هل اقتربت الوساطة المصرية - القطرية من التوافق على «التهدئة» في غزة؟

عقب تلقي «حماس» دعوة لزيارة القاهرة ومناقشة مقترح «اجتماع باريس»

مبان مدمرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ ف ب)
مبان مدمرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ ف ب)
TT

هل اقتربت الوساطة المصرية - القطرية من التوافق على «التهدئة» في غزة؟

مبان مدمرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ ف ب)
مبان مدمرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ ف ب)

تتواصل جهود الوساطة المصرية-القطرية-الأميركية الرامية إلى التوافق على صفقة لتبادل «الأسرى» بين إسرائيل وحركة «حماس»، و«تهدئة» الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ أربعة شهور. وأعلن رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، إسماعيل هنية، الثلاثاء، «تلقي الحركة دعوة من القاهرة لدراسة نتائج (اجتماع باريس)»، ما عده خبراء مؤشراً على «قرب التوصل لاتفاق»، بينما رهنه آخرون بـ«ضغط قطر على (حماس)».

واستضافت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعاً، الأحد، شارك فيه رؤساء المخابرات الإسرائيلية والأميركية والمصرية، إضافة إلى رئيس الوزراء القطري. وأوضح مصدر مصري قريب من مفاوضات «صفقة تبادل الأسرى» أن «(اجتماع باريس) كان تنسيقياً، ولن يكون الأخير، حيث من المقرر عقد سلسلة أخرى من الاجتماعات خلال الفترة المقبلة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الولايات المتحدة وفرنسا تستهدفان تنسيق المواقف بشأن الترتيبات الأمنية في غزة، وهناك جهود متواصلة في هذا الشأن دفعت إسرائيل إلى إيفاد مسؤوليها إلى باريس للمشاركة في الاجتماع». وأضاف أن «(اجتماع باريس) وضع الأُطر المباشرة لتنسيق الترتيبات الأمنية في الهدن المقبلة، ما يعد إطاراً رئيسياً حاكماً لما سيتم التوافق عليه مستقبلاً في إطار التنسيق المشترك». ولفت إلى أن «الاجتماعات المقبلة قد تُعقد في باريس أيضاً، وقد تلتحق بها أطراف أخرى مثل النرويج وألمانيا».

وأشار المصدر المصري إلى أنه «عقب (اجتماع باريس) بات هناك إطار لجدول أعمال وسياق زمني يتراوح ما بين 60 و70 يوماً». وقال إن «(اجتماع باريس) كان متعلقاً بالترتيبات الأمنية في المقام الأول».

وتباينت ردود الفعل بشأن الصفقة المرتقبة، حيث قال هنية، في إفادة رسمية، الثلاثاء، إن «الحركة تسلمت مقترح اجتماع في باريس، وهي بصدد دراسته وتقديم ردها عليه»، وشدد على أن «(حماس) منفتحة على مناقشة أي مبادرات جدية وعملية بشرط أن تفضي إلى وقف شامل للحرب وتأمين إيواء النازحين، وإعادة الإعمار ورفع الحصار، وإجراء عملية جادة لتبادل السجناء». وأكد هنية أن «الرد على مقترح (اجتماع باريس) سيكون على قاعدة أن الأولوية هي وقف الحرب على غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية كلياً إلى خارج القطاع».

صورة تم التقاطها من رفح تظهر الدخان يتصاعد فوق خان يونس في جنوب قطاع غزة خلال القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

بدوره، أكد الأمين العام لحركة «الجهاد»، زياد النخالة، في بيان صحافي، الثلاثاء، أن الحركة «لن تنخرط في أي تفاهمات من دون أن تضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وانسحاب قوات الاحتلال، وضمان إعادة الإعمار، وحلاً سياسياً واضحاً يضمن حقوق الفلسطينيين».

أما على الصعيد الإسرائيلي، فنقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، عن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، قوله إن «بلاده لن تطلق سراح الآلاف من (الإرهابيين) الفلسطينيين ضمن صفقة لتبادل الأسرى والمحتجزين». وأضاف نتنياهو: «لن نُنهي الحرب بدون تحقيق كل أهدافنا ومعنى ذلك القضاء على (حماس) وعودة الرهائن، وضمان أن غزة لن تشكل تهديداً على إسرائيل مستقبلاً».

بينما هدد وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الثلاثاء، بالانسحاب من الحكومة حال التوصل إلى صفقة «غير مقبولة». وقال في منشور عبر «إكس»: «اتفاق غير محسوب يساوي تفكيك الحكومة».

