النزوح يفاقم أزمة مياه بورتسودان

المواطنون يشربونها ملوثة... والأوبئة تحاصرهم

لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
TT

النزوح يفاقم أزمة مياه بورتسودان

لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)
لاجئون فارّون من الصراع في السودان يصطفّون مع صفائحهم للحصول على مياه الشرب من نقطة التوزيع التابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» (أ.ف.ب)

تظهر ابتسامة كبيرة على وجه طفل صغير عندما يستجيب أحد المارة لطلبه، ويمدّه بقارورة يتأرجح داخلها ماء قليل... عادةً يلوح الأطفال بأيديهم الصغيرة لأصحاب السيارات، ليس طلباً لنقود، ولكن طمعاً بأن يجدوا عندهم أكثر من قارورة ماء... على الأقل واحدة منها مليئة.

... ويستمر البحث عن جرعة الماء منذ الصباح وحتى قبل مغيب الشمس.

ما يقوم به ذلك الطفل، ليس في طريق صحراوية أو منطقة خلوية، بل هو وعدد من أقرانه، منتشرون في طريق تربط القادمين من شمال ولاية البحر الأحمر إلى حاضرتها بورتسودان، حيث مواقع عملهم أو عائدين من رحلات ترفيهية.

فالمدينة الساحلية التي تتكئ على البحر الأحمر، تعاني أزمة مياه مزمنة. ومنذ سنوات تعلو الأصوات الرسمية بوعود حلها من دون جدوى. وزادت الأزمة تعقيداً بعد أن أصبحت عاصمة بديلة للخرطوم غداة الحرب، ولجأ إليها مئات الآلاف من النازحين، الفارين من القتال في مناطقهم.

امرأة وأطفال نازحون من ولاية الجزيرة السودانية ينقلون المياه (أ.ف.ب)

ولا تصل شبكات المياه إلى عدد كبير من منازل المدينة، ولا تعرف أطرافها «صنبور الماء»، وتعتمد بشكل أساس على الماء المجلوب بواسطة عربات نقل المياه (تعرف محلياً بـتانكر) وتقوم بتخزينها في خزانات تحت الأرض، بينما تعتمد المجموعات الأكثر فقراً، على الماء المجلوب بواسطة الدواب (عربات الكارو)، مقابل 1000 – 1500 جنيه سوداني، أي ما يوازي دولاراً أميركياً إلى دولار ونصف الدولار، يومياً.

ووفقاً لإحصائيات غير رسمية، يبلغ عدد سكان مدينة بورتسودان نحو نصف مليون نسمة، يعانون أصلاً شح المياه، ويعتمدون على مياه الأمطار الموسمية التي تخزن في خزانات مثل «خور أربعات»، وعادةً لا تكفي فترة الجفاف. ووعدت حكومات عدة بتزويد المدينة بمياه من نهر النيل من دون جدوى. وتفاقمت الأزمة بعد الحرب ونزوح مئات الآلاف إليها، مائة ألف منهم على الأقل قرّروا الاستقرار فيها، والباقون هم من الذين يطلبون الخدمات الحكومية، أو مغادرة البلاد؛ لأنها المنفذ الوحيد الذي ظل مفتوحاً جواً وبحراً.

مرفأ بورتسودان واجهة السودان على البحر الأحمر (سونا)

ويقول بائع الماء، علي، الملقب بـ«أدروب» في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه امتهن بيع الماء منذ 3 سنوات. يستيقظ باكراً لشراء الماء الصالح للشرب من خزانات تجارية، ومن ثم يبيعها لزبائن معتمدين لديه، ويجوب شوارع منطقة القادسية حتى المساء.

ويقول المختص في المياه، محمد أحمد: إن المدينة تعتمد في المياه على «سد خور أربعات»، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 3 ملايين متر مكعب، و«سد خور موج»، لكن في الفترة الأخيرة لم تخزن فيه أي مياه، والخيران هي أنهر موسمية الجريان، وبالمدينة نحو 50 بئراً، تعمل منها الآن 33 لتغذي الخطوط الرئيسية.

وقال نازحون في الولاية يعتمدون على المياه التي تجرّها عربات الدواب (كارو) لـ«الشرق الأوسط»: إن المياه التي يشترونها غير صالحة للشرب، ويميل لونها إلى الأخضر، وفيها أعشاب صغيرة، يمكن استخدامها لأغراض النظافة وغسل الملابس، في حين يضطر آخرون إلى شربها؛ ما يسبب لهم آلاماً في البطن وإسهالات عصية على العلاج.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وسط قواته في شرق البلاد (سونا)

وأكدت مسؤولة الطوارئ بوزارة الصحة، ليلي حمد النيل، مزاعم النازحين، وحضّت المواطنين على غلي الماء قبل الشرب، وتابعت: «المياه المنقولة عبر العربات التي تجرها الدواب، تعتمد على المصدر الذي جلبت منه، ومدى نظافة وسيلة النقل، لذلك لابد من مراقبة دورية ورفع الوعي الصحي، والتأكد من معالجة المياه بالكلور».

أما أحمد عمر، وهو من سكان بورتسودان، فقد قال لـ«الشرق الأوسط»: «إن اسم ولاية البحر الأحمر مرتبط بأزمة ماء الشرب، وإن المياه الموجودة فيها صالحة لكل شي إلاّ الشرب». ويتابع: «الولاية عانت وتعاني مشكلة مياه الشرب، رغم أن الحصول على الماء الصالح يعدّ من حقوق الإنسان الأساسية، لكن ولايتنا ظلت ولعهود طويلة تحلم بمياه النيل، وأن تتدفق عليها مثلما يصلها البترول من أقاصي البلاد، وينقل ثانية بعد تصفيته إلى كل ولايات السودان».

وأشار عمر، إلى أن أنظمة الحكم المتعاقبة قدمت لأهل بورتسودان الكثير من الوعود بتوفير المياه، لكنها لم تفِ بوعودها. وأوضح، أن المواطنين يحصلون على المياه من «سد أربعات»، وهي لا تكفي حاجة الولاية، وأضاف: «موجة النزوح الكبيرة التي شهدتها بورتسودان بعد الحرب، ضاعفت من مشكلة عدم توفر المياه».

ويقول خبراء تحدثوا للصحيفة: إن الدراسات العلمية لحل مشكلة مياه بورتسودان لم تجد الاهتمام الكافي؛ لذلك ظلت حبيسة أدراج المسؤولين؛ ما جعل من «مشكلة المياه» عقدة في العلاقة بين الولاية والمركز الحكومي في الخرطوم، وتابعوا: «حين انتقل المركز إلينا، فاقم الأزمة ولم يقدم حلولاً».

أنظمة الحكم المتعاقبة قدّمت لأهل بورتسودان الكثير من الوعود بتوفير المياه... لكنها لم ِبوعودها

مواطن في بورتسودان


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

يواجه ذوو الإعاقة ظروفاً قاسية وبالغة التعقيد بالسودان، في ظل انهيار شامل في البلاد بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

في متنزه كان وجهة رائجة بين العائلات في الخرطوم يبحث حسين إدريس عن الألغام باستخدام جهاز كشف المعادن مرتدياً معدات الحماية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.