قاعدة عسكرية إثيوبية في «أرض الصومال»... هل تزيد التوتر بالبحر الأحمر؟

وسط قلق عربي ودولي متصاعد بشأن الأحداث في منطقة القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال مراسم التوقيع مع رئيس «أرض الصومال» أخيراً في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي خلال مراسم التوقيع مع رئيس «أرض الصومال» أخيراً في أديس أبابا (رويترز)
TT

قاعدة عسكرية إثيوبية في «أرض الصومال»... هل تزيد التوتر بالبحر الأحمر؟

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال مراسم التوقيع مع رئيس «أرض الصومال» أخيراً في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي خلال مراسم التوقيع مع رئيس «أرض الصومال» أخيراً في أديس أبابا (رويترز)

أثار مشروع اتفاق يسمح لإثيوبيا باستغلال منفذ بحري رئيسي في جمهورية أرض الصومال غير المعترَف بها دولياً، العديد من الانتقادات السياسية والقانونية، إقليمياً ودولياً، كما زادت الخطوة الإثيوبية من وتيرة المخاوف من «عسكرة البحر الأحمر»؛ إذ تسعى أديس أبابا، بموجب الاتفاق، إلى «إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة تشهد احتشاداً للعديد من القواعد العسكرية الدولية»، ما يزيد (وفق مراقبين) من «حدة التنافس الإقليمي والدولي، ويهدد بمواجهات مسلحة في منطقة تعاني بعض دولها من هشاشة أمنية واقتصادية».

ويمنح «الاتفاق المبدئي» الذي وقَّعه رئيس وزراء إثيوبيا، أبي أحمد، الاثنين، مع زعيم «أرض الصومال»، موسى بيهي عبدي، إثيوبيا منفذاً على البحر الأحمر بطول 20 كلم لمدة 50 عاماً، يضم ميناء بربرة وقاعدة عسكرية، وذلك مقابل أن «تعترف أديس أبابا رسمياً بأرض الصومال جمهورية مستقلة».

وفي خطوة أحادية الجانب، أعلنت «أرض الصومال (صوماليلاند)» استقلالها عن مقديشو عام 1991، في إجراء لم تعترف به الأسرة الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

ورداً على الاتفاق الذي أبرمته جارته مع إقليمه الانفصالي، اتهم الصومال الحكومة الإثيوبية بـ«انتهاك سيادته ووحدة أراضيه»، واستدعى سفيره في أديس أبابا للتشاور.

وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في خطاب ألقاه أمام البرلمان، الثلاثاء، إن مذكرة التفاهم الموقَّعة بين إثيوبيا وإدارة أرض الصومال «(غير مشروعة)، وانتهاك صارخ للقوانين الدولية، ولا يمكن تنفيذها».

مواقف إقليمية ودولية

وتسبب الاتفاق في موجة من ردود الفعل الإقليمية والدولية؛ إذ أكد المتحدث باسم جامعة الدول العربية، جمال رشدي «رفض وإدانة أي مذكرات تفاهم تنتهك سيادة الدولة الصومالية، أو تحاول الاستفادة من هشاشة الأوضاع الداخلية الصومالية، أو من تعثر المفاوضات الصومالية».

وأكدت مصر، في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الأربعاء، «ضرورة الاحترام الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية على كامل أراضيها»، مشددةً على معارضتها لأي إجراءات من شأنها الافتئات على السيادة الصومالية، كما حذرت من خطورة تزايد التحركات والإجراءات والتصريحات الرسمية الصادرة عن دول في المنطقة وخارجها التي تقوِّض عوامل الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وتزيد من حدة التوترات بين دولها.

وشددت الولايات المتحدة، الأربعاء، على وجوب احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، للصحافيين: «نحن ننضم إلى الشركاء الآخرين في التعبير عن قلقنا العميق إزاء تفاقم التوترات في القرن الأفريقي».

وكان الاتحاد الأوروبي أصدر، الثلاثاء، موقفاً مماثلاً شدد فيه على أن احترام سيادة الصومال «مفتاح السلام في القرن الأفريقي». وانضم الاتحاد الأفريقي، الخميس، لدعوات التهدئة في القرن الأفريقي. وأصدر رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فقي محمد، بياناً دعا فيه إلى «الهدوء والاحترام المتبادَل لخفض منسوب التوتر المتصاعد» بين إثيوبيا والصومال. كما دعا البلدين للانخراط في عملية تفاوض «من دون تأخير» لتسوية خلافاتهما.

أزمات قانونية واستراتيجية

الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي المقيم بالولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، يرى أن الاتفاق بين إثيوبيا و«أرض الصومال» يضع المنطقة في مواجهة أزمة قانونية تستدعي الرجوع للقانون الدولي، وهذا ما ظهر جلياً في موقف مجلس الوزراء الصومالي، الذي أصدر بياناً مفصلاً في هذا الشأن. وأوضح إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر لا يقتصر فقط على البُعد القانوني، بل «يُمكن أن تكون له امتدادات استراتيجية، في ظل وجود حزمة من القواعد العسكرية في جيبوتي تتبع لحلف شمال الأطلسي (ناتو) والصين، بجانب سعي كل من روسيا الاتحادية وتركيا للوجود في البحر الأحمر، ووصول قوات بحرية تابعة لتحالف (حارس الازدهار) الذي تقوده الولايات المتحدة، بعد العمليات التي قام بها الحوثيون، وهو ما يشير إلى أن هناك تحالفاً مُكثفاً يجري تشكله في المنطقة».