وحصل حزب بن غفير من خلال تحالف مع وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، على 14 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي، ما يعني أن انسحابه من الحكومة سيؤدي إلى حل الائتلاف الحاكم والتوجه لانتخابات مبكرة.

وكانت تقارير إعلامية أشارت إلى أن «(اجتماع باريس) شهد توافقاً على إطار عمل للإفراج عن الرهائن، ووقف إطلاق النار على عدة مراحل». وتحدث مسؤولون إسرائيليون وأميركيون وقطريون عن نتائج «إيجابية» للاجتماع، وإن ظلت هناك بعض «الفجوات».

ووصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي المحادثات بأنها «بناءة»، لكن لا تزال هناك «فجوات كبيرة». الوصف نفسه أطلقه البيت الأبيض على المحادثات، مؤكداً أنه «لا يزال يوجد الكثير من العمل الذي يتعين القيام به». بينما أعلن رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إحراز «تقدم جيد» خلال محادثات باريس.

من جانبه، قال الوزير الفلسطيني الأسبق، عضو طاقم مفاوضات أوسلو مع إسرائيل، حسن عصفور، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نتنياهو لن يضحي بحكومته من أجل التوصل لاتفاق». وأضاف أن «الوضع ملتبس ومعقد وليس من السهل التوصل إلى توافق، إلا إذا ضغطت قطر على حركة (حماس)». واستدرك أنه «حتى لو حدث ذلك فإنه من الصعب إقناع قيادات (حماس) في الداخل بالاتفاق»، مضيفاً أن «الحديث عن صفقة يتناقض مع التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن إعادة احتلال قطاع غزة».

لكن مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، «لم يستبعد التوصل لاتفاق في وقت قريب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك مؤشرات عدة تشير إلى قرب الاتفاق، من بينها قرارات محكمة العدل الدولية الأخيرة الملزمة لإسرائيل، إضافة إلى تضرر المنطقة والولايات المتحدة نفسها من اتساع دائرة الحرب مع طول أمد الحرب». وأضاف أن «ما سبق يتزامن مع مظاهرات مناوئة لنتنياهو داخل إسرائيل، وضغوط داخلية على الإدارة الأميركية في عام الانتخابات الرئاسية، إلى جانب إرهاق الطرفين (حماس وإسرائيل) من طول الحرب».

ولفت مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إلى أنه «حال التوصل إلى هدنة تستمر شهراً أو شهرين، ستكون هناك فرصة لبحث وقف دائم لإطلاق النار، والتفكير في سيناريو اليوم التالي».

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، قال في وقت سابق، إن هناك «أملاً حقيقياً» بالتوصل لاتفاق. ووصف المقترح المطروح على الطاولة في باريس بأنه «قوي» و«مقنع».

مسعفون فلسطينيون يضعون الجثث المغطاة بأغطية بيضاء داخل سيارة إسعاف بعد غارة جوية على منزل في مخيم المغازي (رويترز)

على صعيد آخر، نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين إسرائيليين قولهما إن «رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، رونين بار، زار القاهرة، الاثنين، حيث التقى رئيس جهاز المخابرات العامة، عباس كامل، في خضم (توتر) في العلاقات بين البلدين بسبب الحرب في قطاع غزة». ولفت الموقع إلى أن «المباحثات تطرقت إلى قضايا بعيدة عن صفقة تبادل المحتجزين مع (حماس)، بينها الوضع على (محور فيلادلفيا) وتعاون البلدين لمنع تهريب الأسلحة إلى غزة».

غير أن مصدراً مصرياً رفيعاً نفى «مناقشة أي ترتيبات مع إسرائيل بشأن (محور فيلادلفيا) الفاصل بين مصر وقطاع غزة»، مؤكداً «رفض القاهرة أي تحركات من الجانب الإسرائيلي بخصوص المحور»، حسب ما نقلته قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، مساء الثلاثاء.

كان رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» قد أعرب، في بيانه، الثلاثاء، عن «تقديره موقف مصر الرافض أي وجود للجيش الإسرائيلي بـ(محور فيلادلفيا)».

