صمت وترقب في مصر حيال «حارس الازدهار»

خبراء تحدثوا عن غموض أهداف التحالف لـ«حماية الملاحة في البحر الأحمر»

تنشط البحرية الأميركية في البحر الأحمر لكن ذلك لم يحل دون إنهاء التهديد الحوثي (أ.ف.ب)
تنشط البحرية الأميركية في البحر الأحمر لكن ذلك لم يحل دون إنهاء التهديد الحوثي (أ.ف.ب)
TT

صمت وترقب في مصر حيال «حارس الازدهار»

تنشط البحرية الأميركية في البحر الأحمر لكن ذلك لم يحل دون إنهاء التهديد الحوثي (أ.ف.ب)
تنشط البحرية الأميركية في البحر الأحمر لكن ذلك لم يحل دون إنهاء التهديد الحوثي (أ.ف.ب)

شكّل إعلان الولايات المتحدة إطلاق عملية متعددة الجنسيات لـ«حماية الملاحة في البحر الأحمر»، تضم 10 دول، تطورا جديدا على مسرح العمليات البحرية بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو الموقع الذي يحظى بأهمية استراتيجية لدى مصر والكثير من دول العالم، كونه مدخلا جنوبيا لقناة السويس.

ولم يصدر عن القاهرة أي موقف رسمي بشأن التحالف البحري الجديد، الذي حمل اسم «حارس الازدهار»، ولم يتسن لـ«الشرق الأوسط» الحصول على تقييم رسمي في هذا الصدد، إلا أن خبراء أكدوا أن «مصر تتابع عن كثب مجريات الأمور في تلك المنطقة الحيوية»، مرجحين «ألا تنضم القاهرة إلى التحالف الجديد»، بالنظر إلى «أولويات مصر التي تركز على حماية أمنها القومي في المقام الأول»، إضافة إلى «غموض أهداف التحالف وآليات عمله حتى الآن».

وأعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، الثلاثاء، إطلاق الولايات المتحدة عملية أمنية متعددة الجنسيات لتأمين التجارة في البحر الأحمر، تحت اسم مبادرة «حارس الازدهار». وأفاد أوستن، خلال زيارته للبحرين، التي تستضيف مقر قيادة الأسطول الأميركي في الشرق الأوسط، بأن الدول المشاركة في العملية تضم بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا، وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشل وإسبانيا.

وخلال الأسابيع الماضية استهدفت جماعة الحوثي بطائرات مسيرة وصواريخ عدة سفن دولية، تمر عبر البحر الأحمر، وبررت الجماعة هجماتها بأنها تستهدف السفن الإسرائيلية، أو تلك التي تتوجه للمواني الإسرائيلية، ثم وسعت نطاق الاستهداف ليشمل أي سفن تتبع دولا تدعم إسرائيل، بحسب بيانات سابقة للمتحدث باسم الجماعة.

وقال المتمردون الحوثيون في بيان، الثلاثاء، إن التحالف الدولي، الذي شكلته الولايات المتحدة لحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر «يأتي في إطار العدوان على الشعب الفلسطيني»، عادّين أن التحالف «يتناقض مع القانون الدولي، ولا يحمي الملاحة البحرية، بل يهددها ويسعى إلى عسكرة البحر الأحمر لصالح إسرائيل».

ويُعد البحر الأحمر من أهم الطرق في العالم لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال، وكذلك للسلع الاستهلاكية، ويمر بالمنطقة نحو 40 في المائة من حركة التجارة العالمية، ويقدّر خبراء أن حوالي 30 في المائة من تجارة الحاويات العالمية يمر عبر قناة السويس.

ترقب بقناة السويس

رغم إعلان الهيئة العامة لقناة السويس في مصر، الأحد، أن حركة الملاحة بالقناة «منتظمة»، قال رئيس الهيئة، الفريق أسامة ربيع، إن هيئة القناة تتابع عن كثب التوترات الجارية في البحر الأحمر، وتدرس مدى تأثيرها على حركة الملاحة بالقناة، في ظل إعلان بعض الخطوط الملاحية عن تحويل رحلاتها بشكل مؤقت إلى طريق «رأس الرجاء الصالح».

