كيف يؤثر التقارب بين القاهرة وأنقرة على «الإخوان»؟

عقب أنباء عن سحب الجنسية التركية من «القائم بأعمال المرشد»

الرئيسان المصري والتركي وقرينتاهما في قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة (أ.ف.ب)
الرئيسان المصري والتركي وقرينتاهما في قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

كيف يؤثر التقارب بين القاهرة وأنقرة على «الإخوان»؟

الرئيسان المصري والتركي وقرينتاهما في قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة (أ.ف.ب)
الرئيسان المصري والتركي وقرينتاهما في قصر الاتحادية الرئاسي بالقاهرة (أ.ف.ب)

أعادت أنباء عن سحب السلطات التركية الجنسية من القيادي البارز في تنظيم «الإخوان» محمود حسين، القائم بعمل مرشد التنظيم، المحظور رسمياً بمصر، طرح تساؤلات حول مستقبل أعضاء التنظيم بتركيا، في ظل تقارب متسارع بين أنقرة والقاهرة، والذي اكتسب زخماً كبيراً عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، الأسبوع الماضي.

وبينما لم يصدر أي تأكيدات رسمية من السلطات التركية بشأن سحب الجنسية من القيادي الإخواني الذي يقود جبهة التنظيم، التي تتخذ من الأراضي التركية مقراً لها، في مواجهة أجنحة أخرى للتنظيم، أقواها ما يُعرف بـ«جبهة لندن» بقيادة صلاح عبد الحق، تداولت حسابات محسوبة على شخصيات إخوانية، إضافة إلى مصادر إعلامية مصرية أنباء سحب الجنسية عن حسين، عادّة ذلك انعكاساً لتحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة.

ونشر حساب باسم عمرو عبد الهادي، وهو شخصية مقربة من تنظيم «الإخوان»، ومقيم في بريطانيا، تدوينة على حسابه بموقع «إكس»، أشار فيها إلى سحب السلطات التركية للجنسية من محمود حسين، عادّاً القرار «مجحفاً جداً وخيانة لعهد الأمان الذي منح له من إردوغان»، كما أشار إلى أن طريقة سحب الجنسية التركية منه «لا تتناسب مع الرجل سناً ومقاماً، وكان يجب على الأقل تمكينه من الخروج من تركيا قبل تجريده منها».

وأعاد عبد الهادي التدوين مجدداً بعد ساعات من انتشار أنباء سحب الجنسية، ليؤكد أن خبر سحب الجنسية التركية من محمود حسين «كان قبل ذهاب إردوغان إلى مصر»، متوقعاً «عدم تسليم أي معارض».

في غضون ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «القاهرة لا تتوقع تفكيك وشائج تم نسجها على مدى عقد كامل في يوم وليلة، لكنها ترى أن العلاقة طردية بين تحسن العلاقات المصرية - التركية وطي صفحة الدعم التركي للإخوان».

انقسامات داخلية

ويشغل محمود حسين منصب القائم بأعمال المرشد العام لتنظيم «الإخوان»، بعد قرار جبهة إسطنبول تعيينه، إثر خلافات مع جبهة لندن بقيادة إبراهيم منير قبل وفاته، وشغل حسين منصب الأمين العام لجماعة الإخوان خلفاً للقيادي محمود عزت عام 2010.

ويواجه تنظيم «الإخوان» انقسامات داخلية حادة، أدت إلى تنازع أكثر من جبهة لشرعية تمثيل وقيادة التنظيم، كان أبرزها «جبهة إسطنبول» التي يقودها محمود حسين، بعدما تحولت الأراضي التركية إلى ملاذ آمن لقيادات وعناصر التنظيم، عقب الإطاحة بحكم الجماعة إثر مظاهرات شعبية حاشدة في يونيو (حزيران) 2013.

وانطلق من الأراضي التركية كثير من القنوات التلفزيونية المناهضة للنظام الجديد في مصر، قبل أن تتخذ السلطات التركية إجراءات تضمنت التضييق، وغلق تلك القنوات في إطار المساعي لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة.

