التحالفات العسكرية في البحر الأحمر: تحركات لتأمين الملاحة أم تأهب لمواجهات قادمة؟

واشنطن أعلنت عن «ائتلاف دولي»... ومخاوف من «حرب باردة» بالممر الاستراتيجي

سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بعد أن قرصنتها قوارب الحوثيين بالبحر الأحمر في 20 نوفمبر الماضي (رويترز)
سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بعد أن قرصنتها قوارب الحوثيين بالبحر الأحمر في 20 نوفمبر الماضي (رويترز)
TT

التحالفات العسكرية في البحر الأحمر: تحركات لتأمين الملاحة أم تأهب لمواجهات قادمة؟

سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بعد أن قرصنتها قوارب الحوثيين بالبحر الأحمر في 20 نوفمبر الماضي (رويترز)
سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بعد أن قرصنتها قوارب الحوثيين بالبحر الأحمر في 20 نوفمبر الماضي (رويترز)

في الوقت الذي أعلنت الولايات المتحدة إطلاق تحالفاً جديداً لتأمين الملاحة في البحر الأحمر لمواجهة الهجمات التي تنفّذها ميليشيات «الحوثي» في منطقة مضيق باب المندب، تتصاعد حدة المخاوف من «التحالفات العسكرية» في البحر الأحمر الذي يعد شرياناً حيوياً لحركة التجارة العالمية، وممراً استراتيجياً «يستقطب اهتماماً وتنافساً دولياً متصاعداً»، في ظل وجود الكثير من القوى البحرية والقواعد العسكرية بمنطقة القرن الأفريقي.

وأعلن وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، مساء الاثنين، خلال زيارته البحرين تشكيل تحالف دولي يضم 10 دول للتصدي لهجمات الحوثيين المتكررة على سفن يعدونها «مرتبطة» بإسرائيل في البحر الأحمر. وقال أوستن في بيان إن التحالف الأمني سيعمل «بهدف ضمان حرية الملاحة لكل البلدان ولتعزيز الأمن والازدهار الإقليميين». ويضم التحالف الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والبحرين، وكندا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، وسيشل، وإسبانيا.

وازدادت في الأسابيع الأخيرة عمليات استهداف سفن تجارية بمدخل البحر الأحمر بصواريخ ومُسيّرات تطلقها ميليشيات الحوثي من السواحل اليمنية، وكان أحدثها ما أعلنه الحوثيون، الاثنين الماضي، في بيان، من استهداف لسفينتَي نفط وحاويات «لهما ارتباط بالكيان الصهيوني»، حسب البيان.

بموازاة ذلك تواصل شركات الشحن العالمية إعلانها تجنب المرور في البحر الأحمر، تحاشياً لتعرضها للخطر الذي يزيد قيمة التأمين في منطقة يمر بها نحو 40 في المائة من حركة التجارة العالمية، كما «مرت نحو 12 في المائة من إجمالي النفط المنقول بحراً في النصف الأول من 2023، وكذلك 8 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال من باب المندب وخط أنابيب سوميد وقناة السويس»، حسب إحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

قوات خفر السواحل اليمنية في محيط باب المندب (أ.ف.ب)

تنافس دولي

ويثير تسارع وتيرة «التحركات العسكرية» في البحر الأحمر مخاوف من توسع رقعة المواجهة في المنطقة التي يوجد بها الكثير من القوى البحرية الدولية، إضافةً إلى وجود 11 قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي القريبة من مدخل البحر الأحمر، لدول متنافسة إقليمياً ودولياً، من بينها «الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وتركيا»، كما تسعى روسيا للوجود في المنطقة «عبر التعاون مع إريتريا»، إذ سبق أن أُعلن خلال زيارة العام الماضي لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى أسمرة، اتفاق للاستفادة من الخدمات اللوجيستية لميناء «مصوع» الإريتري.

من جانبه، أشار الخبير في شؤون القرن الأفريقي المقيم بالولايات المتحدة، إبراهيم إدريس، إلى أن إعلان الولايات المتحدة تشكيل التحالف الجديد وتكوينه الراهن «يعكس رغبة أميركية في توفير غطاء دولي لعملياتها في هذه المنطقة الحيوية، وإعفاء دول المنطقة من القيام بأي مسؤوليات لتعضيد موقف السياسة الأميركية، خصوصاً ما يرتبط منها بحماية أمن إسرائيل».