وأفاد ربيع في بيان بتحول 55 سفينة للعبور عبر طريق رأس الرجاء الصالح، خلال الفترة من 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهي «نسبة ضئيلة» مقارنة بعبور 2128 سفينة خلال تلك الفترة، بحسب البيان.

ويرى الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء سمير فرج، أن التجارة العالمية هي «أول متضرر من الهجمات الحوثية في مدخل البحر الأحمر»، مشيرا إلى أن تحالف «حارس الازدهار» يمثل محاولة أميركية لتعزيز وجودها في هذه المنطقة الحيوية، حيث يوجد كثير من القواعد العسكرية، التابعة لعدة دول في العالم، خصوصاً في جيبوتي التي تضم 6 قواعد عسكرية لدول مختلفة.

وأوضح فرج لـ«الشرق الأوسط» أن مصلحة مصر تعتمد على حماية وتأمين التجارة العالمية، مضيفاً أنه «ليس من مصلحتها الدخول في صراع، أو حدوث توتر في تلك المنطقة الحيوية لمصالحها»، ورجح ألا تنضم مصر إلى هذا التحالف الجديد، اعتمادا على رؤية مصرية، وصفها بـ«الراسخة»، ترفض الانضمام إلى أحلاف، أو إقامة قواعد عسكرية على أراضيها.

وأضاف الخبير الاستراتيجي المصري أن القاهرة شريك أساسي في جهود إقليمية ودولية تعتمد أساسا على التنسيق بشأن حماية حرية الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة، منها فرقة العمل المشتركة «153»، إضافة إلى تنسيقات إقليمية مع السعودية والسودان لحماية الملاحة بالبحر الأحمر.

وتختص فرقة العمل المشتركة «153»، التي تأسست في أبريل (نيسان) 2022، بالأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، وتضم 39 دولة عضواً، ويقع مقرها الرئيسي في البحرين.

ومنتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت مصر تولي القوات البحرية المصرية قيادة قوة المهام المشتركة، حيث حددت حينها الهدف في «تحسين البيئة الأمنية بالمناطق والممرات البحرية كافة، وتوفير العبور الآمن لحركة تدفق السفن عبر الممرات الدولية البحرية، والتصدي لأشكال وصور الجريمة المنظمة كافة، التي تؤثر سلبا على حركة التجارة العالمية ومصالح الدول الشريكة».

مصالح استراتيجية

ويرى اللواء بحري محفوظ مرزوق، مدير الكلية البحرية المصرية السابق، أن المحدد الأساسي لرؤية مصر هو حماية أمنها القومي، وضمان أمن الملاحة في المنطقة، بوصفها مصلحة اقتصادية واستراتيجية في المقام الأول، كما تركز مصر على مواجهة التهديدات، لكنها في الوقت ذاته تتحرك للحفاظ على الهدوء والاستقرار في المناطق، التي تحظى بأولوية استراتيجية بالنسبة لها، والحد من أي توتر ينشب في تلك المناطق.

وأوضح مرزوق لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تتابع الأوضاع الراهنة في مدخل البحر الأحمر عن كثب، بحكم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في تلك المنطقة، التي تعد المدخل الجنوبي لقناة السويس، لكنه لفت إلى أن كثيرا من التقارير حول خطورة الموقف الراهن «بها الكثير من التهويل»، مشيرا إلى أن حركة الملاحة في قناة السويس «لم تتأثر»، وأن حجم الحمولات التي يتم عبورها يوميا عبر القناة «يسير في معدلاته الطبيعية، بل وفي بعض الأحيان أعلى من المعتاد».