ويرجح أحمد بان الكاتب والباحث المتخصص في شؤون «جماعات الإسلام السياسي»، ورئيس مركز النيل للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، «عدم دقة الأنباء المتعلقة بسحب الجنسية من محمود حسين»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «القضية قديمة وتعود إلى أغسطس (آب) من العام الماضي، وجاءت في سياق قرارات وزير الداخلية التركي الجديد لضبط ملف اللاجئين والمقيمين الأجانب على الأراضي التركية، واتخذت بالفعل إجراءات لسحب الجنسية من محمود حسين، إلا أن الأخير استأنف على القرار واتخذ الإجراءات القانونية المتبعة، وبالفعل لم يصدر إلى الآن قرار بسحب الجنسية أو ترحيله من الأراضي التركية».

إلا أن الباحث أشار أيضاً إلى أن «ذلك لا يعني أن القيادة التركية ستحتفظ بقوة علاقاتها مع الإخوان»، مضيفاً أن إردوغان «عقله من مصالح الدولة، وقلبه مع الإخوان»، ويمكن استخدام أي إجراءات تتخذ في هذا الصدد في سياق استرضاء الدولة المصرية.

وبالفعل، شنت السلطات التركية حملة مداهمات واسعة النطاق طالت عناصر من «الإخوان» المقيمين في البلاد، وقامت باحتجاز من لا يحمل أي هوية أو إقامة أو جنسية، كما طلبت من بعض عناصر الجماعة مغادرة أراضيها، ورفضت السلطات التركية منح الجنسية لنحو 12 عنصراً إخوانياً آخرين، وجاءت تلك الإجراءات في سياق تحركات مكثفة لضبط وجود مئات الآلاف من اللاجئين والمعارضين السياسيين من عدة بلدان عربية على الأراضي التركية.

التقارب المصري - التركي

وربط كرم سعيد الباحث في الشؤون التركية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، صدور قرار بسحب الجنسية من محمود حسين في حالة تأكيده رسمياً بتطورات ملف العلاقة بين مصر وتركيا، وكذلك بتطورات السياسة الداخلية التركية كذلك.

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط»، أن السلطات التركية تتخذ إجراءات متدرجة بشأن ملف «الإخوان» على أراضيها، بالتزامن مع تطور العلاقات مع مصر، مشيراً إلى أنه كلما تطورت العلاقة إيجابياً، اتخذت أنقرة إجراءات لتضييق وجود ونشاط عناصر التنظيم الإخواني على أراضيها، لكنه أضاف في الوقت ذاته، أنه «كان من الصعب اتخاذ قرارات بإنهاء وجود التنظيم على الأراضي التركية حفاظاً على القاعدة الشعبية الداعمة لحزب (العدالة والتنمية) الحاكم، إذ تتميز تلك القاعدة بالمحافظة، وتتعاطف مع مظلومية الإخوان».

وترافقت خطوات التقارب الرسمي المصري - التركي، مع إجراءات من جانب السلطات التركية ضد المنابر الإعلامية الإخوانية التي تنطلق من الأراضي التركية، كما اتخذت إجراءات ضد إعلاميين محسوبين على «الإخوان»، منها ترحيل الإعلامي حسام الغمري في فبراير (شباط) من العام الماضي، والذي عاد بعدها إلى مصر، حيث بدأ بعدها في بث مجموعة من الفيديوهات يهاجم فيها قيادات «الإخوان» وتخليهم عن شباب التنظيم، كما اتهم بعض القيادات بالتعاون مع أجهزة استخبارات غربية.

وألقت السلطات التركية القبض على الناشطة المصرية من أصل سوري، غادة نجيب، زوجة الممثل هشام عبد الله أحد العناصر الداعمة لـ«الإخوان»، والذي فر من مصر إلى تركيا عام 2013، لـ«عدم التزامها بتعليمات التوقف عن الهجوم والتحريض على القيادة والأجهزة الأمنية في مصر، عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وأعلن عبد الله حينها في تدوينة على صفحته الرسمية في «فيسبوك»، أن «المخابرات التركية اعتقلت زوجته غادة نجيب من المنزل» لأسباب وصفها بـ«السياسية».

