سكان قرى المغرب مهددون بالعطش بعد نضوب مياه الآبار

أسوأ موجة جفاف أرغمت السلطات على سن قوانين صارمة لمنع الهدر

يشتكي جل سكان قرى المغرب من شح المياه في الآبار التي تعودوا السقي منها (إ.ب.أ)
يشتكي جل سكان قرى المغرب من شح المياه في الآبار التي تعودوا السقي منها (إ.ب.أ)
TT

سكان قرى المغرب مهددون بالعطش بعد نضوب مياه الآبار

يشتكي جل سكان قرى المغرب من شح المياه في الآبار التي تعودوا السقي منها (إ.ب.أ)
يشتكي جل سكان قرى المغرب من شح المياه في الآبار التي تعودوا السقي منها (إ.ب.أ)

في صباح كل يوم، تجر خديجة محافظ حمارها النحيف، وعلى ظهره بعض العبوات البلاستيكية الكبيرة، وتذهب لجلب الماء من بئر غير بعيدة عن مسكنها. ترمي بدلوها حتى قعر البئر، وبعناء كبير تستطيع ملء القليل من الماء، الذي بالكاد يكفي للشرب والاستخدامات المنزلية ليوم واحد فقط، إذ لا توجد مياه في الصنبور في بيتها، شأنها شأن كثير من الأسر في قرية كشاتة، الواقعة في ضواحي مدينة صفرو القريبة من مدينة فاس المغربية.

سيدة قروية في رحلة بحث يومية عن الماء (أ.و.ب)

تقول خديجة لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «هذا حالي كل يوم، فأنا المسؤولة عن جلب المياه من البئر لأن زوجي يعمل بشكل يومي في إحدى ضيعات (مزارع) الفواكه القريبة من القرية، وإذا لم أجد ماء لأجلبه، أضطر إلى تأجيل بعض الأعمال المنزلية التي تتطلب ماء كثيرا ليوم آخر، لكن ماء الشرب على الأقل يجب توفيره».

تطغى على خديجة (27 عاما) ملامح الإعياء وهي تقول: «لا أهتم بشرب ماء البئر الذي أحيانا لا يكون صافيا كفاية، لكن أقلق بشأن ابني وأخاف على صحته». القرية التي تضم ما يقرب من 66 أسرة تنهل جميعها من ماء بئر وحيدة تتوسط القرية، ومع ظروف الجفاف القاسية بدأت مياهها تنضب حتى إنها باتت لا تكفي سكان القرية. ويملك بعض سكان كشاتة صنبور ماء في بيوتهم، بينما يضطر آخرون ممن ليس لديهم ماء للاعتماد تماما على البئر. يقول الحسين الطالبي، أحد سكان كشاتة: «هذه السنة وحتى السنة الماضية لم أذق طعم الزيتون الذي تعودت عليه لسنوات، لأن محصولي من الزيتون لم ينتج شيئا هذه السنة، بسبب عدم سقوط الأمطار، ومعظم سكان القرية يعيشون من محاصيلهم الزراعية، وخاصة الزيتون الشهير في المنطقة».

يضطر جل سكان القرى لقطع مسافات طويلة كل يوم للتزود بمياه الآبار (أ.و.ب)

الطالبي، وهو أب لخمسة أبناء، يضطر لأن يبقى بعيدا عن أسرته من أجل لقمة العيش، ولأن أزمة الجفاف أجهزت على محصوله من الزيتون، لم يتبق له مورد للعيش. وأضاف الطالبي بحسرة على ما آلت إليه وضعية قريته: «أنا قلق جدا على أسرتي، فإذا نضب الماء من البئر فكيف سنتدبر أمورنا؟ إنها المورد المائي الوحيد لنا بالقرية، مع أنني أستعمل ماء الصنبور، لكن لا يمكنني سقي حديقة بيتي بماء الصنبور، ولا حتى بالنسبة للاستخدامات المنزلية، فلا بديل عن ماء البئر». ويعتمد سكان بوادي المغرب بشكل كبير على مياه الآبار لتلبية احتياجاتهم من الماء، سواء للشرب أو لري المحاصيل الزراعية، وفي بعض القرى يتم بناء آبار سطحية للحصول على المياه، باستخدام تقنيات الري التقليدية، مثل الري بالتنقيط، لتحقيق أقصى استفادة من الموارد المائية المتاحة. ومع ذلك، فهم يواجهون تحديات متزايدة بسبب انخفاض مستوى المياه الجوفية، وزيادة تأثيرات الجفاف في المغرب.

* استنزاف الموارد المائية

يقول الخبير الزراعي ومنسق التجمع البيئي بشمال المغرب، محمد بنعطا، إن المغرب استنزف في الفترات الأخيرة موارده المائية غير السطحية المتعلقة بالسدود، التي وصلت نسبة ملء بعضها إلى أربعة بالمائة، كما استهلك بشكل كبير «الموارد الباطنية المتعلقة بالفرشات المائية التي وصلت لدرجة استنزاف خطرة». مضيفا أن «هناك مخاوف بالنسبة للآبار الموجودة بالقرى المغربية، ذلك أنه في بعض القرى المجاورة للعاصمة الرباط، ومن خلال زيارة ميدانية قمت بها هناك، تأكد لي أن أغلب الآبار شبه جافة».