وأوضح إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن ذلك التحالف سيفتح المجال أمام تحالفات أخرى في المقابل قد يكون منها «تحالفاً إيرانياً - يمنياً - تركياً»، وقد يستقطب كذلك دعماً صينياً - روسياً، مما يهدد بإعادة أجواء «الحرب الباردة» إلى المنطقة، وقد يؤدي إذا ما تفاقمت حدة المواجهات إلى «اندلاع حرب دولية، وفرض شروط جديدة على منطقة البحر الأحمر والملاحة الدولية في تلك المنطقة، التي تعدّها واشنطن ذات أولوية استراتيجية».

ناقلة نرويجية تعرضت لهجوم حوثيّ صاروخيّ جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

مخاوف التصعيد

وأثار تشكيل تحالف دولي جديد لحماية الملاحة في البحر الأحمر ردود فعل متباينة، إذ رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال استقباله وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، أخيراً، أن ما يجري في البحر الأحمر هو «تهديد للملاحة في العالم بأسره»، وتوجه إلى أوستن بالقول: «نحن نخوض حرباً حضارية ضد (الإرهاب الإيراني) الذي يهدد الآن بإغلاق الممر البحري»، وفق ما نقله موقع هيئة البث الإسرائيلية «مكان».

في المقابل، حذّرت إيران من التعاون مع الولايات المتحدة ضد جماعة الحوثي، ودافع مستشار المرشد الإيراني للشؤون السياسية علي شمخاني، الاثنين، عن هجمات الحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر، ووصفها بـ«الشجاعة»، مضيفاً أن «انضمام أي بلد إلى الائتلاف الأميركي لمواجهة هذه الأعمال، مشاركة مباشرة في (جرائم إسرائيل)»، وفق ما أوردت وكالة «إيسنا» الحكومية.

ويعتقد الخبير الاستراتيجي المصري، سيد الجابري، أن الهدف المعلن لتكوين التحالف الأميركي هو مواجهة العمليات التي تنفذها جماعة الحوثي «لا يمثل الهدف الحقيقي لتلك التحركات المكثفة للوجود في هذه المنطقة الحيوية»، مشيراً إلى أن هناك إدراكاً عالمياً لأن الحروب القادمة في العالم هي حروب بحرية، وبالتالي الوجود في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب ذات الأهمية الاستراتيجية يعد «أولوية قصوى» لمعظم القوى الكبرى في العالم.

وأوضح الجابري لـ«الشرق الأوسط» أن المنطقة توجد بها قدرات بحرية كبيرة وأطر للتعاون تشارك فيها دول رئيسية بالمنطقة مثل مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات، وغيرها من الدول ذات المصلحة في تأمين حركة الملاحة بها، سواء لتأمين صادرات النفط أو بصفتها المدخل الجنوبي لقناة السويس، معرباً عن اعتقاده أن إطلاق المجال لتعدد التحالفات في المنطقة «يحمل هدفاً أكبر» من مجرد التصدي لعمليات تستهدف سفناً تجارية متجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، منوهاً إلى أن تعرض المنطقة في سنوات سابقة لخطر القرصنة، لم يستدعِ هذا التحرك العاجل والمكثف من جانب واشنطن.

شركات نقل عملاقة أعلنت تجنب الملاحة في البحر الأحمر عقب هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

تحالفات بحرية عدة

وهذه ليست المرة الأولى التي تُقْدم الولايات المتحدة فيها على تشكيل تحالف بحري لتأمين الملاحة البحرية، ففي نوفمبر (تشرين ثاني) 2019 بدأ تحالف بحري باسم «سانتينال» بهدف تأمين المياه الإقليمية، بعد سلسلة هجمات إيرانية استهدفت ناقلات نفط وسفناً تجارية، في الخليج العربي، وخليج عمان. كما اجتمعت دول أوروبية بقيادة فرنسية في مهمة «المبادرة الأوروبية للرقابة البحرية في مضيق هرمز» بالتنسيق مع القوات الأميركية بهدف تأمين أمن الملاحة وردع التهديدات الإيرانية.