وهنا فرّق المصدر القريب من المفاوضات بين «اجتماع باريس»، وزيارة رئيس «الشاباك» للقاهرة، قائلاً إن «هناك مسارين للمفاوضات، الأول إقليمي دولي يتعلق باتفاقات الهدنة وإطلاق سراح المحتجزين، والثاني ثنائي يتعلق بالعلاقات بين مصر وإسرائيل». وأضاف المصدر أن زيارة رئيس «الشاباك» ركزت في الأساس على «قضية (محور فيلادلفيا)، ولم تتطرق إلى الهدنة أو صفقة تبادل الأسرى». وأوضح أن «الزيارة تأتي في إطار توتر العلاقات بين القاهرة وتل أبيب إثر رغبة الأخيرة فرض سيطرة عسكرية على (محور فيلادلفيا)، وهو ما تعتبره القاهرة (خطاً أحمر)». وأكد أن «القاهرة جددت خلال اللقاء مع رئيس (الشاباك) التأكيد على هذه الخطوط الحمراء».

و«محور فيلادلفيا» هو شريط حدودي بطول 14 كيلومتراً بين غزة ومصر، ويعدّ منطقة عازلة بموجب «اتفاقية كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل، وتصاعد التركيز الإسرائيلي عليه منذ نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما أشار نتنياهو، في مؤتمر صحافي، إلى أن منطقة «محور فيلادلفيا»، «ينبغي أن تكون تحت سيطرة إسرائيل». وتسببت هذه التصريحات في «توتر» العلاقات مع مصر.

وهو ما أكده مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق بقوله إن «العلاقات بين القاهرة وتل أبيب محتقنة، واستمرار التصعيد بشأن (محور فيلادلفيا) يهدد عملية السلام».

كان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، حذر في بيان سابق من أن أي تحرك إسرائيلي باتجاه إعادة احتلال «محور فيلادلفيا»، «سيؤدي إلى (تهديد خطير وجديّ) للعلاقات المصرية-الإسرائيلية».


مقالات ذات صلة

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي قوات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية واحتجاز جثمانه في الضفة الغربية

قُتل فلسطيني، الأربعاء، برصاص القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، التي قالت إنه جرى «احتجاز» جثمان القتيل.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)

البرهان: المعركة توسعت وازداد استهداف السودان

البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
TT

البرهان: المعركة توسعت وازداد استهداف السودان

البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)
البرهان والعطا يكرِّمان رئيس هيئة الأركان السابق (صفحة الجيش السوداني على «فيسبوك»)

شدد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مجدداً على عدم وجود أي تفاوض مع «قوات الدعم السريع». وقال «إن هذه المعركة توسعت، واستهداف الدولة السودانية في ازدياد».

وأضاف البرهان لدى مخاطبته، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، حفل تكريم رئيس هيئة أركان الجيش السابق، أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها، عازمة على استكمال هذه المسيرة، وتخليص الشعب السوداني من «المرتزقة والجنجويد الرباطة».

ودعا الرأي العام السوداني إلى عدم الانسياق وراء الشائعات، قائلاً: «لم نذهب إلى أي مفاوضات، ولن نتفاوض مع هؤلاء المتمردين... ولا مع كل شخص داعم لهم». وتابع: «لا تفاوض إلا مع من يستسلم ويضع السلاح».

وأكد أن القوات المسلحة تقاتل حالياً في جميع الجبهات، وأن العدو مستمر في استقدام المرتزقة والمساندة الخارجية.

وقال قائد الجيش إن هذه المعركة توسعت، وازداد استهداف الدولة السودانية، وهو ما يتطلب من الجميع التكاتف والتعاضد لإنهاء هذا التمرد.

إلى ذلك، تعهَّد عضو «مجلس السيادة»، رئيس هيئة الأركان ياسر العطا، باستكمال مسيرة النصر في كل المحاور حتى «أم دافوق» في دارفور وولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.


الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
TT

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي؛ وهو واقعٌ يفرض بالضرورة صياغة مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول العسكرية الصرفة لتشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية.

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (باماكو بامادا)

شهد شهر أبريل (نيسان) 2026، وتحديداً يوم 25 منه، تصعيداً خطيراً في مالي، تمثل في هجمات منسقة قادها متطرفون إسلاميون ومعارضون طوارق، استهدفت مراكز حيوية ومواقع عسكرية تابعة للجيش المالي وحلفائه، واتسمت لاحقاً بتوسع رقعة الاشتباكات، وانتقال الثقل العسكري من أقصى الشمال نحو مناطق في الوسط وبالقرب من العاصمة باماكو. كما طرد المهاجمون القوات الروسية؛ التي تدعم القوات الحكومية، من بلدة كيدال الاستراتيجية بالشمال.

