ما دلالات حديث الرئيس المصري عن إقامة «دولة فلسطينية» منزوعة السلاح؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

ما دلالات حديث الرئيس المصري عن إقامة «دولة فلسطينية» منزوعة السلاح؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الجمعة، إن هناك استعداداً لإقامة دولة فلسطينية «حتى لو كانت منزوعة السلاح». وأشار إلى أن «مسار حل الدولتين فكرة استنفدت على مدار 30 سنة ولم تحقق الكثير»، داعياً إلى «الاعتراف بالدولة الفلسطينية». كلام الرئيس المصري أثار الحديث عن دلالات إقامة «دولة فلسطينية» منزوعة السلاح.

كان السيسي قد أكد خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسي وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، وبلجيكا ألكسندر دي كرو، في القاهرة، الجمعة، «مستعدون لتكون (الدولة الفلسطينية) منزوعة السلاح، مع وجود قوات من (الناتو) أو الأمم المتحدة أو قوات عربية أو أميركية لتحقيق الأمن لكلا الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية».

تصريحات الرئيس المصري ربما تكون الأكثر تفصيلاً بشأن ملامح «الدولة الفلسطينية المأمولة»، التي تتجاوز التعبيرات المعتادة في الخطاب الرسمي المصري، الذي غالباً ما يركز على أن تكون تلك الدولة على حدود «الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية»، لكنها ربما تكون المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيس المصري عن تفصيلات بشأن ملامح مقترحة لتلك الدولة الفلسطينية.

مباحثات مصرية - إسبانية - بلجيكية في القاهرة بشأن غزة (الرئاسة المصرية)

معنى سياسي رمزي

وأشار رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، محمد عز العرب، إلى أن حديث الرئيس المصري «يحمل معنى سياسياً رمزياً»، لافتاً إلى أن أهمية هذا الطرح «تكمن في أنه يدفع باتجاه تجاوز الحروب المتكررة بين الجانبين، وينسجم مع مرتكزات الموقف المصري الداعي لإقامة الدولة الفلسطينية».

وأوضح عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن حديث السيسي يُمثل محاولة للبناء على ما تحقق بعد إقرار اتفاق الهدنة والتفكير في المرحلة التالية، بحيث «يمكن الانتقال من حالة الحرب إلى مرحلة التهدئة، ولا نقول السلام، لأن الأوضاع لا تزال محتقنة بشدة».

وحول طرح أن تكون الدولة الفلسطينية المأمولة «منزوعة السلاح»، أوضح عز العرب أن هذا الطرح «يحمل رسالة طمأنة لإسرائيل وداعميها، خصوصاً للولايات المتحدة، حتى لا يعرقلوا المقترح»، منوهاً بأن الهاجس الأمني لدى إسرائيل وداعميها كان «أحد أسباب عرقلة كل محاولات إقامة دولة فلسطينية على مدى عقود»، لافتاً إلى أن إقامة دولة فلسطينية «مكسب مهم وأداة فاعلة لكسر دائرة العنف، وتوفير أجواء من التهدئة المستدامة والاستقرار المنشود بالمنطقة»، مشيراً إلى أن إسرائيل تسعى من خلال الصراع الراهن إلى القضاء على كل قدرات الفصائل الفلسطينية المسلحة، ومن ثم فإن التأكيد على أهمية إقامة دولة فلسطينية حتى ولو كانت منزوعة السلاح، «يمثل وسيلة لدفع القوى الدولية للتفكير ليس فقط في احتواء العنف بشكل مؤقت، ولكن للتفكير في تهدئة مستدامة للصراع».

لم تكن الإشارة الأولى

الموقف المصري لم يكن هو الإشارة الأولى من نوعها في هذا الشأن، إذ تناقلت تقارير فلسطينية وإسرائيلية قبل 5 أعوام أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أبلغ أكاديميين إسرائيليين أنه «يوافق على دولة فلسطينية منزوعة السلاح».

وقال عباس لوفد أكاديمي زاره في مكتبه برام الله، في أغسطس (آب) من عام 2018، وترأسه عيلاي ألون، إنه «يدعم دولة في حدود 1967 من دون جيش، أريد قوات شرطة غير مسلحة، مع هراوات وليس مسدسات». وأضاف عباس، حسب تقارير صحافية لم تنفها السلطة الفلسطينية في حينه: «بدلاً من الطائرات الحربية والدبابات، أفضل بناء مدارس ومستشفيات، وتخصيص الأموال والموارد لمؤسسات اجتماعية بدلاً من الجيش».

ويبدو أن ذلك الموقف الفلسطيني لم يكن جديداً، إذ أكدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقاً، تسيبي ليفني، أن عباس دعم فكرة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في مفاوضات السلام التي عقدتها معه بين عام 2013 و2014، خلال حكومة نتنياهو الثالثة، قبل أن تنهار تلك المفاوضات، التي توسط فيها وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري.