وأضاف مدير الكلية البحرية المصرية السابق أن إعلان بعض خطوط الشحن عن تحويل مسار عدد من سفنها، لا يعني تحول الخط الملاحي كاملا عن مسار البحر الأحمر وقناة السويس، مشددا على أن هذا الممر الاستراتيجي «لا غنى عنه لحركة الملاحة الدولية لأسباب اقتصادية في المقام الأول».

كما أوضح أن ما يجري ترويجه من زيادات في تكاليف الشحن والتأمين «لا يخلو من أغراض سياسية»، لافتا إلى أن قيمة الزيادة «تكاد لا تُذكر»، مقارنة بقيمة حمولة تلك السفن وخاصة الحاويات، وأن المبالغة «تستهدف حشد دعم دولي لحماية النقل البحري في هذه المنطقة، ومنه النقل البحري من وإلى إسرائيل».

وفي إجراء احترازي للسلامة، أعلنت شركات شحن دولية، ومنها الشركة الدنماركية «ميرسك»، والألمانية «هاباغ - ليود»، والفرنسية «سي إم إيه سي جي إم»، والإيطالية السويسرية «إم إس سي»، والتايوانية «إيفرغرين»، أنها أبلغت سفنها بعدم دخول مضيق باب المندب، الذي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، وعلّقت 4 من أكبر 5 شركات للحاويات في العالم، وتمثل 53 في المائة من تجارة الحاويات العالمية، عملياتها في البحر الأحمر.

وبدلا من استخدام مضيق باب المندب، سيتعين على السفن التي غيرت مسارها أن تسلك طريقا أطول للتنقل حول جنوب أفريقيا، مما قد يضيف حوالي 10 أيام على الأقل إلى الرحلة.

أبعاد سياسية وأمنية

يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أن إعلان الولايات المتحدة عن عملية «حارس الازدهار» يحمل كثيرا من المقاربات ذات البعد الأمني، والذي يتخذ من حماية حرية الملاحة عنوانا لها، لكنها لا تخلو كذلك من أبعاد سياسية، وأهداف بعيدة المدى، تتعلق بتعزيز الوجود الأميركي في تلك المنطقة، التي تشهد حالة من التنافس الدولي.

وقال فهمي لـ«الشرق الأوسط» إن إعلان وزير الدفاع الأميركي عن التحالف لا ينفي غموض كثير من أهدافه وآليات عمله، وربما هذا ما دفع الوزير الأميركي لعقد اجتماع عن بعد مع وزراء دفاع 40 دولة، وهو ما يجسد أن لدى الولايات المتحدة ما تريد أن تشرحه لحث المزيد من الدول على الانضمام للمبادرة التي يقتصر عدد المشاركين فيها حتى الآن على 10 دول فقط، وربما تكون حالة الغموض، التي تكتنف آليات عمل الحلف والأدوار الموكلة للمشاركين فيه، من بين دوافع إحجام كثير من دول الإقليم عن المشاركة.


مقالات ذات صلة

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد القطارات التابعة للشركة السعودية للخطوط الحديدية (واس)

ترسية عقد تصميم الجسر البري السعودي على شركة إسبانية

يشهد مشروع «الجسر البري السعودي» تقدماً ملحوظاً بعد فوز شركة «سينر» الإسبانية بعقد تصميم المشروع، في خطوة تمثل محطة مهمة ضمن برنامج السكك الحديدية في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تسهم المسارات الجديدة في نقل مختلف أنواع البضائع وتمكين سلاسل الإمداد الوطنية (سار)

السعودية تعزِّز تدفقات التجارة الدولية بـ5 مسارات لوجيستية جديدة

أطلقت الخطوط الحديدية السعودية 5 مسارات لوجيستية جديدة بقطاع الشحن، ضمن جهودها المستمرة لتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد ورفع مستوى التكامل مع أنماط النقل المختلفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفينة شحن تشق طريقها نحو أحد الموانئ الحيوية في البحر الأحمر (آرثر دي ليتل)

تايوان تعيد توجيه المسار لجلب شحنات النفط من موانئ البحر الأحمر السعودية

أعلنت الحكومة التايوانية، الاثنين، عن إعادة توجيه سفنها لجلب النفط الخام من موانئ البحر الأحمر السعودية، ضمن جهودها لتفادي اضطرابات مضيق هرمز الحالية.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
TT

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط» الذي يُعد محوراً لوجيستياً إقليمياً لربط أوروبا بمصر ودول الخليج عبر خط «الرورو»، من خلال «ميناء تريستا» الإيطالي.