وطالبت السلطات التركية في مارس (آذار) عام 2021، القنوات الموالية للتنظيم بوقف برامجها التحريضية ضد مصر، أو التوقف نهائياً عن البث من الأراضي التركية، حال عدم الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي المطبق في تركيا، وفي العام نفسه، أعلنت فضائية «مكملين»، وهي واحدة من 3 قنوات تابعة لـ«الإخوان» تبث من إسطنبول، وقف بثها نهائياً من تركيا، كما انتقلت قنوات أخرى لاحقاً إلى العاصمة البريطانية.

صفحة جديدة

كانت مصر وتركيا أعلنتا في يوليو (تموز) الماضي، ترفيع العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى مستوى السفراء، وفي أغسطس (آب) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نظيره التركي للمرة الثانية، على هامش مشاركة الزعيمين في قمة العشرين بالعاصمة الهندية نيودلهي. كما التقى وزراء من الجانبين عدة مرات، لبحث تعزيز التعاون المشترك بين البلدين.

وزار الرئيس التركي القاهرة الأسبوع الماضي، في أول زيارة له إلى مصر منذ 12 عاماً، حيث أعلن الرئيسان المصري والتركي خلال مؤتمر صحافي مشترك، «فتح صفحة جديدة» في العلاقات بين البلدين، كما وقعا اتفاقاً لتأسيس مجلس للعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وأعلن أن الرئيس المصري سيزور أنقرة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، لتدشين هذا المجلس.

ولفت الباحث كرم سعيد إلى أن ورقة «الإخوان» لم تعد «ضاغطة» على القاهرة، أو «مؤثرة» بيد أنقرة، عادّاً أي إجراءات لفصل العلاقة بين أنقرة والإخوان ستكون لها حسابات خارجية لصالح تقديم دليل على مصداقية التقارب مع مصر، إضافة إلى حسابات داخلية تتعلق بتفادي الانتقادات الحادة من جانب أحزاب المعارضة التركية لسياسات الحزب الحاكم بشأن استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين السياسيين والمعارضين العرب، لا سيما مع تصاعد تلك الانتقادات بالتزامن مع اقتراب الانتخابات المحلية التركية.


مقالات ذات صلة

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

العالم العربي المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من محاولات مستمرة لإسقاط مصر، وذلك خلال حفل، شهده الخميس، لتخريج قضاة ضمن دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة متحدثاً إلى رئيس حزب «العدالة والبناء» فيصل الصافي خلال لقاء بطرابلس في مايو الماضي (صفحة الحزب)

اتفاق «لجنة الحوار» يفجر تباينات بين قوى إسلامية في ليبيا

أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» إلى الواجهة الانقسام المتنامي داخل القوى المحسوبة على التيار الإسلامي في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مصر أقامت منذ فترة «مراكز إصلاح وتأهيل» في مختلف المحافظات (وزارة الداخلية - أرشيفية)

تحذيرات مصرية من تصاعد استخدام «الإخوان» لـ«سلاح التشكيك»

حذَّر مصدر أمني مصري من «محاولات جماعة الإخوان المستمرة واليائسة التشكيك في السياسة العقابية الحديثة بالبلاد».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر إرهابياً، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)
TT

محكمة إيطالية تدين 3 مسؤولين أمنيين مصريين في مقتل الباحث ريجيني 

علم إيطاليا (أ.ف.ب)
علم إيطاليا (أ.ف.ب)

أدانت محكمة إيطالية، الاثنين، 3 مسؤولين أمنيين مصريين بالتورط في خطف وقتل الباحث جوليو ريجيني عام 2016، وحكمت عليهم بالسجن 10 سنوات.