وعدّ الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي أن «(عسكرة البحر الأحمر) الآن وبهذه الكثافة والسرعة تعنى بشائر استباقية لفكرة الاستحواذ الاستراتيجي على المنطقة»، لافتاً إلى أن الاحتمالات تُشير لـ«حروب إقليمية برافعة دولية» من الأقطاب في منطقة بوابة خليج عدن، لا سيما أن منطقة «أرض الصومال» تُمثل هدفاً استراتيجياً للملاحة الدولية التجارية تم اختبار أهميته إبان تفكك الدولة الصومالية في مرحلة سابقة.

منطقة «أرض الصومال» (باللون الأخضر يمين الصورة) في مدخل البحر الأحمر (خرائط غوغل)

وتوجد بمنطقة مدخل البحر الأحمر العديد من القواعد العسكرية التابعة للعديد من القوى الدولية والإقليمية، فتضم جيبوتي وحدها 6 قواعد عسكرية أجنبية، بينها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في أفريقيا، والقاعدة العسكرية الوحيدة للصين خارج حدودها، وأول قاعدة عسكرية خارجية لليابان منذ الحرب العالمية الثانية، وأهم وحدة عسكرية فرنسية في أفريقيا، كما تضم قواعد لإسبانيا وإيطاليا، في حين تسعى دول، مثل روسيا وتركيا، إلى امتلاك وجود عسكري بحري، عبر تعاون مع دول المنطقة.

وتسعى هذه الدول من خلال قواعدها العسكرية إلى «حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري، إلى جانب الأهداف المعلَنة، كالتصدي لظاهرة القرصنة ومكافحة (الإرهاب)، وتأمين الطريق التجارية البحرية المارة بالبحر الأحمر».

تصعيد وتوتر

وعدّ الخبير المصري المتخصص في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، الاتفاق الأخير بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، الذي يصفه بـ«غير الشرعي»، تجسيداً لحالة الاضطراب التي تعيشها منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة بـ«فعل تحالفات معلَنة وأخرى غير معلَنة بين قوى إقليمية ودولية تتسابق لامتلاك النفوذ بالمنطقة».

ويربط زهدي بين الاتفاق الأخير وما يجري في السودان وغزة والعمليات التي ينفذها الحوثيون في البحر الأحمر، وتشكيل تحالف بحري جديد في منطقة مكتظة بالوجود العسكري الدولي، مشيراً إلى أن كل ذلك يعطي مؤشرات على اتجاه الأمور نحو «تصعيد وتوتر لا يُستبعد أن يقود إلى مواجهات عسكرية أو تنامي الاضطرابات الأمنية، في ظل ما تعانيه المنطقة من (هشاشة) سياسية وأمنية في العديد من دول المنطقة».

وأكد الخبير المصري المتخصص في الشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» أن محاولة تغيير الجغرافيا الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر «بالغة الحساسية»، قد تنتهي إلى مواجهات عسكرية مباشرة بين دول المنطقة، أو غير مباشرة بين قوى دولية باتت هذه المنطقة تحظى بأولوية كبيرة في مساعيها لتمديد نفوذها والسيطرة على محاور التجارة العالمية.

وتسعى إثيوبيا، الدولة الحبيسة، منذ 3 عقود، للحصول على منفذ على البحر، بعدما خسرت ساحلها الطويل على البحر الأحمر، جراء استقلال إريتريا عنها في 1993، بعد حرب طويلة، وتعتمد إثيوبيا حالياً في صادراتها ووارداتها على ميناء جيبوتي.

ووصف رئيس الوزراء الإثيوبي حاجة بلاده إلى منفذ بحري بأنها مسألة «وجودية». وقال في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، بخطاب تلفزيوني، إن الحصول على ميناء في البحر الأحمر ضروري ليخرج 120 مليوناً من مواطنيه من «سجنهم الجغرافي»، على حد وصفه.

وتقيم تايوان علاقات دبلوماسية مع «أرض الصومال»، إذ بدأ التقارب بينهما في سنة 2020، وهو ما أثار انتقادات من جانب الصين التي تدعم الصومال، وتسعى إلى تعزيز نفوذه الاقتصادي والسياسي في القارة الأفريقية عموماً، ومنطقة شرق أفريقيا على وجه الخصوص.


مقالات ذات صلة

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقررة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات في ظل اضطرابات بمضيق هرمز جراء حرب إيران.

محمد محمود (القاهرة )
العالم أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو يناير الماضي (إ.ب.أ)

رفض عربي وأفريقي تعيين إسرائيل مبعوثاً دبلوماسياً لدى «أرض الصومال»

أدانت دول عربية وأفريقية بأشد العبارات إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يسمى «أرض الصومال».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».