كما تعمل في المنطقة فرقة العمل المشتركة «153»، التي تأسست في أبريل (نيسان) 2022، وتختص بالأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، وتضم 39 دولة عضواً، ويقع مقرها الرئيسي في البحرين. ومنتصف ديسمبر (كانون الأول) 2022 أعلنت مصر تولي القوات البحرية المصرية قيادة قوة المهام المشتركة، إذ حددت حينها الهدف في «تحسين البيئة الأمنية بجميع المناطق والممرات البحرية وتوفير العبور الآمن لحركة تدفق السفن عبر الممرات الدولية البحرية والتصدي لكل أشكال وصور الجريمة المنظمة التي تؤثر بالسلب على حركة التجارة العالمية ومصالح الدول الشريكة»، وتتولى الولايات المتحدة قيادة تلك القوة اعتباراً من 12 يونيو (حزيران) 2023.

ويرى الخبير الاستراتيجي الأردني، محسن الشوبكي، أن تشكيل تحالف جديد بدعوى تأمين الملاحة في البحر الأحمر، رغم وجود الكثير من التشكيلات العاملة في المنطقة «يثير الكثير من الإشكاليات»، لافتاً إلى أن التحالف الجديد «سيكون عنوانه حماية أمن إسرائيل»، وهو ما سيضع أي دول عربية تشارك فيه تحت ضغط الرأي العام، خصوصاً في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة. وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط» أن التحالف الجديد قد يدخل في مواجهة مع إيران وأذرعها في المنطقة، وهو ما يثير مخاوف التحول إلى مواجهة إقليمية، الأمر الذي لا يتوافق ومصالح دول المنطقة التي لا تريد اتساعاً لرقعة التوتر الإقليمي.

وكان موقع «سيمافور» الأميركي قد أفاد، الجمعة، بأن «البنتاغون» يدرس توجيه ضربة مباشرة إلى الحوثيين في اليمن، رداً على الهجمات المتصاعدة على السفن في البحر الأحمر. ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين قولهم إنهم يشعرون بقلق متنامٍ من محاولات إيران وجماعة الحوثي لتقويض التجارة مع إسرائيل ورفع التكاليف على الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز (رويترز)

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس دونالد ترمب على هامش الاجتماعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
شؤون إقليمية القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

تباطؤ الملاحة في هرمز مع استمرار التهديدات بالتصعيد العسكري

تشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم تباطؤاً ملحوظاً مع استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط والجمود بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول.

الشيخ محمد (نواكشوط: الشيخ محمد)
الولايات المتحدة​ جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

قرّرت 4 شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب: بعض الإعلام الأميركي يشكل «تهديداً للأمن القومي»

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الاثنين، جزءاً من وسائل الإعلام الأميركية بأنها تشكل «تهديداً للأمن القومي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
TT

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)
الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة بسبب اعتراف مدريد عام 2022 بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

ويُعد رجل الأعمال والمعارض الجزائري واحداً من أكثر الشخصيات ملاحقة من طرف الجزائر، لارتباطه بوجهاء النظام المتهمين بالفساد خلال فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).

أما عيسيو فقال، في تصريحات حديثة نقلتها صحيفة «ذي أوبجكتيف» الإخبارية الإسبانية، إنه يخشى أن يؤدي الإفراج عنه في إسبانيا إلى اندلاع أزمة دبلوماسية جديدة مع الجزائر. وكانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها للصحافة منذ استعاد حريته، بعد أن ظل رهن الحبس الاحتياطي في إسبانيا.

رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو (ناشطون في مجال محاربة الفساد)

وتنظر المحكمة الوطنية الإسبانية، حالياً، في طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر.

وكانت محاكم جزائرية قد أصدرت بحقه عدة أحكام بالسجن في عدة قضايا، أحدثها عام 2025، بتهم تتعلق بالفساد والتزوير وتبييض الأموال، غير أن عيسيو يؤكد أن الأمر برمته «ذو خلفية سياسية» مرتبطة بنشاطه الإعلامي ومواقفه المعارضة.

الملاحقة القضائية

كان قد تم توقيف رجل الأعمال الأربعيني يوم 25 يوليو (تموز) الماضي في مطار برشلونة عندما كان عائداً من المغرب. وفي 4 سبتمبر (أيلول) الحالي غادر السجن، بعد أن طلبت النيابة الإفراج عنه، وقررت استبدال عدة تدابير احترازية بالحبس الاحتياطي، من بينها سحب جواز السفر، ومنعه من مغادرة إسبانيا، وإلزامه بإبلاغ المحكمة بأي تغيير في محل إقامته، والمثول أمامها كل أسبوعين.