وبرأت المحكمة متهماً مصرياً رابعاً.

وكان ريجيني، وهو طالب دراسات عليا في جامعة كمبردج البريطانية، قد اختفى في العاصمة المصرية في 25 يناير (كانون الثاني) 2016، وعُثر على جثته بعد ذلك بنحو أسبوع، وأظهر تقرير الطب الشرعي أنه تعرض لتعذيب شديد قبل وفاته.


غلاء الوقود وندرته... أزمة متكررة في السودان فاقمتها الحرب

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

غلاء الوقود وندرته... أزمة متكررة في السودان فاقمتها الحرب

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)
محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)

قبل أن تبدأ ساعات العمل، تكون طوابير السيارات في العاصمة السودانية الخرطوم قد بدأت زحفها اليومي نحو محطات الوقود، حيث يقضي سائقون ساعات في انتظار دورهم للحصول على بضعة لترات من الوقود.

ومع تحرك عقارب الساعة ببطء، يبقى أصحاب المركبات عالقين في صفوف تمتد لمسافات طويلة؛ بعضهم يخشى التأخر عن عمله، وآخرون يتخوفون من خسارة دخل يوم كامل.

ولم تعد أزمة الوقود بالنسبة إلى كثير من السودانيين تقتصر على صعوبة الحصول عليه، بل باتت عبئاً يومياً يمتد أثره إلى العمل والرزق والمواصلات واحتياجات الأسر، في وقت تزداد فيه تكاليف المعيشة، وتتراجع قدرة المواطنين على تحمل أعباء جديدة.

وبلغ سعر غالون البنزين داخل محطات الوقود نحو 37 ألف جنيه سوداني، وفق متعاملين، بينما ارتفع في السوق الموازية إلى نحو 60 ألف جنيه. وسجل غالون السولار 45 ألف جنيه داخل المحطات، مقابل نحو 56 ألف جنيه في الأسواق الموازية.

وفي سوق الصرف الرسمية، ارتفع سعر الدولار إلى نحو 5 آلاف جنيه سوداني، في حين بلغ نحو 8 آلاف جنيه في السوق الموازية.

طوابير طويلة

محمد عبد المنعم يؤكد أن أزمة الوقود أصبحت تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية (الشرق الأوسط)

وقال الموظف السوداني معز إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن ساعات الانتظار أمام محطات الوقود أصبحت جزءاً مرهقاً من يومه، وإن التأخر عن العمل بات ظاهرة جديدة في حياته، مع اضطراره إلى الانتظار في طوابير طويلة أمام محطات البنزين، الأمر الذي يؤثر في انتظامه في العمل والتزامه بدوامه اليومي.

وتابع: «لا أستطيع أن أقضي كل أسبوع ساعات طويلة أمام محطة الوقود. نحتاج إلى حل ينهي هذه الأزمة من جذورها، فحياتنا وأعمالنا لا تحتمل هذا الانتظار المتكرر».

أما السائق محمد المجتبى، فيقول: «نقص الوقود بات يتكرر بصورة شبه أسبوعية، ويضع أصحاب المهن اليومية أمام خيارين صعبين: الانتظار ساعات طويلة، أو شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار تفوق قدرتهم».

وأوضح أن توقفه عن العمل يوماً واحداً يعني خسارة دخل يصعب تعويضه خلال فترة قد تصل إلى نحو 10 أيام، بينما لا تتوقف التزاماته اليومية المتعلقة بالطعام والعلاج وصيانة المركبة. وأضاف: «أعمل يوماً بيوم، وإذا توقفتُ خسرنا رزق اليوم، لكن مصاريف البيت لا تتوقف. الله المستعان».