والخط الملاحي «الرورو » مخصص لنقل الحاصلات الزراعية والخضراوات وغيرها من المنتجات المصرية إلى إيطاليا ومنها إلى باقي دول أوروبا والعكس. ومن خلاله يستقبل ميناء دمياط المطل على البحر المتوسط شحنات قادمة من أوروبا، وتحديداً من ميناء تريستا، تمهيداً لإعادة توجيهها براً إلى ميناء سفاجا المصري على ساحل البحر الأحمر، ومنه إلى أسواق الخليج، «في نموذج متكامل للربط بين البحرين المتوسط والأحمر»، وفقاً لوزارة النقل المصرية.

ودشنت مصر خدمة جديدة لـ«الترانزيت» غير المباشر إلى دول الخليج، ليتحول ميناء دمياط من كونه خطاً ثنائياً بين مصر وأوروبا، إلى محور رئيسي ضمن ممر لوجيستي عالمي، حيث يتولى استقبال الشحنات القادمة من أوروبا عبر خط «الرورو»، وإعادة توزيعها إلى دول الخليج.

وقالت وزارة النقل المصرية في بيان صحافي، الثلاثاء، إن خدمة الترانزيت الجديدة بدأ تشغيلها في 20 مارس (آذار) الماضي.

وتعود بداية المرحلة الأولى من المشروع إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين شهد وزير النقل المصري، كامل الوزير، توقيع إعلان نوايا بين قطاع النقل البحري وشركة «DFDS» العالمية لتشغيل خط ملاحي بنظام «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا بما يستهدف دعم الصادرات المصرية، وفتح آفاق جديدة لنفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الأوروبية. وفي نوفمبر 2024، انطلقت أولى رحلات خط «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا.

وأكد بيان وزارة النقل أن ميناء دمياط يستفيد من التيسيرات المقررة، وعلى رأسها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق، بما يسهم في تسريع الإجراءات، وتقليل زمن الإفراج الجمركي.

وخلال المرحلة الثانية من المشروع استقبل ميناء دمياط، عبر 5 رحلات، 60 عربة «تريلا» تحمل بضائع متنوعة تشمل مواد غذائية ومواد طلاء ومستلزمات إنتاج بإجمالي وزن نحو 1122 طناً متجهة من ميناء دمياط بالنقل البري إلى ميناء سفاجا، ومنه إلى دول الخليج.

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية (وزارة النقل المصرية)

وفي رأي خبير النقل الدولي إبراهيم مبروك، يسهم تطوير الموانئ المصرية، وربطها إقليمياً مع دول الخليج في تعزيز حركة التجارة العالمية، وتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الربط الإقليمي سيقلل تأثيرات الحرب على سلاسل الإمدادات العالمية، لكنه قال إنه لا بد من إجراء دراسات جدوى تهدف إلى التوسع في هذا الاتجاه بعد انتهاء الحرب، ووضع تصورات لتحديد نظام نقل إقليمي متكامل يجمع بين الوسائل البحرية والبرية والنهرية والجوية والسكك الحديدية، ليكون أكثر فاعلية في دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وفي وقت سابق، أعلن «ميناء نيوم» السعودي عن تدشين ممر لوجيستي متعدد الوسائط يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشار الميناء عبر حسابه على منصة «إكس» إلى أن الممر الجديد يوفر «ممراً متكاملاً يجمع بين النقل البري والبحري، ليضمن نقل البضائع بسلاسة وكفاءة، وفي وقت قياسي، إلى أسواق الخليج».

