس 2024 (حساب المجلس بالإعلام الاجتماعي)

ويعدّ «المجلس العلمي» ثاني خطوة في اتجاه جمع المهاجرين للجزائريين حول مشروع كبير يخص تطوير البلاد؛ ففي مارس (آذار) 2024 أطلقت الجزائر «مجلساً عالمياً للهجرة»، بقيادة كريم زريبي النائب بالبرلمان الأوروبي سابقاً، يضم كفاءات بالهجرة في مجالات الصحافة والفن والتجارة والمال والأعمال، بهدف صناعة تأثير إقليمي ودولي والحفاظ على مصالح الجزائر الاستراتيجية في الخارج.


هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

رغم البعد النسبي لليبيا عن التداعيات السياسية والعسكرية للحرب الأميركية - الإيرانية، فإن استمرار أزمة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز يضع النفط الليبي أمام سؤال لا ينقطع منذ أشهر حول حجم الاستفادة التي يمكن أن تحققها ليبيا من هذه التطورات، في ظل ارتفاع أسعار الخام عالمياً.

وتشير تقديرات خبراء إلى أن ليبيا تحقق «إيرادات إضافية مؤقتة»، مع دفع الاضطرابات الجيوسياسية أسعار النفط العالمية إلى مستويات أعلى، إذ يؤدي ارتفاع سعر البرميل إلى زيادة قيمة الصادرات النفطية، حتى مع بقاء مستويات الإنتاج على حالها.

وحسب تقديرات وزير النفط الليبي السابق محمد عون لـ«الشرق الأوسط»، فإن «النفط الليبي يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية مع أي تغيرات وأزمات عالمية قد تطرأ على الأسعار نتيجة الصراعات العالمية أو التغيرات الجيوسياسية، ومن بينها أزمة إغلاق مضيق هرمز»، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار يوفر للدولة عائداً أكبر من الكميات المصدرة.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة لاقتصاد يعتمد بنسبة 98 في المائة على العائدات النفطية في تمويل الإيرادات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية متراكمة.

استفادة «غير مباشرة»

وتنتج ليبيا نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو (حزيران) الماضي وصول إنتاج الخام إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله منذ عام 2013.

وتظهر حساسية الإيرادات الليبية لتحركات أسعار النفط في بيانات الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، إذ بلغت مبيعات النفط نحو 96.1 مليار دينار، مقابل نحو 82.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 16.3 في المائة. (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية، و9.57 في الموازية).

منشأة نفطية في حقل الشرارة الليبي (شركة أكاكوس للعمليات النفطية)

لكن استفادة ليبيا من اضطراب الممرات البحرية تظل غير مباشرة، إذ إن صادراتها النفطية تخرج من موانئ تقع على البحر المتوسط، ولا تحتاج جغرافياً إلى المرور عبر مضيق هرمز، وفق محللين.

كما تمثل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية للخام الليبي، إذ تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن نحو 79 في المائة من صادرات الخام الليبي خلال 2025 توجهت إلى أوروبا، وكانت إيطاليا في مقدمة المستوردين.

ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن ليبيا «قد تحصل بالفعل على إيراد إضافي مؤقت إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى رفع أسعار خامها»، لكنه لا يرى في ذلك «مكاسب مستدامة».

ويقول: «يمكن للأسعار المرتفعة أن تؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب، وتسريع الاستثمار في البدائل وكفاءة الطاقة، وتشجيع منتجين آخرين على زيادة المعروض».

أهمية «الاستقرار»

وصعدت أسعار النفط في تعاملات الاثنين، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من واحد في المائة متجاوزاً 107 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 94 دولاراً، مع استمرار المخاوف بشأن تدفقات النفط العالمية نتيجة التوترات في المنطقة، حسب «رويترز».

ويعد الشحاتي، في منشور على «فيسبوك»، أن مصلحة ليبيا النفطية «لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق نفط مستقرة يمكن التنبؤ بها، بما يتيح للبلاد التخطيط لإنتاجها وصادراتها واستثماراتها».

ويضيف أن «القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على المحافظة على تدفق صادراتها، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية».

وتَبرُز الإغلاقات النفطية المتكررة بوصفها عاملاً يحد من قدرة ليبيا على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة في الآونة الأخيرة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يومياً، وتوقف وحدة تكرير بمصفاة الزاوية، ما هدد إمدادات الوقود، وزاد الضغوط على القطاع.

وبلغت الكميات المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق الأسبوع الماضي نحو 650 ألف برميل، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، وفق البيانات المعلنة.

يشار إلى أن ملف إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها محل نزاع بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، رغم اقتصار تسويق الخام رسمياً على المؤسسة الوطنية للنفط. وأفضت الخلافات بشأن الإيرادات إلى إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تهدئة في عام 2022.