مشكلة في الفناء الخلفي

بالنسبة إلى الجزائر، لا تعدّ الأزمة المالية شأناً بعيداً؛ فهي تدور في الفناء الخلفي لحدودها الجنوبية، وفي فضاء هش يعاني منذ عشرات السنين من التهريب، والهجرة غير الشرعية، وتدفق السلاح. لذا؛ تتابع الجزائر هذه التطورات بحذر بالغ؛ خصوصاً أن خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب علّمتها أن أي أزمة تُترَك «لتتخمر»، فستنتهي حتماً بالانفجار وتجاوز الحدود، وفق ما جاء في تقارير حكومية جزائرية بشأن الأزمة المالية.

مسلحون من المعارضة «الطرقية» بمنطقة كيدال شمال مالي (أزواد نيوز)

بهذا الخصوص، يقول الخبير الجزائري في الشؤون السياسية، الكاتب الصحافي بشير جعيدر، إن 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي وارتداداته بالمنطقة والجزائر، تلوح في الأفق: الأول «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة استقرار مستدامة في شمال مالي، الحدودي مع الجزائر، ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو النيجر، وموريتانيا وليبيا، وبالتبعية نحو الجزائر. كما يشير أيضاً إلى «التدفقات البشرية والإجرامية»، إذ نادراً ما تقتصر أزمات الساحل على نوع واحد من النزوح؛ «فمع اللاجئين المدنيين، قد يتسلل المهربون، وتجار البشر، وعناصر مسلحة تسعى لإعادة الانتشار»... وهذا هو التهديد الثاني في نظره، كما تتضمنه التقارير الحكومية نفسها، على سبيل أن احتمال مواجهته يحدده مدى تسارع التطورات في الميدان.

عناصر من حركة «أزواد الطرقية» المعارضة (أزواد نيوز)

ومن التهديدات المطروحة، حسب جعيدر، «التنافس الجيوسياسي»... ففي تقديره، «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية، أبرزها: روسيا، والغرب، وتركيا، والفاعلون غير الحكوميين. وكل فراغ سياسي يجذب رعاة جدداً، أو مصادر تهديد جديدة».

مواجهة الأزمة بدم بارد

في هذا السياق، تملك الجزائر أوراقاً رابحة، وفق الخبير السياسي نفسه: «تجربة في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية مشهود لها في الساحل، ومعرفة دقيقة بالتوازنات القبلية والتشعبات العرقية في المنطقة، وقدرة على الوساطة. ورغم أنها لا تستطيع الحلول محل الدولة المالية، أو فرض حل بمفردها، فإنها قادرة على منع السيناريو الأسوأ، وذلك من خلال دعم حل سياسي شامل بين باماكو ومكونات الشمال، وتعزيز التعاون الإقليمي لتأمين الحدود، ومنع أي تدويل فوضوي للصراع، وترقية التنمية العابرة للحدود بوصفها ترياقاً ضد الاستقطاب المسلح».

الخبير السياسي بشير جعيدر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف جعيدر موضحاً أن ما يحدث في مالي «يذكرنا بحقيقة غالباً ما تُهمل: الإرهاب لا يزدهر على الدين بقدر ما يزدهر على الفراغ؛ فراغ الحوكمة، والفراغ الاجتماعي، والفراغ الاقتصادي، والفراغ الاستراتيجي. فحيثما انسحبت الدولة، تقدم الآخرون: الميليشيات، والمهربون، والدعاة المتطرفون، أو القوى الأجنبية».

وزير الثقافة سابقاً عبد العزيز رحابي (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويقدم الوزير والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، قراءة للمشهد، قائلاً إن الأزمة في مالي «أدت إلى ازدياد عدد الأطراف الأجنبية على حدودنا مع منطقة الساحل، وحولت المنطقة ساحةَ مواجهة بين القوى العظمى... وهذه التدخلات المرخص بها، تجعل تسوية الأزمات أشد تعقيداً، كما هي الحال في ليبيا، حيث جرى تهميش الجزائر وتونس؛ الجارتين المباشرتين، في البحث عن تسوية للأزمة، لمصلحة عشرات الأطراف الأخرى».

وصرح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، للصحافة، الاثنين الماضي، بأن بلاده «تتعهد بدعم وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات»، مشدداً على رفضها «القاطع كل أشكال الإرهاب ومظاهره»، موضحاً أن «موقف الجزائر (حيال الأوضاع في مالي) ينبع من تجربتها المريرة مع آفة الإرهاب؛ إذ لا يمكن تبريرها، أو التسامح معها، تحت أي ظرف أو اسم»، داعياً إلى «ضرورة تعزيز الصف الداخلي في مالي الشقيقة، فذلك هو الرادع الحقيقي، والدرع المتين الكفيل بالتصدي للإرهاب وضمان النجاعة في مواجهته».