ومنذ أن استعاد حريته، طُرح هذا السؤال في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية: ماذا سيحدث بين إسبانيا والجزائر لو ثبّتت المحكمة قرار رفض تسليمه؟

ولا يزال يتعيّن على المحكمة الوطنية الإسبانية أن تبت في الطلب الذي قدمته الجزائر. وسيواجه عيسيو هذه المرحلة وهو طليق.

وبعد سنوات من المواجهة مع الحكومة الجزائرية، ومن تهديدات يقول إنه تعرض لها في فرنسا، ومن سجنه في إسبانيا، يرى عيسيو أن الإفراج عنه قد زاد الصراع حدة، ويؤكد أن قضيته تحولت إلى «مسألة سياسية من الدرجة الأولى» في الجزائر.

ويدفع عيسيو عن نفسه صفة «الهارب» التي تنسبها إليه الجزائر، ويقول إنه خلال السنوات الأخيرة سافر عبر بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، من دون اختباء أو خوف من توقيفه.

كواليس إمبراطوريته

تعود مشكلات عيسيو مع القضاء الإسباني إلى متابعات في الجزائر تتعلق بـ«التزوير وغسل الأموال»، حيث سارعت النيابة العامة الجزائرية فور توقيفه إلى إرسال ملف تسليم متكامل إلى السلطات الإسبانية المختصة.

وكان عيسيو يتنقل بحرية بين عواصم أوروبية وعربية مستعيناً بجواز سفر ووثائق ثبوتية تعود إلى جمهورية أنتيغوا وبربودا في الكاريبي، اشتراها بمبلغ 150 ألف دولار، «معتقداً أنه بمنأى عن الملاحقة القضائية»، وفقاً لما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية بعد توقيفه.

وعيسيو هو صهر رجل الأعمال، عضو حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، بشير ولد زميرلي، المسجون في الجزائر بتهم «الفساد المالي»، وهو أيضاً محسوب على فريق الحكم السابق.

سقوط الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجّلت بمحاكمة رجال في دائرته بتهم فساد (الشرق الأوسط)

وشقّ عيسيو، الذي انطلق أواخر التسعينات وبداية الألفينات بائعاً للمأكولات السريعة بالعاصمة، طريق صعود لافت توَّجه بتأسيس إمبراطورية مالية وتجارية شملت الاستيراد، والزراعة، والمنتجات الغذائية، ومواد البناء، والمقاولات العقارية، بالإضافة إلى إطلاق قناة «الجزائرية وان» عام 2012، التي أُغلقت، وهي حالياً منصة رقمية يديرها عيسيو بنفسه، تنشر مقالات شديدة اللهجة ضد السلطة في الجزائر.

ومع اندلاع الحراك الشعبي سنة 2019، سارع لتهريب أمواله إلى الخارج، وتحويل أصوله نحو فرنسا وسويسرا وكندا وإسبانيا، تاركاً أشقاءه الخمسة وصهره في الواجهة لإدارة أعماله ومشروعات العقار غير المكتملة.

وأفضت التحقيقات القضائية التي أُعيد فتحها بدءاً من عام 2024 إلى كشف ثروات هائلة تعود إليه وإلى أقاربه تُقدّر بنحو 30 مليار دينار (نحو 225 مليون دولار)، شملت 17 شركة وعشرات العقارات الصناعية والزراعية والمركبات السكنية الفاخرة بالعاصمة وفي وهران.

وشكّل «ملف استعادة الأصول والممتلكات المُهربة إلى إسبانيا» محور مباحثات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مع المسؤولين الجزائريين خلال زيارته للجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي، متزامناً مع تعهدات بمضاعفة التعاون، استناداً إلى سابقة استعادة الجزائر فندقاً فاخراً ببرشلونة يعود إلى رجل الأعمال المدان بالفساد علي حداد.

ومنذ عام 2019، سلمت مدريد الجزائر عدداً من الرعايا المطلوبين قضائياً في قضايا فساد واختلاس، طالت على وجه الخصوص مسؤولين في شركات عمومية ومتعاملين اقتصاديين متورطين في تهريب أموال وتحويلات غير مشروعة، إلى جانب ناشطين محسوبين على معارضة الحكومة الجزائرية. كما سُلّم عسكريون معارضون، أشهرهم محمد بن حليمة ومحمد عبد الله.


الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: عودة أكثر من 5 ملايين نازح سوداني إلى ديارهم

أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)
أطفال في حديقة بالعاصمة السودانية الخرطوم (أ.ب)

اختار أكثر من خمسة ملايين نازح العودة إلى ديارهم في السودان، رغم الحرب الأهلية المستمرة والصعوبات القصوى، وفق ما كشفت الأمم المتحدة، الاثنين.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يعود كثر إلى بلدٍ ما زال يرزح تحت وطأة النزاع، حيث المنازل والمدارس والعيادات المتضرّرة غير قادرة على تلبية الاحتياجات». وأضافت: «من دون دعم عاجل، تواجه الأسر خطر النزوح مجدداً».

وتستمر الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص بحسب تقديرات عاملين في مجال الإغاثة، وتشريد أكثر من 12 مليون سوداني، في أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو خمسة ملايين فروا إلى دول الجوار. لكن بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في العام الماضي، بدأ كثر ممن نزحوا يعودون إلى العاصمة ومناطق أخرى يعتقدون أن الوضع الأمني فيها قد تحسّن.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن بيانات جديدة تشير إلى أن 5.15 مليون شخص عادوا إلى 76 محلّة في تسع ولايات سودانية، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالشهر الماضي.

وأشارت إلى أن 8.58 مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً، موضحة أن هذا الرقم أقل بنسبة 1 في المائة عن الشهر الماضي، وأدنى بنحو الربع مقارنة بذروة الأزمة. وعلى الرغم من هذا التراجع، لفتت الوكالة إلى أن أعداد النازحين في السودان تُعد من الأكبر في العالم.

واعتبرت أن انعدام الأمن المستمر ما زال يدفع مزيداً من الناس إلى ترك ديارهم في أنحاء من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

مع ذلك، رحّبت المنظمة الدولية للهجرة بتجاوز عتبة خمسة ملايين عائد، معتبرة ذلك «علامة نادرة على إحراز تقدّم في أزمة إنسانية طويلة الأمد».

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في بيان: «لكن الوصول إلى الديار هو مجرّد بداية». وأضافت: «إذا لم نساعدهم الآن، سيُجبر كثر على النزوح مجدداً. علينا أن نستثمر في هذه المجتمعات اليوم لكي يتمكن الناس من إعادة بناء حياتهم والبقاء».

وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا قد نزحوا داخلياً، في حين عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا. ولفتت إلى أن نصف العائدين هم دون الثامنة عشرة.


«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
TT

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)
محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم حدودها البحرية في شرق البحر المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011، ما يؤجل حسم الاتفاقات البحرية ويجعلها رهناً بتوافقات داخلية وحسابات إقليمية تتجاوز الجوانب القانونية والفنية للملف.

وعادت قضية ترسيم الحدود البحرية إلى الواجهة خلال مباحثات لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي مع أعضاء في البرلمان اليوناني نهاية الأسبوع الماضي في أثينا، وسط تأكيد ليبي أن اتفاقات ترسيم الحدود البحرية لا تزال قيد الدراسة داخل البرلمان في بنغازي، مع مراعاة مصالح جميع الدول المعنية بالحدود وفق الأطر القانونية ذات الصلة.

ويعكس هذا الموقف حرصاً برلمانياً على إبقاء ملف الحدود البحرية ضمن مسار مؤسسي، في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا، وتعقيدات القضايا المرتبطة بترسيم الحدود مع دول الجوار والمتوسط.

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وعبّر نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية، حسن البرغوثي، عن هذا التوجه في بيان أصدره المجلس، قائلاً: «إن التعامل مع هذه الملفات يتطلب الحوار والهدوء، إلى حين بلوغ البلاد مرحلة أكثر استقراراً تسمح بحسمها».

«تشابك المصالح»

تكتسب المسألة حساسية خاصة بسبب تشابك المصالح الليبية مع تركيا واليونان ومصر، فضلاً عن ارتباطها باحتياطات النفط والغاز ومسارات الاستثمار في شرق المتوسط.

ويزيد الانقسام الداخلي من صعوبة بلورة موقف ليبي موحد، في وقت تتوزع فيه السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق.

وفي هذا السياق، يتبنى عضو مجلس النواب، عبد السلام نصية، وجهة النظر القائلة بأن حسم ملف الحدود البحرية وحماية الموارد الليبية «يبدأ من معالجة الانقسام الداخلي، وتوحيد مؤسسات الدولة والقرار السيادي».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية الطويلة جعلت ليبيا ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية».