وحسب ليفني، فقد وافق عباس آنذاك على وجود قوات دولية، قد تكون من حلف شمال الأطلسي، على حدود الدولة الفلسطينية، كما وافق على اقتراحات بوجود أجهزة إنذار في مناطق حساسة، لكن نتنياهو رفض ذلك، وتمسك نتنياهو بوجود قوات إسرائيلية في المناطق الحدودية، ما أفشل المفاوضات آنذاك.

قافلة آليات إسرائيلية على طريق صلاح الدين يوم الجمعة (أ.ف.ب)

دولة منزوعة السلاح

ولا تلقى فكرة دولة منزوعة السلاح قبولاً لدى العديد من الفصائل الفلسطينية. وقال الناطق الرسمي باسم حركة «حماس»، سامي أبو زهري، عقب انتشار التقارير بشأن حديث الرئيس الفلسطيني عام 2018، إن «تصريحات عباس حول رغبته إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح هي تصريحات شخصية لا تمثل شعبنا الفلسطيني».

إلا أن حركة «فتح» أصدرت بياناً توضيحياً بشأن تصريحات الرئيس الفلسطيني قالت فيه إن الهدف الحالي هو «إقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وليس الخوض في سباق تسلّح مع أحد».

طرح الدولة الفلسطينية «منزوعة السلاح» عاد للظهور مجدداً عام 2020 خطةً بديلةً لصفقة السلام الأميركية في الشرق الأوسط، أو ما شاع وصفها بـ«صفقة القرن» وتبناها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، إذ أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية عن تقديم «مقترح فلسطيني مكون من أربع صفحات ونصف الصفحة، ينص على قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة ومنزوعة السلاح» إلى الرباعية الدولية، التي تضم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة الأميركية». وعدَّ أشتية تلك الخطة «ضمن المساعي الفلسطينية لمواجهة خطة الضم الإسرائيلية».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».


انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
TT

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)
التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو (تموز) 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة؛ إذ عبّر حزبا «جبهة القوى الاشتراكية» و«جيل جديد» عن مخاوفهما بشأن نزاهة العملية الانتخابية، مستندَين إلى ما وصفاه بـ«اختلالات» شابت مرحلة جمع التوقيعات، وهو ما يضع مسار إصلاح النظام الانتخابي أمام اختبار فعلي لمدى مصداقيته، حسب مراقبين.

وضمن أنشطة ميدانية مكثفة للأحزاب التي أعلنت مشاركتها في الاستحقاق التشريعي، خلال اليومين الأخيرين، دعا يوسف أوشيش السكرتير الأول لـ«القوى الاشتراكية» خلال اجتماع لأطر الحزب بالعاصمة إلى «إحداث انفتاح سياسي وإعلامي حقيقي يواكب الانتخابات التشريعية»؛ وقال إن السياق الوطني الحالي «مطبوع بانغلاق سياسي يعقد مهام الفاعلين السياسيين».

وأضاف أن مشاركة حزبه تهدف إلى «إعادة الاعتبار للتمثيل الديمقراطي، وترسيخ ثقافة المسؤولية الجماعية، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة».

«لغم التوقيعات»

ويرى أقدم حزب في المعارضة أن الانخراط في مسار الانتخابات «هو جزء من مشروع أشمل لبناء توافق وطني حول عقد سياسي ومؤسساتي جديد، يضمن تحولاً ديمقراطياً فعلياً وسيادة وطنية مستدامة»، وفقاً لزعيمه أوشيش الذي شدد على أن استقرار الدولة «يمر حتماً عبر بناء مؤسسات قوية وذات شرعية حقيقية، وهو ما يتطلب تعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتجاوز الأساليب التي تزيد من هشاشة الجبهة الداخلية».

وطالب أوشيش السلطة بـ«إظهار إرادة صادقة في تكريس الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتنظيم، مع ضرورة القطع مع منطق التشكيك وشيطنة المعارضة الوطنية المسؤولة». وفي الوقت نفسه، دعا الطبقة السياسية إلى «الارتقاء بخطابها والابتعاد عن الصراعات الهامشية على المواقع»، محذراً من الانزلاق نحو «الشعبوية والتهريج» اللذين قال إنهما يقوضان الثقة في المؤسسات.

الأمين العام لجبهة التحرير الوطني (إعلام حزبي)

وشدّد أوشيش على أن «مسؤولية التغيير هي جهد جماعي يتطلب وعي المواطنين وانخراطهم»، محذراً في الوقت ذاته من «سياسة الكرسي الشاغر» أو الانسحاب، في إشارة ضمنية إلى قطاع من الأحزاب والفاعلين السياسيين يرى أن الانتخابات «محسومة» لصالح الأحزاب الموالية للسلطة، وفي مقدمتها «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، اللذين تصدرا نتائج آخر استحقاق نظم في 2021.