وبحسب «نيوم»، يعتمد الممر الجديد على نموذج «الجسر البري - البحري»، حيث تنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم تعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى «ميناء نيوم»، ومنها إلى دول الخليج.

وجددت تأثيرات الحرب الإيرانية على سلاسل الإمدادات الحديث عن أهمية التعاون العربي في مشروعات الربط الإقليمي والنقل بجميع أشكاله، وبرز دور خط أنابيب «سوميد» الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط لنقل النفط من دول الخليج، خصوصاً مع توترات مضيق هرمز.

إحدى «التريلات» أمام مدخل ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)

ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد حنفي أن تطوير الموانئ المصرية وتحويلها إلى ممر لوجيستي إقليمي دولي عبر خط «الرورو» سيكون له تأثير إيجابي على مصر ودول الخليج أبعد من تقليل تأثيرات الحرب الإيرانية.

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المشروع سيؤدي إلى تعزيز حركة التجارة إقليمياً ودولياً، ويعزز الصادرات المصرية، كما سيُحدث وفرة في السلع بأسواق الخليج. ومع توافر السلع وتقليل مدة النقل التي يوفرها الممر ستقل تكلفة نقل السلع؛ ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها».

وأكدت وزارة النقل المصرية في بيانها أن موانئ البلاد لديها القدرة على تقديم حلول لوجيستية متكاملة ومرنة، في ظل التحديات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، بما يعزز من مكانة مصر بوصفها ممراً رئيسياً وآمناً للتجارة الدولية. وأشار البيان إلى «ميناء دمياط» بوصفه محوراً لوجيستياً متكاملاً لا يقتصر دوره على خدمة التجارة الثنائية، بل يمتد ليصبح حلقة الوصل الرئيسية بين أوروبا ومصر ودول الخليج، بما يسهم في إعادة تشكيل خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

وتحدث حنفي، عن 3 محاور اقتصادية تحدد أهمية تحقيق الربط بين مصر ودول الخليج في حركة التجارة، هي «انخفاض مخاطر النقل وسرعته والتكلفة المحددة»؛ موضحاً أن «الربط يوفر العناصر الثلاثة اللازمة لنجاح التعاون وتحقيق تكامل اقتصادي بين هذه البلدان، ويوفر استقراراً في سلاسل الإمدادات العالمية».


مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

عقدت مصر وفرنسا الجولة الأولى لحوارهما الاستراتيجي في مجالات عديدة، واتفقتا على عقد الدورة المقبلة في باريس خلال النصف الأول من عام 2027، وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء.

وتعزز هذه الجولة سبل التعاون في مجالات عديدة، وتنمي مستوى التنسيق، لا سيما فيما يتعلق بالتوتر في المنطقة بحكم ثقل البلدين ومحورية دورهما، بحسب تقديرات عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا نحو 2.9 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 2025، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً عن مستويات عام 2023 التي بلغت 2.5 مليار دولار.

الوفد الفرنسي المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان مشترك، الثلاثاء، بأنه «عُقد في القاهرة الجولة الأولى للحوار الاستراتيجي بين مصر وفرنسا، برئاسة نائب وزير الخارجية محمد أبو بكر، والأمين العام لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، مارتن بريان».

ويأتي الحوار في أعقاب قرار بالارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك خلال زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل (نيسان) 2025.

ويرى السفير حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في لحظة دولية تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها، تبرز مصر وفرنسا بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين في محيطين متداخلين: الشرق الأوسط وأوروبا»، لافتاً إلى أن هذا الحوار الاستراتيجي سيقود إلى تعاون أكبر وأوسع.

تعاون اقتصادي ومالي

وخلال الجولة الأولى، رحّب الجانبان بالمستوى المتميز الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وبحثا سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي، وتنفيذ الاتفاق الحكومي للتعاون المالي للفترة 2026 - 2030، الذي يستند إلى مشروعات يتم اعتمادها من قبل الطرفين، وفق البيان المشترك.