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند أصحاب المركبات؛ إذ يؤكد المواطن محمد عبد المنعم أنها تنعكس على مختلف مناحي الحياة اليومية، لا سيما بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، وقال: «ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الحصول على الوقود يؤثران بصورة مباشرة في توفير الطعام والشراب والعلاج واحتياجات الأطفال».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الوقوف في الطوابير الممتدة يعني ضياع ساعات كان يمكن استثمارها في العمل أو رعاية الأسرة، بينما يضاعف استمرار الأزمة الضغوط على مواطنين يواجهون أصلاً ارتفاعاً في تكاليف المعيشة».

تطمينات حكومية

محطة وقود في الخرطوم (الشرق الأوسط)

في مقابل مشاهد الاصطفاف أمام المحطات، أكدت وزارة الطاقة والنفط توفر الوقود وانسياب الإمدادات بصورة طبيعية إلى محطات الخدمة، مشيرة إلى استمرار التنسيق مع الجهات المختصة لمتابعة عمليات الاستيراد والمناولة والترحيل والتوزيع، بما يضمن انتظام وصول الوقود إلى المحطات.

وأوضحت الوزارة، في بيان صدر في 16 سبتمبر (أيلول) الحالي، أن الاصطفاف والازدحام اللذين شهدتهما بعض محطات الخدمة خلال الأيام الماضية، لا سيما على البنزين، يعودان إلى جملة من العوامل، من بينها التذبذب والبطء في بعض التطبيقات المصرفية؛ ما أدى إلى إبطاء عمليات شراء الوقود وتراكم المركبات تدريجياً أمام المحطات.

وأشارت إلى أن التطورات الجيوسياسية في منطقة مضيق باب المندب أسهمت في تعطيل حركة بعض ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، وهو ما انعكس على مواعيد وصول بعض الإمدادات وأسعار عدد من المنتجات النفطية.

وقالت الوزارة إن هذه التطورات تمثل تحديات خارجة عن إرادة الدولة، مؤكدة أنها اتخذت، في إطار جهودها لتغطية الفجوة وتأمين الإمدادات النفطية، عدداً من الإجراءات الرامية إلى ضمان استقرار الإمدادات، والحد من ارتفاع تكلفتها.

نشاط السوق الموازية

طوابير السيارات تمتد لمسافات طويلة بانتظار حصتها من الوقود (الشرق الأوسط)

وربط الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أزمة الوقود في السودان بتداعيات الحرب التي ألحقت أضراراً بمصفاة الخرطوم، إلى جانب صعوبات الاستيراد، ونقص النقد الأجنبي، واضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية، فضلاً عن ضعف التوزيع والرقابة واتساع نشاط السوق السوداء في تجارة المشتقات النفطية.

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن اعتماد السودان بدرجة كبيرة على استيراد الوقود يجعله أكثر تأثراً بتقلبات أسواق النفط العالمية واضطرابات النقل والإمداد، مشيراً إلى أن الحرب أسهمت كذلك في تراجع الإنتاج المحلي في مناطق كردفان، في وقت تواجه فيه البلاد محدودية المخزون الاستراتيجي وارتفاع تكاليف الاستيراد.

ويوضح أن التوترات الإقليمية، بما فيها الاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، تنعكس على تكاليف النقل وأسعار النفط وإمدادات الوقود؛ ما يزيد الضغوط على السوق المحلية.

ويصف فتحي أزمة الوقود بأنها من الأزمات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، إلى جانب أزمتي المياه والكهرباء، مشيراً إلى أنها تتكرر من وقت إلى آخر نتيجة عوامل إدارية وفنية ورقابية. ويضيف أن أي ضعف في المتابعة الحكومية يتيح المجال أمام شبكات السوق السوداء لاستغلال نقص الإمدادات، والتلاعب بالكميات والأسعار.

ويشير إلى أن عدم توافر مخزون استراتيجي كافٍ ومستدام، إلى جانب غياب منظومة واضحة للاستيراد وسياسة فعالة للتخزين، يجعلان السوق عرضة للصدمات المفاجئة، معتبراً أن الأزمة تحمل في جانب منها طابعاً إدارياً وفنياً، فضلاً عن تأثرها بتداعيات الحرب والظروف الاقتصادية.