من جهته، استنكر حزب «جيل جديد» برئاسة الطبيب لخضر أمقران، ما وصفه بـ«الاختلالات الإدارية الممنهجة» التي تعتري عملية جمع التوقيعات للانتخابات، محذراً من «تحول مرحلة التصديق على التوقيعات إلى (عقبة بيروقراطية) تفوق في تعقيدها عملية التصويت نفسها».

قيادة حزب «جيل جديد» (إعلام حزبي)

وأوضح الحزب أن تقارير ممثليه عبر الولايات ومن الخارج كشفت عن «شلل إداري» وغيابٍ لمنسقي سلطة تنظيم الانتخابات، مشيراً إلى حالات محددة مثل منع التصديق في سطيف بشرق العاصمة، وتعطيله في بلدية مفتاح في وسطها، بحجة غياب «التعليمات». وعدَّ الحزب أن «هذه الممارسات تغذي المخاوف من عودة أساليب الماضي، وتعمّق عزوف المواطنين عن الشأن العام».

ورغم انتقاده لـ«عدم ملاءمة الظروف السياسية والقانونية لتنظيم انتخابات»، أكد «جيل جديد» قراره خوض الاستحقاق الانتخابي، داعياً السلطات العليا و«السلطة المستقلة للانتخابات» إلى «تدخل عاجل لرفع العراقيل وضمان تكافؤ الفرص»، معلناً أنه لن «يسكت حيال أي تجاوزات تمس جوهر المسار الديمقراطي».

شروط الترشح

يُعفى الحزب السياسي من جمع توقيعات الناخبين إذا أحرز في الانتخابات التشريعية السابقة نسبة تتجاوز 4 في المائة من الأصوات المُعبَّر عنها في الدائرة الانتخابية التي يترشح فيها، أو في حال حيازته 10 مقاعد على الأقل في المجلس الشعبي الوطني.

وفي حال عدم استيفاء هذين الشرطين، يلتزم الحزب بجمع نصاب لا يقل عن 25 ألف توقيع فردي لناخبين مسجلين، موزعة عبر 23 ولاية على الأقل من أصل 69 ولاية، بشرط ألا يقل عدد التوقيعات في كل ولاية عن 300 توقيع.

أما بالنسبة للمترشح المستقل، فيتعين عليه جمع التوقيعات في كل دائرة انتخابية تترشح فيها على أساس 100 توقيع عن كل مقعد مطلوب شغله؛ فإذا كان لولاية ما خمسة مقاعد في البرلمان مثلاً، فيتَوجَّب على القائمة المستقلة جمع 500 توقيع من ناخبي تلك الولاية.

قيادة «حركة مجتمع السلم» الإسلامية تضبط التحضيرات للانتخابات (إعلام حزبي)

وفيما يخص قوائم المترشحين لتمثيل الجالية الوطنية بالخارج، فقد حدد القانون نصاباً لا يقل عن 200 توقيع عن كل مقعد مخصص للدائرة الانتخابية المعنية في الخارج، مع ضرورة خضوع هذه التوقيعات كافة لعملية التصديق القانوني لضمان صحتها قبل إيداع الملفات.

نهاية «الترحال السياسي»

إلى ذلك دخلت الساحة السياسية الجزائرية عهداً جديداً من الضبط القانوني مع تفعيل قانون الأحزاب الجديد الذي نُشر مؤخراً في الجريدة الرسمية. ومن أبرز ما حمله هذا التشريع «تعريب» النشاط الحزبي بالكامل بموجب المادة 8 التي تمنع استعمال أي لغة أجنبية في الفعاليات الحزبية.

كما عزّز المشرّع إجراءات حماية الوظيفة العمومية والمؤسسات السيادية من الاستقطاب الحزبي؛ إذ حصرت المادة 10 فئات يُمنع عليها الانخراط الحزبي، شملت القضاة والعسكريين وأعضاء «المحكمة الدستورية» ورجال الأمن. وامتدت هذه القيود لتشمل أعوان الدولة ذوي المسؤوليات، حيث بات لزاماً عليهم توقيع «تعهد كتابي» بالامتناع عن أي تواصل أو نشاط حزبي، ضماناً لحياد الإدارة العمومية طوال فترة عهدتهم الوظيفية.

قيادة «جبهة القوى الاشتراكية» بمقر الحزب المركزي (إعلام حزبي)

ومن بين المحظورات الأخرى، منع «الترحال السياسي» لأعضاء غرفتي البرلمان، حيث تنص المادة 24 على أنه «بمجرد انتخابه في المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة، فإن البرلماني الذي يغير طوعاً الانتماء الحزبي الذي انتُخب تحت لوائه، يُجرد بقوة القانون من عهدته الانتخابية ويُفصل نهائياً من الحزب السياسي».

وفيما يخص الأنشطة المحظورة دائماً، تمنع المادة (49) من هذا القانون الحزب السياسي من «استعمال مقره لأغراض أخرى غير تلك التي صرح بها التي تأسس بناءً عليها». كما يُمنع الحزب من «إيواء منظمة محظورة أو أشخاص يشكلون تهديداً للنظام العام لتنظيم اجتماعات في مقره».