وكانت زيارة ماكرون قد شهدت توقيع 9 اتفاقيات تمويل مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 262.2 مليون يورو، لدعم مشروعات في مجالات النقل والطاقة والإسكان.

وأكد الجانب المصري خلال الاجتماع بالقاهرة الأهمية المتزايدة لبرامج دعم الموازنة كآلية تمويلية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان كفاءة تخصيص الموارد وفقاً للأولويات الوطنية.

وأعرب الوفد الفرنسي عن دعمه لدمج مصر في مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بحسب البيان المشترك.

كما بحث الجانبان ملف التقدم المحرز في إطار الحوار الثنائي بشأن الهجرة، والذي تم إطلاقه في ظل الشراكة الاستراتيجية، وأقرا مبدأ إعداد خريطة طريق مصرية - فرنسية لتعزيز التعاون في مجال التراث، مرحبين بقرب افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير، التي تم تطويرها بدعم فرنسي.

ويرى حجازي أن البيان المشترك الصادر عن الجانبين يحمل توافقاً واضحاً على دفع العلاقات إلى مستوى أكثر مؤسسية وفاعلية، من خلال تكثيف التنسيق السياسي، وتعزيز آليات التشاور الدوري.

هذا التعاون يأتي، بحسب الدبلوماسي المصري الأسبق، لحكم ثقل البلدين، قائلاً إن «مصر، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في مسارات حيوية مثل قناة السويس، ودورها المحوري في قضايا إقليمية حساسة كغزة وأمن البحر الأحمر، تمثل عنصر توازن لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي».

في المقابل، تمتلك فرنسا، بحسب حجازي، ثقلاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي، وحضوراً فاعلاً في البحر المتوسط ولبنان، إضافة إلى قدرتها على التأثير في الأطر الدولية مثل مجلس الأمن الدولي.

الوفد المصري المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

الأزمات الإقليمية

كما شهدت الجولة الأولى التأكيد على الالتزام بتعزيز التعاون الثنائي في مجال إدارة الأزمات الإقليمية، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تحقيق السلام الدائم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفقاً لحل الدولتين، ومتابعة تطورات الأوضاع في كل من إيران ولبنان والعراق وليبيا والسودان ومنطقة القرن الأفريقي، إلى جانب قضايا المياه.

وعن المسار الإقليمي للتعاون، يرى حجازي أن تقاطع أدوار مصر وفرنسا يخلق فرصة نادرة لبناء شراكة قادرة على ربط الأمن الإقليمي بالاستقرار الدولي، خصوصاً في ظل تصاعد المخاطر التي لم تعد حدودها جغرافية.

وأكد أن تعزيز التنسيق بين القاهرة وباريس «لا يمثل فقط مصلحة ثنائية، بل يشكل أحد المسارات الواقعية للحفاظ على قدر من التوازن في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً على الأمن العالمي».


«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وعدم توصُّل جولتَي تفاوض بالقاهرة الأسبوعين الماضيين لنقاط حاسمة.

تلك الترتيبات التي يشير لها الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تأتي عبر مقترحات قُدِّمت لـ«حماس» بآخر جولة بالقاهرة، لا سيما في ملفَي نزع السلاح والانسحابات، ودمج موظفي الحركة بالقطاع، بحسب تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

وأكد الخبراء أن «هذه الترتيبات ستأخذ وقتاً، وستتم مدفوعة بأمور رئيسية هي تطورات حرب إيران، ونشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول لجنة التكنوقراط للقطاع وبدء عملها».

ورغم عدم الوصول لاتفاق بشأن نزع سلاح «حماس» باجتماع القاهرة الأسبوع الماضي، فإنَّ ملادينوف قال لـ«رويترز»، مساء الاثنين: «أجرينا بعض المناقشات الجادة للغاية مع حماس خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهي ليست سهلة».