صراع النفوذ والحدود

تُشكّل الأحداث في مالي، وفق مصادر أمنية جزائرية، ما هو أبعد بكثير من مجرد حوادث أمنية عابرة؛ فهي «تعبر عن تحول عميق في أزمة منطقة الساحل، التي دخلت منذ الآن مرحلة جديدة. وتتجلى هذه المرحلة في مواجهة لم تعد تكتفي فيها الجماعات المسلحة بمهاجمة الدول من مناطقها المعزولة، والجيوب البعيدة، بل تسعى إلى إثبات قدرتها على تهديد المركز، وزعزعة استقرار السلطة، وفرض ميزان قوى على المستوى الوطني»، وفق المصادر نفسها.

مسلحون من تنظيم «أزواد الطرقي» (أزواد نيوز)

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. وعدت الجزائر هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة الداخلية، كما تترأس «اللجنة الدولية» المكلفة تنفيذ الاتفاق.

أحدث صورة للعقيد عاصيمي غويتا (باماكو بامادا)

وتصاعد الخلاف مع الجزائر في نهاية مارس (آذار) 2025، إثر تفجير سلاحها الجوي طائرةً مسيّرة مالية، كانت تتعقب تحركات المعارضة المسلحة بالحدود؛ مما خلف أزمة دبلوماسية حادة مع باماكو وجارتيها بوركينافاسو والنيجر، اللتين انحازتا إليها بحكم اشتراك البلدان الثلاثة في حلف سياسي وأمني، يطلَق عليه «تحالف دول الساحل».


عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
TT

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً، مع استئناف رحلات العودة المجانية، واتساع قوائم الانتظار، وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف، بالتزامن مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي في مصر، وذلك بعد ثلاثة أعوام من حرب خلّفت أزمات معيشية وإنسانية واسعة، وفق تقديرات منظمات دولية.

وقال السفير عبد القادر عبد الله، قنصل السودان في أسوان (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إن القنصلية تتلقى بشكل دوري آلاف الطلبات من السودانيين الراغبين في العودة، مشيراً إلى أن قوائم الانتظار تضم أعداداً كبيرة في ظل تزايد الإقبال على برامج العودة الطوعية.

وأوضح أن القنصلية تعمل بتنسيق مباشر مع «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين»، لتسهيل واستكمال الإجراءات التنظيمية الخاصة بالرحلات، علماً بأن اللجنة مبادرة شعبية تضم شخصيات سياسية ومجتمعية سودانية، وتعمل بالتعاون مع السفارة السودانية في القاهرة لضمان تنظيم عمليات العودة بصورة سلسة ومنسقة.

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد في أكتوبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

لكن هذا الزخم لا يزال محفوفاً بهواجس إنسانية ومعيشية معقدة، تتعلق بنقص الأمن والخدمات والتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل قرار العودة بالنسبة إلى آلاف الأسر معادلة شديدة الحساسية بين الحنين إلى الوطن والخوف من المجهول.

ورغم قسوة الظروف، لا يغيب السودان عن أحاديث كثير من المقيمين في مصر، الذين يتابعون باهتمام أخبار قوافل «العودة الطوعية» التي بدأت في التحرك خلال الأشهر الأخيرة، أملاً في استعادة حياتهم الطبيعية داخل بلادهم.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، هرب أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، بينما كان يقيم فيها بالفعل نحو خمسة ملايين سوداني قبل الحرب، لتتحول مصر إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء للسودانيين الفارين من المعارك.

وحتى نهاية العام الماضي، عاد إلى السودان نحو 428 ألفاً و676 شخصاً بصورة طوعية، وفق أرقام سبق أن كشفها السفير عبد القادر عبد الله، بعد مبادرة أطلقتها السلطات المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لنقل السودانيين الراغبين في العودة عبر قطار مخصص من القاهرة إلى أسوان.