يجد فلاحو المغرب صعوبة بالغة في تأمين العلف لماشيتهم بسبب توالي سنوات الجفاف (إ.ب.أ)

وتابع بنعطا قائلا: «مياه الآبار والعيون بالنسبة لسكان بعض القرى هي المورد المائي الوحيد، خاصة تلك التي لم تصلها إمدادات الماء، وتستخدم هذه المياه بشكل أساسي في الزراعة والشرب، الأمر الذي يتطلب الحفاظ على هذه الموارد لضمان استدامتها وعدم تلوثها». وعزا بنعطا استنزاف الموارد المائية بالقرى المغربية إلى حفر الآبار بشكل عشوائي، ما يجعل تحديد رقم حقيقي عن عدد الآبار بالبلاد أمرا صعبا. كما أوضح الخبير الزراعي أن اعتماد بعض القرى على مياه الآبار والعيون «يرفع من نسبة استهلاكها، وهو ما يهلك الفرشة المائية، غير أن بعض سكان القرى، ممن لديهم إمكانات، يستخدمون الطاقة الشمسية لضخ مياه الآبار، وهو ما من شأنه التخفيف من نسبة استهلاك الماء».

* تدابير استباقية

بحسب تقرير لوزارة التجهيز والماء في المغرب الشهر الماضي، فقد بلغ حجم الموارد المائية في السدود المغربية حتى بداية العام الحالي 646 مليون متر مكعب، بنسبة تقل 70 بالمائة مقارنة بحجم الموارد المائية في العام السابق. ويقدر المخزون المائي في السدود حتى الشهر الماضي بما يقرب من 3.74 مليار متر مكعب، وفق تقرير الوزارة، أي ما يعادل 23.2 بالمائة من السعة الإجمالية للسدود في البلاد، مقابل 31.7 بالمائة في العام السابق. ويملك المغرب 153 سدا كبيرا، بسعة إجمالية تبلغ 20 مليار متر مكعب، فضلا عن 141 سدا صغيرا ومتوسطا، و15 محطة لتحلية مياه البحر، بقدرة إنتاجية تبلغ 192 مليون متر مكعب، بحسب بيانات وزارة التجهيز والماء.

صورة تبين تقلص منسوب نهر واد بومقلة في جنوب المغرب (إ.ب.أ)

ولضمان الأمن المائي، والحد من تأثير التغيرات المناخية في المغرب، صاغت وزارة التجهيز والماء برنامجا وطنيا للتزويد بماء الشرب ومياه السقي للفترة الممتدة من 2020 إلى 2027. ومن بين التدابير الاستباقية، التي اتخذتها الوزارة لسد النقص المائي، خاصة في القرى، حفر آبار استكشافية لتوفير المياه الصالحة للشرب، وتوفير شاحنات ومحطات متنقلة لتحلية مياه البحر وغيرها. ووفقا لبيانات الوزارة، فقد تم حفر 120 بئرا بين عامي 2021 و2023 بالحوض المائي لأبي رقراق والشاوية في العاصمة الرباط. ودفعت أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من 20 عاما السلطات المغربية إلى حظر استخدام ماء الشرب في تنظيف الشوارع، أو ري المتنزهات في المدن، والتوقف عن استخدام ماء السدود في ري بعض مناطق الزراعة الرئيسية.


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: صيباري يغيب عن تمارين المغرب

رياضة عربية إسماعيل صيباري نجم المغرب (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: صيباري يغيب عن تمارين المغرب

كان مهاجم أيندهوفن الهولندي، إسماعيل صيباري، الغائب الوحيد عن الدقائق الـ15 الأولى المفتوحة لوسائل الإعلام في الحصة التدريبية لمنتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (نيوجيرسي)
رياضة عربية الموهبة المغربية الشابة أيوب بوعدي كتب شهادة ميلاده أمام البرازيل (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: الموهبة المغربية الصاعدة بوعدي يشق طريقه بثقة

بدأ الموهبة الشابة أيوب بوعدي أولى مبارياته الدولية الرسمية بخطى واثقة.

«الشرق الأوسط» (إيست رذرفورد)
رياضة عالمية منتخب البرازيل أنهى استعداداته لمواجهة المغرب (رويترز)

«مونديال 2026»: الموقعة الأولى بين البرازيل والمغرب

يشهد يوم السبت، على الورق، أبرز مباراة في دور المجموعات لمونديال 2026 في كرة القدم، بين البرازيل، حاملة اللقب 5 مرات، ومنتخب المغرب صاحب مفاجأة 2022.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد (الولايات المتحدة))
الرياضة صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

فينيسيوس ودياز يضعان زمالة ريال مدريد في مستودع الملابس

قمة المغرب والبرازيل بمونديال 2026 تشعل صراعاً تكتيكياً مثيراً في نيوجيرسي، واضعةً زميلي ريال مدريد، فينيسيوس ودياز، في مواجهة مباشرة بشعار أعداء الليلة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

شاكيرا ونورا فتحي... معركة المشاهدات بين نجمة الحاضر وأيقونة المونديال

نورا فتحي تتفوق بأغنية «سير سير» في مشاهدات مونديال 2026، لكن شاكيرا تحافظ على مكانتها التاريخية أيقونة أغاني كأس العالم.

كوثر وكيل (لندن)

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مُثقلة بقصص عن انتهاكات وأهوال تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة بنساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكنها نجاة لن تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وعدم تمكينهم من الإفلات.

بين تجربة مثقلة بصدمة الاختطاف، والاغتصاب، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

وفي بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، والدعم النفسي، وآليات المحاسبة القانونية، يتحول العنف الجنسي من فعلٍ حربي يقع في سياق عسكري إلى أزمة مجتمعية ممتدة، وتتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن إنصاف الضحايا.

«الشرق الأوسط» رصدت معاناة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، وتحدثت إلى عدد من الناجيات. كما وثّقت إحصاءات، وجمعت آراء خبراء قانونيين ونفسيين، مع الحرص على حجب أسماء النساء، وبعض التفاصيل التعريفية، حفاظاً على سلامتهن، وخصوصيتهن.


انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.