ويدعو فتحي إلى تشديد الرقابة، ومكافحة السوق السوداء، واعتماد خطة للاستيراد تحدد الكميات وفق الاستهلاك المحلي الفعلي، بالتوازي مع إعادة هيكلة قطاع النفط، والتوسع في إنشاء مصافٍ حديثة، وتنويع مصادر استيراد المشتقات النفطية لتقليل مخاطر انقطاع الإمدادات المرتبطة بمصدر واحد، أو بالاضطرابات التي قد تطول عمليات النقل والتجهيز.

ومع تكرار مشهد الطوابير، تتحول أزمة الوقود من مشكلة مؤقتة إلى عبء يستنزف وقت المواطنين ودخلهم، ويضاعف تكاليف حياتهم اليومية؛ فالسائق الذي يخسر يوماً من العمل، والموظف الذي يصل متأخراً إلى عمله، والأسرة التي تدفع المزيد مقابل النقل والطعام والدواء، جميعهم يتحملون تكلفة أزمة تتجاوز حدود محطات الوقود.


مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

تتطلّع مصر إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين، في إطار استراتيجية للتوسع في هذا القطاع وتعظيم إسهاماته في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تطلّع بلاده إلى الارتقاء بالتعاون القائم مع شركة «أنغلو غولد أشانتي» المشغلة لـ«منجم السكري للذهب» من شراكة ترتكز على تشغيل المنجم إلى «شراكة استراتيجية أشمل» في قطاع التعدين المصري.

جاء ذلك خلال لقاء السيسي، الاثنين، مع الرئيس التنفيذي للشركة، ألبرتو كالديرون، على هامش افتتاح أعمال «منتدى مصر للتعدين 2026»، وذلك بحضور رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وعدد من المسؤولين.

وتمتد «الشراكة الأشمل» التي تتطلّع إليها مصر إلى مجالات الاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وأكد الرئيس السيسي تقديره للشراكة مع شركة «أنغلو غولد أشانتي»، مشدداً على «اهتمام الدولة بدعم استثمارات الشركة في مصر وتوفير البيئة الملائمة لنمو أعمالها». وشهد اللقاء أيضاً استعراضاً لتطورات أعمال الشركة وخططها المستقبلية للتوسع في السوق المصرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في قطاع التعدين.

من جانبه، أشاد كالديرون بالدعم المتواصل الذي توليه الدولة المصرية للشركة، وما تبذله الجهات المعنية من جهود لتذليل أي تحديات قد تواجه أنشطتها في مصر. واستعرض تطورات استثمارات الشركة الرئيسية في مصر ومختلف الدول التي تنشط بها حول العالم، مؤكداً أن مصر تمثّل إحدى الوجهات الاستثمارية ذات الأولوية للشركة.

وصرَّح بأن «أنغلو غولد أشانتي» تعتزم ضخ المزيد من الاستثمارات في عدد من المواقع الواعدة بقطاع التعدين المصري، بما يعزّز من فرص اكتشاف وتطوير مشروعات جديدة على غرار «منجم السكري».

«منجم السكري» في الصحراء الشرقية المصرية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويقع «منجم السكري»، الذي يصفه تقرير للهيئة الوطنية للإعلام في مصر، بأنه «كنز مصر الذهبي»، في الصحراء الشرقية على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مرسى علم الساحلية، وتتولى تشغيله شركة «السكري لمناجم الذهب»، وهو مشروع مشترك بين الحكومة المصرية وشركة «أنغلو غولد أشانتي» التي استحوذت عام 2024 على شركة «سنتامين»، المشغل السابق للمنجم.

وحسب إفادة للمتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، الاثنين، شهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول آفاق توسيع برامج الاستكشاف التي تنفذها الشركة في مصر، ولا سيما في مجال تعدين الذهب.

وأكد السيسي حرص الدولة على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لدعم أنشطة الشركة وتيسير أعمالها، في إطار استراتيجية التوسع في قطاع التعدين.