وشجّع اقتراب انتهاء الموسم الدراسي في المدارس السودانية بمصر كثيراً من الأسر على العودة، انتظاراً لانتهاء امتحانات المرحلة المتوسطة، حتى إن بعضهم بدأ في بيع أثاث منزله تمهيداً للمغادرة.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم لدى تفقده إحدى لجان الثانوية العامة في مصر (السفارة السودانية في القاهرة)

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، تمكنت «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين» من تسيير رحلات مجانية ضمت 34 حافلة أقلّت نحو 1610 عائدين من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

وقال الناطق الرسمي باسم اللجنة، عاصم البلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة تتلقى آلاف الطلبات من راغبين في العودة، مشيراً إلى نية اللجنة إطلاق رحلات جديدة خلال الأيام المقبلة وهو ما يرتبط بصورة أساسية بتوفر التمويل، إذ تعتمد الموارد الحالية على تبرعات رجال أعمال سودانيين وجهود فردية.

ورغم صعوبة الأوضاع المعيشية داخل السودان، أشار البلال إلى أن المرحلة الحالية تشهد تركيزاً على عودة بعض الفئات المهنية، مثل القضاة والأطباء والإعلاميين العاملين في الإذاعة والتلفزيون، للمساهمة في استعادة الخدمات والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

وأضاف أن اللجنة تلقت تطمينات من الحكومة السودانية بشأن العمل على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، لا سيما في قطاعي التعليم والصحة، بما يساعد على تهيئة الظروف المناسبة للعائدين.

ووفق تقديرات غير رسمية للجنة، قد يصل عدد الراغبين في العودة الطوعية من مصر إلى نحو 900 ألف شخص، فيما تحتاج عمليات العودة إلى ميزانية أولية تقارب نصف مليون دولار. وسبق أن أعلنت السفارة السودانية في القاهرة عن تسهيلات جديدة لدعم العودة الطوعية، من بينها تدشين منصة إلكترونية لتسريع إجراءات السفر والعودة.

ومن منظور الإعلامية السودانية هنادي عبد اللطيف، فإن طموح العودة إلى السودان بات يتزايد بقوة لدى قطاعات واسعة من السودانيين المقيمين في مصر، متحدثة لـ«الشرق الأوسط» عن تلقيها آلاف الاستفسارات بشأن تفاصيل العودة، فضلاً عن الطلبات المتزايدة التي استقبلتها «لجنة العودة الطوعية» من سودانيين يرغبون في العودة إلى بلادهم.

وتعتقد الإعلامية السودانية، المهتمة بهذا الملف، أن تقديرات توقيت العودة تختلف من أسرة إلى أخرى وفق الظروف المعيشية والاجتماعية لكل فرد، موضحة أن كثيراً من الأسر لا تزال مترددة، خصوصاً من لديهم أبناء في مراحل التعليم المختلفة أو يحتاجون إلى خدمات صحية مستقرة، إلى جانب آخرين تمكنوا من بناء قدر من الاستقرار النسبي في مصر بعد شراء أثاث ومستلزمات معيشية، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة إليهم مرتبطة بمخاوف من مستقبل غير واضح.

يقول حسن، وهو شاب (19 عاماً) قدم من جنوب الخرطوم قبل عام، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة العودة إلى السودان تراوده باستمرار، لكنه يتردد في حسم القرار في ظل تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأوبئة مثل حمى الضنك، إلى جانب النقص الحاد في الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والرعاية الطبية».

سودانيون يستعدون لرحلة عودة طوعية من مصر هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وبحسب أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، يتزايد القلق إزاء استمرار انتشار حمى الضنك في أنحاء السودان، مع تسجيل أكثر من 75 ألف إصابة و169 حالة وفاة في 15 ولاية من أصل 18 حتى 24 أبريل (نيسان) الحالي.

ويبدو أن تحسن بعض ظروف المعيشة في عدد من المدن كفيل باتخاذ قرار العودة، وفق حسن، الذي أشار إلى أن كثيراً من السودانيين باتوا مقبلين على وضع أسمائهم على قوائم انتظار الرحلات المتجهة إلى السودان.

أما أم محمد، وهي سودانية من ولاية الفاشر، فتقول إن كثيراً من معارفها وأقاربها شرعوا بالفعل في إجراءات العودة، غير أن الوضع الصحي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية يرجئان اتخاذ هذه الخطوة حالياً، خصوصاً أن طفلها يحتاج إلى رعاية صحية يصعب توفيرها داخل السودان في الوقت الراهن.

ويرى إبراهيم بشير، وهو رب أسرة يقيم في مصر منذ اندلاع الحرب، أن القرار لا يزال بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من العائلات، موضحاً أن أبناءه موزعون على مراحل دراسية مختلفة، في وقت تعرضت فيه مدارس عديدة داخل السودان للدمار أو التوقف عن العمل، ما يجعل مستقبلهم الدراسي مهدداً في حال العودة الآن.