وذهب نصية إلى التأكيد على أن الموقف الليبي من شرق المتوسط ينبغي أن ينطلق من «المصلحة الوطنية العليا لليبيا»، وليس من الاصطفاف مع تركيا أو اليونان.

وفسّر موقفه بأن «توحيد مؤسسات الدولة وبناء قدرة وطنية على حماية الحدود وإدارة الموارد يتيحان لليبيا الدفاع عن مصالحها البحرية وفق القانون الدولي، والتعامل مع التفاعلات الإقليمية بوصفها دولة صاحبة قرار».

تعقيدات قانونية وسياسية

يعود أصل الخلاف إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين حكومة «الوفاق» السابقة في غرب ليبيا وتركيا عام 2019 إبان حرب العاصمة طرابلس، والتي اعترضت عليها سلطات شرق ليبيا حينذاك، وجوبهت برفض اليونان لما تقول إنه تأثير على حقوق الجزر اليونانية، خصوصاً كريت، بينما تتمسك أنقرة بمفاعيلها القانونية.

وخلال العامين الأخيرين، وتوازياً مع تحسن العلاقات بين شرق ليبيا وتركيا، اتخذت الخلافات مساراً أكثر تعقيداً حول طريقة احتساب الحدود البحرية، خصوصاً في خليج سرت، والأثر القانوني للجزر. وبدا ذلك جلياً مع تصاعد التوتر في يونيو (حزيران) 2025 بعد طرح اليونان مناطق للاستكشاف جنوب كريت؛ مما دفع حكومة حماد للاعتراض والمطالبة بالحوار ومراجعة الاتفاقات.

أما حكومة الدبيبة، فقد سبق وانخرطت في جولات حوار مع الجانب اليوناني بهدف حلحلة النقاط العالقة في ملف الحدود البحرية، وهي الجولات التي واكبتها تقارير إعلامية ليبية ويونانية تشير إلى وجود تعقيدات قانونية وسياسية تعرقل التقدم السريع في المفاوضات.

فقانونياً، يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية من القضايا الشائكة التي تتطلب دراسة قانونية وفنية وسياسية متأنية قبل أن يتخذ مجلس النواب موقفاً نهائياً من الاتفاقية الموقعة مع تركيا، وهي الرؤية التي يؤيدها الدبلوماسي وأستاذ القانون الدولي الدكتور محمد الزبيدي.

ويضيف الزبيدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المدخل الأساسي لحل هذه التعقيدات يتمثل في فحص مدى اتساق ترتيبات ترسيم المناطق البحرية مع قواعد القانون الدولي للبحار، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب مراجعة الإحداثيات وخطوط الترسيم الواردة في الاتفاق، والاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدولي وقانون البحار.

ويحذر الزبيدي من أن سيناريو تمرير الاتفاقيات البحرية برلمانياً «قد يُدخل البلاد في نزاعات بحرية يمكن أن تصل إلى القضاء أو التحكيم الدولي، وتحديداً محكمة العدل الدولية، في حال تضرر إحدى الدول».

أبعاد جيوسياسية

ولا تبدو الإشكالية قانونية فحسب؛ إذ ترتبط -وفق رأي الزبيدي- بأبعاد سياسية وجيوسياسية بالنظر إلى موقع ليبيا في وسط البحر المتوسط وتشابك مصالحها البحرية مع دول المنطقة، خصوصاً مصر واليونان ومالطا وتركيا، ويقول: «أي ترتيب بحري بين ليبيا وتركيا يمكن أن تكون له انعكاسات على مصالح دول أخرى».

وتطرق الزبيدي إلى وجود ضغوط تركية مستمرة لتمرير المذكرة البحرية بالنظر إلى نفوذها العسكري في غرب ليبيا، لكنه أشار إلى أن تأجيل الحسم لا يعني بالضرورة إغلاق الملف، وإنما إبقاءه في مرحلة الدراسة والمراجعة إلى حين توافر ظروف سياسية أكثر استقراراً تسمح ببلورة موقف ليبي موحد.

ويبدو أن المصلحة الليبية، من منظور الزبيدي ودبلوماسيين ليبيين، «تقتضي عدم اختزال القضية في حسابات سياسية آنية»، بل موازنة الاعتبارات القانونية والفنية مع علاقات ليبيا بدول الجوار والمتوسط.

Your Premium trial has ended