وأضاف: «متفائل إلى حدٍّ ما بأننا سنتمكَّن من التوصُّل إلى ترتيب يرضي جميع الأطراف والأهم من ذلك، يرضي سكان غزة»، لافتاً إلى أنَّ «الأمر سيستغرق بعض الوقت».

وكان ملادينوف قد أكد بدء إزالة العقبات أمام «لجنة إدارة القطاع». وأعرب خلال مقابلة مع قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن أسفه لتأخر دخول اللجنة إلى غزة؛ بسبب «العقبات القائمة».

أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية»، الدكتور مختار غباشي، يرى أنَّ ملادينوف يحاول فقط شراء الوقت بالحديث عن ترتيبات، خصوصاً أنَّ قضايا غزة ولبنان وإيران تعدُّ ملفاً واحداً، وسيتم حسمها حزمةً واحدةً، وستترتب عليها ترتيبات أخرى بالمنطقة، مؤكداً أنَّ حديثه عن أخذ تلك الترتيبات وقتاً يؤكد وحدة الملفات جميعاً التي لم تُحسَم بعد.

في حين يشير المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إلى أنَّ لقاءات ملادينوف الأسبوعين الماضيين ما بين «حماس» والحكومة الفلسطينية وإسرائيل، كانت محاولة لإيجاد ترتيبات للانتقال للخطوة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن التعقيدات أكبر، والسبب الرئيسي عراقيل إسرائيل، وبالتالي من الطبيعي أن تأخذ وقتها، وربما لا يكون حسمها قريباً وتؤجل لما بعد حرب إيران.

تلميذان يسيران بين أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وغداة تصريحات ملادينوف، قالت «حماس» في بيان، الثلاثاء، إنها أجرت كثيراً من اللقاءات والمشاورات في القاهرة مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية حول تطبيق باقي التزامات المرحلة الأولى (اتفاق شرم الشيخ)، والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية، في ضوء خطة الرئيس ترمب.

وأكدت الحركة أنَّها والفصائل الفلسطينية تعاملت بمسؤولية وإيجابية عالية مع المقترحات المُقدَّمة؛ بهدف التوصُّل إلى اتفاق مقبول، وأنَّ الحركة مهتمة باستمرار المفاوضات مع الوسطاء لتذليل كل العقبات، وسوف تُقدِّم ردَّها على المقترحات المُقدَّمة بعد إتمام المشاورات مع قيادة الحركة والفصائل الفلسطينية.

وقالت «حماس»، السبت الماضي، إنَّها عقدت عدداً من اللقاءات والحوارات مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية، من أجل العمل على استكمال تطبيق بنود المرحلة الأولى من الاتفاق كافة.

ولفت الرقب إلى أنَّ المقترحات التي تسلمتها «حماس» في لقاء القاهرة الأخيرة تدور، كما هو متداول، بشكل رئيسي حول «نزع سلاحها، ودمج موظفيها في القطاع، ولن تقدم رداً صادماً، لكن نجاح أي مسار يتوقَّف على نشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول (لجنة التكنوقراط)».

وبحسب الرقب «ستميل حماس إلى حلول وسط يقدمها الوسطاء عبر تفاهمات واضحة والتزامات وضمانات محددة»، لكن كل هذا «سيأخذ وقتاً» ارتباطاً بمسار حرب إيران، ونهايته أو استمراريته.

في حين يؤكد غباشي أنَّ قبول «حماس» للمقترحات من عدمه يتوقَّف على مدى وجود التزامات وضمانات حقيقية بشأن الانسحاب الإسرائيلي، وزيادة المساعدات الإغاثية، وبدء الإعمار. ويضيف: «لو تحقَّق ذلك ستتجاوب (حماس) وإذا تعثر فإننا لا يزال لدينا وقت للوصول لذلك في ظلِّ عراقيل إسرائيل».